سورة الإنشقاق — الآية ١٠

قال مقاتل بن سليمان: ثم ينادي منادٍ بالأسود بن عبد الأسد؛ أخي عبد الله المؤمن، فيريد الشقي أن يدنوَ، فينتهرونه، ويشقّ صدره حتى يخرج قلبُه مِن وراء ظهره مِن بين كتفيه، ويُعطى كتابه، ويُجعل كلّ حسنة عملها في دهره في باطن صحيفته؛ لأنه لم يؤمن بالإيمان، وتُجعل سيئاته ظاهر صحيفته، ويُحجب عن الله عز وجل، فلا يراه، ولكن ينادي منادٍ من عند العرش يذكّره مساوئه، فكلما ذكر مساوئه قال: أنا أعرف هذا، لعنه الله. فتجيء اللعنة من عند الله عز وجل حتى تقع عليه، فيُلطّخ باللعنة، فيصير جسده مسيرة شهر في طول مسيرة ثلاثة أيام ولياليهن، ورأسه مثل الأقرع، وهو جبل عظيم بالشام وأنيابه مثل أُحُد، وحدقتاه مثل جبل حِراء الذي بمكة، ومنخره مثل الورقين، وهما جبلان، وشعره في الكثرة، مثل الأجمة، وفي الطول مثل القصب، وفي الغِلظ مثل الرماح، ويوضع على رأسه تاج مِن نار، ويُلبس جُبّة مِن نحاس ذائب، ويُقلّد حجرًا من كبريت، مثل الجبل تشتعل فيه النار، وتُغلّ يداه إلى عنقه، ويَسودّ وجهه، وهو أشد سوادًا من القبر في ليلة مظلمة، وتزرقّ عيناه، فيرجع إلى إخوانه، فأول ما يرونه يفزع منه الخلائق، حتى يُمسكوا على آنافهم مِن شدة نَتنه، فيقولون: لقد أهان اللهُ هذا العبد، لقد أخزى الله هذا العبد. فينظرون إلى كتابه، فإذا سيئاته ظاهرة، وليس له من الحسنات شيء، يقولون: أما كان لهذا العبد في الله عز وجل حاجة، ولا خافه يومًا قط، ولا ساعة، فحُقّ لهذا العبد إذ أخزاه الله وعذّبه. فتلعنه الملائكة أجمعون، فإذا رجع إلى الموقف لم يعرفه أصحابه، فيقول: أما تعرفوني؟ قالوا: لا، واللهِ. فيقول: أنا الأسود بن عبد الأسد، فينادي بأعلى صوته، فيقول: ﴿يا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتابِيَهْ ولَمْ أدْرِ ما حِسابِيَهْ يا لَيْتَها كانَتِ القاضِيَةَ ما أغْنى عَنِّي مالِيَهْ﴾ [الحاقة:٢٥-٢٨]. يقول: يا ليت كان الموت أنْ أموت فأستريح من هذا البلاء، هلك عنى حُجّتي اليوم. ثم يقول: الويل. فيُبشّر أخوه المؤمنين، ويُبشّر هذا الكفار، فذلك قوله تعالى: ﴿وأَمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ وراءَ ظَهْرِهِ﴾

أفادت الآثارُ اختلافَ المفسرين في معنى قوله تعالى: ﴿فَلا تُعْجِبْكَ أمْوالُهُمْ ولا أوْلادُهُمْ﴾ الآية على أقوال: الأول: فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم في الحياة الدنيا، إنما يريد الله ليعذبهم بها في الآخرة. ففي الآية تقديم وتأخير. وهو قول قتادة، وابن عباس، ومجاهد. الثاني: أنها على نظمها، والمعنى: ليعذبهم بها في الدنيا بالمصائب في الأموال والأولاد. وهو قول ابن زيد. الثالث: أن المعنى: ليعذبهم بأخذ الزكاة من أموالهم والنفقة في سبيل الله. وهو قول الحسن من طريق سليمان البصري. ورجَّح ابنُ جرير (١١‏/‏٥٠١) مستندًا إلى دلالة ظاهر الآية القولَ الثالثَ، وعلَّل ذلك قائلًا: «لأنّ ذلك هو الظاهر من التنزيل، فَصَرْفُ تأويله إلى ما دلَّ عليه ظاهرُه أوْلى من صَرْفِه إلى باطنٍ لا دلالة على صحته». ووافقه ابنُ كثير (٧‏/‏٢١٦) بقوله: «واختار ابنُ جرير قول الحسن، وهو القول القويُّ الحسن». وانتقد ابنُ القيم (٢‏/‏١٥) القول الثالث لدلالة العقل بقوله: «وهذا أيضًا عدول عن المراد بتعذيبهم في الدنيا بها، وذهاب عن مقصود الآية». وانتقد ابنُ جرير القول الأول لدلالة العقل بقوله: «وإنما وجَّه مَن وجَّهَ ذلك إلى التقديم وهو مؤخَّر؛ لأنّه لم يَعْرِف لتعذيب الله المنافقين بأموالهم وأولادهم في الحياة الدنيا وجْهًا يوجِّهُهُ إليه، وقال: كيف يعذبهم بذلك في الدنيا، وهي لهم فيها سرور؟ وذهب عنه توجيهه إلى أنّه من عظيم العذاب عليه إلزامُه ما أوجب الله عليه فيها من حقوقه وفرائضه؛ إذ كان يُلْزمه ويُؤخَذ منه، وهو به غير طَيِّب النَّفْس، ولا راجٍ به من الله جزاء، ولا مِن الأخْذِ منه حمدًا ولا شُكْرًا على ضجرٍ منه وكُرْه». وعلَّق ابنُ القيم (٢‏/‏١٥) على القول الأول بقوله: «وكأنّهم لما أشكل عليهم وجْه تعذيبهم بالأموال والأولاد في الدنيا، وأنّ سرورهم ولذتهم ونعيمهم بذلك؛ فرُّوا إلى التقديم والتأخير». ورجَّح بأنّ «الصواب -والله أعلم- أن يُقال: تعذيبهم بها هو الأمر المشاهد من تعذيب طلاب الدنيا ومحبيها ومؤثريها على الآخرة: بالحرص على تحصيلها، والتعب العظيم في جمعها، ومقاساة أنواع المشاق في ذلك، فلا تجد أتعب ممن الدنيا أكبر همِّه، وهو حريص بجهده على تحصيلها. والعذاب هنا هو الألم والمشقة والنصب، كقوله ﷺ: «السفر قطعة من العذاب». وقوله: «إنّ الميت لَيُعَذَّب ببكاء أهله عليه». أي: يتألم ويتوجع، لا أنه يعاقَب بأعمالهم، وهكذا من الدنيا كل همِّه أو أكبر همِّه، كما قال ﷺ في الحديث الذي رواه الترمذي وغيره من حديث أنس رضي الله عنه: «مَن كانت الآخرةُ همَّه جعل الله غناه في قلبه، وجمع له شمله، وأتته الدنيا وهي راغمة. ومَن كانت الدنيا همَّه جعل الله فقره بين عينيه، وفرَّق عليه شمله، ولم يأته من الدنيا إلا ما قدر له»». وذَكَر ابنُ عطية (٤‏/‏٣٣٥) أنّ القول الثاني الذي قاله ابن زيد، وإن كان يستغرق القول الثالث الذي قاله الحسن، فإنّ قول الحسن يتقوّى تخصيصه بأنّ تعذيبهم بإلزام الشريعة أعظم من تعذيبهم بسائر الرزايا، وذلك لاقتران الذِّلَّة والغلبة بأوامر الشريعة لهم

سورة القصص — الآية ٨١

عن عبد الله بن الحارث بن نوفل الهاشمي -من طريق علي بن زيد بن جدعان- قال: بلغنا: أنّ قارون أُوتِي مِن الكنوز والمال حتى جعل باب داره مِن ذهب، وجعل داره كلها من صفائح الذهب، وكان الملأ مِن بني اسرائيل يغدون إليه ويروحون، يُطعمهم الطعام، ويتحدثون عنده، وكان مُؤذِيًا لموسى، فلم تَدَعُه القسوةُ والبلاء حتى أرسل إلى امرأة من بني إسرائيل مذكورة بالجمال كانت تُذكَر برِيبة، فقال لها: هل لك أن أُموِّلك، وأعطيك، وأخلطك بنسائي، على أن تأتيني والملأ مِن بني إسرائيل عندي فتقولين: يا قارون، ألا تنهى موسى عَنِّي؟ فقالت: بلى. فلمّا جاء أصحابه واجتمعوا عنده دعا بها، فقامت على رؤوسهم، فقلب الله قلبها، ورزقها التوبة، فقالت: ما أجد اليوم توبةً أفضل مِن أن أُكَذِّب عدوَّ الله، وأُبْرِئَ رسول الله. فقالت: إنّ قارون بعث إلَيَّ، فقال: هل لك أن أُموِّلك وأعطيك وأخلطك بنسائي، على أن تأتيني والملأ مِن بني إسرائيل عندي، وتقولين: يا قارون، ألا تنهى موسى عني. فإني لم أجد اليوم توبة أفضل مِن أن أُكَذِّب عدو الله، وأبرئ رسول الله. فنكس قارون رأسه، وعرف أنه قد هلك، وفشا الحديث في الناس حتى بلغ موسى عليه السلام، وكان موسى شديدَ الغضب، فلمّا بلغه توضأ، ثم صلى، وسجد، وبكى، وقال: يا ربِّ، عدوك قارون كان لي مُؤْذِيًا -فذكر أشياء-، ثُمَّ لَمْ يَتَناهَ حتى أراد فضيحتي، يا ربِّ، سلِّطني عليه. فأوحى الله إليه أن: مُرِ الأرضَ بما شئت تُطِعْكَ. فجاء موسى إلى قارون، فلمّا رآه قارون عرف الغضب في وجهه، فقال: يا موسى، ارحمني. فقال موسى: يا أرضُ، خذيهم. فاضطربت داره، وخُسِف به وبأصحابه حتى تَغَيَّبت أقدامُهم، وساخت دارهم على قدر ذلك، فقال قارون: يا موسى، ارحمني. فقال: يا أرض، خذيهم. فاضطربت داره، وخسف به وبأصحابه إلى سُرُرهم، وساخت داره على قدر ذلك، وجعل يقول: يا موسى، ارحمني. فقال موسى: يا أرض، خذيهم. فاضطربت داره، وخسف به وبأصحابه إلى حلوقهم، وساخت داره على قدر ذلك، وقال: يا موسى، ارحمني. فقال: يا أرض، خذيهم. فخسف به وبأصحابه وبداره، فلما خُسِف به قيل له: يا موسى، ما أفظَّك! أما -وعِزَّتِي- لو إيّاي دعا لرحمته. وقال أبو عمران الجوني: فقيل لموسى: لا أُعَبِّد الأرض بعدك أحدًا

اختُلِف في صفة الجهاد الذي أمَرَ اللهُ نبيَّه به في المنافقين على أقوال: الأول: جهادهم باليد واللسان، وبكل ما أطاق جهادهم به. والثاني: جهادهم باللسان. والثالث: إقامة الحدود عليهم. ورجَّح ابنُ جرير (١١‏/‏٥٦٨) مستندًا إلى واقع الحال في عهد رسول الله ﷺ القولَ الأول الذي قاله ابن مسعود، والحسن، فقال: «وأولى الأقوال في تأويل ذلك عندي بالصواب ما قال ابنُ مسعود مِن أنّ الله أمَرَ نبيَّه ﷺ من جهاد المنافقين بنحو الذي أمَرَه به مِن جهاد المشركين. فإن قال قائل: فكيف تركهم ﷺ مقيمين بين أظهر أصحابه مع علمه بهم؟ قيل: إنّ الله -تعالى ذِكْرُه- إنّما أمَرَ بقتال مَن أظهر منهم كلمة الكفر، ثم أقام على إظهاره ما أظهر من ذلك. وأمّا من إذا اطُّلِع عليه منهم أنّه تكلم بكلمة الكفر وأخذ بها أنكرها ورجع عنها، وقال: إنِّي مسلم، فإنّ حكم الله في كل من أظهر الإسلام بلسانه أن يحقن بذلك له دمه وماله وإن كان معتقدًا غير ذلك، وتَوَكَّل هو -جلَّ ثناؤه- بسرائرهم، ولم يجعل للخلق البحث عن السرائر، فلذلك كان النبي ﷺ مع علمه بهم وإطْلاع الله إيّاه على ضمائرهم واعتقاد صدورهم، كان يقرهم بين أظهر الصحابة، ولا يسلك بجهادهم مسلك جهاد من قد ناصبه الحرب على الشرك بالله؛ لأنّ أحدهم كان إذا اطُّلِع عليه أنّه قد قال قولًا كفر فيه بالله ثم أخذ به أنكره، وأظهر الإسلام بلسانه، فلم يكن ﷺ يأخذه إلا بما أظهر له من قوله عند حضوره إيّاه وعزمه على إمضاء الحكم فيه، دون ما سلف من قولٍ كان نطق به قبل ذلك، ودون اعتقاد ضميره الذي لم يبح الله لأحد الأخذ به في الحكم وتَوَلّى الأخذ به هو دون خلقه». وانتَقَدَ ابنُ عطية (٤‏/‏٣٦٤) هذا القول مستندًا إلى دلالة العقل، فقال: «والقتل لا يكون إلا مع التجليح [المكاشفة]، ومَن جلَّح خرج عن رتبة النفاق». وذكر (٤‏/‏٣٦٣-٣٦٤) أنّ قوله: ﴿جاهِدِ﴾ مأخوذ مِن بلوغ الجهد، وهي مقصود بها المكافحة والمخالفة، وأنها تتنوع بحسب المجاهد، فجهاد الكافر المعلن بالسيف، وجهاد المنافق المتستر باللسان والتعنيف والاكفهرار في وجهه، ونحو ذلك. ثم رجَّح ذلك مستندًا إلى النظائر، فقال: «ألا ترى أنّ مِن ألفاظ الشرع قوله ﷺ: «والمجاهد من جاهد نفسه في طاعة الله». فجهاد النفس إنّما هو مصابرتها باتِّباع الحق وترك الشهوات، فهذا الذي يليق بمعنى هذه الآية». ورأى ابنُ كثير (٧‏/‏٢٣٧) تقارب الأقوال مستندًا إلى واقع الحال، فقال: «لا منافاة بين هذه الأقوال؛ لأنّه تارة يؤاخذهم بهذا، وتارة بهذا، بحسب الأحوال»

اختُلِف في معنى قوله: ﴿إن ارتبتم﴾ على ثلاثة أقوال: الأول: أنّ معنى ذلك: إن ارتبتم بالدم الذي يظهر منها لِكِبَرِها، أمن الحيض هو، أم من الاستحاضة. وهذا قول مجاهد، والزُّهريّ، وابن زيد. والثاني: أنّ معنى ذلك: إن ارتبتم بحكمهنّ، فلم تدروا ما الحكم في عدتهنّ. وهذا قول أُبَيّ. والثالث: أنّ معنى ذلك: إن ارتبتم بالدم الذي يظهر منها، أمن الحيض هو، أم من الاستحاضة؟ من كِبَرٍ كان ذلك أم من علّة؟ وهذا قول عكرمة، وقتادة. ورجَّحَ ابنُ جرير (٢٣‏/‏٥٢-٥٣) القولَ الثانيَ استنادًا إلى ظاهر اللفظ، والدلالة العقلية، فقال: «أولى الأقوال في ذلك بالصحة قول مَن قال: عني بذلك: إن ارتبتم فلم تدروا ما الحكم فيهنَّ. وذلك أن معنى ذلك لو كان كما قاله مَن قال: إن ارتبتم بدمائهن فلم تدروا أدم حيض، أو استحاضة؟ لقيل: إن ارتبتن. لأنهن إذا أشكل الدم عليهنّ فهنّ المرتابات بدماء أنفسهنّ لا غيرهنّ، وفي قوله: ﴿إن ارتبتم﴾ وخطابه الرجال بذلك دون النساء الدليل الواضح على صحة ما قلنا من أنّ معناه: إن ارتبتم أيها الرجال بالحكم فيهنّ. وأخرى: وهو أنه -جلّ ثناؤه- قال: ﴿واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم﴾ واليائسة من المَحِيض هي التي لا ترجو مَحيضًا للكِبَر، ومحال أن يقال: ﴿واللائي يئسن﴾، ثم يقال: ارتبتم بيأسهن. لأن اليأس: هو انقطاع الرجاء، والمرتاب بيأسها مرجوّ لها، وغير جائز ارتفاع الرجاء ووجوده في وقت واحد، فإذا كان الصواب مِن القول في ذلك ما قلنا، فبيِّن أن تأويل الآية: ﴿واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم﴾ بالحكم فيهنّ، وفي عِددهن، فلم تدروا ما هو، فإنّ حكم عِددهنّ إذا طُلقن، وهنّ ممن دخل بهن أزواجهنّ فعِدّتهنّ ثلاثة أشهر». ومالَ إلى هذا القول ابنُ كثير (١٤‏/‏٣٥ بتصرف)، فقال: «هو اختيار ابن جرير، وهو أظهر في المعنى، واحتجّ عليه بما رواه عن... أبيّ بن كعب». وقال ابنُ عطية (٨‏/‏٣٣١-٣٣٢): «اليائسات من المحيض على مراتب: فيائسة هو أول يأسها، فهذه ترفع إلى السنة، ويبقيها الاحتياط على حكم مَن ليست بيائسة؛ لأنّا لا ندري لعلّ الدم يعود. ويائسة قد انقطع عنها الدم؛ لأنها طَعنت في السن، ثم طُلّقت، وقد مرّت عادتها بانقطاع الدم، إلا أنها مما يُخاف أن تَحمل نادرًا، فهذه التي في الآية على أحد التأويلين في قوله: ﴿إن ارتبتم﴾، وهو قول مَن يجعل الارتياب بأمر الحمل، وهو الأظهر. ويائسة قد هَرمتْ حتى تتيقن أنها لا تحمل، فهذه ليست في الآية؛ لأنها لا يُرتاب بحمْلها، لكنها في حكم الأشهر الثلاثة إجماعًا فيما علمتَ، وهي في الآية على تأويل مَن يرى قوله: ﴿إن ارتبتم﴾ معناه في حكم اليائسات»

سورة الكهف — الآية ٦٠

عن سعيد بن جبير، قال: جلستُ عند عبد الله بن عباس، وعنده نفرٌ مِن أهل الكتاب، فقال بعضهم: إنّ نوفًا يزعم عن كعب: أنّ موسى النبيَّ الذي طلب العلم إنما هو موسى بن ميشا. فقال ابن عباس: كذب نَوْفٌ، حدثني أبي بن كعب، عن رسول الله ﷺ: «أنّ موسى بني إسرائيل سأل ربَّه، فقال: أي رب، إن كان في عبادك أحدٌ هو أعلم مِنِّي فدُلَّني عليه. فقال له: نعم، في عبادي مَن هو أعلم منك. ثم نعت له مكانه، وأذِن له في لقيه، فخرج موسى ومعه فتاه، ومعه حوت مليح، قد قيل له: إذا حِيي هذا الحوتُ في مكان فصاحبك هنالك، وقد أدركت حاجتك. فخرج موسى ومعه فتاه، ومعه ذلك الحوت يحملانه، فسار حتى جهده السير، وانتهى إلى الصخرة، وأنّ ذلك الماء ماء الحياة، مَن شرب منه خلد، ولا يقاربه شيء ميت إلا حيي، فلما نزلا ومسَّ الحوتُ الماءَ حيي، ﴿فاتخذ سبيله في البحر سربا﴾، فانطلقا، فلما جاوزا قال موسى لفتاه: ﴿ءاتنا غداءنا لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا﴾. قال الفتى وذكر: ﴿أرءيت إذ أوينا إلى الصخرة فإني نسيت الحوت وما أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره واتخذ سبيله في البحر عجبا﴾. قال ابن عباس: فظهر موسى على الصخرة حتى انتهى إليها، فإذا رجل مُلْتَفٌّ في كِساء له، فسلم موسى عليه، فرد عليه، ثم قال له: ما جاء بك؟ إن كان لك في قومك لَشغل. قال له موسى: جئتك لتعلمني مما علمت رشدًا. قال: ﴿إنك لن تستطيع معي صبرا﴾. وكان رجلًا يعلم علم الغيب قد علم ذلك، فقال موسى: بلى. قال: ﴿وكيف تصبر على ما لم تحط به خبرا﴾. أي: أنما تعرف ظاهرًا ما ترى من العدل، ولم تحط من علم الغيب بما أعلم. قال: ستجدني إن شاء الله صابرًا، ولا أعصي لك أمرًا، وإن رأيتُ ما يخالفني. ﴿قال فإن اتبعتني فلا تسألني عن شيء حتى أحدث لك منه ذكرا فانطلقا﴾ يمشيان على ساحل البحر، يتعرَّضان الناس، يلتمسان من يحملهما، حتى مرت بهما سفينة جديدة وثيقة، لم يمرَّ بهما من السفن شيءٌ أحسن منها ولا أجمل ولا أوثق منها، فسألا أهلها أن يحملوهما، فحملوهما، فلمّا اطمأنا فيها، ولجَّجَتْ بهما مع أهلها؛ أخرج منقارًا له ومطرقة، ثم عمد إلى ناحية منها، فضرب فيها بالمنقار حتى خرقها، ثم أخذ لوحًا فطبقه عليها، ثم جلس عليها يرقعها. فقال له موسى -ورأى أمرًا فظِع به-: ﴿أخرقتها لتغرق أهلها لقد جئت شيئا إمرا﴾، حملونا وآوونا إلى سفينتهم، وليس في البحر سفينة مثلها، فلم خرقتها؟! ﴿لتغرق أهلها لقد جئت شيئا إمرا. قال ألم أقل إنك لن تستطيع معي صبرا. قال لا تؤاخذني بما نسيت﴾. أي: بما تركت مِن عهدك، ﴿ولا ترهقني من أمري عسرا﴾. ثم خرجا من السفينة، ﴿فانطلقا حتى﴾ أتيا قرية، فإذا غلمان يلعبون، فيهم غلام ليس في الغلمان غلام أظرف منه ولا أوضأ منه، فأخذ بيده، وأخذ حجرًا، فضرب به رأسه حتى دمغه فقتله، فرأى موسى أمرًا فظيعًا لا صبر عليه، صبي صغير قتله لا ذنب له، ﴿قال أقتلت نفسا زكية﴾ أي: صغيرة ﴿بغير نفس لقد جئت شيئا نكرا. قال: ألم أقل لك إنك لن تستطيع معي صبرا. قال: إن سألتك عن شيء بعدها فلا تصاحبني قد بلغت من لدني عذرا﴾ أي: قد عذرت في شأني، ﴿فانطلقا حتى إذا أتيا أهل قرية استطعما أهلها فأبوا أن يضيفوهما فوجدا فيها جدارا يريد أن ينقض﴾، فهدمه، ثم قعد يبنيه، فضجر موسى مما يراه يصنع من التكليف لما ليس عليه صبر، فقال: ﴿لو شئت لاتخذت عليه أجرا﴾. أي: قد استطعمناهم فلم يطعمونا، وضِفْناهم فلم يُضَيِّفُونا، ثم قعدت تعمل في غير صنيعة؟ ولو شئت لأعطيت عليه أجرًا في عملك! ﴿قال هذا فراق بيني وبينك سأنبئك بتأويل ما لم تستطع عليه صبرا أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر فأردت أن أعيبها وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة غصبا﴾». في قراءة أبي بن كعب: (كُلَّ سَفِينَةٍ صالِحَةٍ). «وإنما عِبْتُها لأرُدَّهُ عنها، فسلمت منه حين رأى العيب الذي صنعت بها، ﴿وأما الغلام فكان أبواه مؤمنين فخشينا أن يرهقهما طغيانا وكفرا فأردنا أن يبدلهما ربهما خيرا منه زكاة وأقرب رحما وأما الجدار فكان لغلامين يتيمين في المدينة وكان تحته كنز لهما وكان أبوهما صالحا فأراد ربك أن يبلغا أشدهما ويستخرجا كنزهما رحمة من ربك وما فعلته عن أمري﴾. أي: ما فعلته عن نفسي، ﴿ذلك تأويل ما لم تسطع عليه صبرا﴾». فكان ابن عباس يقول: ما كان الكنزُ إلا عِلمًا

سورة آل عمران — الآية ١٢١

عن محمد ابن شهاب الزهري، ومحمد بن يحيى بن حبان، وعاصم بن عمر بن قتادة، والحصين بن عبد الرحمن بن عمرو بن سعد بن معاذ، وغيرهم، كُلٌّ قد حَدَّث بعضَ الحديث عن يوم أحد، قالوا: لَمّا أُصِيبَتْ قريشٌ -أو مَن ناله منهم يومَ بدر مِن كفار قريش- ورجع فَلُّهُمْ إلى مكة، ورجع أبو سفيان بعِيرِه، مشى عبد اللهابن أبي ربيعة وعكرمة ابن أبي جهل وصفوان بن أمية في رجال من قريش مِمَّن أُصيب آباؤهم وأبناؤهم وإخوانهم ببدر، فكلَّموا أبا سفيان ابن حرب ومَن كانت له في تلك العِيرِ مِن قريش تجارة، فقالوا: يا معشر قريش، إنّ محمدًا قد وتَرَكُمْ، وقتل خياركم، فأعِينُوننا بهذا المال على حربه، لعلَّنا نُدرِك منه ثأرًا بمَن أصاب. ففعلوا، فاجتمعت قريش لحرب رسول الله - ﷺ -، وخرجت بحَدِّها وحديدها، وخرجوا معهم بالظُّعُنِ التماسَ الحَفِيظَةِ، ولِئَلّا يَفِرُّوا، وخرج أبو سفيان وهو قائد الناس، فأقبلوا حتى نزلوا بِعَيْنَيْنِ: جبل ببطن السَّبْخَةِ من قناةٍ على شفير الوادي مِمّا يلي المدينة. فلمّا سمع بهم رسولُ الله - ﷺ - والمسلمون -بالمشركين- قد نزلوا حيث نزلوا؛ قال رسول الله - ﷺ -: «إنِّي رأيتُ بقرًا تُنحَر، وأريت في ذُبابِ سيفي ثُلْمًا، ورأيت أنِّي أدْخَلْتُ يدي في دِرْعٍ حصينة، فأوَّلتُها المدينة، فإن رأيتُم أن تُقِيموا بالمدينةِ وتَدَعُوهم حيث نزلوا، فإن أقاموا أقاموا بشرِّ مقام، وإن هم دخلوا علينا قاتلناهم فيها». ونزلت قريش منزلها أحدًا يوم الأربعاء، فأقاموا ذلك اليوم ويوم الخميس ويوم الجمعة، وراح رسول الله - ﷺ - حين صلّى الجمعة، فأصبح بالشِّعْبِ مِن أُحُد، فالتَقَوْا يوم السبت للنصف من شوال سنة ثلاث، وكان رأيُ عبد الله بن أُبيٍّ مع رأي رسول الله - ﷺ - يرى رأيه في ذلك؛ أن لا يخرج إليهم، وكان رسول الله - ﷺ - يكره الخروج من المدينة، فقال رجال من المسلمين -مِمَّن أكرمَ اللهُ بالشهادة يوم أحد وغيرهم مِمَّن كان فاته يوم بدر وحضوره-: يا رسول الله، اخرج بنا إلى أعدائنا؛ لا يرون أنا جَبُنّا عنهم وضَعُفْنا. فقال عبد الله بن أُبَيٍّ: يا رسول الله، أقِم بالمدينة، فلا تخرج إليهم، فواللهِ، ما خرجنا منها إلى عدُوٍّ لنا قطُّ إلا أصاب مِنّا، ولا دخلها علينا إلا أصبنا منهم، فدعهم، يا رسول الله، فإن أقاموا أقاموا بِشَرٍّ، وإن دخلوا قاتلهم النساءُ والرجالُ والصبيانُ بالحجارة من فوقهم، وإن رجعوا رجعوا خائبين كما جاؤوا. فلم يَزَلِ الناسُ برسول الله - ﷺ - الذين كان مِن أمرهم حبُّ لقاء القوم؛ حتى دخل رسول الله - ﷺ - فلبس لَأْمَتَه، وذلك يوم الجمعة حين فرغ من الصلاة، ثم خرج عليهم وقد ندِم الناسُ، وقالوا: اسْتَكْرَهْنا رسولَ الله - ﷺ -، ولم يكن لنا ذلك، فإن شئت فاقعُدْ. فقال رسول الله - ﷺ -: «ما ينبغي لنبيٍّ إذا لبس لَأْمَتَهُأن يضعها حتى يُقاتِل». فخرج رسول الله - ﷺ - في ألف رجل مِن أصحابه، حتى إذا كانوا بالشَّوْط بين المدينة وأُحُدٍ تحوَّل عنه عبد الله بن أُبَيٍّ بثُلُثِ الناس، ومضى رسول الله - ﷺ - حتى سلك في حَرَّة بني حارثة، فذبَّ فرسٌ بذَنَبِه، فأصاب ذبابَ سيفٍ فاسْتَلَّه، فقال رسول الله - ﷺ - -وكان يُحِبُّ الفألَ ولا يعتافُ- لصاحب السيف: «شِمْ سيفَك؛ فإنِّي أرى السيوفَ سَتُسْتَلُّ اليومَ». ومضى رسول الله - ﷺ - حتى نزل بالشِّعْبِ مِن أُحُدٍ مِن عدْوَةِ الوادي إلى الجبل، فجعل ظهره وعسكره إلى أحد، وتَعَبَّأ رسولُ الله - ﷺ - للقتال، وهو في سبعمائة رجل، وأمَّر رسول الله - ﷺ - على الرُّماة عبد الله بن جُبَيْر، والرُّماةُ خمسون رجلًا، فقال: «انضَحْ عنّا الخيلَ بالنَّبْلِ، لا يأتونا مِن خلفنا، إن كان علينا أو لنا فأنت مكانَك، لا نُؤْتَيَنَّ مِن قِبَلِك». وظاهَرَ رسول الله - ﷺ - بين دِرْعَيْنِ

سورة يس — الآية ٧٩

عن علي بن أبي طالب، قال: بينما النبي ﷺ في مجلسه يُحَدِّث الناس بالثواب والعقاب، والجنة والنار، والبعث والنشور؛ إذ أقبل أعرابيٌّ مِن بني سُليم بيده اليمنى عظام نخرة، وفي يده اليسرى ضَبّ، فأقبل بالعظام يضعها بين يدي رسول الله ﷺ، ثم عركها برجله، ثم قال: يا محمد، ترى ربَّك يعيدها خلقًا جديدًا؟ فأراد النبيُّ ﷺ جوابه، ثم انتظر الإجابة من السماء، فنزل جبريل على النبي ﷺ: ﴿وضرب لنا مثلا ونسي خلقه قال من يحيى العظام وهي رميم * قل يحييها الذي أنشاها أول مرة وهو بكل خلق عليم﴾. فقرأها رسول الله ﷺ علي الأعرابي، فقال: واللات والعُزّى، ما اشتملت أرحامُ النساء وأصلابُ الرجال على ذي لهجة أكذبَ منك، ولا أبغضَ إلَيَّ منك، ولولا أن قومي يدعونني عجولًا لقتلتك، وأفسدت بقتلك الأسود والأبيض مِن بين هاشم. فهَمَّ به علي بن أبي طالب، فقال رسول الله ﷺ: «يا علي، أما علمت أنّ الحليم كاد أن يكون نبيًّا». فقال النبي ﷺ: «يا أعرابي، بئس ما جئتنا به، وسوء ما تستقبلني به، واللهِ، إني لَمحمود في الأرض، أمين في السماء عند الله». فقال الأعرابي -ورمى الضبَّ في حِجر رسول الله ﷺ-، وقال: واللهِ، لا أؤمن بك حتى يؤمن بك هذا الضب. فأخذ رسول الله ﷺ بذَنَبه، ثم قال: «يا ضب». قال: لبيك، يا زين مَن وافى يوم القيامة. قال: «من تعبد؟». قال: أعبد اللهَ الذي في السماء عرشه، وفي الأرض سلطانه، وفي البحر سبيله، وفي الجنة ثوابه، وفي النار عذابه. قال: «مَن أنا؟». قال: أنت محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب -حتى نسبه إلى إبراهيم الخليل عليه السلام، أنت رسول الله، لا يحرم مَن صدَّقك، وخاب مَن كذَّبك. فولى الأعرابيُّ وهو يضحك، فقال رسول الله ﷺ: «أبالله وآياته تستهزئ؟!». فرجع إليه، فقال: بأبي وأمي، ليس الخبر كالمعاينة، أنا أشهد بلحمي ودمي وعظامي أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله. فقال النبي ﷺ: «جئتَنا كافرًا، وترجع مؤمنًا، هل لك مِن مال؟». قال: والذي بعثك بالحق رسولًا، ما في بني سُليم أفقر مِنِّي، ولا أقلَّ شيئًا مني. فقام رسولُ الله ﷺ، فقال: «مَن عنده راحلة يحمل أخاه عليها؟». فقام عديُّ بن حاتم الطائي، فقال: يا رسول، الله عندي ناقة وبراء حمراء عشراء، إذا أقبلت دقَّت، وإذا أدبرت زفت، أهداها إلَيَّ أشعثُ بن وائل غداةَ قدمت معك مِن غزوة تبوك. فقال النبي ﷺ: «لك عندي ناقة مِن دُرَّة بيضاء»

سورة الإنسان — الآية ٢٠

قال مقاتل بن سليمان: ﴿رَأَيْتَ نَعِيمًا ومُلْكًا كَبِيرًا﴾ وذلك أنّ الرجل مِن أهل الجنة له قصر، في ذلك القصر سبعون قصرًا، في كلّ قصر سبعون بيتًا، كلّ بيت مِن لؤلؤة مُجوّفة طولها في السماء فرسخٌ، وعَرضها فرسخٌ، عليها أربعة ألف مِصراع من ذهب، في ذلك البيت سرير منسوج بقُضبان الدُّرّ والياقوت، عن يمين السرير وعن يساره أربعون ألف كرسي مِن ذهب، قوائمها ياقوت أحمر، على ذلك السرير سبعون فراشًا، كلّ فراش على لون، وهو جالس فوقها، وهو متكئ على يساره، عليه سبعون حُلّة من دِيباج، الذي يلي جسده حريرة بيضاء، وعلى جبهته إكليلٌ مُكلّل بالزَّبَرْجَد والياقوت وألوان الجواهر، كلّ جوهرة على لون، وعلى رأسه تاج من ذهب، فيه سبعون ذُؤابة، في كلّ ذُؤابة دُرّة تساوي مال المشرق والمغرب، وفي يديه ثلاث أسورة، سوار من ذهب، وسوار من فِضّة، وسوار من لؤلؤ، وفي أصابع يديه ورِجليه خواتيم مِن ذهب وفِضّة فيه ألوان الفصوص، وبين يديه عشرة آلاف غلام لا يَكبرون ولا يَشِيبون أبدًا، ويوضع بين يديه مائدة من ياقوتة حمراء، طولها ميل في ميل، ويوضع على المائدة سبعون ألف إناء من ذهب وفِضّة، في كلّ إناء سبعون لونًا من الطعام، يأخذ اللقمة بيديه، فما يَخطر على باله حتى تتحوّل اللقمة عن حالها إلى الحال التي يشتهيها، وبين يديه غلمان بأيديهم أكواب من ذهب، وإناء من فِضّة معهم الخمر والماء، فيأكل على قدر أربعين رجلًا من الألوان كلّها، كلّما شبع من لون من الطعام سَقوه شربة مما يشتهي من الأشربة فَيَتَجَشَّأُ، فيَفتح الله تعالى عليه ألف باب مِن الشهوة مِن الشراب، فيدخل عليه الطير من الأبواب كأمثال النَّجائب، فيَقومون بين يديه صفًّا، فيَنعتُ كلٌّ نفسَه بصوتٍ مُطْرِبٍ لذيذ ألذّ مِن كلّ غناء في الدنيا، يقول: يا وليّ الله، كُلني؛ إنى كنتُ أرعى في روضة كذا وكذا من رياض الجنة. فيحلون عليه أصواتها، فيرفع بصره، فينظر إليهم، فينظر إلى أزهاها صوتًا، وأجودها نعتًا، فيشتهيها، فيَعلم الله ما وراء شهوته في قلبه من حُبّه، فيجيء الطير، فيقع على المائدة؛ بعضه قَدِيد، وبعضه شواء، أشدّ بياضًا من الثلج، وأحلى من العسل، فيأكل، حتى إذا شبع منها واكتفى طارت طيرًا كما كانت، فتَخرج من الباب الذي كانت دَخلتْ منه، فهو على الأرائك، وزوجته مُستقبلة، يبصر وجهه في وجهها من الصفاء والبياض، كلّما أراد أن يُجامعها ينظر إليها، فيستحي أن يَدعوها، فتَعلم ما يريد منها زوجها، فتدنو إليه، فتقول: بأبي وأمي، ارفع رأسك، فانظر إليّ، فإنك اليوم لي، وأنا لك. فيُجامعها على قوة مائة رجل من الأوّلين، وعلى شهوة أربعين رجلًا، كلّما أتاها وجدها عذراء، لا يَغفل عنها مقدار أربعين يومًا، فإذا فرَغ وجد ريح المِسك منها، فيزداد حُبًّا لها، فيها أربعة آلاف وثمانمائة زوجة مثلها، لكلّ زوجة سبعون خادمًا وجارية

اختُلِف في المأمور بإيفاد الحكمين في الآية، وفي المقدار الذي ينظر فيه الحكمان، على ثلاثة أقوال: أحدها: أنّ المأمور بذلك هو السلطان الذي يُرْفَع إليه أمرُ الزوجين، فيُشْكل عليه أمرهما، فيبعث الحكمين لينظرا في كلِّ شيء، ويحملان على الظالم، ويمضيان ما رأياه من بقاء أو فِراق. والثاني: أنّ المأمور بذلك هو السلطان الذي يُرْفَع إليه أمرُ الزوجين فيُشْكل عليه أمرهما، فيبعث الحكمين؛ لينظرا في الإصلاح، وليس لهما التفريق بين الزوجين. والثالث: أنّ الذي يبعث الحكمين هما الزوجان بتوكيل منهما للنظر بينهما، وليس للحكمين أن يعملا شيئًا في أمر الزوجين إلا ما وكَّلاهما به. وذَهَبَ ابنُ جرير (٦‏/‏٧٢٦) استنادًا إلى الإجماع، والعموم، والدلالة العقلية إلى أنّ الآية تحتمل القولين: الثاني، والثالث. وانتَقَد (٦‏/‏٧٢٨) مَن قال بصِحَّةِ تفريقِ الحكميَن بينهما إن رأيا ذلك، مستندًا إلى دلالة القرآن على عدم جواز ذلك إلا برضا الزوج، وعدم جواز الحكم بأخذ مال المرأةِ إلا برضاها، ولا دليل على خلاف ذلك من أصلٍ أو قياسٍ. وذَهَبَ ابنُ القيم (١‏/‏٢٧٥) إلى الأول. وانتَقَدَ غيرَه من الأقوال استنادًا إلى ظاهر الآية، واللغة، والدلالة العقلية، فقال: «والعجبُ كل العجب ممن يقول: هما وكيلان لا حاكمان. والله تعالى قد نصبهما حكمين، وجعل نصبهما إلى غير الزوجين، ولو كانا وكيلين لقال: فليبعث وكيلًا مِن أهله، ولتبعث وكيلًا من أهلها. وأيضًا فلو كانا وكيلين لم يختصّا بأن يكونا من الأهل. وأيضًا فإنه جعل الحكم إليهما، فقال: ﴿إن يريدا إصلاحا يوفق الله بينهما﴾، والوكيلان لا إرادة لهما، إنما يتصرفان بإرادة موكليهما. وأيضًا فالحكم من له ولاية الحكم والإلزام، وليس للوكيل شيء من ذلك. وأيضًا فإنّ الحكم أبلغ من حاكم؛ لأنه صفة مشبهة باسم الفاعل دالة على الثبوت، ولا خلاف بين أهل العربية في ذلك، فإذا كان اسم الحاكم لا يصدق على الوكيل المحض، فكيف بما هو أبلغ منه؟! وأيضًا فإنه سبحانه خاطب بذلك غير الزوجين، وكيف يصح أن يوكل عن الرجل والمرأة غيرهما؟! وهذا يُحْوِج إلى تقدير الآية هكذا: ﴿وإن خفتم شقاق بينهما﴾ فمروهما أن يوكلا وكيلين: وكيلًا من أهله ووكيلًا من أهلها، ومعلوم بُعْدُ لفظ الآية ومعناها عن هذا التقدير، وأنها لا تدل عليه بوجه، بل هي دالة على خلافه، وهذا بحمد الله واضح. وبعث عثمان بن عفان عبد الله بن عباس ومعاوية حكمين بين عقيل بن أبي طالب وامرأته فاطمة بنت عتبة بن ربيعة، فقيل لهما: إن رأيتما أن تفرقا فرقتما. وصحَّ عن علي بن أبي طالب أنه قال للحكمين بين الزوجين: عليكما إن رأيتما أن تفرقا فرقتما، وإن رأيتما أن تجمعا جمعتما. فهذا عثمان، وعليٌّ، وابن عباس، ومعاوية جعلوا الحكم إلى الحكمين، ولا يعرف لهم من الصحابة مخالف، وإنما يُعرَف الخلاف بين التابعين فمَن بعدهم»