قال مقاتل بن سليمان: ﴿فَأَمّا مَن أعْطى واتَّقى﴾ نزلت هذه الآية في أبي بكر الصِّدِّيق رضي الله عنه، وذلك أنه مَرّ على أبي سفيان، وهو صخر بن حرب، وإذا هو يُعذِّب بلالًا على إسلامه، وقد وضع حجرًا على صدره، فهو يُعذّبه عذابًا شديدًا، فقال له أبو بكر الصِّدِّيق رضي الله عنه: أُتعذّب عبدًا على معرفة ربِّه؟ قال أبو سفيان: أما -والله- إنه لم يُفسد هذا العبدَ الأسودَ غيرُكم، أنتَ وصاحبك. يعني: رسول الله ﷺ، قال له أبو بكر رضي الله عنه: هل لك أنْ أشتريه منك؟ قال: نعم. قال أبو بكر: واللهِ، ما أجد لهذا العبد ثمنًا. قال له صخر بن حرب: واللهِ، إنّ جبلًا من شَعر أحبّ إليّ منه. فقال له الصِّدِّيق أبو بكر: واللهِ، إنه خير من مِلء الأرض ذهبًا. قال له أبو سفيان: اشتره مني. قال له أبو بكر: قد اشتريتُ هذا العبد الذي على ديني بعبدٍ مثله على دينك. فرضي أبو سفيان، فاشترى أبو بكر بلالًا رضي الله عنه، فأَعتقه، قال أبو سفيان لأبي بكر رضي الله عنه: أفسدتَ مالك ومال أبي قحافة. قال: أرجو بذلك المغفرة من ربي. قال: متى هذا؟ قال أبو بكر رضي الله عنه: يوم تدخل سقر تُعذّب. قال: أليس تعِدني هذا بعد الموت؟ قال: نعم. قال: فضحك الكافر، واستلقى، وقال: يا عتيق، أتعِدني البعث بعد الموت، وتأمرني أنْ أرفض مالي إلى ذلك اليوم؟! لقد خسرتَ، واللّات والعُزّى، إنّ مالك قد ضاع، وإنك لا تصيب مثله أبدًا. قال له أبو بكر رضي الله عنه: والله، لأُذكِّرنك هذا اليوم، يا أبا سفيان. فأنزل الله عز وجل: ﴿فَأَمّا مَن أعْطى واتَّقى وصَدَّقَ بِالحُسْنى﴾
زاد ابنُ عطية (٨/٦٠٤) في معنى الآية قولين آخرين، فقال: «وقيل: المراد: فجر العيون من الصخور وغيرها. وقال عكرمة: المراد: فجر يوم الجمعة». وذكر ابن القيم (٣/٢٩٦) أنّ قوله تعالى: ﴿والفَجْرِ﴾ «إنْ أريد به جنس الفجر كما هو ظاهر اللفظ فإنه يتضمّن وقت صلاة الصبح، التي هي أول الصلوات، فافتتح القسم بما يتضمّن أول الصلوات، وختمه بقوله: ﴿واللَّيْلِ إذا يَسْرِ﴾ المتضمّن لآخر الصلوات: وإنْ أريد بالفجر فجر مخصوص فهو فجر يوم النَّحر وليلته التي هي ليلة عرفة، فتلك الليلة من أفضل ليالي العام، وما رئي الشيطان في ليلة أدحر ولا أحقر ولا أغيظ منه فيها، وذلك الفجر فجر يوم النَّحر الذي هو أفضل الأيام عند الله... وعلى هذا فقد تضمّن القَسم المناسك والصلوات، وهما المختصان بعبادة الله والخضوع له والتواضع لعظمته، ولهذا قال الخليل عليه السلام: ﴿قُلْ إنَّ صَلاتِي ونُسُكِي ومَحْيايَ ومَماتِي لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الأنعام:١٦٢]، وقيل لخاتم الرسل ﷺ: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وانْحَرْ﴾ [الكوثر:٢]، بخلاف حال المشركين المُتكبِّرين الذين لا يعبدون الله وحده، بل يُشركون به، ويستكبرون عن عبادته كحال مَن ذُكر في هذه السورة من قوم عاد وثمود وفرعون»
وجَّه ابن كثير (٧/٧٤) قولَ ابن عباس والسدي قائلًا: «وهذا يحتمل أن يكون هذا التمييز في الآخرة، كقوله: ﴿ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أشْرَكُوا مَكانَكُمْ أنْتُمْ وشُرَكاؤُكُمْ فَزَيَّلْنا بَيْنَهُمْ﴾ [يونس:٢٨]، وقال تعالى: ﴿ويَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ﴾ [الروم:١٤]، وقال في الآية الأخرى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ﴾ [الروم:٤٣]، وقال تعالى: ﴿وامْتازُوا اليَوْمَ أيُّها المُجْرِمُونَ﴾ [يس:٥٩]. ويحتمل أن يكون هذا التمييز في الدنيا، بما يظهر من أعمالهم للمؤمنين، وتكون»اللام«مُعَلِّلة لِما جعل الله للكفار من مال ينفقونه في الصد عن سبيل الله، أي: إنما أقْدَرْناهم على ذلك: ﴿لِيَمِيزَ اللَّهُ الخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾، أي: من يطيعه بقتال أعدائه الكافرين، أو يعصيه بالنكول عن ذلك، كقوله: ﴿وما أصابَكُمْ يَوْمَ التَقى الجَمْعانِ فَبِإذْنِ اللَّهِ ولِيَعْلَمَ المُؤْمِنِينَ * ولِيَعْلَمَ الَّذِينَ نافَقُوا وقِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا قاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أوِ ادْفَعُوا قالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتالا لاتَّبَعْناكُمْ﴾ الآية [آل عمران:١٦٦، ١٦٧]، وقال تعالى: ﴿ما كانَ اللَّهُ لِيَذَرَ المُؤْمِنِينَ عَلى ما أنْتُمْ عَلَيْهِ حَتّى يَمِيزَ الخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وما كانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلى الغَيْبِ﴾ الآية [آل عمران:١٧٩]، وقال تعالى: ﴿أمْ حَسِبْتُمْ أنْ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ ولَمّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنكُمْ ويَعْلَمَ الصّابِرِينَ﴾ [آل عمران:١٤٢]، ونظيرتها في براءة أيضًا». ووجَّهه ابن عطية (٤/١٨٨) قائلًا: «واللام -على هذا التأويل- من قوله: ﴿لِيَمِيزَ﴾ متعلق بـ﴿يُحْشَرُونَ﴾، والمعنى: أنّ الله يحشر الكافرين إلى جهنم لِيَمِيز الكافرين من المؤمنين بأن يجمع الكافرين جميعًا فيلقيهم في جهنم». وزاد ابن عطية قولًا آخر حكاه عن ابن سلّام والزجاج أنهما قالا: «المعني بـ»الخبيث«المال الذي أنفقه المشركون في الصد عن سبيل الله، والطيب هو ما أنفقه المؤمنون في سبيل الله». ووجّهه بقوله: «واللام على هذا التأويل من قوله ﴿ليميز﴾ متعلقة بـ﴿يغلبون﴾، والمعنى: الكفار ينفقون أموالهم فتكون عليهم حسرة ثم يغلبون مع نفقتها، وذلك ليميز الله الفرق بين الخبيث والطيب فيخذل أهل الخبيث وينصر أهل الطيب، وقوله تعالى -على هذا التأويل-: ﴿ويجعل الخبيث بعضه على بعض﴾ إلى قوله: ﴿في جهنم﴾ مترتب على ما رُوي عن رسول الله ﷺ أن الله تعالى يخرج من الأموال ما كان صدقة أو قربة يوم القيامة ثم يأمر بسائر ذلك فيلقى في النار»
ذكر ابنُ عطية (٧/٢٣٩) في قوله: ﴿إذ جاءها المرسلون﴾ قولين: الأول: أنهم من الحواريين. كما في قول قتادة. الثاني: أنهم أنبياء مِن قِبَل الله. وعلّق على القول الثاني بقوله: «وهذا يرجحه قولُ الكَفَرة: ﴿ما أنْتُمْ إلّا بَشَرٌ مِثْلُنا﴾؛ فإنها محاورة إنما تقال لِمَن ادعى الرسالة عن الله تعالى». ثم قال: «والآخر محتمل». ورجّح ابنُ تيمية (٥/٣١٨-٣٢٣) مستندًا إلى الدلالة التاريخية، وظاهر القرآن، والدلالة العقلية أنّ هؤلاء الرسل كانوا رُسُلًا لله قبل المسيح، وانتقد قولَ مَن جعلهم مِن الحواريين مِن وجوه عدة، ذكر منها: الأول: أنّ إرسال هؤلاء الرسل كان قبل المسيح، والمسيح ذهب إلى أنطاكية اثنان من أصحابه بعد رفعه إلى السماء، ولم يعززوا بثالث، ولا كان حبيب النجار موجودًا إذ ذلك. الثاني: ليس في القرآن آيةٌ تنطق بأنّ الحواريين رسل الله، بل ولا صرح في القرآن بأنه أرسلهم. الثالث: أن المعروف عند النصارى أن أهل أنطاكية آمنوا بالحواريين واتبعوهم، ولم يهلك الله أهل أنطاكية. الرابع: أنّ الرسل في القرآن ثلاثة، وجاءهم من أقصا المدينة رجل يسعى، والذين جاءوا مِن أتباع المسيح كانوا اثنين، ولم يأتهم رجل يسعى، لا حبيب ولا غيره. الخامس: أن الله تعالى قال: ﴿قالوا ما أنتم إلا بشر مثلنا﴾، ولو كانوا رسل رسول لكان التكذيب لمن أرسلهم، ولم يكن في قولهم: إن أنتم إلا بشر مثلنا. شبهة، فإن أحدًا لا ينكر أن يكون رسلُ رسلِ الله بشرًا، وإنما أنكروا أن يكون رسول الله بشرًا. السادس: أنه إذا كانت رسل محمد ﷺ لم يتناولهم اسم «رسل الله» في الكتاب الذي جاء به، فكيف يجوز أن يقال: إنّ هذا الاسم يتناول رسل رسول غيره؟!. وانتقد ابنُ كثير (١١/٢٥٧) مستندًا إلى الدلالة العقلية، وظاهر الآية القول الأول، فقال: «ظاهر القصة يدل على أن هؤلاء كانوا رسل الله عز وجل، لا من جهة المسيح، كما قال تعالى: ﴿إذ أرسلنا إليهم اثنين فكذبوهما فعززنا بثالث فقالوا إنا إليكم مرسلون﴾ إلى أن قالوا: ﴿ربنا يعلم إنا إليكم لمرسلون * وما علينا إلا البلاغ المبين﴾ [يس:١٤-١٧]. ولو كان هؤلاء من الحواريين لقالوا عبارة تناسب أنهم من عند المسيح، عليه السلام، والله أعلم. ثم لو كانوا رسل المسيح لما قالوا لهم: ﴿ما أنتم إلا بشر مثلنا﴾»
اختُلف في قوله: ﴿ولا تمنن تستكثر﴾ على أقوال: الأول: ولا تُعطِ -يا محمد- عَطِيّة لِتُعطى أكثر منها. الثاني: ولا تَمْنُن عملك على ربّك تَسْتَكْثِر. الثالث: لا تَضْعُف أن تَسْتَكْثِر من الخير. الرابع: لا تَمْنُن بالنبوة على الناس، تأخذ عليه منهم أجرًا. ووجّه ابنُ عطية (٨/٤٥٣) القول الأول، فقال: «فكأنه من قولهم: مَنَّ إذا أعطى، وقال الضَّحّاك: وهذا خاصٌّ بالنبي عليه السلام، ومباح لأُمّته، لكن لا أجر لهم فيه. قال مكي: وهذا معنى قوله تعالى: ﴿وما آتَيْتُمْ مِن رِبًا لِيَرْبُوا فِي أمْوالِ النّاسِ فَلا يَرْبُوا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [الروم:٣٩]». وانتقده مستندًا للسياق، فقال: «وهذا معنًى أجنبي مِن معنى هذه السورة». وعلّق على القول الثاني بقوله: «ففي هذا التأويل تحريض على الجد، وتخويف». وعلّق على القول الثالث، فقال: «وقال مجاهد: معناه: ولا تَضْعُف تَسْتَكْثِر ما حمّلناك من أعباء الرسالة وتَسْتَكْثِر من الخير. فهذه من قولهم: حبل منين، أي: ضعيف». وقد رجح ابنُ جرير (٢٣/٤١٧) -مستندًا إلى السياق، والقراءات- القول الثاني، فقال: «وإنما قلتُ ذلك أولى بالصواب؛ لأن ذلك في سياق آيات تَقدّم فيهنّ أمْر الله نبيّه ﷺ بالجد في الدعاء إليه، والصبر على ما يَلقى من الأذى فيه، فهذه بأن تكون من أنواع تلك أشبه منها بأن تكون من غيرها. وذكر عن عبد الله بن مسعود أنّ ذلك في قراءته: (ولا تَمْنُنْ أن تَسْتَكْثِر)»
عن عمر بن الخطاب -من طريق ابن عمر- في قوله: ﴿وقالُوا قُلُوبُنا فِي أكِنَّةٍ﴾ الآية، قال: أقبلتْ قريشُ إلى النبي ﷺ، فقال لهم: «ما يمنعكم من الإسلام؛ فتسُودوا العرب؟». فقالوا: يا محمد، ما نفقه ما تقول، ولا نسمعه، وإنّ على قلوبنا لغُلْفًا. وأخذ أبو جهل ثوبًا، فمدّه فيما بينه وبين النبي ﷺ، فقال: يا محمد، ﴿قُلُوبُنا فِي أكِنَّةٍ مِمّا تَدْعُونا إلَيْهِ وفِي آذانِنا وقْرٌ ومِن بَيْنِنا وبَيْنِكَ حِجابٌ﴾. فقال لهم النبيُّ ﷺ: «أدعوكم إلى خَصلتين: أن تشهدوا أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأني رسول الله». فلما سمعوا شهادة أن لا إله إلا الله ﴿ولَّوْا عَلى أدْبارِهِمْ نُفُورًا﴾ [الإسراء:٤٦]، وقالوا: ﴿أجَعَلَ الآلِهَةَ إلَهًا واحِدًا إنَّ هَذا لَشَيْءٌ عُجابٌ﴾ [ص:٥]. وقال بعضهم لبعض: ﴿امْشُوا واصْبِرُوا عَلى آلِهَتِكُمْ إنَّ هَذا لَشَيْءٌ يُرادُ ما سَمِعْنا بِهَذا فِي المِلَّةِ الآخِرَةِ إنْ هَذا إلّا اخْتِلاقٌ أأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِن بَيْنِنا﴾ [ص:٦-٨]. فهبط جبريل، فقال: يا محمد، إنّ الله يقرئك السلام، ويقول: أليس يزعم هؤلاء أن على قلوبهم أكِنّة أن يفقهوه، وفي آذانهم وقْر، فليس يسمعون قولك؟! كيف ﴿وإذا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي القُرْآنِ وحْدَهُ ولَّوْا عَلى أدْبارِهِمْ نُفُورًا﴾ [الإسراء:٤٦]، لو كان كما زعموا لم ينفروا، ولكنهم كاذبون، يسمعون ولا ينتفعون بذلك كراهية له. فلما كان من الغَد أقبل منهم سبعون رجلًا إلى النَّبِيّ ﷺ، فقالوا: يا محمد، اعْرض علينا الإسلام. فلما عرض عليهم الإسلام أسلموا عن آخرهم، فتبسم النبيُّ ﷺ، فقال: «الحمد الله، بالأمس تزعمون أنّ على قلوبكم غُلفًا، وقلوبكم في أكِنّة مما ندعوكم إليه، وفي آذانكم وقْرًا، وأصبحتم اليوم مسلمين». فقالوا: يا رسول الله، كذبنا -واللهِ- بالأمس، لو كان كذلك ما اهتدينا أبدًا، ولكن الله الصادق، والعباد الكاذبون عليه، وهو الغني، ونحن الفقراء إليه
اختُلِف في تأويل قوله تعالى: ﴿إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا﴾ على أربعة أقوال: الأول: أنه ليس له قدرة على أن يحملهم على ذنب لا يغفر. والثاني: أنه ليس له حجة على ما يدعوهم إليه من المعاصي. والثالث: أنه ليس له عليهم سلطان؛ لاستعاذتهم بالله منه. والرابع: أنه ليس له عليهم سلطان بحال؛ لأن الله تعالى صرف سلطانه عنهم. ورجَّحَ ابنُ جرير (١٤/٣٦٠) القولَ الثالثَ استنادًا إلى السياق، والنظائر، وقال مُعَلِّلًا اختياره: «إنما قلنا ذلك أولى التأويلات بالآية لأن الله -تعالى ذكره- أتبع هذا القولَ: ﴿فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم﴾، وقال في موضع آخر: ﴿وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله، إنه سميع عليم﴾ [الأعراف:٢٠٠]، فكان بيِّنًا بذلك أنه إنما ندب عباده إلى الاستعاذة منه في هذه الأحوال؛ ليعيذهم من سلطانه». والظاهر من كلام ابن عطية (٥/٤٠٧) أنه اختار الأول، واستدرك على الثاني استنادًا إلى القرآن، حيث قال: «أخبر الله تعالى أن إبليس ليس له ملكة ولا رياسة، هذا ظاهر»السلطان«عندي في هذه الآية، وذلك أن»السلطان«إن جعلناه»الحجة«فليس له حجة في الدنيا على أحد لا مؤمن ولا كافر، اللهم إلا أن يتأوَّلَ متأوِّل: ليس له سلطان يوم القيامة. فيستقيم أن يكون بمعنى الحجة؛ لأن إبليس له حجة على الكافرين أنه دعاهم بغير دليل فاستجابوا له مِن قِبَل أنفسهم، وهؤلاء الذين لا سلطان ولا رياسة لإبليس عليهم هم المؤمنون أجمعون؛ لأن الله لم يجعل سلطانه إلا على المشركين الذين يتولونه، والسلطان منفي هاهنا في الإشراك؛ إذ له عليهم ملكة ما في المعاصي، وهم الذين قال الله فيهم: ﴿إن عبادي ليس لك عليهم سلطان﴾ [الحجر:٤٢]، وهم الذين قال إبليس فيهم: ﴿إلا عبادك منهم المخلصين﴾ [الحجر:٤٠]». غير أنه ذكر له وجْهًا يمكن أن يحمل عليه، فقال: «اللهم إلا أن يتأوَّلَ متأوِّل: ليس له سلطان يوم القيامة. فيستقيم أن يكون بمعنى الحجة؛ لأن إبليس له حجة على الكافرين أنه دعاهم بغير دليل فاستجابوا له مِن قِبَل أنفسهم». ورَجَّحَ ابنُ القيم (٢/١٢٦) القول الرابع استنادًا إلى القرآن، فقال: «الصواب: أن يقال: ليس له طريق يتسلط به عليهم، لا من جهة الحجة، ولا من جهة القدرة. والقدرة داخلة في مسمى السلطان، وإنما سميت الحجة: سلطانًا؛ لأن صاحبها يتسلط بها تسلط صاحب القدرة بيده، وقد أخبر سبحانه أنه لا سلطان لعدوه على عباده المخلصين المتوكلين، فقال في سورة الحجر [٣٩-٤٢]: ﴿قالَ رَبِّ بما أغْوَيْتَنِي لأزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الأرْضِ ولأغْوِيَنّهُمْ أجْمَعِينَ إلا عِبادَكَ مِنهُمُ المخْلَصِينَ قالَ هذا صِراطٌ عَلىَّ مُسْتَقِيمٌ إنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ إلا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الغاوِينَ﴾، وقال في سورة النحل: ﴿إنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ عَلى الّذِينَ آمَنُوا وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكّلُونَ * إنّما سُلْطانُهُ عَلى الَّذِينَ يَتَوَلّوْنَهُ والَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشرِكُونَ﴾، فتضمن ذلك أمرين: أحدهما: نفي سلطانه، وإبطاله على أهل التوحيد والإخلاص. والثاني: إثبات سلطانه على أهل الشرك، وعلى مَن تولاه»
عن زيد بن ثابت -من طريق ابن السَّبّاقِ- قال: أرسل إلَيَّ أبو بكر مَقتلَ أهل اليمامة، وعنده عمر، فقال أبو بكر: إنّ عمر أتاني، فقال: إنّ القتل قدِ اسْتَحَرَّ يومَ اليمامة بالناس، وإنِّي أخشى أن يَسْتَحِرَّ القتلُ بالقُرّاءِ في المواطن، فيذهب كثير من القرآن إلا أن تجمعوه، وإني أرى أن تجمع القرآن. قال أبو بكر: فقلتُ لعمر: كيف أفعلُ شيئًا لم يفعله رسولُ الله ﷺ؟! فقال عمر: هو -واللهِ- خيرٌ. فلَمْ يزل عمرُ يُراجعني فيه حتى شرح الله لذلك صدري، ورأيتُ الذى رأى عمر. قال زيد بن ثابت: وعمر جالسٌ عنده لا يتكلم. فقال أبو بكر: إنّك رجلٌ شابٌّ عاقِلٌ ولا نَتَّهمك، كنت تكتب الوحيَ لرسول الله ﷺ؛ فتَتَبَّعِ القرآنَ فاجْمَعْهُ. فواللهِ، لو كلَّفونى نقل جَبَل مِن الجبال ما كان أثقل عَلَيَّ مما أمرانى به مِن جمع القرآن، قلتُ: كيف تفعلان شيئًا لم يفعله رسول الله ﷺ؟! فقال أبو بكر: هو -واللهِ- خير. فلم أزل أُراجعه حتى شرح الله صدري للذي شرح له صدر أبي بكر وعمر، فقمتُ، فتَتَبَّعْتُ القرآنَ أجمعه مِن الرِّقاع، والأكتاف، والعُسُب، وصدور الرجال، حتى وجدتُ مِن سورة التوبة آيتين معَ خزيمة بن ثابت الأنصارى، لم أجدهما معَ أحدٍ غيره: ﴿لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم﴾ إلى آخرهما، وكانت الصحف التى جُمع فيها القرآن عند أبي بكر حتى توفّاه الله، ثم عند عمر حتى توفّاه الله، ثم عند حفصة بنت عمر
قال محمد بن إسحاق -من طريق سَلَمة- في ذلك: الله أعلم، أكَما قال ابن عباس وأهل التوراة، أم أنه خَلَص إلى آدم وزوجته بسُلْطانه الذي جعل الله له؛ ليبتلي به آدم وذريته؟ وأنه يأتي ابن آدم في نومته، وفي يقظته، وفي كل حال من أحواله، حتى يخلص إلى ما أراد منه، حتى يدعوه إلى المعصية، ويوقع في نفسه الشهوة وهو لا يراه، وقد قال الله -تعالى ذِكْرُه-: ﴿فوسوس لهما الشيطان﴾، ﴿فأخرجهما مما كانا فيه﴾. وقال: ﴿يا بني آدم لا يفتننكم الشيطان كما أخرج أبويكم من الجنة ينزع عنهما لباسهما ليريهما سوآتهما إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم إنا جعلنا الشياطين أولياء للذين لا يؤمنون﴾ [الأعراف:٢٧]. وقد قال الله لنبيه -عليه الصلاة والسلام-: ﴿قل أعوذ برب الناس ملك الناس﴾ [الناس:١-٢] إلى آخر السورة. ثم ذكر الأخبار التي رُوِيت عن النبي ﷺ أنّه قال: «إنّ الشيطان يجري من ابن آدم مَجْرى الدَّم». ثم قال ابنُ إسحاق: وإنما أمر ابن آدم فيما بينه وبين عدو الله كأمره فيما بينه وبين آدم، فقال الله: ﴿فاهبط منها فما يكون لك أن تتكبر فيها فاخرج إنك من الصاغرين﴾ [الأعراف:١٣]. ثم خلص إلى آدم وزوجته حتى كَلَّمَهما، كما قَصَّ الله علينا من خبرهما، قال: ﴿فوسوس إليه الشيطان قال يا آدم هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى﴾ [طه:١٢٠]. فخلص إليهما بما خلص إلى ذريته من حيث لا يريانه، فالله أعلم أيّ ذلك كان، فتابا إلى ربهما
أفادت الآثارُ اختلافَ المفسرين في تعيين الأشهر الحرم في هذه الآية على قولين: الأول: هي ذو القعدة، وذو الحجة، ومحرم، ورجب. والثاني: أنها الأربعة التي قال الله فيها: ﴿فَسِيحُوا فِي الأَرْضِ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ﴾، وهي: عشرون من ذي الحجة، والمحرم، وصفر، وربيع أول، وعشر من ربيع الآخر. ورجَّح ابنُ كثير (٧/١٤٨) مستندًا إلى السياق، وإلى لغة العرب القولَ الثاني، فقال: «والذي يظهر من حيث السياق ما ذهب إليه ابنُ عباس في رواية العوفي عنه، وبه قال مجاهد، وعمرو بن شعيب، ومحمد بن إسحاق، وقتادة، والسدي، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم: أنّ المراد بها أشهر التسيير الأربعة المنصوص عليها في قوله: ﴿فَسِيحُوا فِي الأرْضِ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ﴾، ثم قال: ﴿فَإذا انْسَلَخَ الأشْهُرُ الحُرُمُ﴾، أي: إذا انقضت الأشهر الأربعة التي حرَّمنا عليكم فيها قتالهم، وأجَّلناهم فيها، فحيثما وجدتموهم فاقتلوهم؛ لأن عود العهد على مذكور أولى من مُقَدَّر؛ ثم إنّ الأشهر الأربعة المحرمة سيأتي بيان حكمها في آيةٍ أخرى بعدُ في هذه السورة الكريمة». وانتقد ابنُ تيمية (٨/٥١٤ منهاج السنة النبوية) القولَ الأول قائلًا: «وهذه الحرم المذكورة في قوله: ﴿فَإذا انْسَلَخَ الأَشْهُرُ الحُرُمُ فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهُمْ﴾ الآية ليس المراد الحرم المذكورة في قوله: ﴿مِنها أرْبَعَةٌ حُرُمٌ﴾ [التوبة:٣٦]، ومن قال ذلك فقد غلط غلطًا معروفًا عند أهل العلم»