محتويات صفحة تفسير الآية

تجد في هذه الصفحة تفسير الآية ٢٥ من سورة التوبة في ١١٨ كتابًا من كتب التفسير، ومعاني غريب كلماتها، وإعرابها، وقراءات القراء العشرة فيها، و٤٠ قولًا من التفسير بالمأثور، وما يتصل بها من الموضوعات والوقفات والترجمات.

تفسير الآية ٢٥ من سورة التوبة

١١٨ كتابًا من كتب التفسير

جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري

عن الكتاب
القول في تأويل قوله تعالى :﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئاً وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمّ وَلّيْتُم مّدْبِرِينَ﴾.
يقول تعالى ذكره : لقد نصركم الله أيها المؤمنون في أماكن حرب توطنون فيها أنفسكم على لقاء عدوّكم ومشاهد تلتقون فيها أنتم وهم كثيرة. وَيَوْمَ حُنَيْنٍ يقول : وفي يوم حنين أيضا قد نصركم. وحنين : واد فيما ذكر بين مكة والطائف وأُجري لأنه مذكر اسم لمذكر، وقد يترك إجراؤه ويراد به أن يجعل اسما للبلدة التي هو بها، ومنه قول الشاعر :
نَصَرُوا نَبِيّهُمُ وَشَدّوا أزْرَهُبِحُنَيْنَ يَوْمَ تَوَاكُلِ الأبْطالِ
حدثني عبد الوارث بن عبد الصمد، قال : ثني أبي، قال : حدثنا أبان العطار، قال : حدثنا هشام بن عروة، عن عروة، قال : حنين : واد إلى جنب ذي المجاز.
إذْ أعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ وكانوا ذلك اليوم فيما ذكر لنا اثني عشر ألفا. ورُوي أن النبيّ ﷺ قال ذلكَ اليَوْم :«لَنْ نُغْلَبَ مِنْ قِلّةٍ ». وقيل : قال ذلك رجل من المسلمين من أصحاب رسول الله ﷺ، وهو قول الله : إذْ أعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْن عَنْكُمْ شَيْئا يقول : فلم تغن عنكم كثرتكم شيئا. وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأرْضُ بِمَا رَحُبَتْ يقول : وضاقت الأرض بسعتها عليكم. والباء ههنا في معنى «في »، ومعناه : وضاقت عليكم الأرض في رحبها وبرحبها، يقال منه : مكان رحيب : أي واسع وإنما سميت الرحاب رحابا لسعتها. ثُمّ وَلّيْتُمْ مُدْبِرِينَ عن عدوّكم منهزمين مدبرين، يقول : وليتموهم الأدبار، وذلك الهزيمة. يخبرهم تبارك وتعالى أن النصر بيده ومن عنده، وأنه ليس بكثرة العدد وشدّة البطش، وأنه ينصر القليل على الكثير إذا شاء ويخلي القليل فيهزم الكثير.
وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثنا بشر بن معاذ، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله : لَقَدْ نَصَركُمُ اللّهُ في مَواطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ حتى بلغ : وَذلكَ جَزَاءُ الكافِرِينَ قال : وحنين ماء بين مكة والطائف قاتل عليها نبيّ الله هوازن وثقيف، وعلى هوازن مالك بن عوف أخو بني نصر، وعلى ثقيف عبد يا ليل بن عمرو الثقفي. قال : وذكر لنا أنه خرج يومئذ مع رسول الله ﷺ اثنا عشر ألفا، عشرة آلاف من المهاجرين والأنصار، وألفان من الطلقاء، وذكر لنا أن رجلاً قال يومئذ : لن نغلب اليوم بكثرة قال : وذُكر لنا أن الطلقاء انجفلوا يومئذ بالناس، وجلوا عن نبيّ الله ﷺ حتى نزل عن بغلته الشهباء. وذُكر لنا أن نبيّ الله قال :«أيْ ربّ آتِني ما وعَدْتَنِي » قال : والعباس آخذ بلجام بغلة رسول الله ﷺ، فقال له النبيّ ﷺ :«نادِ يا مَعْشَرَ الأنْصارِ ويا مَعْشَر المُهاجِرِينَ » فجعل ينادي الأنصار فخذا فخذا، ثم نادي : يا أصحاب سورة البقرة قال : فجاء الناس عُنُقا واحدا. فالتفت نبيّ الله ﷺ، وإذا عصابة من الأنصار، فقال :«هَلْ مَعَكُمْ غيرُكُمْ ؟ » فقالوا : يا نبيّ الله، والله لو عمدت إلى برك الغماد من ذي يمن لكنا معك ثم أنزل الله نصره، وهزم عدوّهم، وتراجع المسلمون. قال : وأخذ رسول الله كفّا من تراب، أو قبضة من حصباء، فرمى بها وجوه الكفار، وقال :«شاهَتِ الوُجُوهُ » فانهزموا. فلما جمع رسول الله ﷺ الغنائم، وأتى الجعرانة، فقسم بها مغانم حنين، وتألف أناسا من الناس فيهم أبو سفيان بن حرب والحرث بن هشام وسهيل بن عمرو والأقرع بن حابس، فقالت الأنصار : حنّ الرجل إلى قومه فبلغ ذلك رسول الله ﷺ وهو في قبة له من أدم، فقال :«يا مَعْشَر الأنْصارِ، ما هَذا الّذِي بَلَغَنِي ؟ ألَمْ تَكُونُوا ضُلاّلاً فَهَدَاكُمُ اللّهُ، وكُنْتُمْ أذِلّةً فَأعَزّكُمُ اللّهُ وكُنْتُمْ وكُنْتُمْ » قال : فقال سعد بن عبادة رحمه الله : ائذن لي فأتكلم قال :«تَكَلّمْ » قال : أما قولك : كنتم ضُلاّلاً فهداكم الله، فكنا كذلك، وكنتم أذلة فأعزّكم الله، فقد علمت العرب ما كان حيّ من أحياء العرب أمنع لما وراء ظهورهم منا فقال الرسول :«يا سَعْدُ أتَدْرِي مَنْ تُكَلّمُ ؟ » فقال : نعم أكلم رسول الله ﷺ. فقال رسول الله ﷺ :«والّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ سَلَكَتِ الأنْصارُ وَادِيا والنّاسُ وَادِيا لَسَلَكْتُ وَادِيَ الأنْصَارِ، وَلَوْلا الهِجْرةُ لَكُنْتُ امْرأً مِنَ الأنْصَارِ ». وذُكر لنا أن نبيّ الله ﷺ كان يقول :«الأنْصَارُ كَرِشِي وعَيْبَتِي، فاقْبَلُوا مِنْ مُحْسِنِهِمْ وتَجاوَزُوا عَنْ مُسِيئِهِمْ ». ثم قال رسول الله ﷺ :«يا مَعْشَرَ الأنْصَارِ أمَا تَرْضَوْنَ أنْ يَنْقَلِبَ النّاسُ بالإبِلِ والشّاءِ، وَتَنْقَلِبُونَ بِرَسُولِ اللّهِ إلى بُيَوتكُمْ ؟ » فقالت الأنصار : رضينا عن الله ورسوله، والله ما قلنا ذلك إلا حرصا على رسول الله ﷺ فقال رسول الله ﷺ :«إنّ اللّهَ وَرَسُولَهُ يُصَدّقانِكُمْ ويَعْذُرَانِكُمْ ».
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، قال : ذكر لنا أن أم رسول الله ﷺ التي أرضعته أو ظئره من بني سعد بن بكر أتته فسألته سبايا يوم حُنين، فقال رسول الله ﷺ :«إنّي لا أمْلِكُهُمْ وإنّمَا لي مِنْهُمْ نَصِيِبي، وَلكِنْ ائْتِيِني غَدا فَسَلِيِني والنّاسُ عِنْدِي، فإنّي إذَا أعْطَيْتُكِ نَصِيِبي أعْطاكِ النّاسُ » فجاءت الغد فبسط لها ثوبا، فقعدت عليه، ثم سألته، فأعطاها نصيبه فلما رأى ذلك الناس أعطوها أنصباءهم.
حدثني محمد بن الحسين، قال : حدثنا أحمد بن المفضل، قال : حدثنا أسباط، عن السديّ : لَقَدْ نَصَركُمُ اللّهُ في مَواطِنَ كَثِيرَةٍ. . . الآية : إن رجلاً من أصحاب رسول الله ﷺ يوم حنين قال : يا رسول الله لن نغلب اليوم من قلة وأعجبته كثرة الناس، وكانوا اثني عشر ألفا. فسار رسول الله ﷺ، فوكلوا إلى كلمة الرجل، فانهزموا عن رسول الله ﷺ، غير العباس وأبي سفيان بن الحرث وأيمن ابن أم أيمن، قُتل يومئذ بين يديه. فنادى رسول الله ﷺ :«أيْنَ الأنْصَارُ ؟ أيْنَ الّذِينَ بايَعُوا تَحْتَ الشّجَرَةِ ؟ » فتراجع الناس، فأنزل الله الملائكة بالنصر، فهزموا المشركين يومئذ، وذلك قوله : ثُمّ أنْزَلَ اللّهُ سَكيِنَتَهُ على رَسُولِهِ وَعلى المُؤْمِنِينَ وأنْزَلَ جُنُودا لَمْ تَرَوْها. . . الآية.
حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال : حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن الزهريّ، عن كثير بن عباس بن عبد المطلب، عن أبيه، قال : لما كان يوم حنين التقى المسلمون والمشركون، فولى المسلمون يومئذ. قال : فلقد رأيت النبيّ ﷺ وما معه أحد إلا أبو سفيان بن الحرث بن عبد المطلب، آخذا بغَرْز النبيّ ﷺ، لا يألو ما أسرع نحو المشركين. قال : فأتيت حتى أخذت بلجامه وهو على بغلة له شهباء، فقال :«يا عبّاس نادِ أصحَابَ السّمُرَةِ » وكنتُ رجلاً صَيّتا، فأذنت بصوتي الأعلى : أين أصحاب السمرة ؟ فالتفتوا كأنها الإبل إذا حنت إلى أولادها، يقولون : يا لبيك يا لبيك يا لبيك وأقبل المشركون فالتقوا هم والمسلمون، وتنادت الأنصار : يا معشر الأنصار ثم قصرت الدعوة في بني الحرث بن الخزرج، فتنادوا : يا بني الحرث بن الخزرج فنظر رسول الله ﷺ وهو على بغلته كالمتطاول إلى قتالهم، فقال :«هَذَا حِينَ حَمِيَ الوَطِيسُ ». ثم أخذ بيده من الحصباء فرماهم بها، ثم قال :«انْهَزَمُوا وَرَبّ الكُعْبَةِ انْهَزَمُوا وَرَبّ الكَعْبَةِ » قال : فوالله ما زال أمرهم مدبرا وحدهم كليلاً حتى هزمهم الله. قال : فلكأني أنظر إلى رسول الله ﷺ يركض خلفهم على بغلته.
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال : حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب. أنهم أصابوا يومئذ ستة آلاف سبيّ، ثم جاء قومهم مسلمين بعد ذلك، فقالوا : يا رسول الله، أنت خير الناس وأبرّ الناس، وقد أخذت أبناءنا ونساءنا وأموالنا. فقال النبيّ ﷺ :«إنّ عِنْدِي مَنْ تَرَوْنَ، وإنّ خَيْرَ القَوْلِ أصْدَقُهُ، اخْتارُوا إمّا ذَرَارِيّكُمْ وَنِساءَكُمْ وَإمّا أمْوَالَكُمْ » قالوا : ما كنا نعدل بالأحساب شيئا. فقام رسول الله ﷺ، فقال :«إنّ هَؤُلاءِ قَدْ جاءُونِي مُسْلِمِينَ، وإنّا خَيّرْناهُمْ بينَ الذّرَارِي والأمْوَالِ فَلَمْ يَعْدِلُوا بالأحْسابِ شَيْئا، فَمَنْ كانَ بِيَدِهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ فَطابَتْ نَفْسُهُ أنْ يَرُدّهُ فَلْيَفْعَلْ ذلكَ، وَمَنْ لا فَلْيُعْطِنا، وَلْيَكُنْ قَرْضا عَلَيْنا حتى نُصِيبَ شَيْئا فَنُعْطيَهَ مَكانَهُ » فقالوا : يا نبيّ الله رضينا وسلمنا. فقال :«إنّي لا أدْرِي، لَعَلّ مِنْكُمْ مَنْ لا يَرْضَى، فَمُرُوا عُرَفاءَكُمْ فَلْيَرْفَعُوا ذلكَ إلَيْنا » فرفعت إليه العرفاء أن قد رضوا وسلموا.
حدثنا عليّ بن سهل، قال : حدثنا مؤمل، قال : حدثنا حماد بن سلمة، قال : حدثنا يعلى بن عطاء، عن أبي همام، عن أبي عبد الرحمن، يعني الفهري، قال : كنت مع النبيّ ﷺ في غزوة حنين فلما ركدت الشمس لبست لأمتي وركبت فرسي، حتى أتيت النبيّ ﷺ وهو في ظلّ شجرة، فقلت : يا رسول الله قد حان الرواح، فقال :«أجَلْ » فنادى :«يا بِلال يا بلالُ » فقام بلال من تحت سمرة، فأقبل كأن ظله ظل طير، فقال : لبيك وسعديك، ونفسي فداؤك يا رسول الله فقال له النبيّ ﷺ :«أسْرِجْ فَرَسِي » فأخرج سرجا دفتاه حشوهما ليف، ليس فيهما أشر ولا بطر. قال : فركب النبيّ ﷺ، فصاففناهم يومنا وليلتنا فلما التقى الخيلان ولى المسلمون مدبرين، كما قال الله، فنادى رسول الله ﷺ :«يا عِبادَ اللّهِ، يا مَعْشَرَ المُهاجِرِينَ » قال : ومال النبيّ ﷺ عن فرسه، فأخذ حفنة من تراب فرمى بها وجوههم، فولوا مدبرين. قال يعلى بن عطاء : فحدثني أبناؤهم عن آبائهم أنهم قالوا : ما بقي منا أحد إلا وقد امتلأت عيناه من ذلك التراب.
حدثنا محمد بن المثنى، قال : حدثنا محمد بن جعفر، قال : حدثنا شعبة، عن أبي إسحاق، قال : سمعت البراء، وسأله رجل من قيس : فررتم عن رسول الله ﷺ يوم حنين ؟ فقال البراء : لكن رسول الله ﷺ لم يفرّ، وكانت هوازن يومئذ رماة، وإنا لما حملنا ع
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
١٦٥٦٩- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: (حتى يأتي الله بأمره)، بالفتح.
١٦٥٧٠- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد: (فتربصوا حتى يأتي الله بأمره)، فتح مكة.
١٦٥٧١- حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: (وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها)، يقول: تخشون أن تكسد فتبيعوها = (ومساكن ترضونها)، قال: هي القصور والمنازل.
١٦٥٧٢- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: (وأموال اقترفتموها)، يقول: أصبتموها.
* * *
القول في تأويل قوله: ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ (٢٥)﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: (لقد نصركم الله)، أيها المؤمنون = في أماكن حرب توطِّنون فيها أنفسكم على لقاء عدوّكم، ومشاهد تلتقون فيها أنتم وهم كثيرة = (ويوم حنين)، يقول: وفي يوم حنين أيضًا قد نصركم.
* * *
و (حنين) وادٍ، فيما ذكر، بين مكة والطائف. وأجرِيَ، لأنه مذكر اسم لمذكر. وقد يترك إجراؤه، ويراد به أن يجعل اسمًا للبلدة التي هو بها، (١) ومنه قول الشاعر: (٢)
نَصَرُوا نَبِيَّهُمْ وَشَدُّوا أَزْرَهُبِحُنَيْنَ يَوْمَ تَوَاكُلِ الأَبْطَالِ (٣)
(١) انظر معاني القرآن للفراء ١: ٤٢٩.
(٢) هو حسان بن ثابت.
(٣) ديوانه: ٣٣٤، ومعاني القرآن للفراء ١: ٤٢٩، واللسان (حنن)، وسيأتي في التفسير ١٦: ١١١ (بولاق)، وهو بيت مفرد.
وقوله: " تواكل الأبطال "، من قولهم: " تواكل القوم "، إذا اتكل بعضهم على بعض، ولم يعفه في مأزق الحرب. وفي الحديث أنه نهى عن المواكلة، وهو: أن يكل كل امرئ صاحبه إلى نفسه، فلا يعينه فيما ينويه، وهو مفض إلى الضعف والتقاطع وفساد الأمور، أعاذنا الله من كل ذلك.
١٦٥٧٣- حدثني عبد الوارث بن عبد الصمد قال، حدثني أبي قال، حدثنا أبان العطار قال، حدثنا هشام بن عروة، عن عروة قال: "حُنَين"، واد إلى جنب ذي المجاز. (١)
* * *
(إذ أعجبتكم كثرتكم)، وكانوا ذلك اليوم، فيما ذكر لنا، اثني عشر ألفًا.
* * *
وروي أن النبي ﷺ قال ذلك اليوم: لن نغلب من قِلَّة.
* * *
وقيل: قال ذلك رجل من المسلمين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم.
* * *
وهو قول الله: (إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئًا)، يقول: فلم تغن عنكم كثرتكم شيئا (٢) = (وضاقت عليكم الأرض بما رحبت)، يقول: وضاقت الأرض بسعتها عليكم.
* * *
و"الباء" ههنا في معنى "في"، ومعناه: وضاقت عليكم الأرض في رحبها، وبرحبها. (٣)
* * *
يقال منه: "مكان رحيب"، أي واسع. وإنما سميت الرِّحاب "رحابًا" لسَعَتَها.
* * *
= (ثم وليتم مدبرين)، عن عدوكم منهزمين = "مدبرين"، يقول: وليتموهم، الأدبار، وذلك الهزيمة. يخبرهم تبارك وتعالى أن النصر بيده ومن عنده، وأنه ليس
(١) الأثر: ١٦٥٧٢ - هو جزء من كتاب عروة، إلى عبد الملك بن مروان، الذي خرجته فيما سلف رقم: ١٦٠٨٣، ورواه الطبري في تاريخه، في أثناء خبر طويل ٢: ١٢٥.
(٢) انظر تفسير " أغنى " فيما سلف: ١٣: ٤٤٥، تعليق: ٢، والمراجع هناك.
(٣) انظر معاني القرآن للفراء ١: ٤٣٠.
بكثرة العدد وشدة البطش، وأنه ينصر القليلَ على الكثير إذا شاء، ويخلِّي الكثيرَ والقليلَ، فَيهْزِم الكثيرُ. (١)
* * *
وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك:
١٦٥٧٤- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: (لقد نصركم الله في مواطن كثيرة ويوم حنين)، حتى بلغ: (وذلك جزاء الكافرين)، قال: "حنين"، ماء بين مكة والطائف، قاتل عليها نبيُّ الله هوازن وثقيفَ، وعلى هوازن: مالك بن عوف أخو بني نصر، وعلى ثقيف: عبد يا ليل بن عمرو الثقفيّ. قال: وذُكر لنا أنه خرج يومئذ مع رسول الله ﷺ اثنا عشر ألفًا: عشرة آلافٍ من المهاجرين والأنصار، وألفان من الطُّلقَاء، وذكر لنا أنَّ رجلا قال يومئذٍ: "لن نغلب اليوم بكَثْرة"! قال: وذكر لنا أن الطُّلقَاء انجفَلوا يومئذ بالناس، (٢) وجلَوْا عن نبي الله ﷺ حتى نزل عن بغلته الشهباء. وذكر لنا أن نبيَّ الله قال: "أي رب، آتني ما وعدتني"! قال: والعباسُ آخذ بلجام بغلةِ رسول الله، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: "ناد يا معشر الأنصار، ويا معشر المهاجرين! "، فجعل ينادي الأنصار فَخِذًا فخِذًا، ثم قال: "نادِ بأصحاب سورة البقرة! ". (٣) قال: فجاء الناس عُنُقًا واحدًا. (٤) فالتفت نبيُّ الله صلى الله عليه وسلم، وإذا عصابة من الأنصار، فقال: هل معكم غيركم؟ فقالوا: يا نبي الله، والله لو عمدت إلى بَرْك الغِمادِ من ذي يَمَنٍ
(١) في المطبوعة: " ويخلي القليل فيهزم الكثير "؛ حذف بسوء رأيه فأفسد الكلام. وإنما أراد أن الله يخلي بين الكثير والقليل فلا ينصر القليل، فيهزم الكثير القليل، على ما جرت به العادة من غلبة الكثير على القليل.
(٢) " انجفل القوم عن رئيسهم "، ذعروا، فانقلعوا من حوله، ففروا مسرعين.
(٣) في المطبوعة: " ثم نادى بأصحاب سورة البقرة "، غير ما في المخطوطة عبثا.
(٤) قوله: " عنقا واحدا "، أي: جملة واحدة. ويقال: " جاء القوم عنقا عنقا "، أي: طائفة طائفة. ويقال: " هم عليه عنق "، أي: هم عليه إلب واحد.
لكنَّا مَعَك، (١) ثم أنزل الله نصره، وهزَمَ عدوّهم، وتراجع المسلمون. قال: وأخذ رسول الله كفًّا من تراب = أو: قبضةً من حَصْباء = فرمى بها وجوه الكفار، وقال: "شاهت الوجوه! "، فانهزموا. فلما جمع رسول الله ﷺ الغنائم، وأتى الجعرَّانة، فقسم بها مغانم حنين، وتألَّف أناسًا من الناس، فيهم أبو سفيان بن حرب، والحارث بن هشام، وسهيل بن عمرو، والأقرع بن حابس، فقالت الأنصار: "أمن الرجل وآثر قومه"! (٢) فبلغ ذلك رسول الله ﷺ وهو في قُبَّة له من أَدَم، فقال: "يا معشر الأنصار، ما هذا الذي بلغني؟ ألم تكونوا ضُلالا فهداكم الله، وكنتم أذلَّةً فأعزكم الله، وكنتم وكنتم! " قال: فقال سعد بن عبادة رحمه الله: ائذن لي فأتكلم! قال: تكلم. قال: أما قولك: "كنتم ضلالا فهداكم الله"، فكنا كذلك = "وكنتم أذلة فأعزكم الله"، فقد علمت العربُ ما كان حيٌّ من أحياء العرب أمنعَ لما وراء ظهورهم منَّا! فقال عمر: يا سعد أتدري من تُكلِّم! فقال: نعم أكلّم رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: والذي نفسي بيده، لو سلكَتِ الأنصارُ واديًا والناس واديًا لسكت وادي الأنصار، ولولا الهجرةُ لكنت امرءًا من الأنصار. وذكر لنا أن نبي الله ﷺ كان يقول: " الأنصار كَرِشي وَعَيْبتي، فاقبلوا من مُحِسنهم وتجاوزوا عن مسيئهم". (٣) ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يا معشر الأنصار، أما ترضون أن ينقلب الناس بالإبل والشاء، وتنقلبون برسولِ الله إلى بيوتكم! فقالت الأنصار: رضينا عن الله ورسوله، والله ما قلنا ذلك إلا حرصا على رسول الله صلى الله عليه وسلم! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله ورسوله يصدِّقانكم ويعذِرَانكم". (٤)
١٦٥٧٥- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة، قال: ذكر لنا أن أمَّ رسول الله ﷺ التي أرضعته أو ظِئْره من بني سعد بن بكر، أتته فسألته سَبَايا يوم حنين، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إني لا أملكهم، وإنما لي منهم نصيبي، ولكن ائتيني غدًا فسلِيني والناس عندي، فإني إذا أعطيتُك نصيبي أعطاك الناس. فجاءت الغد، فبسط لها ثوبًا، فقعدت عليه، ثم سألته، فأعطاها نصيبه. فلما رأى ذلك الناس أعطوْها أنصباءهم.
١٦٥٧٦- حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: (لقد نصركم الله في مواطن كثيرة)، الآية: أن رجلا من أصحاب رسول الله ﷺ يوم حنين قال: يا رسول الله، لن نغلب اليوم من قِلّة! وأعجبته كثرة الناس، وكانوا اثني عشر ألفًا. فسار رسول الله صلى الله عليه وسلم، فوُكِلوا إلى كلمة الرجل، فانهزموا عن رسول الله، غير العباس، وأبي سفيان بن الحارث، وأيمن بن أم أيمن، قتل يومئذ بين يديه. فنادى رسول الله صلى الله عليه وسلم: أين الأنصار؟ أين الذين بايعوا تحت الشجرة؟ فتراجع الناس، فأنزل الله الملائكة بالنصر، فهزموا المشركين يومئذٍ، وذلك قوله: (ثم أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين وأنزل جنودًا لم تروها)، الآية.
١٦٥٧٧- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن الزهري، عن كثير بن عباس بن عبد المطلب، عن أبيه قال: لما كان يوم حنين، التقى المسلمون والمشركون، فولّى المسلمون يومئذٍ. قال: فلقد رأيتُ النبي ﷺ وما معه أحدٌ إلا أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب، آخذًا بغَرْزِ النبي صلى الله عليه وسلم، لا يألو ما أسرع نحو
(١) انظر ما سلف في تفسير " برك الغماد " رقم: ١٥٧٢٠.
(٢) في المطبوعة: " حن الرجل إلى قومه "، غير ما في المخطوطة بلا ورع.
(٣) " الكرش "، وعاء الطيب، و " العيبة " وعاء من أدم يكون فيه المتاع والثياب.
يقول: الأنصار خاصتي وموضع سري، أثق بهم، وأعتمد عليهم، وهم أنفس ما أحرز.
(٤) الأثر: ١٦٥٧٤ - رواه ابن سعد مختصرا في الطبقات ٤ / ١ / ١١، ١٢.
المشركين. (١) قال: فأتيت حتى أخذتُ بلجامه، وهو على بغلةٍ له شهباء، فقال: يا عباس. ناد أصحابَ السمرة! وكنت رجلا صَيِّتًا، (٢) فأذَّنت بصوتي الأعلى: أين أصحاب السمرة! فالتفتوا كأنها الإبل إذا حُشِرت إلى أولادها، (٣) يقولون: "يا لبيك، يا لبَّيك، يا لبيك"، وأقبل المشركون. فالتقوا هم والمسلمون، وتنادت الأنصار: "يا معشر الأنصار"، ثم قُصرت الدعوة في بني الحارث بن الخزرج، فتنادوا: "يا بني الحارث بن الخزرج"، فنظر رسول الله ﷺ وهو على بغلته كالمتطاوِل، إلى قتالهم فقال: "هذا حين حَمِي الوَطِيس"! (٤) ثم أخذ بيده من الحصباء فرماهم بها، ثم قال: "انهزموا وربِّ الكعبة، انهزموا ورب الكعبة! " قال: فوالله ما زال أمرُهم مدبرًا، وحدُّهم كليلا حتى هزمهم الله، قال: فلكأنّي أنظر إلى رسول الله ﷺ يركُضُ خلفهم على بَغْلَتِه. (٥)
١٦٥٧٨- حدثنا ابن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب: أنهم أصابوا يومئذٍ ستة آلاف سَبْيٍ، ثم جاء قومهم مسلمين بعد ذلك، فقالوا: يا رسول الله: أنت خيرُ الناس، وأبرُّ الناس، وقد أخذت أبناءنا ونساءنا وأموالَنا! فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إن عندي من ترونَ! وإن خير القولِ أصدقُه، اختاروا: إما ذَراريكم ونساءكم، وإمّا أموالكم. قالوا: ما كنا نعدِل بالأحساب شيئًا! فقام رسول الله ﷺ فقال: إن هؤلاء جاءوني مسلمين، وإنا خيَّرناهم بين الذَّراريّ والأموال، فلم يعدلوا بالأحساب شيئًا، فمن كان بيده منهم شيء فطابت نفسُه أن يردَّه فليفعل ذلك، ومن لا فليُعْطِنا، وليكن قَرْضًا علينا حتى نصيب شيئًا، فنعطيه مكانه. فقالوا: يا نبي الله، رضينا وسلَّمنا! فقال: "إني لا أدري لعلَّ منكم من لا يرضَى، فَمُروا عرفاءكم فليرفعوا ذلك إلينا. فرفعتْ إليه العُرَفاء أن قد رضوا وسلموا. (٦)
١٦٥٧٩- حدثنا علي بن سهل قال، حدثنا مؤمل قال، حدثنا حماد بن سلمة قال، حدثنا يعلى بن عطاء، عن أبي همام، عن أبي عبد الرحمن = يعني الفهريّ = قال: كنت مع النبي ﷺ في غزوة حنين، فلما رَكَدت الشمس، (٧) لبستُ لأمَتي، (٨) وركبت فرسي، حتى أتيت النبي ﷺ وهو في ظِلّ شجرة، فقلت: يا رسول الله، قد حان الرَّواح، فقال: أجل! فنادى: "يا بِلال! يا بلال! " فقام بلال من تحت سمرة، فأقبل كأن ظله ظلُّ طير، فقال: لبيك وسعديك، ونفسي فداؤك، يا رسول الله! فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: أسرج فرسي! فأخرج سَرْجًا دَفَّتَاه حشْوهما ليفٌ، ليس فيهما أَشَرٌ
(١) " الغرز "، ركاب الدابة. و " لا يألو " لا يقصر.
(٢) " الصيت " (على وزن جيد) : البعيد الصوت العالية.
(٣) في المطبوعة: " إذا حنت إلى أولادها "، غير ما في المخطوطة، و " الحشر "، الجمع.
وفي المراجع الأخرى: " لكأن عطفتهم حين سمعوا صوتي عطفة البقر على أولادها ". والذي في طبقات ابن سعد، موافق لما في المطبوعة.
(٤) " الوطيس ": حفرة تحتفر، فتوقد فيها النار، فإذا حميت يختبز فيها ويشوى، ويقال لها " الإرة " وهذا من بليغ الكلام، ولم تسمع هذه الكلمة من أحد قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم.
(٥) الأثر: ١٦٥٧٧ - " كثير بن العباس بن عبد المطلب "، ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولد على عهد رسول الله، ولم يسمع منه، تابعي ثقة قليل الحديث. مترجم في التهذيب، والكبير ٤ / ١ / ٢٠٧، وابن أبي حاتم ٣ / ٢ / ١٥٣.
وهذا الخبر رواه أحمد في مسنده رقم: ١٧٧٥ من طريق عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري. وفصل أخي السيد أحمد تخريجه هناك، ثم رقم: ١٧٧٦.
ورواه مسلم في صحيحه ١٢: ١١٣، من طريق يونس، عن الزهري. ثم رواه أيضا (١٢: ١١٧) من طريق عبد الرزاق، عن معمر، ومن طريق سفيان بن عيينه عن الزهري.
ورواه الحاكم في المستدرك ٣: ٣٢٧، من طريق يونس، عن الزهري.
ورواه ابن سعد في الطبقات ٢ / ١ / ١١٢ = ٤ / ١ / ١١، الثاني طريق محمد بن عبد الله، عن عمه، عن ابن شهاب الزهري، والأول من طريق محمد بن حميد العبدي، عن معمر، عن الزهري.
ثم انظر تاريخ الطبري ٣: ١٢٨، حديث ابن إسحاق، في سيرة ابن هشام ٤: ٨٧، ٨٨.
(٦) الأثر: ١٦٥٧٨ - رواه ابن سعد في الطبقات ٢ / ١ / ١١٢. ٨٧، ٨٨.
(٧) " ركدت الشمس "، ثبتت، وذلك حين يقوم قائم الظهيرة.
(٨) " اللأمة " الدرع، وسلاح الحرب كله.
ولا بَطَرٌ (١) قال: فركب النبي صلى الله عليه وسلم، فصافَفْناهم يومَنا وليلتنا، فلما التقى الخيلان ولَّى المسلمون مدبرين، كما قال الله. فنادى رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يا عباد الله، يا معشر المهاجرين! ". قال: ومال النبي ﷺ عن فرسه، فأخذ حَفْنَةً من تراب فرمى بها وجوههم، فولوا مدبرين = قال يعلى بن عطاء: فحدثني أبناؤهم عن آبائهم أنهم قالوا: ما بقي مِنَّا أحد إلا وقد امتلأت عيناه من ذلك التراب. (٢)
١٦٥٨٠- حدثنا محمد بن المثنى قال، حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا شعبة، عن أبي إسحاق قال: سمعت البراء وسأله رجل من قيس: فَرَرتم عن رسول الله ﷺ يوم حنين؟ فقال البراء: لكن رسول الله لم يفرَّ، وكانت هَوازن يومئذ رُماةً، وإنَّا لما حملنا عليهم انكشَفُوا فأكبَبْنا على الغنائم، فاستقبلونا بالسِّهام، ولقد رأيتُ رسول الله ﷺ على بغلته البيضاء، وإن أبا سفيان بن الحارث آخذٌ بلجامها وهو يقول:
أَنَا النَّبِيُّ لا كَذِبْأَنَا ابْنُ عبدِ المُطَّلِبْ (٣)
(١) " الأشر "، المرح والخيلاء. و " البطر "، الطغيان في النعمة من قلة احتمالها.
(٢) الأثر: ١٦٥٧٩ - " يعلى بن عطاء العامري الطائفي "، ثقة مضى برقم: ٢٨٥٨، ١١٥٢٧، ١١٥٢٩.
و" أبو همام " هو " عبد الله بن يسار "، روى عن عمرو بن حريث. وأبي عبد الرحمن الفهري. ثقة، مترجم في التهذيب، وابن أبي حاتم ٢ / ٢ / ٢٠٢.
و" أبو عبد الرحمن الفهري "، صحابي مختلف في اسمه، مترجم في الإصابة، والتهذيب، وأسد الغابة ٥: ٢٤٥، ٢٤٦، والاستيعاب: ٦٧٦.
وهذا الخبر رواه أحمد في مسنده ٥: ٢٨٦ من طريق بهز عن حماد بن سلمة، ومن طريق عفان، عن حماد.
ورواه ابن سعد في الطبقات ٢ / ١ / ١١٢، ١١٣، من طريق عفان، عن حماد بن سلمة.
ورواه أبو داود في سننه ٤: ٤٨٥، ٤٨٦، برقم: ٥٢٣٣ من طريق موسى بن إسماعيل، عن حماد مختصرا.
ورواه ابن عبد البر في الاستيعاب ٦٧٦، بغير إسناد.
ورواه ابن الأثير في أسد الغابة من طريق موسى بن إسماعيل، عن حماد.
وخرجه الهيثمي في مجمع الزوائد ٦: ١٨١، ١٨٢، وقال: " رواه البزار، والطبراني، ورجالها ثقات ".
(٣) الأثران: ١٦٥٨٠، ١٦٥٨١ - خبر البراء بن عازب، رواه مسلم من طرق كثيرة في صحيحه ١٢: ١١٧ - ١٢١، ورواه من طريق شعبة، عن أبي إسحاق في ١٢: ١٢١.
ورواه البخاري في صحيحه (الفتح ٨: ٢٤) من طرق.
١٦٥٨١- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن البراء قال: سأله رجل: يا أبا عُمارة، وليتم يوم حنين؟ فقال البراء وأنا أسمع: أشهد أن رسول الله لم يولِّ يومئذ دُبُره، وأبو سفيان يقود بغلته. فلما غشيه المشركون نزل فجعل يقول:
أَنَا النَّبِيُّ لا كَذِبْأَنَا ابْنُ عبدِ المُطَّلِبْ
فما رُئي يومئذ أحد من الناس كان أشدَّ منه.
١٦٥٨٢- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني جعفر بن سليمان، عن عوف الأعرابي، عن عبد الرحمن مولى أم برثن قال، حدثني رجل كان من المشركين يوم حنين قال: لما التقينا نحن وأصحابَ محمد عليه السلام، لم يقفوا لنا حَلَبَ شاةٍ أن كشفناهم، فبينا نحن نسوقهم، إذ انتهينا إلى صاحب البغلة الشهباء، فتلقانا رجالٌ بيضٌ حسانُ الوجوه، فقالوا لنا: شاهت الوجوه، ارجعوا"! فرجعنا، وركبنا القوم، فكانت إياها. (١)
(١) الأثر: ١٦٥٨٢ - " عبد الرحمن، مولى أم برثن "، هو " عبد الرحمن بن آدم، صاحب السقاية ". وكانت أم برثن تعالج الطيب، فأصابت غلاما لقطة، فربته حتى أدرك، وسمته عبد الرحمن، فكان مما يقال له " عبد الرحمن بن أم برثن "، وإنما قيل له: " عبد الرحمن بن آدم، نسب إلى أبي البشر جميعا، " آدم " عليه السلام، لم يكن يعرف له أب، وهو ثقة، مضى برقم: ٧١٤٥.
وكان في المخطوطة: " مولى برثن "، وهو خطأ، وانظر الخبر التالي رقم: ١٩٥٨٧ من طريق أخرى.
وقوله: " لم يقفوا لنا حلب شاة "، يعني: إلا قدر ما تحلب شاة، كناية من قلة الزمن، كما يقال: " فواق ناقة "، و " الفواق " ما بين الحلبتين إذا قبض الجانب على الضرع ثم أرسله.
قوله: " فكانت إياها "، يعني، فكانت الهزيمة التي تعلم. وفي حديث معاوية بن عطاء:
" كان معاوية رضي الله عنه إذا رفع رأسه من السجدة الأخيرة كانت إياها ". قالوا: اسم " كان " ضمير " السجدة "، و " إياها " الخبر، أي: كانت هي هي، أي: كان يرفع منها وينهض قائما إلى الركعة الأخرى من غير أن يقعد قعدة الاستراحة.
١٦٥٨٣- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير، عن يعقوب، عن جعفر، عن سعيد قال: أمدَّ الله نبيه ﷺ يوم حنين بخمسة آلاف من الملائكة مسوِّمين. قال: ويومئذ سمَّى الله الأنصار "مؤمنين". قال: (فأنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين وأنزل جنودا لم يَروها).
١٦٥٨٤- حدثني يونس قال: أخبرنا ابن وهب قال: قال ابن زيد في قوله: (ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئا)، قال: كانوا اثني عشر ألفًا.
١٦٥٨٥- حدثنا محمد بن يزيد الأدَميّ قال، حدثنا معن بن عيسى، عن سعيد بن السائب الطائفي، عن أبيه، عن يزيد بن عامر قال: لما كانت انكشافةُ المسلمين حين انكشفوا يوم حنين، ضَرَب النبي ﷺ يَده إلى الأرض، فأخذ منها قبضة من تراب، فأقبل بها على المشركين وهم يتْبعون المسلمين، فحثَاها في وجوهم وقال: "ارجعوا: شاهت الوجوه! ". قال: فانصرفنا، ما يلقى أحدٌ أحدًا إلا وهو يمسَحُ القَذَى عن عينيه. (١)
(١) الأثر: ١٦٥٨٥ - " محمد بن يزيد الأدمي الخراز "، شيخ الطبري، ثقة زاهد، مضى برقم: ٤٨٩٤.
و" معن بن عيسى الأشجعي، القزاز "، أحد أئمة الحديث، روى له الجماعة. مترجم في التهذيب، والكبير ٤ / ١ / ٣٩٠، وابن أبي حاتم ٤ / ١ / ٢٧٧.
و" سعيد بن السائب الطائفي "، ثقة، مضى برقم: ١٥٤٠٢.
وأبوه " السائب بن أبي حفص الطائفي "، ثقة، مترجم في الكبير ٢ / ٢ / ١٥٦، وابن أبي حاتم ٣ / ١ / ٢٤٥.
و" يزيد بن عامر السوائي " " أبو حاجز " صحابي، مترجم في التهذيب، والكبير ٤ / ٢ / ٣١٦، وابن أبي حاتم ٤ / ٢ / ٢٨١.
وهذا الخبر، رواه البخاري في تاريخه ٤ / ٢ / ٣١٦ من طريق إبراهيم بن المنذر، عن معن بن عيسى.
ورواه ابن الأثير في أسد الغابة ٥: ١١٥، ١١٦.
وخرجه الهيثمي في مجمع الزوائد (٦: ١٨٢، ١٨٣)، حديثان، كما جاء هنا في التفسير، وقال في الأول والثاني " رواه الطبراني، ورجاله ثقات ".
١٦٥٨٦- وبه، عن يزيد بن عامر السُّوائي قال: قيل له: يا أبا حاجز، الرعب الذي ألقى الله في قلوب المشركين، ماذا وجدتم؟ قال: وكان أبو حاجز مع المشركين يوم حنين، فكان يأخذ الحصاة فيرمي بها في الطَّستِ فيطنُّ، ثم يقول: كان في أجوافِنَا مثل هذا! (١)
١٦٥٨٧- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسن بن عرفة قال، حدثني المعتمر بن سليمان، عن عوف قال، سمعت عبد الرحمن مولى أم برثن = أو: أم برثم = قال، حدثني رجل كان في المشركين يوم حنين، قال: لما التقينا نحن وأصحابَ رسول الله ﷺ يوم حنين، لم يقوموا لنا حَلَب شاة. قال: فلما كشفناهم جعلنا نسُوقهم في أدبارهم، حتى انتهينا إلى صاحب البغلة البيضاء، فإذا هو رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: فتلقانا عندَه رجالٌ بيضٌ حسانُ الوجوه فقالوا لنا: "شاهت الوجوه، ارجعوا! "، قال: فانهزمنا، وركِبُوا أكتافنا، فكانت إيَّاهَا. (٢)
* * *
(١) ١٦٥٨٦ - مكرر الأثر السالف، وتخريجه هناك.
(٢) الأثر: ١٦٥٨٧ - " عبد الرحمن، مولى أم برثن، أو: أم برثم "، بإبدال النون ميما، مضى في الأثر رقم: ١٦٥٨٢، وكان في المطبوعة هنا: " أو: أم مريم "، وهو خطأ محض، وتصرف في رسم المخطوطة، وهي غير منقوطة.

تفسير القرآن العظيم — ابن كثير

عن الكتاب
قال ابن جُرَيْج، عن مجاهد : هذه أول آية نزلت من [ سورة ](١) " براءة ".
يذكر تعالى للمؤمنين فضله عليهم وإحسانه لديهم في نصره إياهم في مواطن كثيرة من غزواتهم مع رسوله(٢) وأن ذلك من عنده تعالى، وبتأييده وتقديره، لا بعَددهم ولا بعُددهم ونبههم على أن النصر من عنده، سواء قل الجمع أو كثر، فإن يوم حُنين أعجبتهم كثرتهم، ومع هذا ما أجدى ذلك عنهم شيئا فولوا مدبرين إلا القليل منهم مع رسول الله ﷺ. ثم أنزل [ الله ](٣) نصره وتأييده على رسوله وعلى المؤمنين الذين معه، كما سنبينه إن شاء الله تعالى مفصلا ليعلمهم(٤) أن النصر من عنده تعالى وحده وبإمداده وإن قل الجمع، فكم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله، والله مع الصابرين.
وقد قال الإمام أحمد : حدثنا وهب بن جرير، حدثنا أبي، سمعت يونس يحدث عن الزهري، عن عبيد الله، عن ابن عباس قال : قال رسول الله ﷺ :" خير الصحابة أربعة، وخير السرايا أربعمائة، وخير الجيوش أربعة آلاف، ولن تغلب اثنا عشر ألفا من قلة ".
وهكذا رواه أبو داود، والترمذي(٥) ثم قال :(٦) هذا حديث حسن غريب، لا يسنده كبير أحد غير جرير بن حازم، وإنما روي عن الزهري، عن النبي ﷺ مرسلا.
وقد رواه ابن ماجه والبيهقي وغيره، عن أكثم بن الجون، عن رسول الله ﷺ، بنحوه(٧) والله أعلم.
وقد كانت وقعة :" حُنين " بعد فتح مكة في شوال سنة ثمان من الهجرة، وذلك لما فرغ عليه السلام(٨) من فتح مكة، وتمهدت أمورها، وأسلم عامة أهلها، وأطلقهم رسول الله ﷺ، فبلغه أن
هوازن جمعوا له ليقاتلوه، وأن أميرهم مالك بن عوف النَّضْري، ومعه ثقيف بكمالها، وبنو جُشم وبنو سعد بن بكر، وأوزاع من بني هلال، وهم قليل، وناس من بني عمرو بن عامر، وعوف بن عامر، وقد أقبلوا معهم النساء والولدان والشاء والنَّعم، وجاءوا بقَضِّهم وقَضِيضهم فخرج إليهم رسول الله ﷺ في جيشه الذي جاء(٩) معه للفتح، وهو عشرة آلاف من المهاجرين والأنصار وقبائل العرب، ومعه الذين أسلموا من أهل مكة، وهم الطلقاء في ألفين أيضا، فسار بهم إلى العدو، فالتقوا بواد بين مكة والطائف يقال له " حنين "، فكانت فيه الوقعة في أول النهار في غلس الصبح، انحدروا في الوادي وقد كمنت فيه هوازن، فلما تواجهوا لم يشعر المسلمون إلا بهم قد ثاوروهم(١٠) ورشقوا بالنبال، وأصلتوا السيوف، وحملوا حملة رجل واحد، كما أمرهم ملكهم. فعند ذلك ولى المسلمون مدبرين، كما قال الله، عز وجل(١١) وثبت رسول الله ﷺ، وهو راكب يومئذ بغلته الشهباء يسوقها إلى نحر العدو، والعباس عمه آخذ بركابها الأيمن، وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب آخذ بركابها الأيسر، (١٢) يثقلانها لئلا تسرع السير، وهو ينوه باسمه، عليه الصلاة والسلام، ويدعو المسلمين إلى الرجعة [ ويقول ] :" أين يا عباد الله ؟ إليَّ أنا رسول الله "، ويقول في تلك الحال :
أنا النبي لا كذبأنا ابن عبد المطلب
وثبت معه من أصحابه قريب من مائة، ومنهم من قال : ثمانون، فمنهم : أبو بكر، وعمر، رضي الله عنهما، والعباس وعلي، والفضل بن عباس، وأبو سفيان بن الحارث، وأيمن بن أم أيمن، وأسامة بن زيد، وغيرهم، رضي الله عنهم ثم أمر ﷺ عمه العباس - وكان جهير الصوت - أن ينادي بأعلى صوته : يا أصحاب الشجرة - يعني شجرة بيعة الرضوان، التي بايعه المسلمون من المهاجرين والأنصار تحتها، على ألا يفروا عنه - فجعل ينادي بهم : يا أصحاب السمرة(١٣) ويقول تارة : يا أصحاب سورة البقرة، فجعلوا يقولون : يا لبيك، يا لبيك، وانعطف الناس فجعلوا يتراجعوا إلى رسول الله ﷺ، حتى إن الرجل منهم إذا لم يطاوعه بعيره على الرجوع، لبس درعه، ثم انحدر عنه، وأرسله، ورجع بنفسه إلى رسول الله ﷺ. فلما رجعت(١٤) شرذمة منهم، أمرهم عليه السلام(١٥) أن يصدقوا الحملة، وأخذ قبضة من التراب بعدما دعا ربه واستنصره، وقال :" اللهم أنجز لي ما وعدتني " ثم رمى القوم بها، فما بقي إنسان منهم إلا أصابه منها في عينيه وفمه ما شغله عن القتال، ثم انهزموا، فاتبع(١٦) المسلمون أقفاءهم يقتلون ويأسرون، وما تراجع بقية الناس إلا والأسارى مجدلة بين يدي رسول الله ﷺ.
وقال الإمام أحمد : حدثنا عفان، حدثنا حماد بن سلمة، أخبرنا يعلى بن عطاء، عن عبد الله بن يسار أبي همام، عن أبي عبد الرحمن الفهري - واسمه يزيد بن أسيد، ويقال : يزيد بن أنيس، ويقال : كُرْز - قال : كنت مع رسول الله ﷺ في غزوة حنين، فسرنا في يوم قائظ شديد الحر، فنزلنا تحت ظلال الشجر، فلما زالت الشمس لبست لأمتي وركبت فرسي، فانطلقت إلى رسول الله ﷺ وهو في فسطاطه، فقلت : السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله، حان الرواح ؟ فقال :" أجل ". فقال :" يا بلال " فثار من تحت سمرة(١٧) كأن ظله ظل طائر، فقال : لبيك وسعديك، وأنا فداؤك(١٨) فقال :" أسرج لي فرسي ". فأخرج سرجا دفتاه من ليف، ليس فيهما أشرٌ ولا بَطَر.
قال : فأسرج، فركب وركبنا، فصاففناهم عشيتنا وليلتنا، فتشامت الخيلان، فولى المسلمون مدبرين، كما قال الله، عز وجل :( ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ ) فقال رسول الله ﷺ :" يا عباد الله، أنا عبد الله ورسوله "، ثم قال :" يا معشر المهاجرين، أنا عبد الله ورسوله ". قال : ثم اقتحم رسول الله ﷺ عن فرسه(١٩) فأخذ كفا من تراب، فأخبرني الذي كان أدنى إليه مني : أنه ضرب به وجوههم وقال :" شاهت الوجوه ". فهزمهم الله عز وجل. قال يعلى بن عطاء : فحدثني أبناؤهم، عن آبائهم، أنهم قالوا : لم يبق منا أحد إلا امتلأت عيناه وفمه ترابا، وسمعنا صلصلة بين السماء والأرض، كإمرار الحديد على الطست(٢٠) الجديد.
وهكذا رواه الحافظ البيهقي في " دلائل النبوة " من حديث أبي داود الطيالسي، عن حماد بن سلمة به(٢١)
وقال محمد بن إسحاق : حدثني عاصم بن عمر بن قتادة، عن عبد الرحمن بن جابر، عن أبيه جابر عن عبد الله قال : فخرج مالك بن عوف بمن معه إلى حنين، فسبق رسول الله ﷺ إليه، فأعدوا وتهيئوا في مضايق الوادي وأحنائه، وأقبل رسول الله ﷺ وأصحابه، حتى انحط بهم الوادي في عماية الصبح، فلما انحط الناس ثارت في وجوههم الخيل، فاشتدت عليهم، وانكفأ الناس منهزمين، لا يُقْبِل أحد عن أحد، وانحاز رسول الله ﷺ ذات اليمين يقول :" أيها الناس(٢٢) هلموا إليَّ أنا رسول الله، أنا رسول الله، أنا محمد بن عبد الله " فلا شيء، وركبت الإبل بعضها بعضا(٢٣) فلما رأى رسول الله ﷺ أمر الناس قال :" يا عباس، اصرخ : يا معشر الأنصار، يا أصحاب السمرة ". فأجابوه : لبيك، لبيك، فجعل الرجل يذهب ليعطف بعيره، فلا يقدر على ذلك، فيقذف درعه في عنقه، ويأخذ سيفه وقوسه، ثم يَؤُمَّ الصوت، حتى اجتمع إلى رسول الله ﷺ منهم مائة، فاستعرض الناسُ فاقتتلوا، وكانت الدعوة أول ما كانت بالأنصار، ثم جعلت آخرًا بالخزرج(٢٤) وكانوا صُبُرًا عند الحرب، وأشرف رسول الله ﷺ في ركائبه(٢٥) ( فنظر إلى مُجتَلَد القوم، فقال :" الآن حمي الوَطيس " : قال : فوالله ما راجعه الناس إلا والأسارى عند رسول الله ﷺ ملقَون، فقتل الله منهم من قتل، وانهزم منهم من انهزم، وأفاء الله على رسوله أموالهم وأبناءهم.
وفي الصحيحين من حديث شعبة، عن أبي إسحاق، عن البراء بن عازب، رضي الله عنهما، أنه قال له رجل : يا أبا عمارة، أفررتم عن رسول الله ﷺ يوم حنين، فقال : لكن رسول الله ﷺ لم يفرّ، إن هوازن كانوا قوما رُمَاة، فلما لقيناهم وحَمَلنا عليهم انهزموا، فأقبل الناس على الغنائم، فاستقبلونا بالسهام، فانهزم الناس، فلقد رأيت رسول الله ﷺ وأبو سفيان بن الحارث آخذ بلجام بغلة رسول الله ﷺ البيضاء، وهو يقول :
أنا النبي لا كذبأنا ابن عبد المطلب(٢٦)
قلت : وهذا في غاية ما يكون من الشجاعة التامة، إنه في مثل هذا اليوم في حَومة الوَغَى، وقد انكشف عنه جيشه، هو مع ذلك(٢٧) على بغلة وليست سريعة الجري، ولا تصلح لكرٍّ ولا لفرٍّ ولا لهرب، وهو مع هذا(٢٨) أيضًا يركضها إلى وجوههم وينوِّه باسمه ليعرفه من لم يعرفه، صلوات الله وسلامه عليه دائمًا إلى يوم الدين، وما هذا كله إلا ثقة بالله، وتوكلا عليه، وعلمًا منه بأنه سينصره، ويتم ما أرسله به، ويظهر دينه على سائر الأديان ولهذا قال تعالى :( ثُمَّ أَنزلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ )
١ - زيادة من أ..
٢ - في ت :"رسول الله صلى الله عليه وسلم"..
٣ - زيادة من ت، أ..
٤ - في د :"ليعلم"..
٥ - المسند (١/٢٩٤) وسنن أبي داود برقم (٢٦١١) وسنن الترمذي برقم (١٥٥٥)..
٦ - في د :"وقال"..
٧ - سنن ابن ماجه برقم (٢٨٢٧) وسنن البيهقي الكبرى (٩/٢٦٣) من طريق أبي سلمة العاملي عن الزهري عن أنس أن رسول الله ﷺ قال لأكثم بن الجون، فذكر نحو حديث ابن عباس. وقال البوصيري في الزوائد (٢/٤١٢) :"هذا إسناد ضعيف ؛ لضعف أبي سلمة العاملي الأزدي وعبد الملك بن محمد الصنعاني"..
٨ - في أ :"رسوله الله صلى الله عليه وسلم"..
٩ - في ت، أ :"الذي جاءوا"، وفي د :"الذين جاءوا"..
١٠ - في ت :"بادروهم"..
١١ - في ت :"الله تعالى"..
١٢ - زيادة من ت، أ..
١٣ - في ت :"الشجرة"..
١٤ - في د :"اجتمعت"..
١٥ - في أ :"صلى الله عليه وسلم"..
١٦ - في ت، د :"واتبع"..
١٧ - في ت :"شجرة"..
١٨ - في ك :"فداك"..
١٩ - في ت :"قرب"..
٢٠ - في ت :"الطشت"..
٢١ - المسند (٥/٢٨٦) ودلائل النبوة (٥/١٤١)..
٢٢ - في ت :"يأيها الناس"..
٢٣ - في ك :"بعض"..
٢٤ - في ت :"بالخروج"..
٢٥ -في ك، أ :"ركابه"..
٢٦ - صحيح البخاري برقم (٢٨٦٤)، وصحيح مسلم برقم (١٧٧٦)..
٢٧ - في ت، د، ك :"وهو مع هذا"..
٢٨ - في ت، د، ك :"ذلك".
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ (٢٥) ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ (٢٦)﴾
قَالَ ابْنُ جُرَيْج، عَنْ مُجَاهِدٍ: هَذِهِ أَوَّلُ آيَةٍ نَزَلَتْ مِنْ [سُورَةِ] (١) "بَرَاءَةَ".
يَذْكُرُ تَعَالَى لِلْمُؤْمِنِينَ فَضْلَهُ عَلَيْهِمْ وَإِحْسَانَهُ لَدَيْهِمْ فِي نَصْرِهِ إِيَّاهُمْ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ مِنْ غَزَوَاتِهِمْ مَعَ رَسُولِهِ (٢) وَأَنَّ ذَلِكَ مِنْ عِنْدِهِ تَعَالَى، وَبِتَأْيِيدِهِ وَتَقْدِيرِهِ، لَا بعَددهم وَلَا بعُددهم وَنَبَّهَهُمْ عَلَى أَنَّ النَّصْرَ مِنْ عِنْدِهِ، سَوَاءٌ قَلَّ الْجَمْعُ أَوْ كَثُرَ، فَإِنَّ يَوْمَ حُنين أَعْجَبَتْهُمْ كَثْرَتُهُمْ، وَمَعَ هَذَا مَا أَجْدَى ذَلِكَ عَنْهُمْ شَيْئًا فَوَلَّوْا مُدْبِرِينَ إِلَّا الْقَلِيلَ مِنْهُمْ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. ثُمَّ أَنْزَلَ [اللَّهُ] (٣) نَصْرَهُ وَتَأْيِيدَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ مَعَهُ، كَمَا سَنُبَيِّنُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى مُفَصَّلًا لِيُعْلِمَهُمْ (٤) أَنَّ النَّصْرَ مِنْ عِنْدِهِ تَعَالَى وَحْدَهُ وَبِإِمْدَادِهِ وَإِنَّ قَلَّ الْجَمْعُ، فَكَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ، وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ.
وَقَدْ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، سَمِعْتُ يُونُسَ يُحَدِّثُ عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "خَيْرُ الصَّحَابَةِ أَرْبَعَةٌ، وَخَيْرُ السَّرَايَا أَرْبَعُمِائَةٍ، وَخَيْرُ الْجُيُوشِ أَرْبَعَةُ آلَافٍ، وَلَنْ تُغْلَبَ اثْنَا عَشَرَ أَلْفًا مِنْ قِلَّةٍ".
وَهَكَذَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ (٥) ثُمَّ قَالَ: (٦) هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ، لَا يُسْنِدُهُ كَبِيرُ أَحَدٍ غَيْرَ جَرِيرِ بْنِ حَازِمٍ، وَإِنَّمَا رُوِيَ عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُرْسَلًا.
وَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَالْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُ، عَنْ أَكْثَمَ بْنِ الْجَوْنِ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، بِنَحْوِهِ (٧) واللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَدْ كَانَتْ وَقْعَةُ: "حُنين" بَعْدَ فَتْحِ مَكَّةَ فِي شَوَّالٍ سَنَةَ ثَمَانٍ مِنَ الْهِجْرَةِ، وَذَلِكَ لَمَّا فَرَغَ عَلَيْهِ السَّلَامُ (٨) مِنْ فَتْحِ مَكَّةَ، وَتَمَهَّدَتْ أُمُورُهَا، وَأَسْلَمَ عَامَّةُ أَهْلِهَا، وَأَطْلَقَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فبلغه أن
(١) زيادة من أ.
(٢) في ت: "رسول الله صلى الله عليه وسلم".
(٣) زيادة من ت، أ.
(٤) في د: "ليعلم".
(٥) المسند (١/٢٩٤) وسنن أبي داود برقم (٢٦١١) وسنن الترمذي برقم (١٥٥٥).
(٦) في د: "وقال".
(٧) سنن ابن ماجه برقم (٢٨٢٧) وسنن البيهقي الكبرى (٩/٢٦٣) من طريق أبي سلمة العاملي عن الزهري عَنْ أَنَسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم قال لأكثم بن الجون، فذكر نحو حديث ابن عباس. وقال البوصيري في الزوائد (٢/٤١٢) :"هذا إسناد ضعيف؛ لضعف أبي سلمة العاملي الأزدي وعبد الملك بن محمد الصنعاني".
(٨) في أ: "رسوله الله صلى الله عليه وسلم".
هَوَازِنَ جَمَعُوا لَهُ لِيُقَاتِلُوهُ، وَأَنَّ أَمِيرَهُمْ مَالِكَ بْنَ عَوْفٍ النَّضْري، وَمَعَهُ ثَقِيفُ بِكَمَالِهَا، وَبَنُو جُشم وَبَنُو سَعْدِ بْنِ بَكْرٍ، وَأَوْزَاعٌ مِنْ بَنِي هِلَالٍ، وَهُمْ قَلِيلٌ، وَنَاسٌ مِنْ بَنِي عَمْرِو بْنِ عَامِرٍ، وَعَوْفِ بْنِ عَامِرٍ، وَقَدْ أَقْبَلُوا مَعَهُمُ النِّسَاءَ وَالْوِلْدَانَ وَالشَّاءَ والنَّعم، وَجَاءُوا بقَضِّهم وقَضِيضهم فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي جَيْشِهِ الَّذِي جَاءَ (١) مَعَهُ لِلْفَتْحِ، وَهُوَ عَشَرَةُ آلَافٍ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَقَبَائِلِ الْعَرَبِ، وَمَعَهُ الَّذِينَ أَسْلَمُوا مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ، وَهُمُ الطُّلَقَاءُ فِي أَلْفَيْنِ أَيْضًا، فَسَارَ بِهِمْ إِلَى الْعَدُوِّ، فَالْتَقَوْا بِوَادٍ بَيْنَ مَكَّةَ وَالطَّائِفِ يُقَالُ لَهُ "حُنَيْنٌ"، فَكَانَتْ فِيهِ الْوَقْعَةُ فِي أَوَّلِ النَّهَارِ فِي غَلَسِ الصُّبْحِ، انْحَدَرُوا فِي الْوَادِي وَقَدْ كَمَنَتْ فِيهِ هَوَازِنُ، فَلَمَّا تَوَاجَهُوا لَمْ يَشْعُرِ الْمُسْلِمُونَ إِلَّا بِهِمْ قَدْ ثَاوَرُوهُمْ (٢) وَرَشَقُوا بِالنِّبَالِ، وَأَصْلَتُوا السُّيُوفَ، وَحَمَلُوا حَمْلَةَ رَجُلٍ وَاحِدٍ، كَمَا أَمَرَهُمْ مَلِكُهُمْ. فَعِنْدَ ذَلِكَ وَلَّى الْمُسْلِمُونَ مُدْبِرِينَ، كَمَا قَالَ اللَّهُ، عَزَّ وَجَلَّ (٣) وَثَبَتَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَهُوَ رَاكِبٌ يَوْمَئِذٍ بَغْلَتَهُ الشَّهْبَاءَ يَسُوقُهَا إِلَى نَحْرِ الْعَدُوِّ، وَالْعَبَّاسُ عَمُّهُ آخِذٌ بِرِكَابِهَا الْأَيْمَنِ، وَأَبُو سُفْيَانَ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ آخِذٌ بِرِكَابِهَا الْأَيْسَرِ، يُثْقِلَانِهَا لِئَلَّا تُسْرِعَ السَّيْرَ، وَهُوَ يُنَوِّهُ بِاسْمِهِ، عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، وَيَدْعُو الْمُسْلِمِينَ إِلَى الرَّجْعَةِ [وَيَقُولُ] (٤) :" أَيْنَ يَا عِبَادَ اللَّهِ؟ إليَّ أَنَا رَسُولُ اللَّهِ"، وَيَقُولُ فِي تِلْكَ الْحَالِ:
أَنَا النَّبِيُّ لَا كَذِبْ... أَنَا ابْنُ عَبدِ الْمُطَّلِبْ...
وَثَبَتَ مَعَهُ مِنْ أَصْحَابِهِ قَرِيبٌ مِنْ مِائَةٍ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: ثَمَانُونَ، فَمِنْهُمْ: أَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، وَالْعَبَّاسُ وَعَلِيٌّ، وَالْفَضْلُ بْنُ عَبَّاسٍ، وَأَبُو سُفْيَانَ بْنُ الْحَارِثِ، وَأَيْمَنُ بْنُ أُمِّ أَيْمَنَ، وَأُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ، وَغَيْرُهُمْ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ثُمَّ أَمَرَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَمَّهُ الْعَبَّاسَ -وَكَانَ جَهِيرَ الصَّوْتِ -أَنْ يُنَادِيَ بِأَعْلَى صَوْتِهِ: يَا أَصْحَابَ الشَّجَرَةِ -يَعْنِي شَجَرَةَ بَيْعَةِ الرِّضْوَانِ، الَّتِي بَايَعَهُ الْمُسْلِمُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ تَحْتَهَا، عَلَى أَلَّا يَفِرُّوا عَنْهُ -فَجَعَلَ يُنَادِي بِهِمْ: يَا أَصْحَابَ السَّمُرَةِ (٥) وَيَقُولُ تَارَةً: يَا أَصْحَابَ سُورَةِ الْبَقَرَةِ، فَجَعَلُوا يَقُولُونَ: يَا لبيك، يا لبيك، وانعطف الناس فجعلوا يتراجعوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، حَتَّى إِنَّ الرَّجُلَ مِنْهُمْ إِذَا لَمْ يُطَاوِعُهُ بَعِيرُهُ عَلَى الرُّجُوعِ، لَبِسَ دِرْعَهُ، ثُمَّ انْحَدَرَ عَنْهُ، وَأَرْسَلَهُ، وَرَجَعَ بِنَفْسِهِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. فَلَمَّا رَجَعَتْ (٦) شِرْذِمَةٌ مِنْهُمْ، أَمَرَهُمْ عَلَيْهِ السَّلَامُ (٧) أَنْ يَصْدُقُوا الْحَمْلَةَ، وَأَخَذَ قَبْضَةً مِنَ التُّرَابِ بَعْدَمَا دَعَا رَبَّهُ وَاسْتَنْصَرَهُ، وَقَالَ: "اللَّهُمَّ أَنْجِزْ لِي مَا وَعَدْتَنِي" ثُمَّ رَمَى الْقَوْمَ بِهَا، فَمَا بَقِيَ إِنْسَانٌ مِنْهُمْ إِلَّا أَصَابَهُ مِنْهَا فِي عَيْنَيْهِ وَفَمِهِ مَا شَغَلَهُ عَنِ الْقِتَالِ، ثُمَّ انْهَزَمُوا، فَاتَّبَعَ (٨) الْمُسْلِمُونَ أَقْفَاءَهُمْ يَقْتُلُونَ وَيَأْسِرُونَ، وَمَا تَرَاجَعَ بَقِيَّةُ النَّاسِ إِلَّا وَالْأُسَارَى مُجَدَّلَةٌ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَفَّانُ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، أَخْبَرَنَا يَعْلَى بْنُ عَطَاءٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَسَارٍ أَبِي هَمَّامٍ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْفِهْرِيِّ -وَاسْمُهُ يَزِيدُ بْنُ أُسَيْدٍ، وَيُقَالُ: يزيد بن أنيس،
(١) في ت، أ: "الذي جاءوا"، وفي د: "الذين جاءوا".
(٢) في ت: "بادروهم".
(٣) في ت: "الله تعالى".
(٤) زيادة من ت، أ.
(٥) في ت: "الشجرة".
(٦) في د: "اجتمعت".
(٧) في أ: "صلى الله عليه وسلم".
(٨) في ت، د: "واتبع".
وَيُقَالُ: كُرْز -قَالَ: كُنْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي غَزْوَةِ حُنَيْنٍ، فَسِرْنَا فِي يَوْمٍ قَائِظٍ شَدِيدِ الْحَرِّ، فَنَزَلْنَا تَحْتَ ظِلَالِ الشَّجَرِ، فَلَمَّا زَالَتِ الشَّمْسُ لَبِسْتُ لَأْمَتِي وَرَكِبْتُ فَرَسِي، فَانْطَلَقْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ فِي فُسْطَاطِهِ، فَقُلْتُ: السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَرَحْمَةُ اللَّهِ، حَانَ الرَّوَاحُ؟ فَقَالَ: "أَجَلْ". فَقَالَ: "يَا بِلَالُ" فَثَارَ مِنْ تَحْتِ سَمُرَةٍ (١) كَأَنَّ ظِلَّهُ ظِلُّ طَائِرٍ، فَقَالَ: لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ، وَأَنَا فِدَاؤُكَ (٢) فَقَالَ: "أَسْرِجْ لِي فَرَسِي". فَأَخْرَجَ سَرْجًا دَفَّتَاهُ مِنْ لِيفٍ، لَيْسَ فِيهِمَا أشرٌ وَلَا بَطَر.
قَالَ: فَأَسْرَجَ، فَرَكِبَ وَرَكِبْنَا، فَصَافَفْنَاهُمْ عَشِيَّتَنَا وَلَيْلَتَنَا، فَتَشَامَّتِ الْخِيلَانِ، فَوَلَّى الْمُسْلِمُونَ مُدْبِرِينَ، كَمَا قَالَ اللَّهُ، عَزَّ وَجَلَّ: (ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ) فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "يَا عِبَادَ اللَّهِ، أَنَا عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ"، ثُمَّ قَالَ: " يَا مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ، أَنَا عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ". قَالَ: ثُمَّ اقْتَحَمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ فَرَسِهِ (٣) فَأَخَذَ كَفًّا مِنْ تُرَابٍ، فَأَخْبَرَنِي الَّذِي كَانَ أَدْنَى إِلَيْهِ مِنِّي: أَنَّهُ ضَرَبَ بِهِ وُجُوهَهُمْ، وَقَالَ: "شَاهَتِ الْوُجُوهُ". فَهَزَمَهُمُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ. قَالَ يَعْلَى بْنُ عَطَاءٍ: فَحَدَّثَنِي أَبْنَاؤُهُمْ، عَنْ آبَائِهِمْ، أَنَّهُمْ قَالُوا: لَمْ يَبْقَ مِنَّا أَحَدٌ إِلَّا امْتَلَأَتْ عَيْنَاهُ وَفَمُهُ تُرَابًا، وَسَمِعْنَا صَلْصَلَةً بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، كَإِمْرَارِ الْحَدِيدِ عَلَى الطَّسْتِ (٤) الْجَدِيدِ.
وَهَكَذَا رَوَاهُ الْحَافِظُ الْبَيْهَقِيُّ فِي "دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ" مِنْ حَدِيثِ أَبِي دَاوُدَ الطَّيَالِسِيِّ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ بِهِ (٥)
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ: حَدَّثَنِي عَاصِمُ بْنُ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جَابِرٍ، عَنْ أَبِيهِ جَابِرٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: فَخَرَجَ مَالِكُ بْنُ عَوْفٍ بِمَنْ مَعَهُ إِلَى حُنَيْنٍ، فَسَبَقَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَيْهِ، فَأَعَدُّوا وَتَهَيَّئُوا فِي مَضَايِقِ الْوَادِي وَأَحْنَائِهِ، وَأَقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابُهُ، حَتَّى انْحَطَّ بِهِمُ الْوَادِي فِي عَمَايَةِ الصُّبْحِ، فَلَمَّا انْحَطَّ النَّاسُ ثَارَتْ فِي وُجُوهِهِمُ الْخَيْلُ، فَاشْتَدَّتْ عَلَيْهِمْ، وَانْكَفَأَ النَّاسُ مُنْهَزِمِينَ، لَا يُقْبِل أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ، وَانْحَازَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَاتَ الْيَمِينِ يَقُولُ: "أَيُّهَا النَّاسُ (٦) هَلُمُّوا إليَّ أَنَا رَسُولُ اللَّهِ، أَنَا رَسُولُ اللَّهِ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ" فَلَا شَيْءَ، وَرَكِبَتِ الْإِبِلُ بَعْضُهَا بَعْضًا (٧) فَلَمَّا رَأَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُمِرَ الناس قَالَ: "يَا عَبَّاسُ، اصْرُخْ: يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ، يَا أَصْحَابَ السَّمُرَةِ". فَأَجَابُوهُ: لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ، فَجَعَلَ الرَّجُلُ يَذْهَبُ لِيَعْطِفَ بِعِيرَهُ، فَلَا يَقْدِرُ عَلَى ذَلِكَ، فَيَقْذِفُ دِرْعَهُ فِي عُنُقِهِ، وَيَأْخُذُ سَيْفَهُ وَقَوْسَهُ، ثُمَّ يَؤُمَّ الصَّوْتَ، حَتَّى اجْتَمَعَ إِلَى رسول الله ﷺ منهم مِائَةٌ، فَاسْتَعْرَضَ الناسُ فَاقْتَتَلُوا، وَكَانَتِ الدَّعْوَةُ أَوَّلَ مَا كَانَتْ بِالْأَنْصَارِ، ثُمَّ جُعِلَتْ آخِرًا بِالْخَزْرَجِ (٨) وكانوا صُبُرًا عِنْدَ الْحَرْبِ، وَأَشْرَفَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي رَكَائِبِهِ (٩) فَنَظَرَ إِلَى مُجتَلَد الْقَوْمِ، فَقَالَ: "الْآنَ حَمِيَ الوَطيس": قَالَ: فَوَاللَّهِ مَا رَاجَعَهُ النَّاسُ إِلَّا وَالْأُسَارَى عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ملقَون، فَقَتَلَ الله منهم من قتل،
(١) في ت: "شجرة".
(٢) في ك: "فداك".
(٣) في ت: "قرب".
(٤) في ت: "الطشت".
(٥) المسند (٥/٢٨٦) ودلائل النبوة (٥/١٤١).
(٦) في ت: "يأيها الناس".
(٧) في ك: "بعض".
(٨) في ت: "بالخروج".
(٩) في ك، أ: "ركابه".
وَانْهَزَمَ مِنْهُمْ مَنِ انْهَزَمَ، وَأَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ أَمْوَالَهُمْ وَأَبْنَاءَهُمْ.
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ شُعْبَةَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، أَنَّهُ قَالَ لَهُ رَجُلٌ: يَا أَبَا عُمَارَةَ، أَفَرَرْتُمْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ حُنَيْنٍ، فَقَالَ: لَكِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَفِرَّ، إِنَّ هَوَازِنَ كَانُوا قَوْمًا رُمَاة، فَلَمَّا لَقِينَاهُمْ وحَمَلنا عَلَيْهِمُ انْهَزَمُوا، فَأَقْبَلَ النَّاسُ عَلَى الْغَنَائِمِ، فَاسْتَقْبَلُونَا بِالسِّهَامِ، فَانْهَزَمَ النَّاسُ، فَلَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبُو سُفْيَانَ بْنُ الْحَارِثِ آخِذٌ بِلِجَامِ بَغْلَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْبَيْضَاءِ، وَهُوَ يَقُولُ:
أَنَا النَّبِيُّ لَا كَذِبْأَنَا ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ (١)
قُلْتُ: وَهَذَا فِي غَايَةِ مَا يَكُونُ مِنَ الشَّجَاعَةِ التَّامَّةِ، إِنَّهُ فِي مِثْلِ هَذَا الْيَوْمِ فِي حَومة الوَغَى، وَقَدِ انْكَشَفَ عَنْهُ جَيْشُهُ، هُوَ مَعَ ذَلِكَ (٢) عَلَى بَغْلَةٍ وَلَيْسَتْ سَرِيعَةَ الْجَرْيِ، وَلَا تَصْلُحُ لكرٍّ وَلَا لفرٍّ وَلَا لِهَرَبٍ، وَهُوَ مَعَ هَذَا (٣) أَيْضًا يَرْكُضُهَا إِلَى وُجُوهِهِمْ وينوِّه بِاسْمِهِ لِيَعْرِفَهُ مَنْ لَمْ يَعْرِفْهُ، صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ دَائِمًا إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، وَمَا هَذَا كُلُّهُ إِلَّا ثِقَةً بِاللَّهِ، وَتَوَكُّلًا عَلَيْهِ، وَعِلْمًا مِنْهُ بِأَنَّهُ سَيَنْصُرُهُ، وَيُتِمُّ مَا أَرْسَلَهُ بِهِ، وَيُظْهِرُ دِينَهُ عَلَى سَائِرِ الْأَدْيَانِ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: (ثُمَّ أَنزلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ) أَيْ: طُمَأْنِينَتَهُ وَثَبَاتَهُ عَلَى رَسُولِهِ، (وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ) أَيْ: الَّذِينَ مَعَهُ، (وَأَنزلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا) وَهُمُ الْمَلَائِكَةُ، كَمَا قَالَ الْإِمَامُ أَبُو جَعْفَرِ بْنُ جَرِيرٍ:
[حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ] (٤) حَدَّثَنِي الْحَسَنُ بْنُ عَرَفَةَ قَالَ: حَدَّثَنِي الْمُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ عَوْفٍ -هُوَ ابْنُ أَبِي جَمِيلَةَ الْأَعْرَابِيُّ -قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ مَوْلَى ابْنِ بُرْثُن، حَدَّثَنِي رَجُلٌ كَانَ مَعَ الْمُشْرِكِينَ يَوْمَ حُنَيْنٍ قَالَ: لَمَّا الْتَقَيْنَا نَحْنُ وَأَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ حُنَيْنٍ (٥) لَمْ يَقُومُوا لَنَا حَلَب شَاةٍ -قَالَ: فَلَمَّا كَشَفْنَاهُمْ جَعَلْنَا نَسُوقُهُمْ فِي آثَارِهِمْ، حَتَّى انْتَهَيْنَا إِلَى صَاحِبِ الْبَغْلَةِ الْبَيْضَاءِ، فَإِذَا هُوَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -قَالَ: فَتَلَقَّانَا عِنْدَهُ رِجَالٌ بِيضٌ حِسَانُ الْوُجُوهِ، فَقَالُوا لَنَا: شَاهَتِ الْوُجُوهُ، ارْجِعُوا. قَالَ: فَانْهَزَمْنَا، وَرَكِبُوا أَكْتَافَنَا، فَكَانَتْ إِيَّاهَا.
وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَيْهَقِيُّ: أَنْبَأَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ، حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ بَالُويَه، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ الْحَسَنِ الْحَرْبِيُّ (٦) حَدَّثَنَا عَفَّانُ بْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ، حَدَّثَنَا الْحَارِثُ بْنُ حَصِيرة، حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: كُنْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ حُنين، فَوَلَّى عَنْهُ النَّاسُ، وبقيتُ مَعَهُ فِي ثَمَانِينَ رَجُلًا مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ، قَدِمْنَا وَلَمْ نُوَلِّهِمُ الدُّبُرَ، وَهُمُ الَّذِينَ أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ السَّكِينَةَ. قَالَ: وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى بَغْلَتِهِ يَمْضِي قُدُما، فحادَت بَغْلَتُهُ، فَمَالَ عَنِ السَّرْجِ، فَقُلْتُ: ارْتَفِعْ رَفَعَكَ اللَّهُ. قَالَ: "نَاوِلْنِي كَفًّا مِنَ التُّرَابِ". فَنَاوَلْتُهُ، قَالَ: فَضَرَبَ بِهِ وُجُوهَهُمْ، فَامْتَلَأَتْ أَعْيُنُهُمْ ترابًا، قال: "أين
(١) صحيح البخاري برقم (٢٨٦٤)، وصحيح مسلم برقم (١٧٧٦).
(٢) في ت، د، ك: "وهو مع هذا".
(٣) في ت، د، ك: "ذلك"
(٤) زيادة من ت، أ، والطبري.
(٥) في ت: "يوم حنين في آثارهم".
(٦) في ك: "الجرمي".
الْمُهَاجِرُونَ (١) وَالْأَنْصَارُ؟ " قُلْتُ: هُمْ هُنَاكَ. قَالَ: "اهْتِفْ بِهِمْ". فَهَتَفْتُ بِهِمْ، فَجَاءُوا وَسُيُوفُهُمْ بِأَيْمَانِهِمْ، كَأَنَّهَا (٢) الشُّهُبُ، وَوَلَّى الْمُشْرِكُونَ أَدْبَارَهُمْ.
وَرَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ عَفَّانَ، بِهِ نَحْوَهُ (٣)
وَقَالَ الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ الهُذلي، عَنْ عِكْرِمة مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ شَيْبَةَ بْنِ عُثْمَانَ قَالَ: لَمَّا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ حُنَيْنٍ قَدْ عَرى، ذَكَرْتُ أَبِي وَعَمِّي وَقَتْلَ عَلِيٍّ وَحَمْزَةَ إِيَّاهُمَا، فَقُلْتُ: الْيَوْمَ أُدْرِكُ ثَأْرِي مِنْهُ -قَالَ: فَذَهَبْتُ لِأَجِيئَهُ عَنْ يَمِينِهِ، فَإِذَا أَنَا بِالْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ قَائِمًا، عَلَيْهِ دِرْعٌ بَيْضَاءُ كَأَنَّهَا فِضَّةٌ، يَكْشِفُ عَنْهَا الْعَجَاجُ، فَقُلْتُ: عَمُّه وَلَنْ يَخْذُلَهُ -قَالَ: فَجِئْتُهُ (٤) عَنْ يَسَارِهِ، فَإِذَا أَنَا بِأَبِي سُفْيَانَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَقُلْتُ: ابْنُ عَمِّهِ وَلَنْ يَخْذُلَهُ. فَجِئْتُهُ مِنْ خَلْفِهِ، فَلَمْ يَبْقَ إِلَّا أَنْ أسَوّره سَوْرَةً بِالسَّيْفِ، إِذْ رُفِعَ لِي شُوَاظ مِنْ نَارٍ بَيْنِي وَبَيْنَهُ، كَأَنَّهُ بَرْقٌ، فَخِفْتُ أَنْ تَمْحَشَني، فَوَضَعْتُ يَدِي عَلَى بَصَرِي وَمَشَيْتُ الْقَهْقَرَى، فَالْتَفَتَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالَ: "يَا شيبَ، يَا شَيْبَ (٥) ادْنُ مِنِّي (٦) اللَّهُمَّ أَذْهِبْ عَنْهُ الشَّيْطَانَ". قَالَ: فَرَفَعْتُ إِلَيْهِ بَصَرِي، وَلَهُو أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ سَمْعِي وَبَصَرِي، فَقَالَ: "يَا شَيْبَ (٧) قَاتِلِ الْكُفَّارَ".
رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ حَدِيثِ الْوَلِيدِ، فَذَكَرَهُ (٨) ثُمَّ رَوَى مِنْ حَدِيثِ أَيُّوبَ بْنِ جَابِرٍ، عَنْ صَدَقَةَ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ مُصْعَبِ بْنِ شَيْبَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: خَرَجْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ حُنَيْنٍ، وَاللَّهِ مَا أَخْرَجَنِي إِسْلَامٌ وَلَا مَعْرِفَةٌ بِهِ، وَلَكِنِّي أَبَيْتُ أَنْ تَظْهَرَ هَوَازِنُ عَلَى قُرَيْشٍ، فَقُلْتُ وَأَنَا وَاقِفٌ مَعَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي أَرَى خَيْلًا بُلقا، فَقَالَ: "يَا شَيْبَةُ، إِنَّهُ لَا يَرَاهَا إِلَّا كَافِرٌ". فَضَرَبَ بِيَدِهِ فِي (٩) صَدْرِي، ثُمَّ قَالَ: "اللَّهُمَّ، اهْدِ شَيْبَةَ"، ثُمَّ ضَرَبَهَا الثَّانِيَةَ، ثُمَّ قَالَ: "اللَّهُمَّ، اهْدِ شَيْبَةَ"، ثُمَّ ضَرَبَهَا الثَّالِثَةَ ثُمَّ قَالَ: "اللَّهُمَّ اهْدِ شَيْبَةَ". قَالَ: فَوَاللَّهِ مَا رَفَعَ يَدَهُ عَنْ صَدْرِي فِي الثَّالِثَةِ حَتَّى مَا كَانَ أَحَدٌ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ أَحَبَّ إليَّ مِنْهُ، وَذَكَرَ تَمَامَ الْحَدِيثِ، فِي الْتِقَاءِ النَّاسِ وَانْهِزَامِ الْمُسْلِمِينَ وَنِدَاءِ الْعَبَّاسِ وَاسْتِنْصَارِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى هَزَمَ الله المشركين (١٠)
قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ: حَدَّثَنِي وَالِدِي إِسْحَاقُ بْنُ يَسَار، عَمَّنْ حَدَّثَهُ، عَنْ جُبَير بْنِ مُطْعِمٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: إِنَّا لَمَعَ رسول الله ﷺ يوم حُنَيْنٍ، وَالنَّاسُ يَقْتَتِلُونَ، إِذْ نَظَرْتُ إِلَى مِثْلِ البِجَاد الْأَسْوَدِ يَهْوِي مِنَ السَّمَاءِ، حَتَّى وَقَعَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ، فَإِذَا نَمْلٌ مَنْثُورٌ قَدْ مَلَأَ الْوَادِيَ، فَلَمْ يَكُنْ إِلَّا هَزِيمَةُ الْقَوْمِ، فما كنا نشك أنها الملائكة.
(١) في ت: "المهاجرين" وهو خطأ.
(٢) في ت: "كأنهم".
(٣) دلائل النبوة (٥/١٤٢) والمسند (١/٤٥٤).
(٤) في أ: "ثم جئته".
(٥) في أ: "يا شبيب يا شبيب".
(٦) في د: "ادن مني يا شيب".
(٧) في أ: "يا شبيب".
(٨) دلائل النبوة للبيهقي (٥/١٤٥).
(٩) في ت، د، ك، أ: "يده على".
(١٠) دلائل النبوة للبيهقي (٥/١٤٦).
وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ السَّائِبِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: سَمِعْتُ يَزِيدَ بْنَ عَامِرٍ السُّوَائي -وَكَانَ شَهِدَ حُنَيْنًا مَعَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ أَسْلَمَ بَعْدُ -فَكُنَّا نَسْأَلُهُ عَنِ الرُّعْبِ الَّذِي أَلْقَى اللَّهُ فِي قُلُوبِ الْمُشْرِكِينَ يَوْمَ حُنَيْنٍ، فَكَانَ يَأْخُذُ الْحَصَاةَ فَيَرْمِي بِهَا فِي الطَّسْت (١) فَيَطِنُّ، فَيَقُولُ (٢) كُنَّا نَجِدُ فِي أَجْوَافِنَا مِثْلَ هَذَا.
وَقَدْ تَقَدَّمَ لَهُ شَاهِدٌ مِنْ حَدِيثِ يَزِيدَ بْنِ أَبِي أُسَيْدٍ (٣) فَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٌ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ رَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ أَنْبَأَنَا مَعْمَر، عَنْ هَمَّام قَالَ: هَذَا مَا حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ، وَأُوتِيتُ جَوَامِعَ الْكَلِمِ" (٤)
وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: (ثُمَّ أَنزلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنزلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ) (٥)
(١) في ت: "الطشت".
(٢) في ت: "ثم يقول".
(٣) في ت: "أسد".
(٤) صحيح مسلم برقم (٥٢٣).
(٥) في ك، أ: "فأنزل" وهو خطأ.

تيسير الكريم الرحمن — السعدي

عن الكتاب
{ ٢٥ - ٢٧ } ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ * ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ * ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾
يمتن تعالى على عباده المؤمنين، بنصره إياهم في مواطن كثيرة من مواطن اللقاء، ومواضع الحروب والهيجاء، حتى في يوم ﴿حنين﴾ الذي اشتدت عليهم فيه الأزمة، ورأوا من التخاذل والفرار، ما ضاقت عليهم به الأرض على رحبها وسعتها.
وذلك أن النبي ﷺ لما فتح مكة، سمع أن هوازن اجتمعوا لحربه، فسار إليهم ﷺ في أصحابه الذين فتحوا مكة، وممن أسلم من الطلقاء أهل مكة، فكانوا اثني عشر ألفا، والمشركون أربعة آلاف، فأعجب بعض المسلمين بكثرتهم، وقال بعضهم : لن نغلب اليوم من قلة.
فلما التقوا هم وهوازن، حملوا على المسلمين حملة واحدة، فانهزموا لا يلوي أحد على أحد، ولم يبق مع رسول اللّه ﷺ، إلا نحو مائة رجل، ثبتوا معه، وجعلوا يقاتلون المشركين، وجعل النبي ﷺ، يركض بغلته نحو المشركين ويقول :﴿أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب﴾
ولما رأى من المسلمين ما رأى، أمر العباس بن عبد المطلب أن ينادي في الأنصار وبقية المسلمين، وكان رفيع الصوت، فناداهم : يا أصحاب السمرة، يا أهل سورة البقرة.
فلما سمعوا صوته، عطفوا عطفة رجل واحد، فاجتلدوا مع المشركين، فهزم اللّه المشركين، هزيمة شنيعة، واستولوا على معسكرهم ونسائهم وأموالهم.
وذلك قوله تعالى ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ﴾ وهو اسم للمكان الذي كانت فيه الوقعة بين مكة والطائف.
﴿إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا﴾ أي : لم تفدكم شيئا، قليلا ولا كثيرا ﴿وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ﴾ بما أصابكم من الهم والغم حين انهزمتم ﴿بِمَا رَحُبَتْ﴾ أي : على رحبها وسعتها، ﴿ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ﴾ أي : منهزمين.
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
{٢٥ - ٢٧} ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ * ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ﴾.
يمتن تعالى على عباده المؤمنين، بنصره إياهم في مواطن كثيرة من مواطن اللقاء، ومواضع الحروب والهيجاء، حتى في يوم "حنين" الذي اشتدت عليهم فيه الأزمة، ورأوا من التخاذل والفرار، ما ضاقت عليهم به الأرض على رحبها وسعتها.
وذلك أن النبي ﷺ لما فتح مكة، سمع أن هوازن اجتمعوا لحربه، فسار إليهم ﷺ في أصحابه الذين فتحوا مكة، وممن أسلم من الطلقاء أهل مكة، فكانوا اثني عشر ألفا، والمشركون أربعة آلاف، فأعجب بعض المسلمين بكثرتهم، وقال بعضهم: لن نغلب اليوم من قلة.
فلما التقوا هم وهوازن، حملوا على المسلمين حملة واحدة، فانهزموا لا يلوي أحد على أحد، ولم يبق مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، إلا نحو مائة رجل، ثبتوا معه، وجعلوا يقاتلون المشركين، وجعل النبي صلى الله عليه وسلم، يركض بغلته نحو المشركين ويقول: "أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب"
ولما رأى من المسلمين ما رأى، أمر العباس بن عبد المطلب أن ينادي في الأنصار وبقية المسلمين، وكان رفيع الصوت، فناداهم: يا أصحاب السمرة، يا أهل سورة البقرة.
فلما سمعوا صوته، عطفوا عطفة رجل واحد، فاجتلدوا مع المشركين، فهزم الله المشركين، هزيمة شنيعة، واستولوا على معسكرهم ونسائهم وأموالهم.
وذلك قوله تعالى ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ﴾ وهو اسم للمكان الذي كانت فيه الوقعة بين مكة والطائف.
﴿إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا﴾ أي: لم تفدكم شيئا، قليلا ولا كثيرا ﴿وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأرْضُ﴾ بما أصابكم من الهم والغم حين انهزمتم ﴿بِمَا رَحُبَتْ﴾ أي: على رحبها وسعتها، ﴿ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ﴾ أي: منهزمين.
﴿ثُمَّ أَنزلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ والسكينة ما يجعله الله في القلوب وقت القلاقل والزلازل والمفظعات، مما يثبتها، ويسكنها ويجعلها مطمئنة، وهي من نعم الله العظيمة على العباد.
﴿وَأَنزلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا﴾ وهم الملائكة، أنزلهم الله معونة للمسلمين يوم حنين، يثبتونهم، ويبشرونهم بالنصر.
﴿وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ بالهزيمة والقتل، واستيلاء المسلمين على نسائهم وأولادهم وأموالهم.
﴿وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ﴾ يعذبهم الله في الدنيا، ثم يردهم في الآخرة إلى عذاب غليظ.
جميع كتب التفسير لهذه الآية (١١٨ كتابًا)
جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري تفسير القرآن العظيم — ابن كثير تفسير القرآن العظيم — ابن كثير تيسير الكريم الرحمن — السعدي أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — الشنقيطي - أضواء البيان تيسير العلي القدير لاختصار تفسير ابن كثير — محمد نسيب الرفاعي أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير — أبو بكر الجزائري التفسير الميسر — مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور — حكمت بشير ياسين المختصر في تفسير القرآن الكريم — مركز تفسير للدراسات القرآنية تفسير مجاهد — مجاهد بن جبر تفسير مقاتل بن سليمان — مقاتل بن سليمان تفسير الإمام مالك — مالك بن أنس معاني القرآن — الفراء معاني القرآن للفراء — الفراء مجاز القرآن — أبو عبيدة معمر بن المثنى تفسير القرآن — الصنعاني معاني القرآن — الأخفش غريب القرآن — ابن قتيبة الدِّينَوري تفسير التستري — سهل التستري معاني القرآن وإعرابه للزجاج — الزجاج تفسير ابن أبي حاتم — ابن أبي حاتم الرازي تأويلات أهل السنة — أبو منصور المَاتُرِيدي بحر العلوم — أبو الليث السمرقندي تفسير القرآن العزيز — ابن أبي زَمَنِين الكشف والبيان عن تفسير القرآن — الثعلبي الهداية الى بلوغ النهاية — مكي بن أبي طالب النكت والعيون — الماوردي النكت والعيون — الماوردي تفسير القشيري — القشيري لطائف الإشارات — القشيري التفسير البسيط — الواحدي الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — الواحدي تفسير السمعاني — أبو المظفر السمعاني جهود الإمام الغزالي في التفسير — أبو حامد الغزالي معالم التنزيل — البغوي معالم التنزيل — البغوي الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — الزمخشري المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز — ابن عطية أحكام القرآن — ابن العربي إيجاز البيان عن معاني القرآن — بيان الحق النيسابوري تذكرة الاريب في تفسير الغريب — ابن الجوزي زاد المسير في علم التفسير — ابن الجوزي مفاتيح الغيب — فخر الدين الرازي أنوار التنزيل وأسرار التأويل — البيضاوي مدارك التنزيل وحقائق التأويل — أبو البركات النسفي التسهيل لعلوم التنزيل — ابن جُزَيِّ لباب التأويل في معاني التنزيل — الخازن البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي النهر الماد من البحر المحيط — أبو حيان الأندلسي الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحداد اليمني كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحداد اليمني التبيان في تفسير غريب القرآن — ابن الهائم تنوير المقباس من تفسير ابن عباس — الفيروزآبادي غرائب القرآن ورغائب الفرقان — نظام الدين القمي النيسابوري تفسير الجلالين — المَحَلِّي الجواهر الحسان في تفسير القرآن — الثعالبي نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — برهان الدين البقاعي جامع البيان في تفسير القرآن — الإيجي محيي الدين الدر المنثور في التأويل بالمأثور — السُّيوطي الدر المنثور في التأويل بالمأثور — السُّيوطي الصراط المستقيم في تبيان القرآن الكريم — الكَازَرُوني فتح الرحمن في تفسير القرآن — مجير الدين العُلَيْمي السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير — الشربيني إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم — أبو السعود روح البيان — إسماعيل حقي التفسير المظهري — المظهري البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — ابن عجيبة البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — ابن عجيبة التفسير المظهري — محمد ثناء الله المظهري حاشية الصاوي على تفسير الجلالين — الصاوي فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني فتح البيان في مقاصد القرآن — صديق حسن خان محاسن التأويل — جمال الدين القاسمي روح المعاني — الألوسي تفسير المنار — محمد رشيد رضا تفسير المنار — رشيد رضا تفسير المراغي — أحمد بن مصطفى المراغي تفسير المراغي — المراغي المصحف المفسّر — فريد وجدي التفسير القرآني للقرآن — عبد الكريم يونس الخطيب العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير — الشنقيطي - العذب النمير تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد — ابن عاشور زهرة التفاسير — محمد أبو زهرة زهرة التفاسير — أبو زهرة بيان المعاني — ملا حويش أوضح التفاسير — محمد عبد اللطيف الخطيب إعراب القرآن وبيانه — محيي الدين الدرويش التفسير الحديث — محمد عزة دروزة التفسير الحديث — دروزة تيسير التفسير — إبراهيم القطان تيسير التفسير — إبراهيم القطان صفوة البيان لمعاني القرآن — حسنين مخلوف الموسوعة القرآنية — إبراهيم الإبياري التيسير في أحاديث التفسير — المكي الناصري تفسير الشعراوي — الشعراوي تفسير الشعراوي — الشعراوي تفسير القرآن الكريم — عبد الله محمود شحاتة التفسير الوسيط — محمد سيد طنطاوي التفسير المنير — وهبة الزحيلي التفسير الوسيط — وهبة الزحيلي حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن — محمد الأمين الهرري فتح الرحمن في تفسير القرآن — تعيلب التفسير الشامل — أمير عبد العزيز الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور — بشير ياسين التفسير الميسر — التفسير الميسر المنتخب في تفسير القرآن الكريم — المنتخب أيسر التفاسير — أسعد حومد التفسير الميسر — مجموعة من المؤلفين التفسير الواضح — محمد محمود حجازي المنتخب في تفسير القرآن الكريم — مجموعة من المؤلفين صفوة التفاسير — محمد علي الصابوني كتاب نزهة القلوب — أبى بكر السجستاني كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحدادي اليمني مختصر تفسير ابن كثير — محمد علي الصابوني معاني الكلمات من كتاب السراج في بيان غريب القرآن — محمد الخضيري

غريب الكلمات ومعانيها

معاني الكلمات الغريبة في الآية

السراج في بيان غريب القرآن
فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ
لَمْ تَنْفَعْكُمْ.
وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ
فَرَرْتُمْ مُنْهَزِمِينَ.

إعراب الآية ٢٥ من سورة التوبة

من كتاب: إعراب القرآن

[سورة التوبة (٩) : آية ٢٥]

لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَواطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَضاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ (٢٥)
لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَواطِنَ كَثِيرَةٍ قال الفراء «١» : لم ينصرف مواطن لأنه جمع ليس لها نظير في المفرد وليس لها جماع، إلّا أن الشاعر ربما اضطرّ فجمع وليس يوجد في الكلام ما يجوز في الشعر، وأنشد: [الرجز] ١٨٢-
فهنّ يعلكن حدائداتها «٢»
قال أبو جعفر: رأيت أبا إسحاق يتعجّب من هذا قال: أخذ قول الخليل رحمه الله وأخطأ فيه لأن الخليل يقول لم ينصرف لأنه جمع لا نظير له في الواحد ولا يجمع جمع التكسير فأما بالألف والتاء فلا يمتنع.
وَيَوْمَ حُنَيْنٍ ظرف أي ونصركم يوم حنين. وانصرف حنين لأنه مذكر اسم واد ومن العرب من لا يجريه يجعله اسما للبقعة، فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ حذفت الياء للجزم.

[سورة التوبة (٩) : آية ٢٦]

ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُوداً لَمْ تَرَوْها وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذلِكَ جَزاءُ الْكافِرِينَ (٢٦)
ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ أي أنزل عليهم ما يسكّنهم ويذهب خوفهم حتى اجترءوا على قتال المشركين. وَأَنْزَلَ جُنُوداً لَمْ تَرَوْها وهم الملائكة يقوّون المؤمنين بما يلقون في قلوبهم من الخواطر والتثبيت ويضعفون الكافرين بالتجبين لهم من حيث لا يرونهم ومن غير قتال لأن الملائكة صلوات الله عليهم لم تقاتل إلا في يوم بدر.

[سورة التوبة (٩) : آية ٢٨]

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرامَ بَعْدَ عامِهِمْ هذا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شاءَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٢٨)
إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ ابتداء وخبر. فَلا يَقْرَبُوا نهي فلذلك حذفت منه النون.

[سورة التوبة (٩) : آية ٣٠]

وَقالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقالَتِ النَّصارى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْواهِهِمْ يُضاهِؤُنَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (٣٠)
(١) انظر معاني الفراء ١/ ٤٢٨.
(٢) الشاهد بلا نسبة في معاني الفراء ١/ ٤٢٨، وتاج العروس (حدد) وللسان العرب (حدد).
الإعراب الكامل من جميع الكتب مع تحليل الكلمات ←

القراءات في الآية ٢٥ من سورة التوبة

اختلاف القراء العشرة في كلمات الآية

رَحُبَتْ ثُمَّ

إِدغام التاء في الثاء

الدوري عن الكسائي أبو الحارث عن الكسائي خلاد عن حمزة خلف عن حمزة الدوري عن أبي عمرو السوسي عن أبي عمرو ابن ذكوان عن ابن عامر هشام عن ابن عامر

إظهار التاء ساكنة

ابن وردان عن أبي جعفر ابن جمّاز عن أبي جعفر حفص عن عاصم شعبة عن عاصم رويس عن يعقوب روح عن يعقوب إسحاق عن خلف قنبل عن ابن كثير البزي عن ابن كثير إدريس عن خلف ورش عن نافع قالون عن نافع

وَضَاقَتْ

بالإمالة

خلف عن حمزة خلاد عن حمزة

بالفتح

رويس عن يعقوب روح عن يعقوب ابن جمّاز عن أبي جعفر إسحاق عن خلف ابن وردان عن أبي جعفر إدريس عن خلف الدوري عن الكسائي أبو الحارث عن الكسائي حفص عن عاصم شعبة عن عاصم ابن ذكوان عن ابن عامر هشام عن ابن عامر السوسي عن أبي عمرو الدوري عن أبي عمرو قنبل عن ابن كثير البزي عن ابن كثير ورش عن نافع قالون عن نافع
صفحة القراءات الكاملة لهذه الآية ←

الموضوعات القرآنية للآية ٢٥ من سورة التوبة

١١ موضوعًا تتناولها هذه الآية

أقوال المفسرين في الآية — التفسير بالمأثور

٤٠ قولًا من موسوعة التفسير بالمأثور

تفسير

٢٨ قولًا
١
عن أنس بن مالك: أنّ هوازن جاءت يوم حُنين بالصِّبيان والنساء والإبل والغنم، فجعَلُوهم صُفُوفًا؛ لِيُكثِّرُوا على رسول الله ﷺ، فالتَقى المسلمون والمشركون، فوَلّى المسلمون مُدْبِرين كما قال الله عز وجل، فقال رسول الله ﷺ: «يا عبادَ الله، أنا عبد الله ورسوله». ثم قال: «يا معشر الأنصار، أنا عبد الله ورسوله». فَهزَم اللهُ المشركين، ولم يُضْرَب بسيف، ولم يُطْعَن برُمْح١
التخريج
  1. ١أخرجه أحمد ٢٠‏/‏٢٩١-٢٩٢ (١٢٩٧٧)، والحاكم ٢‏/‏١٤٢ (٢٥٩١) مطولًا. قال البزار ١٣‏/‏٨٥ (٦٤٣٩): «وهذا الحديث لا نعلم رواه عن إسحاق عن أنس إلا حمادٌ وحده». وقال الحاكم: «حديث صحيح، على شرط مسلم، ولم يخرجاه». وقال الألباني في الصحيحة ٥‏/‏١٤٣ (٢١٠٩) بعد ذكر كلام الحاكم والذهبي: «وهو كما قالا».
٢
عن أنس بن مالك، قال: لَمّا اجتمع يوم حُنين أهلُ مكة وأهلُ المدينة أعْجَبَتْهُم كَثْرَتُهم، فقال القوم: اليومَ -واللهِ- نُقاتِل. فَلَمّا التَقوا واشْتَدَّ القتالُ ولَّوْا مُدْبِرين، فنَدَب رسولُ الله ﷺ الأنصارَ، فقال: «يا معشر المسلمين، إلَيَّ، عبادَ الله، أنا رسولُ الله». فقالوا: إليك -واللهِ- جِئْنا. فنَكَّسُوا رُؤُوسَهم، ثم قاتَلوا حتى فَتَح الله عليهم١
التخريج
  1. ١أخرجه الحاكم ٣‏/‏٥٠ (٤٣٦٨). قال الحاكم: «هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه».
٣
عن عبد الله بن عمر، قال: رَأَيتُنا يومَ حُنين وإنّ الفِئَتَيْن لَمُوَلِّيتان، وما مع رسول الله مائة رجل١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى ابن مردويه.
٤
عن البراء بن عازب أنّه قيل له: هل كنتم ولَّيْتم يومَ حُنَيْن؟ قال: واللهِ، ما ولّى رسولُ الله ﷺ، ولكنْ خَرَج شُبّانُ أصحابِه وأخِفّاؤُهم حُسَّرًا ليس عليهم سلاحٌ، فلَقَوْا جمعًا رُماةَ هوازن وبني نَصْر، ما يكاد يسقط لهم سَهْمٌ، فرَشَقُوهم رَشْقًا ما كادوا يُخْطِئون، فأقبلوا هنالك إلى رسول الله ﷺ وهو على بغلته البيضاء، وابن عمه أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب يقُود به، فنزل، ودعا، واسْتَنصَر، ثم قال: «أنا النبيُّ لا كذِب، أنا ابنُ عبد المطلب»١. ثم صفَّ أصحابَه٢
التخريج
  1. ٢أخرجه البخاري ٤‏/‏٤٣ (٢٩٣٠)، ومسلم ٣‏/‏١٤٠٠ (١٧٧٦)، وابن جرير ١١‏/‏٣٩٣ بنحوه.
تعليقات المحققين
  1. ١علَّقَ ابنُ كثير (٧/١٦٩-١٧٠) على أثر البراء هذا بقوله: «قلتُ: وهذا في غاية ما يكون من الشجاعة التامة، أنّه في مِثل هذا اليوم في حَوْمَة الوغى، وقد انكشف عنه جيشُه، وهو مع ذلك على بغلةٍ وليست سريعة الجري، ولا تصلح لكَرٍّ ولا لِفَرٍّ ولا لهرب، وهو مع هذا أيضًا يركضها إلى وجوههم، ويُنَوِّه باسمه لِيَعْرِفُه مَن لم يعرفه -صلوات الله وسلامه عليه دائمًا إلى يوم الدين-، وما هذا كله إلا ثقة بالله، وتوكُّلٌ عليه، وعِلْمٌ منه بأنّه سينصره، ويُتِمُّ ما أرسله به، ويُظْهِر دينه على سائر الأديان».
٥
عن سعيد بن جبير -من طريق عطاء بن دينار- في قوله: ﴿ثم وليتم مدبرين﴾، يعني: مُنهَزِمين عن النبي ﷺ، فبلغ فلالُ المسلمين مكة، فلم يجعلِ اللهُ لهم النار، وهذا بعد قتال أحد١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ٦‏/‏١٧٧٤.
٦
قال محمد بن السائب الكلبي: كان حولَ رسول الله ﷺ ثلاثمائةٌ مِن المسلمين، وانهزم سائرُ الناس١
التخريج
  1. ١تفسير البغوي ٤‏/‏٢٧.
٧
قال مقاتل بن سليمان: ﴿ثم وليتم مدبرين﴾ لا تَلْوُون على شيء١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ٢‏/‏١٦٥.
٨
عن الضحاك بن مزاحم، في قوله: ﴿لقد نصركم الله في مواطن كثيرة﴾، قال: هذا مِمّا يَمُنُّ الله به عليهم؛ مِن نصره إيّاهم في مواطن كثيرة١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى أبي الشيخ.
٩
قال مقاتل بن سليمان: ﴿لقد نصركم الله في مواطن كثيرة﴾، يعني: يوم بدر، ويوم قريظة، ويوم النضير، ويوم خيبر، ويوم الحديبية، ويوم فتح مكة١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ٢‏/‏١٦٤.
١٠
عن عبد الله بن عباس -من طريق العوفي- قوله: ﴿ويوم حنين﴾، وحنين: فيما بين مكة والمدينة١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ٦‏/‏١٧٧٢.
١١
عن الضحاك بن مزاحم، مثله١
التخريج
  1. ١علَّقه ابن أبي حاتم ٦‏/‏١٧٧٢.
١٢
عن عروة بن الزبير -من طريق هشام بن عروة-: أنّ النبيَّ ﷺ أقام عام الفتح نصفَ شهر، ولم يَزِد على ذلك، حتى جاءته هوازنُ وثَقيفٌ، فنزلوا بحُنين، وحُنين: وادٍ إلى جَنب ذي المَجاز١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ٦‏/‏١٧٧٣.
١٣
عن قتادة بن دعامة -من طريق سعيد- قال: حُنَيْن: ماءٌ بين مكة والطائف، قاتل نبيَّ الله ﷺ هَوازِنُ وثَقِيفٌ، وعلى هَوازِنَ مالكُ بن عوف، وعلى ثَقِيفٍ عبدُ يالِيل بن عمرو الثقفي١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١١‏/‏٣٨٧، وابن أبي حاتم ٦‏/‏١٧٧٢. وعزاه السيوطي إلى أبي الشيخ.
١٤
عن معمر، قال: قال [محمد ابن شهاب] الزهري:.. حنين: وادٍ في قُبُل الطائف، ذو مياهٍ، وبه من المشركين يومئذ عَجُزُ هوازن، ومعهم ثقيف١
التخريج
  1. ١أخرجه عبد الرزاق في مصنفه ٥‏/‏٣٧٤-٣٧٩ (٩٧٣٩).
١٥
قال مقاتل بن سليمان: ثم قال: ﴿و﴾نصركم ﴿يوم حنين﴾، وهو وادٍ بين الطائف ومكة، ﴿إذ أعجبتكم كثرتكم﴾١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ٢‏/‏١٦٤.
١٦
عن الحسن البصري، قال: لَمّا اجتمع أهلُ مكة وأهلُ المدينة قالوا: الآنَ –واللهِ- نُقاِتلُ حين اجْتَمَعْنا. فكَرِه رسولُ الله ﷺ ما قالوا، وما أعْجَبَهم من كَثْرَتِهم، فالتَقَوا، فهُزِموا حتى ما يقومُ منهم أحَدٌ على أحدٍ، حتى جعَل رسولُ الله ﷺ ينادي أحياء العرب: «إلَيَّ إلَيَّ». فواللهِ، ما يَعْرُجُ إليه أحدٌ، حتى أعْرى موضعه١، فالتَفَتَ إلى الأنصار وهم ناحيةٌ، فناداهم: «أيا أنصارَ اللهِ وأنصارَ رسوله، إلَيَّ عِبادَ اللهِ، أنا رسول الله». فَجَثَوا يَبْكون، وقالوا: يا رسولَ الله، وربِّ الكعبة، إليك، واللهِ. فنَكَّسُوا رُؤُوسَهم يبكون، وقَدَّموا أسيافَهم يَضْرِبون بين يَدَيْ رسول الله ﷺ، حتى فتح الله عليهم٢
التخريج
  1. ١أعرى موضعه: كشفه وأظهره. اللسان (عرا).
  2. ٢عزاه السيوطي إلى ابن المنذر.
١٧
قال عطاء: كانوا ستة عشر ألفًا١
التخريج
  1. ١تفسير الثعلبي ٥‏/‏٢٤، وتفسير البغوي ٤‏/‏٢٦.
١٨
عن قتادة بن دعامة -من طريق سعيد- قال: ذُكِر لنا: أنّه خرج يومئذ مع رسول الله ﷺ اثنا عشر ألفًا؛ عشرة آلاف من المهاجرين والأنصار، وألفان من الطُّلَقاء. وذُكِر لنا: أنّ رجلا قال يومئذ: لن نُغْلَب اليوم بكثرة١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١١‏/‏٣٨٧-٣٨٩.
١٩
قال الرَّبيع بن أنس -من طريق أبي جعفر-: وكانوا اثْنَيْ عشر ألفًا، منهم ألفان من أهل مكة١
التخريج
  1. ١أخرجه البيهقي في الدلائل ٥‏/‏١٢٣.
٢٠
عن إسماعيل السُّدِّيّ -من طريق أسباط- ﴿لقد نصركم الله في مواطن كثيرة﴾ الآية: إنّ رجلًا من أصحاب رسول الله ﷺ يوم حُنَيْن قال: يا رسول الله، لن نُغْلَب اليوم مِن قِلَّةٍ. وأعْجَبَتْه كثرةُ الناس، وكانوا اثني عشر ألفًا. فسار رسول الله ﷺ، فوُكِلُوا إلى كلمة الرجل، فانهزموا عن رسول الله ﷺ، غير العباس، وأبي سفيان بن الحارث، وأيمن ابن أم أيمن، قُتِل يومئذ بين يديه. فنادى رسولُ الله ﷺ: «أين الأنصار؟ أين الذين بايعوا تحت الشجرة؟». فتراجع الناسُ، فأنزل اللهُ الملائكةَ بالنصر، فهزموا المشركين يومئذ، وذلك قوله: ﴿ثم أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين وأنزل جنودا لم تروها﴾ الآية١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١١‏/‏٣٨٩-٣٩٠، وابن أبي حاتم ٦‏/‏١٧٧٣ (١٠٠٩٧) مختصرًا.
٢١
عن إسماعيل بن أبي خالد -من طريق مالك بن مغول- في قوله: ﴿ويوم حنين إذ اعجبتكم كثرتكم﴾، فقال رجل: لا نغلب اليومَ لكثرة١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ٦‏/‏١٧٧٣.
٢٢
عن محمد بن عبد الله بن عبيد بن عُمير الليثيّ، قال: كان مع النَّبيِّ ﷺ أربعةُ آلاف من الأنصار، وألفٌ مِن جُهَينة، وألفٌ مِن مُزَيْنَة، وألفٌ مِن أسْلَم، وألفٌ مِن غِفار، وألفٌ مِن أشْجَع، وألفٌ مِن المهاجرين وغيرهم؛ فكان معه عشرة آلاف، وخرج باثْنَيْ عشر ألفًا، وفيها قال الله تعالى في كتابه: ﴿ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئا﴾١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى أبي الشيخ.
٢٣
قال محمد بن السائب الكلبي: كانوا عشرةَ آلاف، وكانوا يومئذ أكثرَ ما كانوا قَطُّ، والمشركون أربعةُ آلاف مِن هوازنَ وثقيفٍ، وعلى هوازنَ مالكُ بن عوف النصري، وعلى ثقيفٍ كنانةُ بن عبد ياليل الثقفي، فلمّا التقى الجمعان قال رجل من الأنصار يُقال له: سلمة بن سلامة بن وقش: لن نُغْلَب اليوم عن قِلَّة. فساء رسولَ الله ﷺ كلامُه، ووُكِلوا إلى كلمة الرجل. وفي رواية: فلم يرضَ اللهُ قولَه، ووَكَلَهم إلى أنفسهم، فاقتتلوا قتالًا شديدًا، فانهزم المشركون، وخَلَّوْا عن الذَّراري، ثم نادَوْا: يا حُماةَ السَّوادِ، اذكروا الفضائح. فتراجعوا، وانكشف المسلمون١
التخريج
  1. ١تفسير البغوي ٤‏/‏٢٦.
٢٤
قال مقاتل بن سليمان:... وذلك أنّ المسلمين كانوا يومئذ أحد عشر ألفًا وخمسمائة، والمشركون أربعةُ آلاف، وهوازن، وثقيف، ومالك بن عوف النَّصْرِي على هوازن، وعلى ثقيف كنانة بن عبد ياليل بن عمرو بن عمير الثقفي، فلمّا التقَوْا قال رجلٌ من المسلمين: لن نُغْلَب اليوم مِن كثرتنا على عدوِّنا. ولم يَسْتَثْنِ في قوله، فكره النبيُّ ﷺ قولَه؛ لأنّه كان قال ولم يَسْتَثْنِ في قوله١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ٢‏/‏١٦٥.
٢٥
قال محمد بن إسحاق: وحدَّثني بعض أهل مكة: أنّ رسول الله ﷺ قال حين فَصَل من مكة إلى حُنَيْنٍ، ورأى كثرة مَن معه من جنود الله: «لَن نُغْلَب اليومَ مِن قِلَّة». قال ابن إسحاق: وزعم بعضُ الناس: أن رجلًا مِن بني بكر قالها١
التخريج
  1. ١علَّقه ابن جرير١١‏/‏٣٨٦. أورده ابن هشام في السيرة ٢‏/‏٤٤٤، والسهيلي في الروض الأنف ٧‏/‏٢٨٦. إسناده ضعيف؛ لانقطاعه بين ابن إسحاق والنبي ﷺ، وإبهام شيخه فيه.
٢٦
عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم -من طريق ابن وهب- في قوله: ﴿ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئا﴾، قال: كانوا اثني عشر ألفًا١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١١‏/‏٣٩٤.
٢٧
قال مقاتل بن سليمان: ﴿وضاقت عليكم الأرض بما رحبت﴾، يعني: برَحْبها، وسَعَتها١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ٢‏/‏١٦٤.
٢٨
عن مجاهد بن جبر -من طريق ابن أبي نجيح- قال: أول ما نزل من براءة: ﴿لقد نصركم الله في مواطن كثيرة﴾، يُعَرِّفُهم نصرَه، ويُوَطِّنُهم لغزوة تبوك١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١١‏/‏٤٧٥، وابن أبي حاتم ٦‏/‏١٧٧٢. وعزاه السيوطي إلى ابن أبي شيبة، وسُنَيْد، وابن المنذر.

آثار متعلقة بالآية

قول واحد
١
عن الحسن البصري -من طريق أبي الأشهب- قوله: ﴿وضاقت عليكم الأرض بما رحبت﴾، قال: هكذا يقع ذنبُ المؤمن مِن قلبه١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ٦‏/‏١٧٧٤.

آثار في سياق غزوة حنين

٧ أقوال
١
عن العباس بن عبد المطلب، قال: شَهِدتُ مع رسول الله ﷺ يوم حُنين، فلقد رأيتُ النبيَّ ﷺ وما معه إلا أنا وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب، فلَزِمْنا رسولَ الله ﷺ، فلم نُفارِقْه، وهو على بغلتِه الشَّهْباء التي أهْداها له فَرْوَةُ بن نُفاثةَ الجُذامِيُّ، فلما التَقى المسلمون والمشركون ولّى المسلمون مُدْبِرين، وطَفِق النَّبيُّ ﷺ يَرْكُضُ١ بغلتَه قِبَل الكفار، وأنا آخِذٌ بلِجامِها أكُفُّها إرادةَ ألّا تُسْرِع، وهو لا يَأْلُو ما أسْرَعَ نحْوَ المشركين، وأبو سفيان بن الحارث آخِذٌ بغَرْز٢ رسولِ الله ﷺ، فقال رسول الله ﷺ: «يا عباسُ، نادِ: يا أصحابَ السَّمُرَة، يا أصحابَ سورة البقرة». وكنتُ رجلًا صَيِّتًا، فقلتُ بأعلى صوتي: يا أصحابَ السَّمُرَة، يا أصحاب سورة البقرة. فواللهِ، لَكَأَنِّي عَطَفْتُهم حين سَمِعوا صوتي عَطْفَة البقر على أولادها، يقولون: يا لبيك، يا لبيك. فأقْبَل المسلمون، فاقْتَتَلوا هم والكفارَ٣، وارْتَفَعَت الأصوات وهم يقولون: يا معشر الأنصار، يا معشر الأنصار، ثم قُصِرَت الدعوةُ على بني الحارث بن الخَزْرج، فتطاول رسولُ اللهِ ﷺ وهو على بَغْلَتِه، فقال: «هذا حين حَمِيَ الوَطيسُ»٤. ثُمَّ أخَذَ رسولُ اللهِ ﷺ حَصَياتٍ، فرَمى بِهِنَّ وجوهَ الكفار، ثم قال: «انْهَزَموا، وربِّ الكعبة». فذَهَبتُ أنظُرُ، فإذا القتالُ على هيئته فيما أرى، فما هو إلا أن رماهم رسولُ الله ﷺ بحَصَياته، فما زلتُ أرى حَدَّهم كَلِيلًا، وأمْرَهم مُدْبِرًا حتى هَزَمَهم اللهُ عز وجل٥
التخريج
  1. ١يَرْكُضُ بغلته: أي يضربُها برِجله. انظر: النهاية (ركض).
  2. ٢الغرز: ركاب الرِّجل. اللسان (غرز).
  3. ٣قال الإمام النووي في شرحه على صحيح مسلم ١٢‏/‏١١٦: هكذا هو في النسخ، وهو بنصب الكفار، أي: مع الكفار.
  4. ٤حمى الوطيس: مثل يضرب للأمر إذا اشتد. مجمع الأمثال ٢‏/‏٤٩٦، ٤٩٧.
  5. ٥أخرجه مسلم ٣‏/‏١٣٩٨ (١٧٧٥) بنحوه، وأحمد ٣‏/‏٢٩٦-٢٩٧ (١٧٧٥) واللفظ له.
٢
عن أبي عبد الرحمن الفهري، قال: كُنّا مع رسول الله ﷺ في حُنَيْن، فسِرْنا في يوم قائِظٍ شديدِ الحَرِّ، فنزلنا تحت ظِلال الشَّجَر، فلَمّا زالتِ الشمسُ لَبِستُ لَأْمَتي، ورَكِبتُ فرسي، فأتيتُ رسولَ الله ﷺ وهو في فُسطاطِه، فقلتُ: السلامُ عليك -يا رسول الله- ورحمةُ الله، قد حان الرَّواحُ؟ قال: «أجل». ثم قال رسول الله ﷺ: «يا بلالُ». فثار مِن تحت سَمُرَةٍ كأن ظِلَّه ظِلُّ طائر، فقال: لبَّيْك وسَعْديْك، وأنا فِداؤُك. ثم قال: «أسْرِجْ لي فرسي». فأتاه بدَفَّتَيْن مِن لِيفٍ ليس فيهما أشَرٌ ولا بَطَرٌ. قال: فرَكِب فرسَه، ثُمَّ سِرْنا يَوْمَنا، فلَقِينا العدُوَّ، وتَشامَّتِ١ الخَيْلان، فقاتَلْناهم، فولّى المسلمون مُدْبِرين كما قال الله عز وجل، فجعَل رسولُ الله ﷺ يقول: «يا عبادَ الله، أنا عبدُ الله ورسولُه، يا أيها الناس، إلَيَّ، أنا عبد الله ورسوله». فاقْتَحَم رسولُ الله ﷺ عن فرسه. وحَدَّثني مَن كان أقْرَبَ إليه مِنِّي: أنّه أخذ حَفْنَةً مِن تراب، فحَثاها في وُجُوهِ القوم، وقال: «شاهَتِ الوُجُوه». قال يعلى بن عطاء: فأخْبَرَنا أبناؤُهم عن آبائِهم أنّهم قالوا: ما بَقِيَ مِنّا أحدٌ إلا امْتَلَأَتْ عَيناهُ وفَمُه مِن التراب، وسَمِعْنا صَلْصَلَةً من السماء كمَرِّ الحديد على الطَّسْت الحديد، فهزمهم اللهُ عز وجل٢
التخريج
  1. ١تشامّت: قرُب بعضها من بعض كأنها تشمّ بعضها بعضًا. النهاية (شمم).
  2. ٢أخرجه أحمد ٣٧‏/‏١٣٤-١٣٥ (٢٢٤٦٧)، وأبو داود ٧‏/‏٥١٨-٥١٩ (٥٢٣٣)، والبزار -كما في كشف الأستار ٢‏/‏٣٥٠ (١٨٣٣)- واللفظ له. قال أبو داود: «أبو عبد الرحمن الفهري ليس له إلا هذا الحديث، وهو حديث نبيلٌ جاء به حمّاد بن سلمة». وقال الهيثمي في المجمع ٦‏/‏١٨١-١٨٢ (١٠٢٧٢): «رواه البزار، والطبراني، ورجالهما ثقات». وقال البوصيري في إتحاف الخيرة ٥‏/‏٢٥٠-٢٥١ (٤٦١٦): «هذا إسناد صحيح».
٣
عن سَلَمَة بن الأَكْوَع، قال: غزونا مع رسول الله ﷺ حُنينًا، فلمّا واجَهْنا العدوَّ تقدَّمتُ فأَعْلُو ثَنِيَّةً، فاستقبلني رجلٌ مِن العدو، فأرْميه بسهم، فتوارى عنِّي، فما دَرَيْتُ ما صَنَع، فنظرتُ إلى القوم فإذا هم قد طلَعوا مِن ثَنِيَّةٍ أخرى، فالتقَوا هُم وأصحابَ النبيِّ ﷺ، وأنا مُتَّزِرٌ، وأرْجِعُ منهزمًا، وعَلَيَّ بُرْدتان مُتَّزِرًا بإحداهما، مُرْتَديًا بالأخرى، فاستَطْلَقَ إزاري، فجمَعتُهما جميعًا، ومررتُ على رسول الله ﷺ مُنهزِمًا١، وهو على بغلتِه الشَّهْباء، فقال رسول الله ﷺ: «لقد رأى ابنُ الأكوع فَزعًا». فلمّا غَشُوا رسولَ الله ﷺ نزَلَ عن البغلة، ثم قبَض قبْضةً مِن تراب مِن الأرض، ثم استقبَل به وجوهَهم، فقال: «شاهَتِ الوجوه». فما خلَق الله منهم إنسانًا إلا مَلأَ عينيه ترابًا بتلك القَبْضة، فوَلَّوا مدبرين، فهزَمهم الله، وقسَم رسولُ الله ﷺ غنائمَهم بينَ المسلمين٢
التخريج
  1. ١أي: أن حال ابن الأكوع منهزم، وليس النبيَّ ﷺ. ينظر: شرح النووي على مسلم ١٢‏/‏١٢٢.
  2. ٢أخرجه مسلم ٣‏/‏١٤٠٢ (١٧٧٧).
٤
عن جابر بن عبد الله، قال: نَدَب رسولُ الله ﷺ يومَ حُنين الأنصارَ، فقال: «يا معشرَ الأنصار». فأجابوه: لبيك، بأبينا أنتَ وأُمِّنا، يا رسول الله. قال: «أقْبِلُوا بوجوهِكم إلى الله ورسوله؛ يُدْخِلكم جناتٍ تجري من تحتها الأنهار». فأَقْبَلُوا ولهم حَنينٌ، حتى أحْدَقُوا به كَبْكَبَةً١، تَحاكُّ مَناكِبُهم، يُقاتِلون، حتى هزَم اللهُ المشركين٢
التخريج
  1. ١بالضم والفتح: الجماعة المتضامة من الناس وغيرهم. النهاية (كبكب).
  2. ٢أخرجه الحاكم ٣‏/‏٥٠ (٤٣٦٧). قال الحاكم: «هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه، وشاهده حديث المبارك بن فضالة الذي حدثناه...». ثم ذكر نحوه عن أنس.
٥
عن قتادة بن دعامة -من طريق سعيد- قوله: ﴿لقد نصركم الله في مواطن كثيرة ويوم حنين﴾ حتى بلغ: ﴿وذلك جزاء الكافرين﴾، قال: وحُنَيْن: ماءٌ بين مكة والطائف، قاتل عليها نبي الله هوازن وثقيف، وعلى هوازن مالك بن عوف أخو بني نصر، وعلى ثقيف عبد ياليل بن عمرو الثقفي. قال: وذُكِر لنا: أنّه خرج يومئذ مع رسول الله ﷺ اثنا عشر ألفًا؛ عشرة آلاف من المهاجرين والأنصار، وألفان من الطُّلَقاء. وذُكِر لنا: أنّ رجلًا قال يومئذٍ: لن نُغْلَبَ اليوم بكثرةٍ. قال: وذُكِر لنا: أنّ الطُّلَقاء انجَفَلوا يومئذٍ بالناس، وجَلَوا عن نبي الله ﷺ حتى نزل عن بغلته الشهباء. وذُكِر لنا: أنّ نبي الله قال: «أيْ ربِّ، آتِني ما وعدتني». قال: والعباسُ آخِذٌ بلِجامِ بغلةِ رسول الله ﷺ، فقال له النبيُّ: «نادِ: يا معشر الأنصار، ويا معشر المهاجرين». فجعل ينادي الأنصار فخذًا فخذًا، ثم قال: «يا أصحاب سورة البقرة». قال: فجاء الناس عُنُقًا واحدًا١. فالتفت نبيُّ الله ﷺ، وإذا عصابةٌ من الأنصار، فقال: «هل معكم غيركم؟». فقالوا: يا نبيَّ الله، واللهِ، لو عَمَدْتَ إلى بَرْكِ الغِماد٢ مِن ذي يَمَنٍ لَكُنّا معك. ثم أنزل الله نصرَه، وهزم عدوَّهم، وتراجع المسلمون. قال: وأخذ رسولُ الله كفًّا مِن تراب، أو قبضة من حَصْباء، فرمى بها وجوهَ الكفار، وقال: «شاهَتِ الوجوهُ». فانهزموا. فلمّا جمع رسولُ الله ﷺ الغنائمَ، وأتى الجِعْرانَة، فقسم بها مَغانِمَ حنين، وتَأَلَّف أُناسًا مِن الناس، فيهم أبو سفيان بن حرب، والحارث بن هشام، وسهيل بن عمرو، والأقرع بن حابس، فقالت الأنصار: أمِنَ الرجلُ وآثَرَ قومَه. فبلغ ذلك رسولَ الله ﷺ وهو في قُبَّةٍ له مِن أدَم٣، فقال: «يا معشر الأنصار، ما هذا الذي بلغني؟! ألم تكونوا ضُلّالًا فهداكم الله، وكنتم أذِلَّةً فأعَزَّكم الله، وكنتم، وكنتم؟!». قال: فقال سعد بن عبادة: ائْذَن لي فأَتَكَلَّم. قال: «تكلم». قال: أمّا قولك: «كُنتم ضُلّالًا فهداكم الله» فكُنّا كذلك، «وكنتم أذلة فأعزكم الله» فقد علمت العرب ما كان حَيٌّ مِن أحياءِ العرب أمنعَ لِما وراء ظهورهم مِنّا. فقال عمر: يا سعدُ، أتدري مَن تُكَلِّم؟! فقال: نعم، أُكَلِّم رسولَ الله ﷺ. فقال رسول الله ﷺ: «والذي نفسي بيده، لو سَلَكَتِ الأنصارُ وادِيًا والناسُ وادِيًا لَسَلَكْتُ واديَ الأنصار، ولولا الهجرةُ لكنتُ امْرَأً مِن الأنصار». وذُكِر لنا: أنّ نبيَّ الله ﷺ كان يقول: «الأنصار كرشي وعيبتي٤، فاقْبَلُوا مِن مُحسِنهم، وتجاوزوا عن مُسِيئهم». ثم قال رسول الله ﷺ: «يا معشر الأنصار، أما تَرْضَوْن أن ينقلِبَ الناسُ بالإبِل والشّاءِ، وتنقلبون برسول الله إلى بيوتكم؟». فقالت الأنصار: رضينا عن اللهِ ورسوله، واللهِ، ما قلنا ذلك إلا ضَنًّا برسول الله ﷺ. فقال رسول الله ﷺ: «إنّ اللهَ ورسولَه يُصَدِّقانِكم ويَعْذُرانِكم»٥
التخريج
  1. ١عُنُقًا واحدا: أي طائفة واحدة. اللسان (عنق).
  2. ٢بَرك الغماد –بفتح الباء وكسرها، وضم الغين وكسرها-: موضع باليمن. وقيل: موضع وراء مكة بخمس ليالٍ مما يلي البحر. النهاية (برك)، واللسان (غمد)، ومعجم البلدان ١‏/‏٣٩٩.
  3. ٣آَدَم: جِلْد. النهاية (أدم).
  4. ٤كرشي وعيبتي: خاصَّتي وموضع سِرِّي. النهاية (عيب) (كرش).
  5. ٥أخرجه ابن جرير ١١‏/‏٣٨٧-٣٨٩.
٦
عن قتادة بن دعامة -من طريق سعيد- قال: ذُكِر لنا: أنّ أُمَّ رسول الله ﷺ التي أرضعته أو ظِئْرَه مِن بني سعد بن بكر أتَتْهُ، فسَأَلَتْهُ سبايا يومَ حُنَيْن، فقال رسول الله ﷺ: «إنِّي لا أملكهم، وإنّما لي منهم نصيبي، ولكن ائْتِيني غدًا فسليني والناسُ عندي، فإنِّي إذا أعطيتُكِ نصيبي أعطاكِ الناسُ». فجاءت الغدَ، فبسط لها ثوبًا، فقَعَدَتْ عليه، ثم سألته، فأعطاها نصيبَه، فلما رأى ذلك الناسُ أعْطَوْها أنصباءَهم١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١١‏/‏٣٨٩.
٧
عن سعيد بن المسيب -من طريق الزهري-، وعن قتادة بن دعامة -من طريق معمر-: أنّهم أصابوا يومئذٍ سِتَّةَ آلافِ سَبْيٍ، ثم جاء قومُهم مسلمين بعد ذلك، فقالوا: يا رسول الله، أنت خيرُ الناس، وأبَرُّ الناس، وقد أخَذْتَ أبناءنا ونساءنا وأموالنا. فقال النبيُّ - ﷺ -: «إنّ عندي مَن ترون، وإنّ خيرَ القولِ أصدقُه، اختاروا إمّا ذراريكم ونساءَكم، وإمّا أموالكم». قالوا: ما كنا نَعْدِل بالأحسابِ شيئًا. فقام رسول الله - ﷺ -، فقال: «إنّ هؤلاء قد جاءوني مسلمين، وإنّا خيَّرناهم بين الذراري والأموال فلم يعدِلوا بالأحساب شيئًا، فمَن كان بيده منهم شيءٌ فطابت نفسُه أن يَرُدَّه فبسبيل ذلك، ومَن لا فلْيُعْطِنا، ولْيَكُن قرضًا علينا حتى نصيبَ شيئًا فنعطيَه مكانَه». فقالوا: يا نبيَّ الله، رضِينا وسَلَّمْنا. فقال: «إنِّي لا أدري، لعلَّ منكم مَن لا يَرْضى، فمُرُوا عُرَفاءَكم فليرفعوا ذلك إلينا». فرَفَعَتْ إليه العُرفاءُ أن قد رَضُوا وسَلَّموا١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١١/ ٣٩١.

نزول الآية

٤ أقوال
١
عن عبد الله بن عباس -من طريق عكرمة- قال: لَمّا كان يوم حُنين ولّى المشركون، ووَلّى المسلمون، وثَبَت النبيُّ ﷺ، فقال: «أنا محمد رسول الله» ثلاث مرات. وإلى جنبه عمُّه العباس، فقال النبيُّ ﷺ لعَمِّه: «يا عباسُ، أذِّنْ: يا أهلَ الشجرة». فجاءوه مِن كل مكان: لَبَّيْك لَبَّيْك. حتى أظَلُّوه برِماحِهم، ثم مضى، فوَهَب اللهُ له الظَّفَر؛ فأنزل الله: ﴿ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم﴾ الآية١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى أبي الشيخ.
٢
عن مجاهد بن جبر -من طريق ابن أبي نجيح- في قوله: ﴿لقد نصركم الله في مواطن كثيرة﴾، قال: هي أوَّلُ ما أنزل الله تعالى من سورة براءة١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى الفِرْيابيّ.
٣
عن معمر، قال: قال [محمد ابن شهاب] الزهري:... رجع رسول الله ﷺ بِمَن معه مِن قريش -وهي كنانة- ومَن أسلم يوم الفتح قِبَل حُنَيْن، وحُنَين وادٍ في قُبُلِ١ الطائف ذو مياهٍ، وبه من المشركين يومئذ عَجُزُ هوازن٢، ومعهم ثقيف، ورأس المشركين يومئذ مالك بن عوف النصري، فاقتتلوا بحُنَين، فنصر الله نبيَّه ﷺ والمسلمين، وكان يومًا شديدًا على الناس، فأنزل الله: ﴿لقد نصركم الله في مواطن كثيرة ويوم حنين﴾ الآية. قال معمر: قال الزهري: وكان رسول الله ﷺ يَتَأَلَّفُهم، فلذلك بعث خالد بن الوليد يومئذ٣
التخريج
  1. ١القُبُل: أوّل الشيء. النهاية (قبل).
  2. ٢عَجُزُ هوازن: بنو نصر بن معاوية وبنو جُشَمَ بن بكر، كأنه آخرهم. اللسان (عجز).
  3. ٣أخرجه عبد الرزاق في مصنفه ٥‏/‏٣٧٤-٣٧٩ (٩٧٣٩).
٤
عن الرَّبيع بن أنس -من طريق أبي جعفر- أنّ رجلا قال يوم حُنَيْن: لن نُغْلَبَ مِن قِلَّةٍ، فشَقَّ ذلك على رسول الله ﷺ؛ فأنزل الله عز وجل: ﴿ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم﴾...١
التخريج
  1. ١أخرجه البيهقي في الدلائل ٥‏/‏١٢٣.
التفسير بالمأثور لسورة التوبة كاملة ←

وقفات تدبرية في الآية ٢٥ من سورة التوبة

٢١ وقفةً في هذه الآية

  • "لقد نصركم الله في مواطن كثيرة" ليس شرطا أن يعلم المؤمن بكل المواطن التي ينصره الله فيها .. ولكنها كثيرة .. إن أدى شروط النصر .

    — #إشراقات براءة

  • كالغدد الهرمونية التي تحفظ توازن السوائل في البدن، تأتيني الانكسارات في وقتها المناسب لتخفض نسبة وهم القوة والإنجاز في دمي" ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم" .

    — عبدالله بلقاسم

  • "ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم" هناك شعور اعتزاز بالكثرة والقوة والقبيلة .. امحه من نفسك .. وتعلم أن العزة من عند الله.

    — #إشراقات براءة

  • ﴿ويوم حنين إذ (أعجبتكم) كثرتكم فلم تُغن عنكم شيئا﴾ أغلِق منافذ قلبك من أن يتسلل إليه العُجب في مال أو علم أو عشيرة فلن ينفعك ذلك!

    — عامر بن عيسي اللهو

  • "إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئا" شيئا !! .. أي شيء لا يحدث .. أصغر شيء في الكون لا يكون دون إرادة الملك سبحانه .

    — #إشراقات براءة

  • لقد نصركم الله في مواطن كثيرة ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئا" إذا قلت #يارب تولاك الله، أما إن قلت #أنا تخلى عنك!

    — نايف الفيصل

  • ﴿ وضاقت عليكم الأرض بما رحبت ﴾ قال الحسن البصري: هكذا يقع ذنب المؤمن من قلبه..

    — نايف الفيصل

  • (وَأَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَا مُوسَى لَا تَخَفْ إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ) (وَلَّى مُدْبِرًا) و (ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ) التولية والإدبار بمعنيين مختلفين: فالتولية أن يولي الشيء ظهره، والإدبار أن يهرب منه، فما كل مولٍّ مدبر، وكل مدبر مولٍّ.

    — ابن تيمية

  • هذه الآية أشد آية نَعَتْ على الناس ما لا يكاد يتخلص منه إلا من تداركه الله سبحانه بلطفه. .

    — الألوسي

  • سورة التوبة (25 - 26)

    — سعود بن خالد آل سعود الكبير

  • (ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم) العجب بأمور الدنيا وما أوتي الناس من أسبابها وإن كان في طاعة مهلكة! فعلى صاحب الطاعة أن يراعي قلبه، ولا يغتر بما هو فيه من عمل، فإن القلب هو موضع النظر.

    — إبراهيم الأزرق

  • من علامات عدم التوفيق والنجاح؛ إعجابك بقدراتك وتميزك دون طلب العون من الله {إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئا}

    — مجالس التدبر

و٩ وقفات أخرى لهذه الآية في الوقفات التدبرية.

ترجمات معاني الآية ٢٥ من سورة التوبة

ترجمة معاني الآية إلى ٥٩ لغةً

(25) Allāh has already given you victory in many regions and [even] on the day of Ḥunayn, when your great number pleased you, but it did not avail you at all, and the earth was confining for you with [i.e., in spite of] its vastness; then you turned back, fleeing.
— الترجمة الإنجليزية - صحيح انترناشونال