جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري
يقول تعالى ذكره : فخسفنا بقارون وأهل داره. وقيل : وبداره، لأنه ذكر أن موسى إذ أمر الأرض أن تأخذه أمرها بأخذه، وأخذ من كان معه من جلسائه في داره، وكانوا جماعة جلوسا معه، وهم على مثل الذي هو عليه من النفاق والمؤازرة على أذى موسى. ذكر من قال ذلك :
حدثنا أبو كُرَيب، قال : حدثنا جابر بن نوح، قال : أخبرنا الأعمش، عن المنهال بن عمرو، عن عبد الله بن الحارث، عن ابن عباس، قال : لما نزلت الزكاة أتى قارون موسى، فصالحه على كلّ ألف دينار دينارا، وكلّ ألف شيء شيئا، أو قال : وكلّ ألف شاة شاة «الطبريّ يشكّ »، قال : ثم أتى بيته فحسبه فوجده كثيرا، فجمع بني إسرائيل، فقال : يا بني إسرائيل إن موسى قد أمركم بكلّ شيء فأطعتموه، وهو الآن يريد أن يأخذ من أموالكم، فقالوا : أنت كبيرنا وأنت سيدنا، فمرنا بما شئت، فقال : آمركم أن تجيئوا بفلانة البغيّ، فتجعلوا لها جُعلاً، فتقذفه بنفسها، فدعوها فجعل لها جُعلاً على أن تقذفه بنفسها، ثم أتى موسى، فقال لموسى : إن بني إسرائيل قد اجتمعوا لتأمرهم ولتنهاهم، فخرج إليهم وهم في براح من الأرض، فقال : يا بني إسرائيل من سرق قطعنا يده، ومن افترى جلدناه، ومن زنى وليس له امرأة جلدناه مئة، ومن زنى وله امرأة جلدناه حتى يموت، أو رجمناه حتى يموت «الطبري يشكّ »، فقال له قارون : وإن كنت أنت ؟ قال : وإن كنت أنا قال : فإن بني إسرائيل يزعمون أنك فجرت بفلانة. قال : ادعوها، فإن قالت، فهو كما قالت فلما جاءت قال لها موسى : يا فلانة، قالت : يا لَبّيك، قال : أنا فعلت بك ما يقول هؤلاء ؟ قالت : لا، وكذبوا، ولكن جعلوا لي جُعْلاً على أن أقذفك بنفسي فوثب، فسجد وهو بينهم، فأوحى الله إليه : مُرِ الأرض بما شئت، قال : يا أرض خذيهم فأخذتهم إلى أقدامهم. ثم قال : يا أرض خذيهم، فأخذتهم إلى ركبهم. ثم قال : يا أرض خذيهم، فأخذتهم إلى حِقِيّهم، ثم قال : يا أرض خذيهم، فأخذتهم إلى أعناقهم قال : فجعلوا يقولون : يا موسى يا موسى، ويتضرّعون إليه. قال : يا أرض خذيهم، فانطبقت عليهم، فأوحى الله إليه : يا موسى، يقول لك عبادي : يا موسى، يا موسى، فلا ترحمهم ؟ أما لو إياي دَعَوا، لوجدوني قريبا مجيبا قال : فذلك قول الله : فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ وكانت زينته أنه خرج على دوابّ شُقْر عليها سُروج حُمْر، عليهم ثياب مُصَبّغة بالبهر مان. قالَ الّذِينَ يُرِيدُونَ الحَياةَ الدّنْيا : يا لَيْتَ لَنا مِثْلَ ما أُوتِيَ قارُونُ. . . إلى قوله إنّه لا يُفْلِحُ الكافِرُونَ يا محمد تِلْكَ الدّارُ الآخرة نَجْعَلُها للّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوّا فِي الأرْضِ وَلا فَسادا، والعاقِبَةُ لِلْمُتّقِينَ.
حدثنا أبو كُرَيب، قال : حدثنا يحيى بن عيسى، عن الأعمش، عن المنهال، عن رجل، عن ابن عباس قال : لما أمر الله موسى بالزكاة، قال : رَمَوه بالزنا، فجزع من ذلك، فأرسلوا إلى امرأة كانت قد أعطوها حكمها، على أن ترميه بنفسها فلما جاءت عظم عليها، وسألها بالذي فلق البحر لبني إسرائيل، وأنزل التوراة على موسى إلاّ صَدَقت. قالت : إذ قد استحلفتَني، فإني أشهد أنك بريء، وأنك رسول الله، فخرّ ساجدا يبكي، فأوحى الله تبارك وتعالى : ما يبكيك ؟ قد سلطناك على الأرض، فمرها بما شئت، فقال : خذيهم، فأخذتهم إلى ما شاء الله، فقالوا : يا موسى، يا موسى فقال : خذيهم، فأخذتهم إلى ما شاء الله، فقالوا : يا موسى، يا موسى فخسفتهم. قال : وأصاب بني إسرائيل بعد ذلك شدّة وجوع شديد، فأتَوا موسى، فقالوا : ادع لنا ربك قال : فدعا لهم، فأوحى الله إليه : يا موسى، أتكلمني في قوم قد أظلم ما بيني وبينهم خطاياهم، وقد دعوك فلم تجبهم، أما إيّاي لو دَعَوا لأجبتهم.
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا أبي، عن الأعمش، عن المنهال، عن سعيد بن جُبَير، عن ابن عباس فَخَسَفْنا بِهِ وَبِدارِهِ الأرْضَ قال : قيل للأرض خذيهم، فأخذتهم إلى أعقابهم ثم قيل لها : خذيهم، فأخذتهم إلى ركبهم ثم قيل لها : خذيهم، فأخذتهم إلى أحْقائهم ثم قيل لها : خذيهم، فأخذتهم إلى أعناقهم ثم قيل لها : خذيهم، فَخُسِف بهم، فذلك قوله : فَخَسَفْنا بِهِ وَبِدَارِهِ الأرْضَ.
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : حدثنا عليّ بن هاشم بن البريد، عن الأعمش، عن المنهال، عن سعيد بن جُبَير، عن ابن عباس، في قوله إنّ قارُونَ كانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى قال : كان ابن عمه، وكان موسى يقضي في ناحية بني إسرائيل، وقارون في ناحية، قال : فدعا بَغِيّة كانت في بني إسرائيل، فجعل لها جُعْلاً على أن ترمي موسى بنفسها، فتركته إذا كان يوم تجتمع فيه بنو إسرائيل إلى موسى، أتاه قارون فقال : يا موسى ما حدّ من سرق ؟ قال : أن تنقطع يده، قال : وإن كنتَ أنت ؟ قال : نعم قال : فما حَدّ مَن زنى ؟ قال : أن يُرجم، قال : وإن كنت أنت ؟ قال : نعم قال : فإنك قد فعلت، قال : وَيْلَك بمن ؟ قال : بفلانة فدعاها موسى، فقال : أنْشُدك بالذي أنزل التوراة، أَصَدقَ قارون ؟ قالت : اللهمّ إذ نَشَدْتني، فإني أشهد أنك بريء، وأنك رسول الله، وأن عدوّ الله قارون جعل لي جُعْلاً على أن أرميَك بنفسي قال : فوثب موسى، فخرّ ساجدا لله، فأوحى الله إليه أنِ ارفعْ رأسك، فقد أمرت الأرض أن تطيعك، فقال موسى : يا أرضُ خذيهم، فأخذتهم حتى بلغوا الحِقْو، قال : يا موسى قال : خذيهم، فأخذتهم حتى بلغوا الصدور، قال : يا موسى، قال : خذيهم، قال : فذهبوا. قال : فأوحى الله إليه يا موسى : استغاث بك فلم تغثه، أما لو استغاث بي لأجبته ولأغثته.
حدثنا بشر بن هلال الصوّاف، قال : حدثنا جعفر بن سليمان الضبعيّ، قال : حدثنا عليّ بن زيد بن جدعان، قال : خرج عبد الله بن الحارث من الدار، ودخل المقصورة فلما خرج منها، جلس وتساند عليها، وجلسنا إليه، فذكر سليمانَ بنِ داود وَقالَ يا أيّها المَلأُ أيّكُمْ يَأْتِينِي بعَرْشِها قَبْلَ أنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ. . . إلى قوله إنّ رَبّي غَنِيّ كَرِيمٌ ثم سكت عن ذكر سليمان، فقال : إنّ قارُونَ كانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وكان قد أوتي من الكنوز ما ذكر الله في كتابه ما إنّ مَفاتِحَهُ لَتَنُوءُ بالْعُصْبَةِ أُولى القُوّةِ، قالَ إنّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ عِنْدِي قال : وعادى موسى، وكان مؤذيا له، وكان موسى يصفح عنه ويعفو، للقرابة، حتى بنى دارا، وجعل باب داره من ذهب، وضرب على جدرانه صفائح الذهب، وكان الملأ من بني إسرائيل يَغْدُون عليه ويروحون، فيطعمهم الطعام، ويحدّثونه ويضحكونه، فلم تدعْه شِقوته والبلاء، حتى أرسل إلى امرأة من بني إسرائيل مشهورة بالخَنَا، مشهورة بالسّبّ، فأرسل إليها فجاءته، فقال لها : هل لك أن أُموّلك وأعطيَك، وأخلطَك في نسائي، على أن تأتيني والملأ من بني إسرائيل عندي، فتقولي : يا قارون، ألا تنهى عَنّي موسى قالت : بلى. فلما جلس قارون، وجاء الملأ من بني إسرائيل، أرسل إليها، فجاءت فقامت بين يديه، فقلب الله قلبها، وأحدث لها توبة، فقالت في نفسها : لأن أُحْدِث اليوم توبة، أفضل من أن أوذي رسول الله ﷺ، وأكذّب عدوّ الله له. فقالت : إن قارون قال لي : هل لك أن أمَوّلك وأعطيَك، وأخلِطك بنسائي، على أن تأتِيني والملأ من بني إسرائيل عندي، فتقولي : يا قارون ألاَ تنهى عني موسى، فلم أجد توبة أفضل من أن لا أُوذِي رسول الله ﷺ، وأكذّب عدوّ الله فلما تكلمت بهذا الكلام، سُقِط في يدي قارون، ونكّس رأسه، وسكت الملأ، وعرف أنه قد وَقَع في هَلَكة، وشاع كلامها في الناس، حتى بلغ موسى فلما بلغ موسى اشتدّ غضبه، فتوضأ من الماء، وصلّى وبكى، وقال : يا ربّ عدوّك لي مؤذ، أراد فضيحتي وشَيْني، يا ربّ سلطني عليه. فأوحى الله إليه أن مُرِ الأرض بما شئت تطعك. فجاء موسى إلى قارون فلما دخل عليه، عرف الشرّ في وجه موسى له، فقال : يا موسى ارحمني قال : يا أرض خذيهم، قال : فاضطربت داره، وساخت بقارون وأصحابه إلى الكعبين، وجعل يقول : يا موسى، فأخذتهم إلى رُكَبهم، وهو يتضرّع إلى موسى : يا موسى ارحمني قال : يا أرض خذيهم، قال : فاضطربت داره وساخت، وخُسف بقارون وأصحابه إلى سُرَرِهم، وهو يتضرّع إلى موسى : يا موسى ارحمني قال : يا أرض خذيهم، فخُسِف به وبداره وأصحابه. قال : وقيل لموسى ﷺ : يا موسى ما أفظّك. أما وعزّتي لو إيايَ نادى لأجبته.
حدثني بشر بن هلال، قال : حدثنا جعفر بن سليمان، عن أبي عِمران الجَوْنيّ، قال : بلغني أنه قيل لموسى : لا أُعَبّدُ الأرض لأحد بعدك أبدا.
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا عبد الرحمن بن مهديّ، وعبد الحميد الحِمّاني، عن سفيان، عن الأغرّ بن الصباح، عن خليفة بن حُصين، قال : عبد الحميد، عن أبي نصر، عن ابن عباس، ولم يذكر ابن مهدي أبا نصر فَخَسَفنا بِهِ وَبِدَارِهِ الأرْضَ قال : الأرض السابعة.
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، قال : بلغنا أنه يخسف به كلّ يوم مِئَة قامة، ولا يبلغ أسفل الأرض إلى يوم القيامة، فهو يتجَلْجَل فيها إلى يوم القيامة.
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا زيد بن حبان، عن جعفر بن سليمان، قال : سمعت مالك بن دينار، قال : بلغني أن قارون يُخْسَف به كلّ يوم مِئَة قامة.
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قَتادة فَخَسَفْنا بِهِ وَبِدَارِهِ الأرْضَ ذُكر لنا أنه يُخسَف به كلّ يوم قامة، وأنه يتجلجل فيها، لا يبلغ قعرها إلى يوم القيامة.
وقوله : فَمَا كانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللّهِ يقول : فلم يكن له جند يرجع إليهم، ولا فئة ينصرونه لما نزل به من سخطه، بل تبرّءوا منه وَما كانَ مِنَ المُنْتَصِرِينَ يقول : ولا كان هو ممن ينتصر من الله إذا أحلّ به نقمته، فيمتنع لقوّته منها. وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قَتادة فَمَا كانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ أي جند ينصرونه، وما عنده منعة يمتنع بها من الله.
وقد بيّنا معنى الفئة فيما مضى، وأنها الجماعة من الناس، وأصلها الجماعة التي يفيء إليها الرجل عند الحاجة إليهم، للعون على العدوّ، ثم تستعمل ذلك العرب في كلّ جماعة كانت عونا للرجل، وظَهْرا له ومنه قول خفاف :
| فَلَمْ أرَ مِثْلَهُمْ حَيّا لَقاحا | وَجَدّكَ بينَ نَاضِحَةٍ وحَجْرِ |
| أشَدّ على صُرُوفِ الدّهْرِ آداو | أكبرَ منهُمُ فِئَةً بِصَبْرِ |
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
(قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ) يقول تعالى ذكره: قال الذين يريدون زينة الحياة الدنيا من قوم قارون: يا ليتنا أُعطينا مثل ما أعطي قارون من زينتها (إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ) يقول: إن قارون لذو نصيب من الدنيا.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلا يُلَقَّاهَا إِلا الصَّابِرُونَ (٨٠)﴾
يقول تعالى ذكره: وقال الذين أوتوا العلم بالله، حين رأوا قارون خارجا عليهم في زينته، للذين قالوا يا ليت لنا مثل ما أوتي قارون: ويلكم اتقوا الله وأطيعوه، فثواب الله وجزاؤه لمن آمن به وبرسله، وعمل بما جاءت به رسله من صالحات الأعمال في الآخرة، خير مما أوتي قارون من زينته وماله لقارون. وقوله: (وَلا يُلَقَّاهَا إِلا الصَّابِرُونَ) يقول: ولا يلقاها: أي ولا يوفَّق لقيل هذه الكلمة، وهي قوله: (ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا) والهاء والألف كناية عن الكلمة. وقال: (إِلا الصَّابِرُونَ) يعني بذلك: الذين صبروا عن طلب زينة الحياة الدنيا، وآثروا ما عند الله من جزيل ثوابه على صالحات الأعمال على لذّات الدنيا وشهواتها، فجدّوا في طاعة الله، ورفضوا الحياة الدنيا.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الأرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ (٨١)﴾
يقول تعالى ذكره: فخسفنا بقارون وأهل داره. وقيل: وبداره، لأنه ذكر أن موسى إذ أمر الأرض أن تأخذه أمرها بأخذه، وأخذ من كان معه من جلسائه في داره، وكانوا جماعة جلوسا معه، وهم على مثل الذي هو عليه من النفاق والمؤازرة على أذى موسى.
* ذكر من قال ذلك:
حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا جابر بن نوح، قال: أخبرنا الأعمش، عن المنهال بن عمرو، عن عبد الله بن الحارث، عن ابن عباس، قال: لما نزلت الزكاة أتى قارون موسى، فصالحه على كلّ ألف دينار دينارا، وكلّ ألف شيء شيئا، أو قال: وكلّ ألف شاة شاة "الطبريّ يشكّ" قال: ثم أتى بيته فحسبه فوجده كثيرا، فجمع بني إسرائيل، فقال: يا بني إسرائيل، إن موسى قد أمركم بكلّ شيء فأطعتموه، وهو الآن يريد أن يأخذ من أموالكم، فقالوا: أنت كبيرنا وأنت سيدنا، فمرنا بما شئت، فقال: آمركم
(قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ)... إلى قوله: (إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ) يا محمد (تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأرْضِ وَلا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ).
حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا يحيى بن عيسى، عن الأعمش، عن المنهال، عن رجل، عن ابن عباس قال: لما أمر الله موسى بالزكاة، قال: رموه بالزنا، فجزع من ذلك، فأرسلوا إلى امرأة كانت قد أعطوها حكمها، على أن ترميه بنفسها; فلما جاءت عظم عليها، وسألها بالذي فلق البحر لبني إسرائيل، وأنزل التوراة على موسى إلا صدقتِ. قالت: إذ قد استحلفتني، فإني أشهد أنك بريء، وأنك رسول الله، فخرّ ساجدا
(٢) البهرمان، بفتح الباء والراء: العصفر أو ضرب منه (اللسان: بهرم).
حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن الأعمش، عن المنهال، عن سعيد بن جُبَيْر، عن ابن عباس (فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الأرْضَ) قال: قيل للأرض خذيهم، فأخذتهم إلى أعقابهم; ثم قيل لها: خذيهم، فأخذتهم إلى ركبهم; ثم قيل لها: خذيهم، فأخذتهم إلى أحقائهم; ثم قيل لها: خذيهم، فأخذتهم إلى أعناقهم ; ثم قيل لها: خذيهم، فخسف بهم، فذلك قوله: (فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الأرْضَ).
حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا علي بن هاشم بن البريد، عن الأعمش، عن المنهال، عن سعيد بن جُبَيْر، عن ابن عباس، في قوله: (إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى) قال: كان ابن عمه، وكان موسى يقضي في ناحية بني إسرائيل، وقارون في ناحية، قال: فدعا بغية كانت في بني إسرائيل، فجعل لها جعلا على أن ترمي موسى بنفسها، فتركته إذا كان يوم تجتمع فيه بنو إسرائيل إلى موسى، أتاه قارون فقال: يا موسى ما حد من سرق؟ قال: أن تنقطع يده، قال: وإن كنت أنت؟ قال: نعم ; قال. فما حد من زنى؟ قال: أن يرجم، قال: وإن كنت أنت؟ قال: نعم; قال: فإنك قد فعلت، قال: ويلك بمن؟ قال: بفلانة، فدعاها موسى، فقال: أنشدك بالذي أنزل التوراة، أصدق قارون؟ قالت: اللهمّ إذ نشدتني، فإني أشهد أنك برئ، وانك رسول الله، وأن عدو الله قارون جعل لي جعلا على أن أرميك بنفسي; قال: فوثب موسى، فخر ساجدا لله، فأوحى الله إليه أن ارفع رأسك، فقد أمرت الأرض أن تطيعك، فقال موسى: يا أرض خذيهم، فأخذتهم حتى بلغوا الحقو، قال: يا موسى; قال: خذيهم، فأخذتهم حتى بلغوا الصدور، قال: يا موسى، قال: خذيهم، قال: فذهبوا. قال: فأوحى الله إليه يا موسى: استغاث بك فلم تغثه، أما لو استغاث بي لأجبته ولأغثته.
حدثنا بشر بن هلال الصوّاف، قال: ثنا جعفر بن سليمان الضبعيّ، قال: ثنا عليّ بن
حدثني بشر بن هلال، قال: ثنا جعفر بن سليمان، عن أبي عمران الجوني، قال: بلغني أنه قيل لموسى: لا أعبد الأرض لأحد بعدك أبدا.
حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا عبد الرحمن بن مهدي، وعبد الحميد الحماني، عن سفيان، عن الأغر بن الصباح، عن خليفة بن حصين، قال عبد الحميد، عن أبي نصر، عن ابن عباس، ولم يذكر ابن مهدي أبا نصر (فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الأرْضَ) قال: الأرض السابعة.
حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، قال: بلغنا أنه يخسف به كلّ يوم مائة قامة، ولا يبلغ أسفل الأرض إلى يوم القيامة، فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة.
حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا زيد بن حبان، عن جعفر بن سليمان، قال: سمعت مالك بن دينار، قال: بلغني أن قارون يخسف به كلّ يوم مائة قامة.
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة (فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الأرْضَ) ذكر لما أنه يخسف به كلّ يوم قامة، وأنه يتجلجل فيها، لا يبلغ قعرها إلى يوم القيامة.
وقوله: (فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ) يقول: فلم يكن له جند يرجع إليهم، ولا فئة ينصرونه لما نزل به من سخطه، بل تبرءوا منه.
(وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ) يقول: ولا كان هو ممن ينتصر من الله إذا أحل به نقمته، فيمتنع لقوته منها.
وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك:
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة: (فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ) أي جند ينصرونه، وما عنده منعة يمتنع بها من الله.
وقد بيَّنا معنى الفئة فيما مضى وأنها الجماعة من الناس، وأصلها الجماعة التي يفيء إليها الرجل عند الحاجة إليهم، للعون على العدوّ، ثم تستعمل ذلك العرب في كل جماعة كانت عونا للرجل، وظهرا له; ومنه قول خفاف:
فَلَمْ أَرَ مِثْلَهُمْ حَيًّا لَقَاحًا... وَجَدّكَ بينَ نَاضِحَةٍ وَحَجْرِ... أشَدَّ على صُرُوفِ الدَّهْرِ آدًا... وأكبرَ منهُمُ فِئَةً بِصَبْرِ (١)