اختُلف في قوله: ﴿ما أدْرِي ما يُفْعَلُ بِي ولا بِكُمْ﴾ على أقوال: الأول: أن المعنى: في الآخرة، وكان هذا في صدر الإسلام، ثم بعد ذلك عرّفه الله تعالى بأنه قد غفر له ما تقدّم من ذنبه وما تأخر، وبأن المؤمنين لهم من الله فضل كبير وهو الجنة، وبأن الكافرين في نار جهنم. الثاني: أنه ﷺ أُمر أن يقول هذا في أمرٍ كان ينتظره مِن الله في غير الثواب والعقاب. الثالث: أن معنى الآية: لا أدري ما أؤمر به، ولا ما تؤمرون به. الرابع: أن المعنى: ما أدري ما يُفعل بي ولا بكم في الدنيا مِن أن أُنصر عليكم أو من أن تُمكّنوا مني. ورجَّح ابن جرير (٢١‏/‏١٢٣-١٢٤) -مستندًا إلى السياق- القولَ الأخير الذي قاله الحسن من طريق أبي بكر الهذلي. وانتقد -مستندًا لمخالفته الدلالة العقلية- القول الأول، فقال: «لأن الخطاب من مبتدأ هذه السورة إلى هذه الآية، والخبر خرج من الله عز وجل خطابًا للمشركين، وخبرًا عنهم، وتوبيخًا لهم، واحتجاجًا من الله -تعالى ذكره- لنبيّه ﷺ؛ فإذا كان ذلك كذلك فمعلوم أن هذه الآية أيضًا سبيلها سبيل ما قبلها وما بعدها في أنها احتجاج عليهم، وتوبيخ لهم، أو خبر عنهم. وإذا كان ذلك كذلك فمحال أن يقال للنبي ﷺ: قل للمشركين: ما أدري ما يُفعل بي ولا بكم في الآخرة. وآيات كتاب الله عز وجل في تنزيله ووحيه إليه متتابعة بأن المشركين في النار مُخلّدون، والمؤمنون به في الجنان مُنعَّمون، وبذلك يُرهبهم مرة، ويرغّبهم أخرى، ولو قال لهم ذلك لقالوا له: فعلام نتّبعك إذن وأنت لا تدري إلى أيِّ حال تصير غدًا في القيامة؛ إلى خفْض ودَعة، أم إلى شدّة وعذاب! وإنما اتّباعنا إياك إن اتبعناك، وتصديقنا بما تدعونا إليه، رغبة في نعمة، وكرامة نصيبها، أو رهبة من عقوبة، وعذاب نهرب منه». وعلَّق ابنُ كثير (١٣‏/‏٩) على القول الأخير بقوله: «هذا القول هو الذي عوّل عليه ابن جرير، وأنه لا يجوز غيره، ولا شكّ أن هذا هو اللائق به ﷺ؛ فإنه بالنسبة إلى الآخرة جازم أنه يصير إلى الجنة هو ومن اتّبعه، وأما في الدنيا فلم يدرِ ما كان يؤول إليه أمره وأمر مشركي قريش إلى ماذا: أيؤمنون أم يكفرون، فيُعذَّبون فيُستَأصلون بكفرهم؟»

اختُلف في الشهيد على قولين: الأول: أنه من المشاهدة وهي الحضور. الثاني: أنه شهيد من الشهادة، وفيه على هذه أقوال: الأول: أنه شهادة من الله عنده على صحة نبوة رسول الله بما علمه من الكتب المنزلة. الثاني: أنه شاهد على صحة ما معه من الإيقان. ذكره ابنُ القيم (٣‏/‏١٥). الثالث: أنه شاهد من الشهداء على الناس يوم القيامة. ذكره ابن القيم. ورجَّح ابنُ القيم -مستندًا إلى اللغة- القول بأنه من المشاهدة، فقال: «والصواب القول الأول؛ فإن قوله: ﴿وهو شهيد﴾ جملة حالية؛ الواو فيها واو الحال، أي: ألقى السمع في هذه الحال، وهذا يقتضى أن يكون حال إلقائه السمع شهيدًا، وهذا هو من المشاهدة والحضور». وانتقد (٣‏/‏١٥-١٦) القول بأنه من الشهادة مستندًا للعموم، وأحوال النزول، ودلالة العقل، واللغة، فقال: «ولو كان المراد به الشهادة في الآخرة أو الدنيا لما كان لتقييدها بإلقاء السمع معنًى؛ إذ يصير الكلام: إنّ في ذلك لآية لمن كان له قلب أو ألقي السمع حال كونه شاهدًا بما معه في التوراة أو حال كونه شاهدًا يوم القيامة. ولا ريب أن هذا ليس هو المراد بالآية. وأيضًا فالآية عامة في كلّ مَن له قلب وألقى السمع فكيف يُدّعى تخصيصها بمؤمني أهل الكتاب الذين عندهم شهادة مِن كتبهم على صفة النبي؟ وأيضًا فالسورة مكية والخطاب فيها لا يجوز أن يختص بأهل الكتاب، ولا سيما مثل هذا الخطاب الذي علق فيه حصول مضمون الآية ومقصودها بالقلب الواعي وإلقاء السمع، فكيف يقال: هي في أهل الكتاب؟! فإن قيل: المختص بهم قوله: ﴿وهو شهيد﴾ فهذا أفسد وأفسد؛ لأن قوله: ﴿وهو شهيد﴾ يرجع الضمير فيه إلى جملة مَن تقدم، وهو مَن له قلب أو ألقى السمع، فكيف يُدّعى عوده الى شيء غايته أن يكون بعض المذكور أولًا، ولا دلالة في اللفظ عليه. وأيضًا فإن المشهود به محذوف، ولا دلالة في اللفظ عليه، فلو كان المراد به وهو شاهد بكذا لذكر المشهود به؛ إذ ليس في اللفظ ما يدل عليه، وهذا بخلاف ما إذا جعل من الشهود وهو الحضور، فإنه لايقتضى مفعولًا مشهودًا به، فيتم الكلام بذكره وحده»

اختُلف في الموصوف باللبث أحقابًا على قولين: الأول: الكفار. الثاني: عُصاة المؤمنين. وكذا اختُلف في مدة الحُقُب على أقوال: الأول: ألف شهر. الثاني: ثلاثون ألف سنة. الثالث: ثمانون سنة. الرابع: بضع وثمانون سنة. الخامس: أربعون سنة. السادس: ثلاثمائة سنة. السابع: ثمانون ألف سنة. الثامن: سبعون ألف سنة. التاسع: سبع عشرة ألف سنة. العاشر: أنّ الحُقُب لا حَدّ له. وقد ذكر ابنُ جرير (٢٤‏/‏٢٦ بتصرف) هذا الخلاف، ثم قال: «الذي قاله قتادة والربيع بن أنس في ذلك أصح. فإن قيل: فما للكفار عند الله عذاب إلا أحقابًا. قيل: إنّ الربيع وقتادة قد قالا: إنّ هذه الأحقاب لا انقضاء لها ولا انقطاع. وقد يحتمل أن يكون معنى ذلك: ﴿لابثين فيها أحقابا﴾، في هذا النوع من العذاب هو أنهم: ﴿لا يذوقون فيها بردا ولا شرابا إلا حميما وغساقا﴾، فإذا انقضتْ تلك الأحقاب صار لهم من العذاب أنواع غير ذلك، كما قال -جلّ ثناؤه- في كتابه: ﴿وإن للطاغين لشر مآب جهنم يصلونها فبئس المهاد هذا فليذوقوه حميم وغساق وآخر من شكله أزواج﴾ [ص:٥٥-٥٨]، وهذا القول عندي أشبه بمعنى الآية». وذكر ابنُ عطية (٨‏/‏٥١٨) هذه الأقوال، ثم قال معلّقًا: «اللازم أنّ الله تعالى أخبر عن الكفار أنهم يَلبثون أحْقابًا، كلّما مَرّ حُقُب جاء غيره إلى ما لا نهاية». وانتقد -مستندًا إلى السياق- قول مَن جعلها في عُصاة المؤمنين بقوله: «وهذا أيضًا ضعيف، ما بعده في السورة يرد عليه». وذكر ابنُ تيمية (٦‏/‏٤٥٣) نحو ما جاء في كلام ابن جرير مِن أنّ قوله: ﴿لابثين فيها أحقابا﴾ أي: في هذا النوع من العذاب عن الزّجّاج، وانتقده مستندًا إلى الدلالة العقلية، والإجماع، فقال: «وهذا الذي قاله الزّجّاج شاذٌّ، خلاف ما عليه الأولون والآخرون، وهو خلاف ما دلّ عليه القرآن، فإنّ هذا يقتضي أنهم يَبقون بعد الأحقاب فيها، ولكن لا يَذوقون البرد والشراب حينئذ، وهذا باطل قطعًا، ثم إذا ذاقوا البَرد والشراب فهذا نعيم، فكيف يكونون مُعذّبين فيها ذلك؟!»

اختُلف في معنى: ﴿وأَنْتَ حِلٌّ بِهَذا البَلَدِ﴾ على قولين: الأول: أنت حلال بهذا البلد يحلّ لك فيه قتْل مَن شئتَ. الثاني: أنت مُحِلٌّ بهذا البلد غير محرم في دخوله. ووجَّه ابنُ عطية (٨‏/‏٦١٨) القول الأول بقوله: «وكان هذا يوم فتح مكة، وعلى هذا يتركب قول مَن قال: السورة مدنية نزلت عام الفتح. ويتركب على هذا التأويل قول مَن قال: ﴿لا﴾ نافية، أي: إنّ هذا البلد لا يُقسِم الله به، وقد جاء أهله بأعمال توجب إحلال حُرمته. ويتَّجه أيضًا أن تكون ﴿لا﴾ غير نافية». ووجَّه ابنُ القيم (٣‏/‏٣٠٣) القول الثاني بأنه «حلال ساكن البلد، بخلاف المحرم الذي يحج ويعتمر ويرجع، ولأنّ أمْنه إنما تظهر به النعمة عند الحِلّ من الإحرام، وإلا ففي حال الإحرام هو في أمان، والحرمة هناك للفعل لا للمكان، والمقصود هو ذِكْر حرمة المكان، وهي إنما تظهر بحال الحلال الذي لم يتلبس بما يقتضي أمْنه، ولكن على هذا ففيه تنبيه، فإنه إذا أقسم به وفيه الحلال فإذا كان فيه الحرام فهو أولى بالتعظيم والأمن». ونقل ابنُ عطية عن بعض المتأولين أنّ المعنى: «وأنت ساكنٌ بهذا البلد». ثم وجَّهه بقوله: «وعلى هذا يجيء قول مَن قال: هي مكّيّة. والمعنى على إيجاب القسم بيِّن، وعلى نفيه أيضًا يتَّجه على معنى: لا أُقسِم ببلد أنت ساكنه على أذى هؤلاء القوم وكفرهم». ووجَّهه ابنُ القيم (٣‏/‏٣٠٤) بأنه «متضمن لهذا التعظيم، مع تضمّنه أمرًا آخر، وهو الإقسام ببلده المشتمل على رسوله وعبده، فهو خير البقاع وقد اشتمل على خير العباد، فجعل بيته هدًى للناس، ونبيّه إمامًا وهاديًا لهم، وذلك من أعظم نِعمه وإحسانه إلى خَلْقه، كما هو مِن أعظم آياته ودلائل وحدانيته وربوبيته، فمن اعتبر حال بيته وحال نبيّه وجد ذلك من أظهر أدلة التوحيد والربوبية». ثم نقل عن شرحبيل بن سعد -حكاية عن الثعلبي- أنّ المعنى: «قد جعلوك حلالًا مُستَحل الأذى والإخراج والقتل لك لو قدروا»

سورة البقرة — الآية ٣١

عن أبي هريرة، قال: خُلِقَت الكعبةُ قبل الأرض بأَلْفَيْ سنة. قالوا: كيف خُلِقَتْ قبلُ وهي من الأرض؟ قال: كانت خَشَفةً على الماء، عليها ملَكان يسبِّحان الليل والنهار، ألْفَيْ سنة، فلمّا أراد الله أن يخلق الأرض دحاها منها، فجعلها في وسط الأرض، فلمّا أراد الله أن يخلق آدم بَعَث مَلَكًا من حَمَلة العرش يأتي بتراب من الأرض، فلمّا هوى ليأخذ قالت الأرض: أسألك بالذي أرسلك أن لا تأخذ مني اليوم شيئًا يكون منه للنار نصيبٌ غدًا. فتركها، فلما رجع إلى ربه قال: ما مَنَعَك أن تأتي بما أمرتك؟ قال: سأَلَتْني بك، فعَظَّمتُ أن أرُدَّ شيئًا سألني بك. فأرسل مَلَكًا آخر، فقال مثل ذلك، حتى أرسلهم كلهم، فأرسل مَلَكَ الموت، فقالت له مثل ذلك، قال: إنّ الذي أرسلني أحقُّ بالطاعة منك. فأخذ من وجه الأرض كلها؛ من طَيِّبها وخبيثها، حتى كانت قَبْضَة عند موضع الكعبة، فجاء به إلى ربه، فصبَّ عليه من ماء الجنة، فجاء حَمَأً مسنونًا، فخلق منه آدم بيده، ثم مسح على ظهره، فقال: تبارك الله أحسن الخالقين. فتركه أربعين ليلة لا ينفخ فيه الروح، ثم نفخ فيه من روحه، فجرى فيه الروح من رأسه إلى صدره، فأراد أن يثِبَ، فتلا أبو هريرة: ﴿خلق الإنسان من عجل﴾ [الأنبياء:٣٧]. فلمّا جرى فيه الروح جلس جالسًا، فعطس، فقال الله: قل: الحمد لله. فقال: الحمد لله. فقال: رحمك ربك. ثم قال: انطلق إلى هؤلاء الملائكة، فسلِّم عليهم. فقال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. فقالوا: وعليك السلام ورحمة الله وبركاته. فقال: هذه تحيتك، وتحية ذريتك، يا آدم، أيُّ مكان أحَبُّ إليك أن أُرِيَك ذريتك فيه؟ فقال: بيمين ربي، وكلتا يدي ربي يمين. فبسط يمينه، فأراه فيها ذريته كلهم، وما هو خالق إلى يوم القيامة؛ الصحيح على هيئته، والمُبْتَلى على هيئته، والأنبياء على هيئتهم، فقال: أيْ رب، ألا عافَيْتَهم كلهم! فقال: إني أحببت أن أُشكَرَ. فرأى فيها رجلًا ساطعًا نورُه، فقال: أيْ رب، مَن هذا؟ فقال: هذا ابنك داود. فقال: كم عمُرُه؟ قال: ستون سنة. قال: كم عُمُري؟ قال: ألف سنة. قال: انقص من عمري أربعين سنة، فزدها في عمره. ثم رأى آخر ساطعًا نوره، ليس مع أحد من الأنبياء مثل ما معه، فقال: أي رب، من هذا؟ قال: هذا ابنك محمد، وهو أول من يدخل الجنة. فقال آدم: الحمد لله الذي جعل من ذريتي من يسبقني إلى الجنة، ولا أحسده. فلما مضى لآدم ألف سنة إلا أربعين جاءته الملائكة يَتَوَفَّوْنه عيانًا، قال: ما تريدون؟ قالوا: نُرِيد أن نَتَوَفّاك. قال: بقي من أجلي أربعون. قالوا: أليس قد أعطيتها ابنك داود؟ قال: ما أعطيت أحدًا شيئًا. قال أبو هريرة: جحد آدم، وجحدت ذريته، ونسِيَ، ونسِيَت ذريته

سورة الأعراف — الآية ٦

عن وهب بن مُنبِّه -من طريق عبد الصمد- قال: إذا كان يومُ القيامة يقولُ الله عز وجل: يا إسرافيلُ، هاتِ ما وكَّلتُك به. فيقولُ: نعم، يا ربِّ، في الصُّور كذا وكذا ثقبةً، وكذا روحٍ؛ للإنس منها كذا وكذا، وللجِنِّ منها كذا وكذا، وللشياطينِ منها كذا وكذا، وللوحوشِ منها كذا وكذا، وللطير منها كذا وكذا، وللبهائم منها كذا وكذا، وللهوامِّ منها كذا وكذا، وللحيتان منها كذا وكذا. فيقولُ اللهُ عز وجل: خُذْه من اللَّوح. فإذا هو مِثْلًا بمِثْلٍ، لا يزيدُ ولا يَنقُصُ، ثم يقولُ اللهُ عز وجل: هاتِ ما وكَّلتُك، يا ميكائيلُ. فيقول: نعم، يا ربِّ، أنزلتُ من السماءِ كذا وكذا كيلةً، وزِنَةَ كذا وكذا مِثْقالًا، وزِنَة كذا وكذا قِيراطًا، وزِنَة كذا وكذا خَرْدَلَةً، وزِنَة كذا وكذا ذرَّةً، أنزلت في سنة كذا وكذا كذا وكذا، وفي شهرِ كذا وكذا كذا وكذا، وفي جمعةِ كذا وكذا كذا وكذا، وفي يوم كذا وكذا كذا وكذا، وفي ساعة كذا وكذا كذا وكذا، أنزلتُ للزرع منه كذا وكذا، وأنزلتُ للشياطين منه كذا وكذا، وأنزلتُ للإنسِ منه كذا وكذا، وأنزلت للبهائم كذا وكذا، وأنزلتُ للوحوشِ كذا وكذا، وللطيرِ كذا وكذا، وللحيتان كذا وكذا، وللهوامِّ كذا وكذا، فذلك كلُّه كذا وكذا. فيقولُ: خذه من اللَّوح. فإذا هو مِثْلًا بمِثْل، لا يزيدُ ولا ينقص. ثم يقول: يا جبريلُ، هاتِ ما وكلتُك به. فيقولُ: نعم، يا ربِّ، أنزلتُ على نبيِّك فلان كذا وكذا آية، في شهر كذا وكذا في جمعة كذا وكذا في يوم كذا وكذا، وأنزلت على نبيك فلان كذا وكذا آية، وكذا وكذا سورة، فيها كذا وكذا آيةً، فذلك كذا وكذا آيةً، فذلك كذا وكذا حرفًا، وأهلكتُ كذا وكذا مدينةً، وخسفتُ بكذا وكذا. فيقول: خُذه من اللَّوح. فإذا هو مِثْلًا بمِثْل، لا يزيدُ ولا ينقص. ثم يقولُ: هاتِ ما وكلتُك به، يا عِزرائيلُ. فيقول: نعم، يا ربِّ، قبضتُ روح كذا وكذا إنسيٍّ، وكذا وكذا جنيٍّ، وكذا وكذا شيطانٍ، وكذا وكذا غريقٍ، وكذا وكذا حريقٍ، وكذا وكذا كافرٍ، وكذا وكذا شهيدٍ، وكذا وكذا هديمٍ، وكذا وكذا لديغٍ، وكذا وكذا في سهلٍ، وكذا وكذا في جبلِ، وكذا وكذا طيرًا، وكذا وكذا هوامٍّ، وكذا وكذا وحش، فذلك كذا وكذا، جملتُه كذا وكذا. فيقولُ: خذه من اللَّوْح. فإذا مِثْلًا بمِثْلٍ، لا يزيدُ ولا ينقص

سورة الإسراء — الآية ١٠٨

قال ابن جريج: قلت لعطاء [بن أبي رباح]: هل بلغك مِن قول يُقال في الركوع؟ قال: لا. قلت: فكيف تقول أنت؟ قال: إذا لم أعجل، ولم يكن معي شيء يشغلني، فإني أقول قولًا إذا بلغته فهو ذلك، أقول: سبحانك وبحمدك لا إله إلا أنت -ثلاث مرات-، سبحان ربنا إن كان وعد ربنا لمفعولًا -ثلاثًا-، سبحان الله العظيم -ثلاثًا-، سبحان الله وبحمده -ثلاث مرات-، سبحان الملك القدوس -ثلاث مرات-، سبوح قدوس رب الملائكة والروح سبقت رحمة ربي غضبه -ثلاث مرات-. قلت: فهل بلغك أنه كان يقول شيئًا مِنهُنَّ في الركوع؟ قال: لا. قلت: فما تتبع في ذلك؟ قال: أما سبحانك وبحمدك لا إله إلا أنت؛ فأخبرني ابن أبي مليكة، عن عائشة، قالت: افتقدت النبي ﷺ ذات ليلة، فظننت أنه ذهب إلى بعض نسائه، فجسست، ثم رجعت فإذا هو راكع وساجد، يقول: «سبحانك وبحمدك، لا إله إلا أنت». قالت: قلت: بأبي أنت وأمي! إني لفي شأن، وإنك لفي آخر. قال: [أما] ﴿سبحان ربنا إن كان وعد ربنا لمفعولا﴾ فأتَّبع بها التي في سورة بني إسرائيل. وأما سبحان الله العظيم وسبحان الله وبحمده فأُعظِّم بهما الله. وأما سبحان الملك القدوس فبلغني عن عبيد بن عمير أنه قال: ينزل الرب -تبارك وتعالى- شطر الليل الآخر في السماء، فيقول: مَن يسألني فأعطيه، ومن يستغفرني فأغفر له. ويقول الملك: سبِّحوا الملك القدوس، حتى إذا كان الفجر صعد الرب، فأتبع قول الملك: سبحان الملك القدوس. وأما سبوح قدوس سبقت رحمة ربي غضبه؛ فبلغني: أن النبي ﷺ لما أسري به كان كلما مرَّ قسمًا سلمت عليه الملائكة، حتى إذا جاء السماء السادسة قال له جبريل: هذا ملك، فسلِّم عليه. فبدره الملك، فبدأه بالسلام، فقال النبي ﷺ: «وددت لو أني سلمت عليه قبل أن يسلم علي». فلما جاء السماء السابعة قال له جبريل: إنّ الله عز وجل يصلي. فقال له النبي ﷺ: أهو يصلي؟ قال: نعم، قال: وما صلاته؟ قال: يقول: سبوح قدوس رب الملائكة والروح، سبقتْ رحمتي غضبي. فأتبع ذلك، قال: قلت: أقدِّم بعض ذلك قبل بعض؟ قال: إن شئت

أفادت الآثارُ الاختلافَ في عقوبة الأذى المذكورة في الآية على ثلاثة أقوال: أولها: هي التعيير والتوبيخ باللسان. وهذا قول السديِّ، وقتادة. وثانيها: هو التَّعْيِيرُ باللسان، والسبِّ. وهذا قول مجاهد. وثالثها: التَّعْيِيرُ باللسان، والضرب بالنعال. وهذا قول ابن عباس من طريق علي بن أبي طلحة. وذَهَبَ ابنُ جرير (٦‏/‏٥٠٣-٥٠٤) إلى أنّ الأذى في الآية مُجْمَلٌ، أُخِذَ تفسيره في البكر مِن آية النور، وفي الثَّيِّبِ من السُّنَّةِ، مع دلالة الإجماع، فقال: «أوْلى الأقوال في ذلك بالصوابِ أن يُقال: إنّ الله -تعالى ذِكْرُه- كان أمَرَ المؤمنين بأذى الزانيين المذكورين إذا أتيا ذلك، وهما من أهل الإسلام. والأذى قد يقع لكل مكروهٍ نال الإنسانَ؛ مِن قول سَيِّءٍ باللسان، أو فعل، وليس في الآية بيانُ أيِّ ذلك كان أمَرَ به المؤمنين يومئذ، ولا خبر به عن رسول الله ﷺ مِن نَقْل الواحد ولا نقل الجماعة الموجب مجيئهما قطعَ العذر، وأهلُ التأويل في ذلك مختلفون، وجائِزٌ أن يكون ذلك أذًى باللسان، أو اليد، وجائزٌ أن يكون كان أذًى بهما، وليس في العلم بأيِّ ذلك كان مِن أيٍّ نفعٌ في دين ولا دنيا، ولا في الجهل به مضرة؛ إذْ كان الله -جل ثناؤه- قد نسخ ذلك من مُحْكَمه بما أوجب مِن الحكم على عباده فيهما وفي اللاتي قبلهما. فأما الذي أوجب مِن الحكم عليهم فيهما، فما أوجب في سورة النور، بقوله: ﴿الزّانِيَةُ والزّانِي فاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾. وأمّا الذي أوْجَبَ في اللّاتي قبلهما، فالرجم الذي قضى به رسول الله فيهما. وأجمع أهل التأويل جميعًا على أنّ الله -تعالى ذِكْرُه- قد جعل لأهل الفاحشة مِن الزناة والزواني سبيلًا بالحدود التي حكم بها فيهم». وقال ابنُ تيمية (٢‏/‏٢١٤): «قوله تعالى: ﴿فآذوهما﴾ أمر بالأذى مطلقًا، ولم يذكر كيفيته وصفته ولا قدره، بل ذكر أنّه يجب إيذاؤهما. ولفظ الأذى يستعمل في الأقوال كثيرًا؛ كقوله: ﴿لن يضروكم إلا أذى﴾ [آل عمران:١١١]، وقوله: ﴿إن الذين يؤذون الله ورسوله﴾ [الأحزاب:٥٧]، ﴿والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا﴾ [الأحزاب:٥٨]، ﴿ومنهم الذين يؤذون النبي﴾ [التوبة:٦١]، وقول النبي ﷺ: «لا أحد أصبر على أذى سمعه من الله»، ونظائر ذلك كثيرة»

أفادت الآثارُ الاختلافَ في الكبائر على تسعة أقوال: أولها: أنّها ثلاث: اليأس من روح الله، والقنوط من رحمة الله، والأمن من مكر الله. والثاني: أنها أربع: الإشراك بالله، والقنوط من رحمة الله، واليأس من رَوْح الله، والأمن من مكر الله. والثالث: أنّ الكبائر سبع: الإشراك بالله، وقتل النفس التي حرم الله، وقذف المحصنة، وأكل مال اليتيم، وأكل الربا، والفرار من الزحف، والتعرّب بعد الهجرة. والرابع: أنها تسع: الإشراك بالله، وقذف المحصنة، وقتل النفس المؤمنة، والفرار من الزحف، والسحر، وأكل مال اليتيم، وعقوق الوالدين المسلمين، وأكل الربا، وإلحاد بالبيت الحرام. والخامس: أنها كل ما نهى الله عنه من أول سورة النساء إلى رأس الثلاثين منها. والسادس: أنها كل ما نهى الله عنه. والسابع: أنها كل ما لا تصحُّ معه الأعمال. والثامن: أنها كل معصية موجِبةٌ للحدِّ. والتاسع: أنها كل ما أوعد الله عليه النار. ومالَ ابنُ كثير (٣‏/‏٤٨٠) إلى القول الثامن، والتاسع. وذَهَبَ ابنُ جرير (٦‏/‏٦٥٧-٦٥٨) إلى أنّ الكبائر هي كلّ ما صحّ به الخبرُ عن رسول الله ﷺ، مستندًا إلى الأخبار المرفوعة في ذلك، فقال: «أوْلى ما قيل في تأويل الكبائر بالصِّحَّة: ما صحَّ به الخبرُ عن رسول الله ﷺ دون ما قاله غيره، وإن كان كل قائل فيها قولًا من الذين ذكرنا أقوالَهم قد اجتهد، وبالغ في نفسه، ولقوله في الصحة مذهبٌ. فالكبائر إذن: الشرك بالله، وعقوق الوالدين، وقتل النفس المحرّم قتلها، وقول الزور، وقد يدخل في قولِ الزور شهادةُ الزور، وقذف المحصنة، واليمين الغموسُ، والسحر، ويدخل في قتلِ النفس المحرَّم قتلها قتلُ الرجل ولده من أجل أن يطعم معه، والفرارُ من الزحف، والزنا بحليلة الجار. وإذْ كان ذلك كذلك صحَّ كلُّ خبر رُوي عن رسول الله ﷺ في معنى الكبائر، وكان بعضه مصدِّقًا بعضًا، وذلك أنّ الذي روي عن رسول الله ﷺ أنّه قال: «هي سبع» يكون معنى قوله حينئذ: «هي سبع» على التفصيل. ويكون معنى قوله في الخبر الذي روي عنه أنّه قال: «هي الإشراك بالله، وقتل النفس، وعقوق الوالدين، وقول الزور» على الإجمال؛ إذ كان قوله: «وقول الزور» يحتمل معاني شتى، وأن يجمعَ جميعَ ذلك قول الزور»

اختُلف في معنى ﴿ما﴾ على قولين: الأول: أنها بمعنى: أي شيء يُكذِّبك؟ الثاني: أنها بمعنى: مَن الذي يُكذِّبك؟ وفي المخاطب أيضًا بـ﴿يكذبك﴾ قولان: أحدهما: أنّ المخاطب بذلك رسول الله ﷺ. الآخر: أنّ المخاطب بذلك الإنسان الكافر. وذكر ابنُ القيم (٣‏/‏٣٣٩) أنّ مَن قال بأنّ ﴿ما﴾ بمعنى: أي شيء، تعيَّن على قوله أن يكون الخطاب للإنسان، والمعنى: فأي شيء يجعلك بعد هذا البيان مُكذِّبًا بالدين، وقد وضحت لك دلائل الصدق والتصديق؟! ومَن جعلها بمعنى: فمن الذي يُكذِّبك، جعل الخطاب للنبي ﷺ. وبعد أن بيَّن ابنُ عطية (٨‏/‏٦٤٩) أنّ الدين بمعنى الجزاء، ذكر أنه على القول بأنّ المُخاطَب رسول الله ﷺ يحتمل أن يكون «الدين بمعنى: جميع دينه وشرعه». وقد رجّح ابنُ جرير (٢٤‏/‏٥٢٤) أنّ ﴿ما﴾ بمعنى: مَن، وأنّ المُخاطَب رسول الله ﷺ، فقال: «وأولى الأقوال في ذلك عندي بالصواب قول مَن قال: معنى ﴿ما﴾ معنى: مَن. ووجّه تأويل الكلام إلى: فمَن يُكذِّبك -يا محمد- بعد الذي جاءك من هذا البيان من الله بالدين؟! يعني: بطاعة الله، ومجازاته العباد على أعمالهم». ولم يذكر مستندًا. وذكر أنّ بعض أهل العربية تأوَّل أنّ المعنى: «فما الذي يُكذِّبك بأنّ الناس يدانون بأعمالهم؟ وكأنه قال: فمَن يقدر على تكذيبك بالثواب والعقاب بعد ما تبيّن له خَلْقنا الإنسان على ما وصفنا». وكذا رجح ابنُ تيمية (٧‏/‏٧٤- ٧٧) أنّ المُخاطَب رسول الله ﷺ، وأنّ الصواب ما ذكره ابنُ جرير عن بعض أهل العربية (الفراء والأخفش) مِن أنّ المعنى: فمَن يقدر على تكذيبك بالثواب والعقاب بعد ما تبيّن له أنّا خلقنا الإنسان على ما وصفنا. وانتقد أن يكون المُخاطَب: الإنسان الكافر مستندًا إلى النظائر، واللغة، والدلالة العقلية، وعلّل ذلك بـ«أنّ الإنسان في السورة إنما ذُكِرَ مُخبَرًا عنه لم يُخاطَب، والرسول ﷺ هو الذي أُنزِل عليه القرآن، والخطاب في هذه السور له كقوله: ﴿ما ودعك ربك وما قلى﴾ [الضحى:٣]، وقوله: ﴿ألم نشرح لك صدرك﴾ [الشرح:١]... والإنسان إذا خوطب قيل له: ﴿يا أيها الإنسان﴾ [الانفطار:٦، الانشقاق:٦]. وأيضًا فبتقدير أن يكون خطابًا للإنسان يجب أن يكون خطابًا للجنس، كقوله: ﴿يا أيها الإنسان إنك كادح﴾ [الانشقاق:٦]، وعلى قول هؤلاء إنما هو خطاب للكافر، خاصة المُكذِّب بالدين، وأيضًا فإنّ قوله: ﴿فما يكذبك بعد بالدين﴾ إمّا أن يكون معناها: فما يجعلك مُكذِّبًا بالدين، أو يكون معناها: فما يجعلك كاذبًا بالدين، والأول فاسد من جهة العربية، والثاني فاسد مِن جهة المعنى، فإنّ الدين هو الجزاء الذي كَذَّب به الكافر، والكافر كذَّب به لم يُكذَّب هو به. وأيضًا فلا يُعرَف في المُخبِر أن يقول: كذبت به، بل يقال: كذبته، وأيضًا: فالمعروف في كذَّبه أي: نسبه إلى الكذب، لا أنه جعل الكذب فيه، فهذا كلّه تكلُّف لا يُعرَف في اللغة». وقد أجاب ابنُ القيم (٣‏/‏٣٣٨-٣٣٩) عن الإشكال اللغوي الذي أورده ابن تيمية، فذكر أنّ قول القائل: «كذّب بكذا. معناه: كذّب المُخبِر به، ثم حذف المفعول به لظهور العلم به حتى كأنه نسي، وعدَّوا الفعل إلى المُخبِر به، فإذا قيل: مَن يُكذِّبك بكذا؟ فهو بمعنى: كذَّبوك بكذا سواء. أي: نسبوك إلى الكذب في الإخبار به». ثم ذكر إشكالًا على القول بأنّ المُخاطَب الإنسان، وأجاب عنه، فقال: «بل الإشكال في قول مجاهد والجمهور، فإنّ الخطاب إذا كان للإنسان وهو المُكذِّب -أي: فاعل التكذيب- فكيف يقال: له ما يُكذِّبك؟ أي: يجعلك مُكذِّبًا. والمعروف كذبه إذا جعله كاذبًا لا مُكذّبًا، ومثل فسَّقَهُ إذا جعله فاسقًا لا مُفسِّقًا لغيره. وجواب هذا الإشكال: أنّ صدّق وكذّب بالتشديد يراد به معنيان: أحدهما النسبة، وهي إنما تكون للمفعول كما ذكرتم. والثاني: الداعي والحامل على ذلك، وهو يكون للفاعل. قال الكسائي: يقال: ما صدّقك بكذا أو ما كذّبك بكذا، أي: ما حملك على التصديق والتكذيب. قلتُ: وهو نظير ما أجرأك على هذا، أي: ما حملك على الاجتراء عليه، وما قدّمك وما أخّرك، أي: ما دعاك وحملك على التقديم والتأخير، وهذا استعمال سائغ موافق للعربية». ورجّح ابنُ القيم (٣‏/‏٣٣٨-٣٣٩) أنّ الخطاب في الآية للإنسان، فقال: «وقوله سبحانه: ﴿فَما يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ﴾ أصح القولين أنّ هذا خطاب للإنسان، أي: فما يُكذِّبك بالجزاء والمعاد بعد هذا البيان وهذا البرهان، فتقول: إنك لا تُبعث ولا تُحاسب، ولو تفكّرتَ في مبدأ خَلْقك وصورتك لعلمتَ أنّ الذي خلقك أقدر على أن يعيدك بعد موتك وينشئك خَلْقًا جديدًا، وأنّ ذلك لو أعجزه لأعجزه وأعياه خَلْقك الأول»