جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري
اختلف في معنى وَيْكَأنّ اللّهَ فأما قَتادة، فإنه رُوي عنه في ذلك قولان : أحدهما ما :
حدثنا به ابن بشار، قال : حدثنا محمد بن خالد بن عَثْمة، قال : حدثنا سعيد بن بشير، عن قَتادة، قال في قوله وَيْكأنّهُ قال : ألم تر أنه.
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قَتادة وَيْكأَنّهُ : أوَ لاَ تَرى أنه.
وحدثني إسماعيل بن المتوكل الأشجعي، قال : حدثنا محمد بن كثير، قال : ثني معمر، عن قَتادة : وَيْكأنّهُ قال : ألم تَرَ أنه. والقول الآخر، ما :
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : حدثنا أبو سفيان، عن معمر، عن قَتادة، في قوله : وَيْكأَنّ اللّهَ يَبْسُطُ الرّزْقَ قال : أو لم يعلم أن الله وَيْكأنّهُ : أوَ لا يَعلمُ أنه.
وتأوّل هذا التأويل الذي ذكرناه عن قَتادة في ذلك أيضا بعض أهل المعرفة بكلام العرب من أهل البصرة، واستشهد لصحة تأويله ذلك كذلك، بقول الشاعر :
| سألَتانِي الطّلاقَ أنْ رَأَتانِي | قَلّ مالي، قَدْ جِئْتُما بِنُكْرِ |
| وَيْكأنْ مَنْ يَكُنْ لَهُ نَشَب يُحْ | بَبْ ومَن يفْتَقِرْ يعِشْ عَيْشَ ضُرّ |
| وَلَقَدْ شَفَى نَفْسي وأبْرأَ سُقْمَها | قَوْلُ الفَوَارِسِ وَيْكَ عَنْتَرَ أقْدِم |
وقال آخر منهم : إن «وَيْ » : تنبيه، وكأن حرف آخر غيره، بمعنى : لعلّ الأمر كذا، وأظنّ الأمر كذا، لأن كأنّ بمنزلة أظنّ وأحسب وأعلم.
وأولى الأقوال في ذلك بالصحة : القول الذي ذكرنا عن قَتادة، من أن معناه : ألم تَرَ، ألم تعلَمْ، للشاهد الذي ذكرنا فيه من قول الشاعر، والرواية عن العرب وأنّ «ويكأنّ » في خطّ المصحف حرف واحد. ومتى وجه ذلك إلى غير التأويل الذي ذكرنا عن قَتادة، فإِنه يصير حرفين، وذلك أنه إن وجه إلى قول من تأوّله بمعنى : وَيْلَك اعلم أن الله، وجب أن يفصل «وَيْكَ » من «أَنّ »، وذلك خلاف خطّ جميع المصاحف، مع فساده في العربية، لما ذكرنا. وإن وُجّه إلى قول من يقول :«وَيْ » بمعنى التنبيه، ثم استأنف الكلام بكأن، وجب أن يُفْصَل «وَيْ » من «كأن »، وذلك أيضا خلاف خطوط المصاحف كلها.
فإذا كان ذلك حرفا واحدا، فالصواب من التأويل : ما قاله قَتادة، وإذ كان ذلك هو الصواب، فتأويل الكلام : وأصبح الذين تمنوا مكان قارون وموضعه من الدنيا بالأمس، يقولون لَمّا عاينوا ما أحلّ الله به من نقمته، ألم تر يا هذا أن الله يبسط الرزق لمن يشاء من عباده، فيُوسّع عليه، لا لفضل منزلته عنده، ولا لكرامته عليه، كما كان بسط من ذلك لقارون، لا لفضله ولا لكرامته عليه وَيَقُدِرُ يقول : ويضيق على من يشاء من خلقه ذلك، ويقتّر عليه، لا لهوانه، ولا لسُخْطه عمله.
وقوله : لَوْلا أنْ مَنّ اللّهُ عَلَيْنا يقول : لولا أن تفضل علينا، فصرف عنا ما كنا نتمناه بالأمس، لَخَسَفَ بِنا.
واختلفت القرّاء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قرّاء الأمصار سوى شيبة :«لَخُسِفَ بِنا » بضم الخاء، وكسر السين وذُكر عن شيبة والحسن : لخَسَفَ بِنَا بفتح الخاء والسين، بمعنى : لخسف اللّهُ بنا.
وقوله : وَيْكأنّهُ لا يُفْلِحُ الكافِرُونَ يقول : ألم تعلم أنه لا يفلح الكافرون، فتُنْجِح طَلِباتهم.
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
يقول تعالى ذكره: وأصبح الذين تمنَّوا مكانه بالأمس من الدنيا، وغناه وكثرة ماله، وما بسط له منها بالأمس، يعني قبل أن ينزل به ما نزل من سخط الله وعقابه، يقولون: ويكأنّ الله
اختلف في معنى (وَيْكَأَنَّ اللَّهَ) فأما قَتادة، فإنه رُوي عنه في ذلك قولان: أحدهما ما:
حدثنا به ابن بشار، قال: ثنا محمد بن خالد بن عثمة، قال: ثنا سعيد بن بشير، عن قَتادة، قال في قوله: (وَيْكَأَنَّهُ) قال: ألم تر أنه.
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة (وَيْكَأَنَّهُ) أولا ترى أنه.
وحدثني إسماعيل بن المتوكل الأشجعي، قال: ثنا محمد بن كثير، قال: ثني معمر، عن قَتادة (وَيْكَأَنَّهُ) قال: ألم تر أنه.
والقول الآخر: ما حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا أبو سفيان، عن معمر، عن قَتادة، في قوله: (وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ) قال: أو لم يعلم أن الله (وَيْكَأَنَّهُ) أو لا يعلم أنه.
وتأول هذا التأويل الذي ذكرناه عن قَتادة في ذلك أيضا بعض أهل المعرفة بكلام العرب من أهل البصرة، واستشهد لصحة تأويله ذلك كذلك، بقول الشاعر:
سألَتانِي الطَّلاقَ أنْ رأتانِي... قَلَّ مالي، قَدْ جِئْتُما بِنُكْرِ... وَيْكأن مَنْ يَكُنْ لَهُ نشب يُحْ... بَبْ وَمن يَفْتَقِرْ يعِش عَيْشَ ضَرّ (١)
| تَلْكَ عرْسَايَ تَنْطِقَانِ عَلَى عَمْـ | ـدٍ إلى الْيَوْمِ قَوْل زُورٍ وَهِتْر |
قال: ولم نجد العرب تعمل الظن مضمرا، ولا العلم وأشباهه في "أن"، وذلك أنه يبطل إذا كان بين الكلمتين، أو في آخر الكلمة، فلما أضمر جرى مجرى المتأخر; ألا ترى أنه لا يجوز في الابتداء أن يقول: يا هذا أنك قائم، ويا هذا أن قمت، يريد: علمت، أو أعلم، أو ظننت، أو أظنّ، وأما حذف اللام من قولك: ويلك حتى تصير: ويك، فقد تقوله: العرب، لكثرتها في الكلام، قال عنترة:
| وَلَقَدْ شَفَى نَفْسِي وَأَبْرَأَ سُقْمَها | قَوْلُ الفَوَارِسِ وَيْكَ عَنْتَرَ أَقْدِمِ (١) |
وقال آخر منهم: إن "ويْ": تنبيه، وكأنّ حرفٌ آخر غيره، بمعنى: لعل الأمر كذا، وأظنّ الأمر كذا، لأن كأنّ بمنزلة أظنّ وأحسب وأعلم.
وأولى الأقوال في ذلك بالصحة: القول الذي ذكرنا عن قَتادة، من أن معناه: ألم تر، ألم تعلم، للشاهد الذي ذكرنا فيه من قول الشاعر، والرواية عن العرب; وأن "ويكأنّ" في خطّ المصحف حرف واحد. ومتى وجه ذلك إلى غير التأويل الذي ذكرنا عن قَتادة، فإنه يصير حرفين، وذلك أنه إن وجه إلى قول من تأوّله بمعنى: ويلك اعلم أن الله؛ وجب أن يفصل "ويك" من "أن"، وذلك خلاف خط جميع المصاحف، مع فساده في العربية، لما ذكرنا. وإن وجه إلى قول من يقول: "وي" بمعنى التنبيه، ثم استأنف الكلام بكأن، وجب أن يفصل "وي" من "كأن"، وذلك أيضا خلاف خطوط المصاحف كلها (١).
فإذا كان ذلك حرفا واحدا، فالصواب من التأويل: ما قاله قَتادة، وإذ كان ذلك هو الصواب، فتأويل الكلام: وأصبح الذين تمنوا مكان قارون وموضعه من الدنيا بالأمس، يقولون لما عاينوا ما أحلّ الله به من نقمته: ألم تريا هذا أن الله يبسط الرزق لمن يشاء من عباده، فيوسع عليه، لا لفضل منزلته عنده، ولا لكرامته عليه، كما كان بسط من ذلك لقارون، لا لفضله ولا لكرامته عليه (وَيَقْدِرُ) يقول: ويضيق على من يشاء من خلقه ذلك، ويقتر عليه، لا لهوانه، ولا لسخطه عمله.
وقوله: (لَوْلا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا) يقول: لولا أن تفضل علينا، فصرف عنا ما كنا نتمناه بالأمس (لَخَسَفَ بِنَا).