تفسير القرآن العظيم — ابن كثير

عن الكتاب
وقوله تعالى :﴿وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالأمْسِ﴾ أي : الذين لما رأوه في زينته قالوا ﴿يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾، فلما خسف به أصبحوا يقولون :﴿وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ﴾ أي : ليس المال بدالّ على رضا الله عن صاحبه [ وعن عباده ](١) ؛ فإن الله يعطي ويمنع، ويضيق ويوسع، ويخفض ويرفع، وله الحكمة التامة والحجة البالغة. وهذا كما في الحديث المرفوع عن ابن مسعود :" إن الله قسم بينكم أخلاقكم، كما قسم أرزاقكم وإن الله يعطي المال من يحب، ومن لا يحب، ولا يعطي الإيمان إلا من يحب " (٢).
﴿لَوْلا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا﴾ أي : لولا لُطف الله بنا وإحسانه إلينا لخسف بنا، كما خسف به، لأنا وَددْنا أن نكون مثله.
﴿وَيْكَأَنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ يعنون : أنه كان كافرًا، ولا يفلح الكافر عند الله، لا في الدنيا ولا في الآخرة.
وقد اختلف النحاة في معنى قوله تعالى [ ها هنا ](٣) :﴿وَيْكَأَنَّ﴾، فقال بعضهم : معناها :" ويلك اعلم أن "، ولكن خُفّفت فقيل :" ويك "، ودلَّ فتح " أن " على حذف " اعلم ". وهذا القول ضعَّفه ابن جرير(٤)، والظاهر أنه قوي، ولا يشكل على ذلك إلا كتابتها في المصاحف متصلة " ويكأن ". والكتابة أمر وضعي اصطلاحي، والمرجع إلى اللفظ العربي، والله أعلم.
وقيل : معناها : ويكأن، أي : ألم تر أن. قاله قتادة. وقيل : معناها " وي كأن "، ففصلها وجعل حرف " وي " (٥) للتعجب أو للتنبيه، و " كأن " بمعنى " أظن وأحسب ". قال ابن جرير : وأقوى الأقوال في هذا قول قتادة : إنها بمعنى : ألم تر أن، واستشهد بقول الشاعر(٦) :
سَألَتَاني الطَّلاق أنْ رَأتَانيقَلّ مَالي، وقَدْ جئْتُمَاني بِنُكر
وَيْكأنْ مَنْ يكُن له نَشَب يُحْبَبْ ومن يَفْتقر يَعش عَيشَ ضُرّ
١ - زيادة من أ..
٢ - المسند (١/٣٨٧)..
٣ - زيادة من ت، ف، أ..
٤ - تفسير الطبري (٢٠/٧٧)..
٥ - في أ :"أي"..
٦ - هو زيد بن عمرو بن نفيل، والبيت في تفسير الطبري (٢٠/٧٧)..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى