اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي
عن الكتاب
قوله تعالى :﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ الله فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ﴾ الآية.
لمَّا ذكر في الآية المتقدمة أنه يجب الإعراض عن مخالطة الآباء والأبناء، والإخوان، والعشيرة، وعن الأموال، والتجارات، والمساكن، رعاية لمصالح الدِّين، وعلم أنَّ ذلك يشقّ على النفوس، ذكر ما يدلُّ على أنَّ من ترك الدُّنيا لأجل الدِّين، فإنَّهُ تعالى يوصله مطلوبه.
وضرب لهذا مثلاً، وذلك أنَّ عسكر رسول الله ﷺ في وقعة حنين، كانوا في غاية الكثرةِ والقوَّةِ، فلمَّا أعجبوا بكثرتهم، صارُوا منهزمين، فلمَّا تَضَرَّعُوا في حال الانهزام إلى اللهِ تعالى قوَّاهم حتَّى هزموا عسكر الكُفَّارِ، وذلك يدلُّ على أنَّ الإنسان متى اعتمد على الدُّنيا، فاته الدِّين والدنيا، ومتى أطاع الله، ورجَّحَ الدِّين على الدُّنيا، آتاه اللهُ الدِّين والدُّنيا على أحسن الوُجوه فكان هذا تسلية لأولئك المأمورين بمقاطعة الآباءِ والأبناءِ، لأجل مصلحة الدِّين، وعداً لهم بأنهم إن فعلُوا ذلك أوصلهم اللهُ تعالى إلى أقاربهم وأموالهم ومساكنهم على أحسن الوجوه.
قال الواحديُّ :" النّصر : المعونةُ على العدوِّ خاصة " " المواطن " : جمع " مَوْطِن " بكسر العين، وكذا اسم مصدره، وزمانه، لاعتلال فائه ك " المَوْعد "، قال :[ الطويل ]
و " حُنَيْن " : اسمُ وادٍ بين مكة والطائف، فلذلك صرفه، وبعضهم جعله اسماً للبقعة، فمنعه في قوله :[ الكامل ]
وهذا كما قال الآخرُ في " حراء " : اسم الجبل المعروف، اعتباراً بتأنيث البقعة في قوله :[ الوافر ]
المرادُ بالمواطن الكثيرة : غزوات رسول الله ﷺ، ويقال : إنها ثمانون موطناً، فأعلمهم أنه تعالى هو الذي تولَّى نصر المؤمنين، ومن نصره الله فلا غالب له، ثم قال " وَيَوْمَ حُنَيْنٍ " أي : واذكر يوم حُنَيْن من جملة تلك المواطن حال ما أعجبتكم كثرتكم، و " حنين " واد بين مكة والطائف.
وقيل : إلى جنب ذي المجاز. قال الرواةُ : لمَّا فتح رسول الله ﷺ مكّة، وقد بقيت أيامٌ من شهر رمضان، خرج متوجهاً إلى حنين، لقتال هوازن وثقيف، في اثني عشر ألفاً، عشرة آلاف من المهاجرين، وألفان من الطلقاءِ.
وقال عطاءٌ : عن ابن عباس " كانوا ستة عشر ألفاً " (٤).
وقال الكلبيُّ " كانوا عشرة آلاف ". وكان هوازن وثقيف أربعة آلاف، وعلى هوازن : مالكُ بن عوف النضري، وعلى ثقيف : كنانة بن عبد ياليل الثقفي، فلما التقى الجمعان، قال رجلٌ من الأنصار يقال له : سملة بنُ سلامة بن وقش : لن نغلب اليوم عن لقَّةٍ، وهو المراد من قوله :﴿إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ﴾، فساء رسول الله ﷺ كلامه، ووكلوا إلى كلمة الرجل(٥)، وفي رواية : لم يرض الله قوله، ووكلُوا إلى أنفسهم، فاقتتلوا قتالاً شديداً ؛ فانهزم المشركون وتخلّوا عن الذراري، ثم نادوا يا حماة السواد اذكروا الفضائح، فتراجعوا، وانكشف المسلمون.
قال قتادةُ : وذكر لنا أنَّ الطُّلقاء انجفلوا يومئذ بالنَّاسِ(٦).
قوله :" وَيَوْمَ حُنَيْنٍ " فيه أوجه :
أحدهما : أنَّهُ عطفٌ على محلِّ قوله :" فِي مَوَاطِنَ " عطف ظرف الزمان من غير واسطة " في " على ظرف المكان المجرور بها، ولا غرو في نسق ظرف زمان على مكان، أو العكس، تقول : سرت أمامك ويوم الجمعة، إلاَّ أنَّ الأحسن أن يُتركَ العاطفُ في مثله.
الثاني : زعم ابنُ عطية : أنَّه يجوز أن يُعطف على لفظ " مَواطِنَ " بقتدير :" وفِي يَوْمِ "، فحذف حرف الخفض، وهذا لا حاجة إليه.
الثالث : قال الزمخشريُّ(٧) :" فإن قلت : كيف عطف الزمان على المكان، وهو " يَوْمَ حُنينٍ " على " مَواطِنَ " ؟.
قلت : معناه : وموطن يوم حنين، أو في أيام مواطن كثيرة ويوم حنين ".
الرابع : أن يُراد ب " المواطِن " : الأوقاتُ، فحينئذٍ إنَّما عطف زمانٌ على زمان.
قال الزمخشريُّ - بعدما تقدَّم عنه - :" ويجوزُ أن يُراد ب " المواطن " : الوقت، ك : مقتل الحسين، على أنَّ الواجب أن يكون :" يَوْمَ حُنينٍ " منصوباً بفعل مضمر، لا بهذا الظَّاهر، ومُوجِبُ ذلك أنَّ قوله :" إِذْ أَعجَبَتْكُمْ " بدلٌ من " يَوْمَ حُنَينٍ "، فلو جعلتَ ناصبَه هذا الظاهر، لم يصحَّ ؛ لأنَّ كثرتهم لم تعجبهم في جميع تلك المواطن، ولم يكونوا كثيرين في جميعها، فبقي أن يكون ناصبُه فعلاً خاصاً به ".
قال شهابُ الدِّين(٨) :" لا أدري ما حمله على تقدير أحد المضافين، وعلى تأويل " المواطن " بالوقت، ليصحَّ عطفُ زمانٍ على زمان، أو مكان على مكان، إذ يصحُّ عطفُ أحدُ الظرفين على الآخر ؟ وأمَّا قوله :" على أنَّ الواجب أن يكون " إلى آخره ؛ كلامٌ حسنٌ، وتقريره أنَّ الفعل مُقيدٌ بظرف المكان، فإذا جعلنا " إذْ " بدلاً من " يَوْم " كان معمولاً له ؛ لأنَّ البدل يَحُلُّ محلَّ المُبْدل منه ؛ فيلزم منه أنه نصرهم إذ أعجبتهم كثرتُهم في مواطن كثيرة، والفرض أنَّهم في بعض هذه المواطن لم يكونوا بهذه الصفة، إلاَّ أنَّه قد ينقدح، فإنَّه - تعالى - لم يقل في جميع المواطن، حتَّى يلزم ما قاله ".
ويمكن أن يكون أراد بالكثرةِ : الجميع، كما يُراد بالقلة العدمُ.
قوله :" بِمَا رَحُبَتْ " " ما " مصدريةٌ، أي : رَحْبُها وسعتها. وقرأ زيد(٩) بن علي في الموضعين " رَحْبَت " بسكون العين، وهي لغة تميم، يسكنون عين " فَعُل " فيقولون : في " شَرُف " " شَرْف ". و " الرُّحْب " بالضمِّ : السَّعَة، وبالفتح : الشيء الواسع، يقال : رَحُب المكان يَرْحُب رُحْباً ورَحَابَةٌ، وهو قاصر. فأمَّا تعدِّيه في قولهم : رَحُبَتكم الدار " فعلى التضمين، لأنه بمعنى " وسعتكم ".
قوله :﴿فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئاً﴾ الإغناء : إعطاء ما يدفع الحاجة، أي : فلم يُعطِكم شيئاً يدفع حاجتكم. والمعنى : أنه تعالى أعلمهم أنَّهُم لا يغلبون بكثرتهم، وإنما يغلبون بنصر الله، فلمَّا أعجبوا بكثرتهم، صاروا منهزمين، ثم قال :﴿وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأرض بِمَا رَحُبَتْ﴾ أي : مع رحبها، و " ما " ههنا مع الفعل بمنزلة المصدر، والمعنى : إنكم لشدَّةِ ما لحقكم من الخوف ضاقت عليكم الأرضُ، فلم تجدُوا فيها موضعاً يصلح لفراركم من عدوكم.
قال البراء بن عازب : كانت " هوازن " رماة، فلما حملنا انكشفوا وأكببنا على الغنائم، فاستقبلونا بالسهام، وانكشف المسلمون عن رسول الله ﷺ ولم يبق معه إلا العباس وأبو سفيان بن الحارث. قال [ البراء ](١٠) : والذي لا إله إلاَّ هو ما ولَّى رسول الله ﷺ قط، قال : رأيته وأبو سفيان آخذ بالركاب، والعباس آخذ بلجام دابته البيضاء وهو يقول :" أنَا النبيُّ لا كذِبْ، أنَا ابنُ عَبْدِ المُطَّلِب " (١١) وطفق يركضُ بغلته نحو الكفار، ثم قال للعبَّاس : نادِ المهاجرين والأنصار - وكان العباس رجلاً صَيِّتاً - فجعل يُنَادِي : يا عباد الله، يا أصحاب الشجرة، يا أصحاب سورة البقرةِ، فجاء المسلمون حين سمعوا صوته عنقاً واحداً، وأخذ رسولُ الله ﷺ بيده كفاً من الحَصَى، فرماهم بها، وقال :" شَاهتِ الوُجوهُ " فما زال أمرهم مدبراً، وحدهم كليلاً حتى هزمهم اللهُ، ولم يبق منهم أحد يومئذ إلاَّ وقد امتلأت عيناه من ذلك التراب، فذلك قوله :﴿ثُمَّ أَنَزلَ الله سَكِينَتَهُ على رَسُولِهِ وَعَلَى المؤمنين﴾.
لمَّا ذكر في الآية المتقدمة أنه يجب الإعراض عن مخالطة الآباء والأبناء، والإخوان، والعشيرة، وعن الأموال، والتجارات، والمساكن، رعاية لمصالح الدِّين، وعلم أنَّ ذلك يشقّ على النفوس، ذكر ما يدلُّ على أنَّ من ترك الدُّنيا لأجل الدِّين، فإنَّهُ تعالى يوصله مطلوبه.
وضرب لهذا مثلاً، وذلك أنَّ عسكر رسول الله ﷺ في وقعة حنين، كانوا في غاية الكثرةِ والقوَّةِ، فلمَّا أعجبوا بكثرتهم، صارُوا منهزمين، فلمَّا تَضَرَّعُوا في حال الانهزام إلى اللهِ تعالى قوَّاهم حتَّى هزموا عسكر الكُفَّارِ، وذلك يدلُّ على أنَّ الإنسان متى اعتمد على الدُّنيا، فاته الدِّين والدنيا، ومتى أطاع الله، ورجَّحَ الدِّين على الدُّنيا، آتاه اللهُ الدِّين والدُّنيا على أحسن الوُجوه فكان هذا تسلية لأولئك المأمورين بمقاطعة الآباءِ والأبناءِ، لأجل مصلحة الدِّين، وعداً لهم بأنهم إن فعلُوا ذلك أوصلهم اللهُ تعالى إلى أقاربهم وأموالهم ومساكنهم على أحسن الوجوه.
قال الواحديُّ :" النّصر : المعونةُ على العدوِّ خاصة " " المواطن " : جمع " مَوْطِن " بكسر العين، وكذا اسم مصدره، وزمانه، لاعتلال فائه ك " المَوْعد "، قال :[ الطويل ]
| وكَمْ مَوْطنٍ لوْلايَ طِحْتَ كَما هَوَى | بأجْرَامِهِ مِنْ قُنَّةِ النِّيقِ مُنْهَوِي(١) |
| نَصَرُوا نَبيَّهُمُ وشَدُّوا أزْرَهُ | بِحُنينَ يَوْمَ تواكُلِ الأبْطالِ(٢) |
| ألَسْنَا أكْثَرَ الثَّقليْنِ رَجْلاً | وأعْظَمَهُمْ بِبطْنِ حِرَاءَ نَارَا(٣) |
فصل
المرادُ بالمواطن الكثيرة : غزوات رسول الله ﷺ، ويقال : إنها ثمانون موطناً، فأعلمهم أنه تعالى هو الذي تولَّى نصر المؤمنين، ومن نصره الله فلا غالب له، ثم قال " وَيَوْمَ حُنَيْنٍ " أي : واذكر يوم حُنَيْن من جملة تلك المواطن حال ما أعجبتكم كثرتكم، و " حنين " واد بين مكة والطائف.
وقيل : إلى جنب ذي المجاز. قال الرواةُ : لمَّا فتح رسول الله ﷺ مكّة، وقد بقيت أيامٌ من شهر رمضان، خرج متوجهاً إلى حنين، لقتال هوازن وثقيف، في اثني عشر ألفاً، عشرة آلاف من المهاجرين، وألفان من الطلقاءِ.
وقال عطاءٌ : عن ابن عباس " كانوا ستة عشر ألفاً " (٤).
وقال الكلبيُّ " كانوا عشرة آلاف ". وكان هوازن وثقيف أربعة آلاف، وعلى هوازن : مالكُ بن عوف النضري، وعلى ثقيف : كنانة بن عبد ياليل الثقفي، فلما التقى الجمعان، قال رجلٌ من الأنصار يقال له : سملة بنُ سلامة بن وقش : لن نغلب اليوم عن لقَّةٍ، وهو المراد من قوله :﴿إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ﴾، فساء رسول الله ﷺ كلامه، ووكلوا إلى كلمة الرجل(٥)، وفي رواية : لم يرض الله قوله، ووكلُوا إلى أنفسهم، فاقتتلوا قتالاً شديداً ؛ فانهزم المشركون وتخلّوا عن الذراري، ثم نادوا يا حماة السواد اذكروا الفضائح، فتراجعوا، وانكشف المسلمون.
قال قتادةُ : وذكر لنا أنَّ الطُّلقاء انجفلوا يومئذ بالنَّاسِ(٦).
قوله :" وَيَوْمَ حُنَيْنٍ " فيه أوجه :
أحدهما : أنَّهُ عطفٌ على محلِّ قوله :" فِي مَوَاطِنَ " عطف ظرف الزمان من غير واسطة " في " على ظرف المكان المجرور بها، ولا غرو في نسق ظرف زمان على مكان، أو العكس، تقول : سرت أمامك ويوم الجمعة، إلاَّ أنَّ الأحسن أن يُتركَ العاطفُ في مثله.
الثاني : زعم ابنُ عطية : أنَّه يجوز أن يُعطف على لفظ " مَواطِنَ " بقتدير :" وفِي يَوْمِ "، فحذف حرف الخفض، وهذا لا حاجة إليه.
الثالث : قال الزمخشريُّ(٧) :" فإن قلت : كيف عطف الزمان على المكان، وهو " يَوْمَ حُنينٍ " على " مَواطِنَ " ؟.
قلت : معناه : وموطن يوم حنين، أو في أيام مواطن كثيرة ويوم حنين ".
الرابع : أن يُراد ب " المواطِن " : الأوقاتُ، فحينئذٍ إنَّما عطف زمانٌ على زمان.
قال الزمخشريُّ - بعدما تقدَّم عنه - :" ويجوزُ أن يُراد ب " المواطن " : الوقت، ك : مقتل الحسين، على أنَّ الواجب أن يكون :" يَوْمَ حُنينٍ " منصوباً بفعل مضمر، لا بهذا الظَّاهر، ومُوجِبُ ذلك أنَّ قوله :" إِذْ أَعجَبَتْكُمْ " بدلٌ من " يَوْمَ حُنَينٍ "، فلو جعلتَ ناصبَه هذا الظاهر، لم يصحَّ ؛ لأنَّ كثرتهم لم تعجبهم في جميع تلك المواطن، ولم يكونوا كثيرين في جميعها، فبقي أن يكون ناصبُه فعلاً خاصاً به ".
قال شهابُ الدِّين(٨) :" لا أدري ما حمله على تقدير أحد المضافين، وعلى تأويل " المواطن " بالوقت، ليصحَّ عطفُ زمانٍ على زمان، أو مكان على مكان، إذ يصحُّ عطفُ أحدُ الظرفين على الآخر ؟ وأمَّا قوله :" على أنَّ الواجب أن يكون " إلى آخره ؛ كلامٌ حسنٌ، وتقريره أنَّ الفعل مُقيدٌ بظرف المكان، فإذا جعلنا " إذْ " بدلاً من " يَوْم " كان معمولاً له ؛ لأنَّ البدل يَحُلُّ محلَّ المُبْدل منه ؛ فيلزم منه أنه نصرهم إذ أعجبتهم كثرتُهم في مواطن كثيرة، والفرض أنَّهم في بعض هذه المواطن لم يكونوا بهذه الصفة، إلاَّ أنَّه قد ينقدح، فإنَّه - تعالى - لم يقل في جميع المواطن، حتَّى يلزم ما قاله ".
ويمكن أن يكون أراد بالكثرةِ : الجميع، كما يُراد بالقلة العدمُ.
قوله :" بِمَا رَحُبَتْ " " ما " مصدريةٌ، أي : رَحْبُها وسعتها. وقرأ زيد(٩) بن علي في الموضعين " رَحْبَت " بسكون العين، وهي لغة تميم، يسكنون عين " فَعُل " فيقولون : في " شَرُف " " شَرْف ". و " الرُّحْب " بالضمِّ : السَّعَة، وبالفتح : الشيء الواسع، يقال : رَحُب المكان يَرْحُب رُحْباً ورَحَابَةٌ، وهو قاصر. فأمَّا تعدِّيه في قولهم : رَحُبَتكم الدار " فعلى التضمين، لأنه بمعنى " وسعتكم ".
فصل
قوله :﴿فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئاً﴾ الإغناء : إعطاء ما يدفع الحاجة، أي : فلم يُعطِكم شيئاً يدفع حاجتكم. والمعنى : أنه تعالى أعلمهم أنَّهُم لا يغلبون بكثرتهم، وإنما يغلبون بنصر الله، فلمَّا أعجبوا بكثرتهم، صاروا منهزمين، ثم قال :﴿وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأرض بِمَا رَحُبَتْ﴾ أي : مع رحبها، و " ما " ههنا مع الفعل بمنزلة المصدر، والمعنى : إنكم لشدَّةِ ما لحقكم من الخوف ضاقت عليكم الأرضُ، فلم تجدُوا فيها موضعاً يصلح لفراركم من عدوكم.
قال البراء بن عازب : كانت " هوازن " رماة، فلما حملنا انكشفوا وأكببنا على الغنائم، فاستقبلونا بالسهام، وانكشف المسلمون عن رسول الله ﷺ ولم يبق معه إلا العباس وأبو سفيان بن الحارث. قال [ البراء ](١٠) : والذي لا إله إلاَّ هو ما ولَّى رسول الله ﷺ قط، قال : رأيته وأبو سفيان آخذ بالركاب، والعباس آخذ بلجام دابته البيضاء وهو يقول :" أنَا النبيُّ لا كذِبْ، أنَا ابنُ عَبْدِ المُطَّلِب " (١١) وطفق يركضُ بغلته نحو الكفار، ثم قال للعبَّاس : نادِ المهاجرين والأنصار - وكان العباس رجلاً صَيِّتاً - فجعل يُنَادِي : يا عباد الله، يا أصحاب الشجرة، يا أصحاب سورة البقرةِ، فجاء المسلمون حين سمعوا صوته عنقاً واحداً، وأخذ رسولُ الله ﷺ بيده كفاً من الحَصَى، فرماهم بها، وقال :" شَاهتِ الوُجوهُ " فما زال أمرهم مدبراً، وحدهم كليلاً حتى هزمهم اللهُ، ولم يبق منهم أحد يومئذ إلاَّ وقد امتلأت عيناه من ذلك التراب، فذلك قوله :﴿ثُمَّ أَنَزلَ الله سَكِينَتَهُ على رَسُولِهِ وَعَلَى المؤمنين﴾.
١ البيت ليزيد بن الحكم في الأزهية ص١٧١؛ وخزانة الأدب ٥/٣٣٦، ٣٣٧، ٣٤٢؛ والدرر ٤/١٧٥؛ وسر صناعة الإعراب ص٣٩٥؛ وشرح أبيات سيبويه ٢/٢٠٢؛ وشرح المفصل ٣/١١٨، ٩/٢٣؛ والكتاب ٢/٣٧٤؛ ولسان العرب (جرم)، (هوا)؛ والإنصاف ٢/٦٩١؛ والجنى الداني ص٦٠٣؛ وجواهر الأدب ص٣٩٧؛ ورصف المباني ص ٢٩٥؛ وشرح الأشموني ٢/٢٨٥؛ وشرح ابن عقيل ص٣٥٣؛ والبحر المحيط ٥/٢٤ والممتع في التصريف ١/١٩١؛ والمنصف ١/٧٢، والدر المصون ٣/٤٥٧، والبحر المحيط ٥/٢٤.
وفي البيت شاهدان: أولهما قوله: "لولاي" حيث جاء بضمير الخفض بعد "لولا"، وهي من حروف الابتداء. قال سيبويه في باب ما يكون مضمرا فيه الاسم متحولا عن حالة إذا أظهر بعده: "وذلك "لولاك" و"لولاي" إذا أضمرت الاسم فيه جر، وإذا أظهرت رفع، ولو جاءت علامة الإضمار على القياس لقلت: لولا أنت" (الكتاب ٢/٣٧٣).
والشاهد الثاني قوله: "منهوي" حيث جاء الوزن "انفعل" من "فعل" اللازم، والقياس أن يأتي من "فعل" المتعدي..
٢ البيت لحسان ينظر: ديوانه (٣٩٣) الإنصاف ٢/٤٩٤ الفراء ١/٤٢٩ الصحاح [حنن] اللسان [حنن] الطبري ١٤/١٧٨ البحر المحيط (٥/٢٥) الدر المصون ٣/٤٥٧..
٣ البيت لجرير وهو هكذا في الكتاب ٣/٢٤٥ ستعلم أينا خير قديما.... وأعظمنا.....
واللسان [حرى] والدر المصون ٣/٤٥٧ والمذكر والمؤنث لابن الأنباري ٢٤٩ والفراء ١/٤٢٩، ٢/١٧٥..
٤ ذكرى الرازي في التفسير الكبير" (١٦/١٨)..
٥ انظر التفسير الكبير (١٦/١٨)..
٦ ذكره البغوي في "تفسيره" (٢/٢٨٠) عن قتادة..
٧ ينظر: الكشاف ٢/٢٥٩..
٨ ينظر: الدر المصون ٣/٤٥٧..
٩ ينظر: البحر المحيط ٥/٢٥، الدر المصون ٣/٤٥٧..
١٠ سقط في ب..
١١ أخرجه البخاري (٦/١٠٥) كتاب الجهاد: باب من قاد دابة غيره في الحرب (٢٨٦٤) ومسلم ٣١/١٤٠٠ كتاب الجهاد: غزوة حنين حديث (١٧٧٦) عن البراء بن عازب..
وفي البيت شاهدان: أولهما قوله: "لولاي" حيث جاء بضمير الخفض بعد "لولا"، وهي من حروف الابتداء. قال سيبويه في باب ما يكون مضمرا فيه الاسم متحولا عن حالة إذا أظهر بعده: "وذلك "لولاك" و"لولاي" إذا أضمرت الاسم فيه جر، وإذا أظهرت رفع، ولو جاءت علامة الإضمار على القياس لقلت: لولا أنت" (الكتاب ٢/٣٧٣).
والشاهد الثاني قوله: "منهوي" حيث جاء الوزن "انفعل" من "فعل" اللازم، والقياس أن يأتي من "فعل" المتعدي..
٢ البيت لحسان ينظر: ديوانه (٣٩٣) الإنصاف ٢/٤٩٤ الفراء ١/٤٢٩ الصحاح [حنن] اللسان [حنن] الطبري ١٤/١٧٨ البحر المحيط (٥/٢٥) الدر المصون ٣/٤٥٧..
٣ البيت لجرير وهو هكذا في الكتاب ٣/٢٤٥ ستعلم أينا خير قديما.... وأعظمنا.....
واللسان [حرى] والدر المصون ٣/٤٥٧ والمذكر والمؤنث لابن الأنباري ٢٤٩ والفراء ١/٤٢٩، ٢/١٧٥..
٤ ذكرى الرازي في التفسير الكبير" (١٦/١٨)..
٥ انظر التفسير الكبير (١٦/١٨)..
٦ ذكره البغوي في "تفسيره" (٢/٢٨٠) عن قتادة..
٧ ينظر: الكشاف ٢/٢٥٩..
٨ ينظر: الدر المصون ٣/٤٥٧..
٩ ينظر: البحر المحيط ٥/٢٥، الدر المصون ٣/٤٥٧..
١٠ سقط في ب..
١١ أخرجه البخاري (٦/١٠٥) كتاب الجهاد: باب من قاد دابة غيره في الحرب (٢٨٦٤) ومسلم ٣١/١٤٠٠ كتاب الجهاد: غزوة حنين حديث (١٧٧٦) عن البراء بن عازب..