سورة التوبة — الآية ١٢٢

عن مجاهد بن جبر -من طريق ابن أبي نجيح- فى قوله: ﴿وما كان المؤمنون لينفروا كافة﴾ الآية، قال: ناسٌ مِن أصحاب النَّبيِّ ﷺ خرجوا فى البوادي، فأصابوا مِن الناس معروفًا، ومن الخِصبِ ما يَنتَفِعون به، ودَعَوْا مَن وجَدوا مِن الناس إلى الهُدى، فقال لهم الناس: ما نراكم إلا قد تركتم أصحابَكم وجئتمونا. فوجدوا في أنفسِهم من ذلك تَحَرُّجًا، وأقبلوا من البادية كلِّهم حتى دخلوا على النَّبِيِّ ﷺ، فقال الله تعالى: ﴿فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة﴾ خرج بعضٌ، وقعد بعضٌ يبتغون الخير؛ ﴿ليتفقهوا فى الدين﴾، وليسمعوا ما في الناس، وما أُنزِل بعدهم، ﴿ولينذروا قومهم﴾ قال: الناس كلهم ﴿إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون﴾

سورة التوبة — الآية ١١

عن أبي هريرة، قال: لَمّا تُوُفِّي رسولُ الله ﷺ، وكان أبو بكر بعده، وكَفَرَ مَن كَفَرَ مِن العرب؛ قال عمر بن الخطاب لأبي بكر: كيف تقاتلُ الناسَ وقد قال رسول الله ﷺ: «أُمِرْتُ أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله. فمَن قال: لا إله إلا الله. عَصَمَ مِنِّي مالَه، ونفسَه، إلا بحقِّه، وحسابُه على الله»؟! فقال أبو بكر: واللهِ، لَأُقاتِلَنَّ مَن فَرَّق بين الصلاة والزكاة؛ فإنّ الزكاة حقُّ المال، واللهِ، لو منعوني عَناقًا كانوا يُؤَدُّونها إلى رسول الله ﷺ لَقاتلتُهم على منعها. قال عمر: فواللهِ، ما هو إلا أن قد شُرِح صدرُ أبي بكر للقتال، فعرفتُ أنّه الحق

ذَهَبَ ابن جرير (٢‏/‏٥٧٠) معتمدًا على اللغة إلى أنّ تأويل ﴿أرنا﴾ بكسر الراء وتسكينها واحد، وأنه لا معنى لفرقِ مَن فرَّق بين رؤية العين في ذلك ورؤية القلب، فقال: «والقول عندي في ذلك: أنّ تأويل ﴿أرنا﴾ بكسر الراء وتسكينها واحد، فمَن كسر الراء جعل علامة الجزم سقوط الياء التي في قول القائل: أرينه - أرنه، وأَقَرَّ الراء مكسورة كما كانت قبل الجزم. ومن سكن الراء من ‹أرْنا› تَوَهَّم أنّ إعراب الحرف في الراء، فسَكَّنَها في الجزم، كما فعلوا ذلك في: لم يكنْ - ولم يكُ. وسواء كان ذلك من رؤية العين أو من رؤية القلب». وقال ابنُ عطية (١‏/‏٣٥١): «قالت طائفة: ﴿أرنا﴾ من رؤية البصر. وقالت طائفة: من رؤية القلب. وهو الأصح»

ذكر ابنُ عطية (٤‏/‏٦١٦) في صورة جدال إبراهيم عليه السلام أنها «كانت أن قال إبراهيم عليه السلام: إن كان فيهم مائة مؤمن أتعذبونهم؟ قالوا لا، قال: أفَتِسْعون؟ قالوا: لا، قال: أفثمانون؟ فلم يزل كذلك حتى بلغ خمسة ووقف عند ذلك، وقد عد في بيت لوط عليه السلام امرأته، فوجدهم ستة بها، فطمع في نجاتهم، ولم يشعر أنها من الكفرة، وكان ذلك من إبراهيم عليه السلام حرصًا على إيمان تلك الأُمَّة ونجاتها». ثم علَّق بقوله: «وقد كثر اختلاف رواة المفسرين لهذه الأعداد في قول إبراهيم عليه السلام، والمعنى كله نحو مما ذكرته». ونقل عن فرقة في قوله تعالى: ﴿يُجادِلُنا فِي قَوْمِ لُوطٍ﴾ أنّ المعنى: «يجادلنا في مؤمني قوم لوط». ثم انتقده قائلًا: «وهذا ضعيف»

قال ابنُ عطية (٦‏/‏٨٦-٨٧): «والضمير في قوله: ﴿عَنْها﴾ يريد: عن الإيمان بالساعة. فأوقع الضمير عليها، ويحتمل أن يعود على الصَّلاةَ. وقالت فرقة: المراد: عن لا إله إلا الله. وهذا مُتَّجِهٌ، والأوَّلان أبيَنُ وجهًا». وذكر ابن جرير (١٦‏/‏٤١) قولًا أن الضمير في: ﴿عنها﴾ كناية عن مطلق، ولم يقيده بالإيمان بالساعة، ثم انتقده مستندًا إلى السياق، فقال: «وكان بعضُهم يزعم أن الهاء والألف من قوله: ﴿فلا يصدنك عنها﴾ كناية عن ذكر الإيمان، قال: وإنما قيل ﴿عنها﴾ وهي كناية عن الإيمان كما قيل: ﴿إن ربك من بعدها لغفور رحيم﴾ [الأعراف:١٥٣] يذهب إلى الفعلة، ولم يَجْرِ للإيمان ذكر في هذا الموضع، فيجعل ذلك من ذكره، وإنما جرى ذكر الساعة، فهو بأن يكون مِن ذكرها أوْلى»

أفادت الآثارُ تفسيرَ السلف للذِّكر بأنه القرآن، وقد ذكر ابنُ عطية (٦‏/‏٤٧١) في معنى الذكر قولًا آخر أن المراد به: محمد ﷺ. ثم علّق عليه، فقال: «وقالت فرقة: يحتمل أن يريد بـ»الذكر«: محمد ﷺ، كما قال تعالى في آية أخرى: ﴿قَدْ أنْزَلَ اللَّهُ إلَيْكُمْ ذِكْرًا﴾ [الطلاق:١٠]، فيكون وصفه بالمحدث مُتَمَكِّنًا». يعني: فيكون وصف الذكر بالمحدث -على القول بأنه محمد ﷺ- له نفسه على الحقيقة، لا يحتاج إلى تأويل؛ بخلاف القول بأنه القرآن فإنه يحتاج إلى أن يقال: محدث الإتيان، أي: مجيء القرآن للبشر كان شيئًا بعد شيء، لا هو في نفسه. ثم رجّح القول الأول لأنّه الأفصح بقوله: «والقول الأول أفصح»

ذكر ابنُ عطية (٧‏/‏٣٣٩) في قوله تعالى: ﴿لقد ظلمك﴾ قولًا، وانتقده مستندًا إلى مخالفته غيره مِن الروايات المتظاهرة، فقال: «وقال بعض الناس: إنّ داود قال: لقد ظلمك. قبل أن يسمع حجة الآخر، وهذه كانت خطيئة، ولم تنزل به هذه النازلة المروية قط. وهذا ضعيف مِن جهات؛ لأنه خالف متظاهر الروايات». وذكر ابنُ عطية (٤‏/‏٤٩٩) في السبب الذي مِن أجله عوتب داود احتمالين، فقال: «وقالت فرقة: إن هذا كله هَمَّ به داود ولم يفعله، وإنما وقعت المعاتبة على همّه بذلك. وقال آخرون: إنما الخطأ في أن لم يجزع عليه كما جزع على غيره من جنده، إذ كان عنده أمر المرأة. والرواة على الأول أكثر»

ذكر ابنُ عطية (١‏/‏٥٠٩-٥١٠) أنّ المراد بالفوقية هنا الفوقية في الدرجة والقدر، فهي تقتضي التفضيل وإن لم يكن للكفار من القدر نصيب، كما قال تعالى: ﴿أصحاب الجنة يومئذ خير مستقرا﴾ [الفرقان:٢٤]، ثم قال: «وتحتمل الآية أن المتقين هم في الآخرة في التنَعُّم والفوز بالرحمة فوق ما هم هؤلاء فيه في دنياهم، وكذلك خير مستقرًا من هؤلاء في نعمة الدنيا، فعلى هذا الاحتمال وقع التفضيل في أمر فيه اشتراك، وتحتمل هذه الآية أن يُراد بالفوق المكان من حيث الجنة في السماء والنار في أسفل السافلين، فيُعلم من ترتيب الأمكنة أن هؤلاء في الجنة وهؤلاء في النار، وتحتمل الآيتان أن يكون التفضيل على ما يتضمنه زعم الكفار، فإنهم كانوا يقولون: وإن كان معاد فلنا فيه الحظ أكثر مما لكم، ومنه حديث خباب مع العاصي بن وائل، وهذا كله من التحميلات حِفْظٌ لمذهب سيبويه والخليل في أن التفضيل إنما يجيء فيما فيه شركة، والكوفيون يجيزونه حيث لا اشتراك»

اختُلِف في معنى: ﴿ولِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ في هذه الآية على قولين: الأول: وللاختلاف خلقهم. الثاني: وللرحمة خلقهم. وفرق ابنُ عطية (٥‏/‏٣٤) بين قول ابن عباس ومالك وبين قول الحسن، بينما جعلهما ابن جرير قولًا واحدًا. ورجَّح ابنُ جرير (١٢‏/‏٦٤٠-٦٤١) مستندًا إلى دلالة السياق القول الأول، وعلَّل ذلك بقوله: «لأنّ الله -جلَّ ثناؤه- ذَكَر صنفين من خلقه: أحدهما: أهلُ اختلافٍ وباطلٍ، والآخر: أهل حقٍّ. ثم عقَّب ذلك بقوله: ﴿ولِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾، فعمَّ بقوله: ﴿ولِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ صفة الصِّنفين، فأخبر عن كلِّ فريقٍ منهما أنه مُيَسَّرٌ لما خُلِقَ له. فإن قال قائل: فإن كان تأويل ذلك كما ذَكَرتَ فقد ينبغي أن يكون المختلفون غير ملومين على اختلافهم؛ إذ كان لذلك خلقَهُم ربُّهم، وأن يكون المتمتِّعون هم الملومين؟ قيل: إنّ معنى ذلك بخلاف ما إليه ذهبتَ، وإنما معنى الكلام: ولا يزال الناس مختلفين بالباطل من أديانهم ومللهم، ﴿إلا مَن رَحِمَ رَبُّكَ﴾ فهداه للحقِّ ولعلمه، وعلى علمه النافذ فيهم قبل أن يخلقهم -أنه يكون فيهم المؤمن والكافر، والشقيُّ والسعيد- خلقهم، فمعنى اللام في قوله: ﴿ولِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ بمعنى: على، كقولك للرجل: أكرمتك على بِرِّك بي، وأكرمتك لبرِّك بي». ونقل ابنُ عطية عن فرقة أنّ المعنى: «ولشهود اليوم المشهود -المتقدم ذكره- خلقهم». ونقل عن فرقة أخرى: أنّ «»ذلك«إشارة إلى قوله قَبْلُ: ﴿فَمِنهُمْ شَقِيٌّ وسَعِيدٌ﴾، أي: لهذا خلقهم». ثم استدرك عليهما قائلًا: «وهذان المعنيان وإن صحّا فهذا العَوْدُ المتباعد ليس بجيِّد». وعلَّق على قول مالك: خلقهم ليكون فريق في الجنة، وفريق في السعير. بقوله: «فجاءت الإشارة بـ»ذلك«إلى الأمرين معًا: الاختلاف والرحمة، وقد قاله ابن عباس، واختاره الطبري، ويجيء عليه الضمير في ﴿خَلَقَهُمْ﴾ للصنفين». وعلَّق على قول الحسن: خلقهم للاختلاف. بقوله: «ويعترض هذا بأن يقال: كيف خلقهم للاختلاف؟ وهل معنى الاختلاف هو المقصود بِخَلْقِهم؟ فالوجه في الانفصال أن نقول: إنّ قاعدة الشرع أنّ الله عز وجل خلق خلقًا للسعادة وخلقًا للشقاوة، ثم يسَّر كُلًّا لِما خُلِق له، وهذا نصٌّ في الحديث الصحيح، وجعل بعد ذلك الاختلاف في الدين على الحق هو أمارة الشقاوة، وبه تعلَّق العقاب، فيصح أن يحمل قوله هنا: وللاختلاف خلقهم. أي: لثمرة الاختلاف وما يكون عنه من الشقاوة». وعلَّق ابنُ كثير (٧‏/‏٤٩٠) على القول الثاني بقوله: «ويرجع معنى هذا القول إلى قوله تعالى: ﴿وما خَلَقْتُ الجِنَّ والإنْسَ إلا لِيَعْبُدُونِ﴾» [الذاريات: ٥٦]

سورة التوبة — الآية ٢٥

عن العباس بن عبد المطلب، قال: شَهِدتُ مع رسول الله ﷺ يوم حُنين، فلقد رأيتُ النبيَّ ﷺ وما معه إلا أنا وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب، فلَزِمْنا رسولَ الله ﷺ، فلم نُفارِقْه، وهو على بغلتِه الشَّهْباء التي أهْداها له فَرْوَةُ بن نُفاثةَ الجُذامِيُّ، فلما التَقى المسلمون والمشركون ولّى المسلمون مُدْبِرين، وطَفِق النَّبيُّ ﷺ يَرْكُضُ بغلتَه قِبَل الكفار، وأنا آخِذٌ بلِجامِها أكُفُّها إرادةَ ألّا تُسْرِع، وهو لا يَأْلُو ما أسْرَعَ نحْوَ المشركين، وأبو سفيان بن الحارث آخِذٌ بغَرْز رسولِ الله ﷺ، فقال رسول الله ﷺ: «يا عباسُ، نادِ: يا أصحابَ السَّمُرَة، يا أصحابَ سورة البقرة». وكنتُ رجلًا صَيِّتًا، فقلتُ بأعلى صوتي: يا أصحابَ السَّمُرَة، يا أصحاب سورة البقرة. فواللهِ، لَكَأَنِّي عَطَفْتُهم حين سَمِعوا صوتي عَطْفَة البقر على أولادها، يقولون: يا لبيك، يا لبيك. فأقْبَل المسلمون، فاقْتَتَلوا هم والكفارَ، وارْتَفَعَت الأصوات وهم يقولون: يا معشر الأنصار، يا معشر الأنصار، ثم قُصِرَت الدعوةُ على بني الحارث بن الخَزْرج، فتطاول رسولُ اللهِ ﷺ وهو على بَغْلَتِه، فقال: «هذا حين حَمِيَ الوَطيسُ». ثُمَّ أخَذَ رسولُ اللهِ ﷺ حَصَياتٍ، فرَمى بِهِنَّ وجوهَ الكفار، ثم قال: «انْهَزَموا، وربِّ الكعبة». فذَهَبتُ أنظُرُ، فإذا القتالُ على هيئته فيما أرى، فما هو إلا أن رماهم رسولُ الله ﷺ بحَصَياته، فما زلتُ أرى حَدَّهم كَلِيلًا، وأمْرَهم مُدْبِرًا حتى هَزَمَهم اللهُ عز وجل