الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي

عن الكتاب
قوله :﴿وَيْكَأَنَّ اللَّهَ﴾ : و " ويْكَأنَّه " فيه مذاهبُ منها : أنَّ " وَيْ " كلمةٌ برأسِها وهي اسمُ فعلٍ معناها أَعْجَبُ أي أنا. والكافُ للتعليل، وأنَّ وما في حَيِّزها مجرورةٌ بها أي : أَعْجب لأنه لا يفلحُ الكافرون، وسُمِع " كما أنه لا يَعْلَمُ غفر اللهُ له ". وقياسُ هذا القولِ أَنْ يُوْقَفَ على " وَيْ " وحدها، وقد فعل ذلك الكسائيُّ. إلاَّ أنه يُنْقل عنه أنه يُعتقدُ في الكلمةِ أنَّ أصلَها : وَيْلَكَ كما سيأتي، وهذا يُنافي وَقْفَه. وأنشد سيبويه :
وَيْ كأنْ مَنْ يكنْ له نَشَبٌ يُحْبَبْ ومَنْ يَفْتَقِرْ يَعِشْ عيشَ ضُرِّ
الثاني : قال بعضهم : قوله :" كأنَّ " هنا للتشبيه، إلاَّ أنه ذهب منها معناه، وصارت للخبرِ واليقين. وأنشد :
كأنني حين أُمْسِي لا تُكَلِّمُنيمُتَيَّمٌ يَشْتهي ما ليس موجودا
وهذا أيضاً يناسِبُه الوقفُ على " وَيْ ".
الثالث : أنَّ " وَيْكَ " كلمةٌ برأسِها، والكافَ حرفُ خطابٍ، و " أنَّ " معمولٌه محذوفٌ أي : أعلمُ أنه لا يُفْلِحُ. قاله الأخفش. وعليه قولُه :
ألا وَيْكَ المَسَرَّةُ لا تَدُوْمُولا يَبْقى على البؤسِ النعيمُ
وقال عنترةُ :
ولقد شَفَى نفسي وأَبْرَأَ سُقْمَها/قيلُ الفوارسِ وَيْكَ عنترَ أَقْدمِ
وحقُّه أَنْ يقفَ على " وَيْكَ " وقد فعله أبو عمرو بن العلاء.
الرابع : أنَّ أصلَها وَيْلك فحذف. وإليه ذهب الكسائيُّ ويونس وأبو حاتم. وحقُّهم أَنْ يقفوا على الكافِ كما فعل أبو عمرٍو. ومَنْ قال بهذا استشهد بالبيتين المتقدمين ؛ فإنه يُحتمل أَنْ يكونَ الأصلُ فيهما : وَيْلَكَ، فحذف. ولم يُرسَمْ في القرآن إلاَّ : وَيْكأنَّ، ويْكَأنَّه متصلةً في الموضعين، فعامَّةُ القراءِ اتَّبعوة الرسمَ، والكسائيُّ وقف على " وَيْ "، وأبو عمرٍو على وَيْكَ. وهذا كلُّه في وَقْفِ الاختبارِ دونَ الاختيارِ كنظائرَ تقدَّمَتْ.
الخامس : أنَّ " وَيْكأنَّ " كلَّها كلمةٌ متصلةٌ بسيطةٌ، ومعناها : ألم تَرَ، ورُبَّما نُقِل ذلك عن ابن عباس. ونَقَلَ الكسائيُّ والفراء أنها بمعنى : أما ترى إلى صُنْعِ الله. وحكى ابن قتيبة أنها بمعنى : رَحْمَةً لك، في لغة حِمْير.
قوله :﴿لَوْلا أَن مَّنَّ﴾ قرأ الأعمشُ " لولا مَنَّ " بحذفِ " أنْ " وهي مُرادةٌ ؛ لأنَّ " لولا " هذه لا يَليها إلاَّ المبتدأُ. وعنه " مَنُّ " برفع النونِ وجَرِّ الجلالةِ وهي واضحةٌ.
قوله :﴿لَخَسَفَ﴾ حفص :" لَخَسَفَ " مبنياً للفاعل أي : الله تعالى. والباقون ببنائِه للمفعولِ. و " بنا " هو القائمُ مَقامَ الفاعلِ. وعبد الله وطلحةُ " لا نْخُسِفَ بنا " أي : المكان. وقيل :" بنا " هو القائمُ مَقامَ الفاعلِ، كقولك " انقُطِع بنا " وهي عبارةٌ. . . وقيل : الفاعلُ ضميرُ المَصدرِ أي : لا نخسَفَ الانخسافَ، وهي عِيٌّ أيضاً. وعن عبدِ الله " لَتُخُسِّفَ " بتاءٍ من فوقُ وتشديدِ السين مبنياً للمفعولِ، و " بنا " قائمةٌ مقامَه.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى