جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري
عن الكتاب
القول في تأويل قوله تعالى :﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئاً وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمّ وَلّيْتُم مّدْبِرِينَ﴾.
يقول تعالى ذكره : لقد نصركم الله أيها المؤمنون في أماكن حرب توطنون فيها أنفسكم على لقاء عدوّكم ومشاهد تلتقون فيها أنتم وهم كثيرة. وَيَوْمَ حُنَيْنٍ يقول : وفي يوم حنين أيضا قد نصركم. وحنين : واد فيما ذكر بين مكة والطائف وأُجري لأنه مذكر اسم لمذكر، وقد يترك إجراؤه ويراد به أن يجعل اسما للبلدة التي هو بها، ومنه قول الشاعر :
حدثني عبد الوارث بن عبد الصمد، قال : ثني أبي، قال : حدثنا أبان العطار، قال : حدثنا هشام بن عروة، عن عروة، قال : حنين : واد إلى جنب ذي المجاز.
إذْ أعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ وكانوا ذلك اليوم فيما ذكر لنا اثني عشر ألفا. ورُوي أن النبيّ ﷺ قال ذلكَ اليَوْم :«لَنْ نُغْلَبَ مِنْ قِلّةٍ ». وقيل : قال ذلك رجل من المسلمين من أصحاب رسول الله ﷺ، وهو قول الله : إذْ أعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْن عَنْكُمْ شَيْئا يقول : فلم تغن عنكم كثرتكم شيئا. وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأرْضُ بِمَا رَحُبَتْ يقول : وضاقت الأرض بسعتها عليكم. والباء ههنا في معنى «في »، ومعناه : وضاقت عليكم الأرض في رحبها وبرحبها، يقال منه : مكان رحيب : أي واسع وإنما سميت الرحاب رحابا لسعتها. ثُمّ وَلّيْتُمْ مُدْبِرِينَ عن عدوّكم منهزمين مدبرين، يقول : وليتموهم الأدبار، وذلك الهزيمة. يخبرهم تبارك وتعالى أن النصر بيده ومن عنده، وأنه ليس بكثرة العدد وشدّة البطش، وأنه ينصر القليل على الكثير إذا شاء ويخلي القليل فيهزم الكثير.
وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثنا بشر بن معاذ، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله : لَقَدْ نَصَركُمُ اللّهُ في مَواطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ حتى بلغ : وَذلكَ جَزَاءُ الكافِرِينَ قال : وحنين ماء بين مكة والطائف قاتل عليها نبيّ الله هوازن وثقيف، وعلى هوازن مالك بن عوف أخو بني نصر، وعلى ثقيف عبد يا ليل بن عمرو الثقفي. قال : وذكر لنا أنه خرج يومئذ مع رسول الله ﷺ اثنا عشر ألفا، عشرة آلاف من المهاجرين والأنصار، وألفان من الطلقاء، وذكر لنا أن رجلاً قال يومئذ : لن نغلب اليوم بكثرة قال : وذُكر لنا أن الطلقاء انجفلوا يومئذ بالناس، وجلوا عن نبيّ الله ﷺ حتى نزل عن بغلته الشهباء. وذُكر لنا أن نبيّ الله قال :«أيْ ربّ آتِني ما وعَدْتَنِي » قال : والعباس آخذ بلجام بغلة رسول الله ﷺ، فقال له النبيّ ﷺ :«نادِ يا مَعْشَرَ الأنْصارِ ويا مَعْشَر المُهاجِرِينَ » فجعل ينادي الأنصار فخذا فخذا، ثم نادي : يا أصحاب سورة البقرة قال : فجاء الناس عُنُقا واحدا. فالتفت نبيّ الله ﷺ، وإذا عصابة من الأنصار، فقال :«هَلْ مَعَكُمْ غيرُكُمْ ؟ » فقالوا : يا نبيّ الله، والله لو عمدت إلى برك الغماد من ذي يمن لكنا معك ثم أنزل الله نصره، وهزم عدوّهم، وتراجع المسلمون. قال : وأخذ رسول الله كفّا من تراب، أو قبضة من حصباء، فرمى بها وجوه الكفار، وقال :«شاهَتِ الوُجُوهُ » فانهزموا. فلما جمع رسول الله ﷺ الغنائم، وأتى الجعرانة، فقسم بها مغانم حنين، وتألف أناسا من الناس فيهم أبو سفيان بن حرب والحرث بن هشام وسهيل بن عمرو والأقرع بن حابس، فقالت الأنصار : حنّ الرجل إلى قومه فبلغ ذلك رسول الله ﷺ وهو في قبة له من أدم، فقال :«يا مَعْشَر الأنْصارِ، ما هَذا الّذِي بَلَغَنِي ؟ ألَمْ تَكُونُوا ضُلاّلاً فَهَدَاكُمُ اللّهُ، وكُنْتُمْ أذِلّةً فَأعَزّكُمُ اللّهُ وكُنْتُمْ وكُنْتُمْ » قال : فقال سعد بن عبادة رحمه الله : ائذن لي فأتكلم قال :«تَكَلّمْ » قال : أما قولك : كنتم ضُلاّلاً فهداكم الله، فكنا كذلك، وكنتم أذلة فأعزّكم الله، فقد علمت العرب ما كان حيّ من أحياء العرب أمنع لما وراء ظهورهم منا فقال الرسول :«يا سَعْدُ أتَدْرِي مَنْ تُكَلّمُ ؟ » فقال : نعم أكلم رسول الله ﷺ. فقال رسول الله ﷺ :«والّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ سَلَكَتِ الأنْصارُ وَادِيا والنّاسُ وَادِيا لَسَلَكْتُ وَادِيَ الأنْصَارِ، وَلَوْلا الهِجْرةُ لَكُنْتُ امْرأً مِنَ الأنْصَارِ ». وذُكر لنا أن نبيّ الله ﷺ كان يقول :«الأنْصَارُ كَرِشِي وعَيْبَتِي، فاقْبَلُوا مِنْ مُحْسِنِهِمْ وتَجاوَزُوا عَنْ مُسِيئِهِمْ ». ثم قال رسول الله ﷺ :«يا مَعْشَرَ الأنْصَارِ أمَا تَرْضَوْنَ أنْ يَنْقَلِبَ النّاسُ بالإبِلِ والشّاءِ، وَتَنْقَلِبُونَ بِرَسُولِ اللّهِ إلى بُيَوتكُمْ ؟ » فقالت الأنصار : رضينا عن الله ورسوله، والله ما قلنا ذلك إلا حرصا على رسول الله ﷺ فقال رسول الله ﷺ :«إنّ اللّهَ وَرَسُولَهُ يُصَدّقانِكُمْ ويَعْذُرَانِكُمْ ».
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، قال : ذكر لنا أن أم رسول الله ﷺ التي أرضعته أو ظئره من بني سعد بن بكر أتته فسألته سبايا يوم حُنين، فقال رسول الله ﷺ :«إنّي لا أمْلِكُهُمْ وإنّمَا لي مِنْهُمْ نَصِيِبي، وَلكِنْ ائْتِيِني غَدا فَسَلِيِني والنّاسُ عِنْدِي، فإنّي إذَا أعْطَيْتُكِ نَصِيِبي أعْطاكِ النّاسُ » فجاءت الغد فبسط لها ثوبا، فقعدت عليه، ثم سألته، فأعطاها نصيبه فلما رأى ذلك الناس أعطوها أنصباءهم.
حدثني محمد بن الحسين، قال : حدثنا أحمد بن المفضل، قال : حدثنا أسباط، عن السديّ : لَقَدْ نَصَركُمُ اللّهُ في مَواطِنَ كَثِيرَةٍ. . . الآية : إن رجلاً من أصحاب رسول الله ﷺ يوم حنين قال : يا رسول الله لن نغلب اليوم من قلة وأعجبته كثرة الناس، وكانوا اثني عشر ألفا. فسار رسول الله ﷺ، فوكلوا إلى كلمة الرجل، فانهزموا عن رسول الله ﷺ، غير العباس وأبي سفيان بن الحرث وأيمن ابن أم أيمن، قُتل يومئذ بين يديه. فنادى رسول الله ﷺ :«أيْنَ الأنْصَارُ ؟ أيْنَ الّذِينَ بايَعُوا تَحْتَ الشّجَرَةِ ؟ » فتراجع الناس، فأنزل الله الملائكة بالنصر، فهزموا المشركين يومئذ، وذلك قوله : ثُمّ أنْزَلَ اللّهُ سَكيِنَتَهُ على رَسُولِهِ وَعلى المُؤْمِنِينَ وأنْزَلَ جُنُودا لَمْ تَرَوْها. . . الآية.
حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال : حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن الزهريّ، عن كثير بن عباس بن عبد المطلب، عن أبيه، قال : لما كان يوم حنين التقى المسلمون والمشركون، فولى المسلمون يومئذ. قال : فلقد رأيت النبيّ ﷺ وما معه أحد إلا أبو سفيان بن الحرث بن عبد المطلب، آخذا بغَرْز النبيّ ﷺ، لا يألو ما أسرع نحو المشركين. قال : فأتيت حتى أخذت بلجامه وهو على بغلة له شهباء، فقال :«يا عبّاس نادِ أصحَابَ السّمُرَةِ » وكنتُ رجلاً صَيّتا، فأذنت بصوتي الأعلى : أين أصحاب السمرة ؟ فالتفتوا كأنها الإبل إذا حنت إلى أولادها، يقولون : يا لبيك يا لبيك يا لبيك وأقبل المشركون فالتقوا هم والمسلمون، وتنادت الأنصار : يا معشر الأنصار ثم قصرت الدعوة في بني الحرث بن الخزرج، فتنادوا : يا بني الحرث بن الخزرج فنظر رسول الله ﷺ وهو على بغلته كالمتطاول إلى قتالهم، فقال :«هَذَا حِينَ حَمِيَ الوَطِيسُ ». ثم أخذ بيده من الحصباء فرماهم بها، ثم قال :«انْهَزَمُوا وَرَبّ الكُعْبَةِ انْهَزَمُوا وَرَبّ الكَعْبَةِ » قال : فوالله ما زال أمرهم مدبرا وحدهم كليلاً حتى هزمهم الله. قال : فلكأني أنظر إلى رسول الله ﷺ يركض خلفهم على بغلته.
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال : حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب. أنهم أصابوا يومئذ ستة آلاف سبيّ، ثم جاء قومهم مسلمين بعد ذلك، فقالوا : يا رسول الله، أنت خير الناس وأبرّ الناس، وقد أخذت أبناءنا ونساءنا وأموالنا. فقال النبيّ ﷺ :«إنّ عِنْدِي مَنْ تَرَوْنَ، وإنّ خَيْرَ القَوْلِ أصْدَقُهُ، اخْتارُوا إمّا ذَرَارِيّكُمْ وَنِساءَكُمْ وَإمّا أمْوَالَكُمْ » قالوا : ما كنا نعدل بالأحساب شيئا. فقام رسول الله ﷺ، فقال :«إنّ هَؤُلاءِ قَدْ جاءُونِي مُسْلِمِينَ، وإنّا خَيّرْناهُمْ بينَ الذّرَارِي والأمْوَالِ فَلَمْ يَعْدِلُوا بالأحْسابِ شَيْئا، فَمَنْ كانَ بِيَدِهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ فَطابَتْ نَفْسُهُ أنْ يَرُدّهُ فَلْيَفْعَلْ ذلكَ، وَمَنْ لا فَلْيُعْطِنا، وَلْيَكُنْ قَرْضا عَلَيْنا حتى نُصِيبَ شَيْئا فَنُعْطيَهَ مَكانَهُ » فقالوا : يا نبيّ الله رضينا وسلمنا. فقال :«إنّي لا أدْرِي، لَعَلّ مِنْكُمْ مَنْ لا يَرْضَى، فَمُرُوا عُرَفاءَكُمْ فَلْيَرْفَعُوا ذلكَ إلَيْنا » فرفعت إليه العرفاء أن قد رضوا وسلموا.
حدثنا عليّ بن سهل، قال : حدثنا مؤمل، قال : حدثنا حماد بن سلمة، قال : حدثنا يعلى بن عطاء، عن أبي همام، عن أبي عبد الرحمن، يعني الفهري، قال : كنت مع النبيّ ﷺ في غزوة حنين فلما ركدت الشمس لبست لأمتي وركبت فرسي، حتى أتيت النبيّ ﷺ وهو في ظلّ شجرة، فقلت : يا رسول الله قد حان الرواح، فقال :«أجَلْ » فنادى :«يا بِلال يا بلالُ » فقام بلال من تحت سمرة، فأقبل كأن ظله ظل طير، فقال : لبيك وسعديك، ونفسي فداؤك يا رسول الله فقال له النبيّ ﷺ :«أسْرِجْ فَرَسِي » فأخرج سرجا دفتاه حشوهما ليف، ليس فيهما أشر ولا بطر. قال : فركب النبيّ ﷺ، فصاففناهم يومنا وليلتنا فلما التقى الخيلان ولى المسلمون مدبرين، كما قال الله، فنادى رسول الله ﷺ :«يا عِبادَ اللّهِ، يا مَعْشَرَ المُهاجِرِينَ » قال : ومال النبيّ ﷺ عن فرسه، فأخذ حفنة من تراب فرمى بها وجوههم، فولوا مدبرين. قال يعلى بن عطاء : فحدثني أبناؤهم عن آبائهم أنهم قالوا : ما بقي منا أحد إلا وقد امتلأت عيناه من ذلك التراب.
حدثنا محمد بن المثنى، قال : حدثنا محمد بن جعفر، قال : حدثنا شعبة، عن أبي إسحاق، قال : سمعت البراء، وسأله رجل من قيس : فررتم عن رسول الله ﷺ يوم حنين ؟ فقال البراء : لكن رسول الله ﷺ لم يفرّ، وكانت هوازن يومئذ رماة، وإنا لما حملنا ع
يقول تعالى ذكره : لقد نصركم الله أيها المؤمنون في أماكن حرب توطنون فيها أنفسكم على لقاء عدوّكم ومشاهد تلتقون فيها أنتم وهم كثيرة. وَيَوْمَ حُنَيْنٍ يقول : وفي يوم حنين أيضا قد نصركم. وحنين : واد فيما ذكر بين مكة والطائف وأُجري لأنه مذكر اسم لمذكر، وقد يترك إجراؤه ويراد به أن يجعل اسما للبلدة التي هو بها، ومنه قول الشاعر :
| نَصَرُوا نَبِيّهُمُ وَشَدّوا أزْرَهُ | بِحُنَيْنَ يَوْمَ تَوَاكُلِ الأبْطالِ |
إذْ أعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ وكانوا ذلك اليوم فيما ذكر لنا اثني عشر ألفا. ورُوي أن النبيّ ﷺ قال ذلكَ اليَوْم :«لَنْ نُغْلَبَ مِنْ قِلّةٍ ». وقيل : قال ذلك رجل من المسلمين من أصحاب رسول الله ﷺ، وهو قول الله : إذْ أعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْن عَنْكُمْ شَيْئا يقول : فلم تغن عنكم كثرتكم شيئا. وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأرْضُ بِمَا رَحُبَتْ يقول : وضاقت الأرض بسعتها عليكم. والباء ههنا في معنى «في »، ومعناه : وضاقت عليكم الأرض في رحبها وبرحبها، يقال منه : مكان رحيب : أي واسع وإنما سميت الرحاب رحابا لسعتها. ثُمّ وَلّيْتُمْ مُدْبِرِينَ عن عدوّكم منهزمين مدبرين، يقول : وليتموهم الأدبار، وذلك الهزيمة. يخبرهم تبارك وتعالى أن النصر بيده ومن عنده، وأنه ليس بكثرة العدد وشدّة البطش، وأنه ينصر القليل على الكثير إذا شاء ويخلي القليل فيهزم الكثير.
وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثنا بشر بن معاذ، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله : لَقَدْ نَصَركُمُ اللّهُ في مَواطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ حتى بلغ : وَذلكَ جَزَاءُ الكافِرِينَ قال : وحنين ماء بين مكة والطائف قاتل عليها نبيّ الله هوازن وثقيف، وعلى هوازن مالك بن عوف أخو بني نصر، وعلى ثقيف عبد يا ليل بن عمرو الثقفي. قال : وذكر لنا أنه خرج يومئذ مع رسول الله ﷺ اثنا عشر ألفا، عشرة آلاف من المهاجرين والأنصار، وألفان من الطلقاء، وذكر لنا أن رجلاً قال يومئذ : لن نغلب اليوم بكثرة قال : وذُكر لنا أن الطلقاء انجفلوا يومئذ بالناس، وجلوا عن نبيّ الله ﷺ حتى نزل عن بغلته الشهباء. وذُكر لنا أن نبيّ الله قال :«أيْ ربّ آتِني ما وعَدْتَنِي » قال : والعباس آخذ بلجام بغلة رسول الله ﷺ، فقال له النبيّ ﷺ :«نادِ يا مَعْشَرَ الأنْصارِ ويا مَعْشَر المُهاجِرِينَ » فجعل ينادي الأنصار فخذا فخذا، ثم نادي : يا أصحاب سورة البقرة قال : فجاء الناس عُنُقا واحدا. فالتفت نبيّ الله ﷺ، وإذا عصابة من الأنصار، فقال :«هَلْ مَعَكُمْ غيرُكُمْ ؟ » فقالوا : يا نبيّ الله، والله لو عمدت إلى برك الغماد من ذي يمن لكنا معك ثم أنزل الله نصره، وهزم عدوّهم، وتراجع المسلمون. قال : وأخذ رسول الله كفّا من تراب، أو قبضة من حصباء، فرمى بها وجوه الكفار، وقال :«شاهَتِ الوُجُوهُ » فانهزموا. فلما جمع رسول الله ﷺ الغنائم، وأتى الجعرانة، فقسم بها مغانم حنين، وتألف أناسا من الناس فيهم أبو سفيان بن حرب والحرث بن هشام وسهيل بن عمرو والأقرع بن حابس، فقالت الأنصار : حنّ الرجل إلى قومه فبلغ ذلك رسول الله ﷺ وهو في قبة له من أدم، فقال :«يا مَعْشَر الأنْصارِ، ما هَذا الّذِي بَلَغَنِي ؟ ألَمْ تَكُونُوا ضُلاّلاً فَهَدَاكُمُ اللّهُ، وكُنْتُمْ أذِلّةً فَأعَزّكُمُ اللّهُ وكُنْتُمْ وكُنْتُمْ » قال : فقال سعد بن عبادة رحمه الله : ائذن لي فأتكلم قال :«تَكَلّمْ » قال : أما قولك : كنتم ضُلاّلاً فهداكم الله، فكنا كذلك، وكنتم أذلة فأعزّكم الله، فقد علمت العرب ما كان حيّ من أحياء العرب أمنع لما وراء ظهورهم منا فقال الرسول :«يا سَعْدُ أتَدْرِي مَنْ تُكَلّمُ ؟ » فقال : نعم أكلم رسول الله ﷺ. فقال رسول الله ﷺ :«والّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ سَلَكَتِ الأنْصارُ وَادِيا والنّاسُ وَادِيا لَسَلَكْتُ وَادِيَ الأنْصَارِ، وَلَوْلا الهِجْرةُ لَكُنْتُ امْرأً مِنَ الأنْصَارِ ». وذُكر لنا أن نبيّ الله ﷺ كان يقول :«الأنْصَارُ كَرِشِي وعَيْبَتِي، فاقْبَلُوا مِنْ مُحْسِنِهِمْ وتَجاوَزُوا عَنْ مُسِيئِهِمْ ». ثم قال رسول الله ﷺ :«يا مَعْشَرَ الأنْصَارِ أمَا تَرْضَوْنَ أنْ يَنْقَلِبَ النّاسُ بالإبِلِ والشّاءِ، وَتَنْقَلِبُونَ بِرَسُولِ اللّهِ إلى بُيَوتكُمْ ؟ » فقالت الأنصار : رضينا عن الله ورسوله، والله ما قلنا ذلك إلا حرصا على رسول الله ﷺ فقال رسول الله ﷺ :«إنّ اللّهَ وَرَسُولَهُ يُصَدّقانِكُمْ ويَعْذُرَانِكُمْ ».
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، قال : ذكر لنا أن أم رسول الله ﷺ التي أرضعته أو ظئره من بني سعد بن بكر أتته فسألته سبايا يوم حُنين، فقال رسول الله ﷺ :«إنّي لا أمْلِكُهُمْ وإنّمَا لي مِنْهُمْ نَصِيِبي، وَلكِنْ ائْتِيِني غَدا فَسَلِيِني والنّاسُ عِنْدِي، فإنّي إذَا أعْطَيْتُكِ نَصِيِبي أعْطاكِ النّاسُ » فجاءت الغد فبسط لها ثوبا، فقعدت عليه، ثم سألته، فأعطاها نصيبه فلما رأى ذلك الناس أعطوها أنصباءهم.
حدثني محمد بن الحسين، قال : حدثنا أحمد بن المفضل، قال : حدثنا أسباط، عن السديّ : لَقَدْ نَصَركُمُ اللّهُ في مَواطِنَ كَثِيرَةٍ. . . الآية : إن رجلاً من أصحاب رسول الله ﷺ يوم حنين قال : يا رسول الله لن نغلب اليوم من قلة وأعجبته كثرة الناس، وكانوا اثني عشر ألفا. فسار رسول الله ﷺ، فوكلوا إلى كلمة الرجل، فانهزموا عن رسول الله ﷺ، غير العباس وأبي سفيان بن الحرث وأيمن ابن أم أيمن، قُتل يومئذ بين يديه. فنادى رسول الله ﷺ :«أيْنَ الأنْصَارُ ؟ أيْنَ الّذِينَ بايَعُوا تَحْتَ الشّجَرَةِ ؟ » فتراجع الناس، فأنزل الله الملائكة بالنصر، فهزموا المشركين يومئذ، وذلك قوله : ثُمّ أنْزَلَ اللّهُ سَكيِنَتَهُ على رَسُولِهِ وَعلى المُؤْمِنِينَ وأنْزَلَ جُنُودا لَمْ تَرَوْها. . . الآية.
حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال : حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن الزهريّ، عن كثير بن عباس بن عبد المطلب، عن أبيه، قال : لما كان يوم حنين التقى المسلمون والمشركون، فولى المسلمون يومئذ. قال : فلقد رأيت النبيّ ﷺ وما معه أحد إلا أبو سفيان بن الحرث بن عبد المطلب، آخذا بغَرْز النبيّ ﷺ، لا يألو ما أسرع نحو المشركين. قال : فأتيت حتى أخذت بلجامه وهو على بغلة له شهباء، فقال :«يا عبّاس نادِ أصحَابَ السّمُرَةِ » وكنتُ رجلاً صَيّتا، فأذنت بصوتي الأعلى : أين أصحاب السمرة ؟ فالتفتوا كأنها الإبل إذا حنت إلى أولادها، يقولون : يا لبيك يا لبيك يا لبيك وأقبل المشركون فالتقوا هم والمسلمون، وتنادت الأنصار : يا معشر الأنصار ثم قصرت الدعوة في بني الحرث بن الخزرج، فتنادوا : يا بني الحرث بن الخزرج فنظر رسول الله ﷺ وهو على بغلته كالمتطاول إلى قتالهم، فقال :«هَذَا حِينَ حَمِيَ الوَطِيسُ ». ثم أخذ بيده من الحصباء فرماهم بها، ثم قال :«انْهَزَمُوا وَرَبّ الكُعْبَةِ انْهَزَمُوا وَرَبّ الكَعْبَةِ » قال : فوالله ما زال أمرهم مدبرا وحدهم كليلاً حتى هزمهم الله. قال : فلكأني أنظر إلى رسول الله ﷺ يركض خلفهم على بغلته.
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال : حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب. أنهم أصابوا يومئذ ستة آلاف سبيّ، ثم جاء قومهم مسلمين بعد ذلك، فقالوا : يا رسول الله، أنت خير الناس وأبرّ الناس، وقد أخذت أبناءنا ونساءنا وأموالنا. فقال النبيّ ﷺ :«إنّ عِنْدِي مَنْ تَرَوْنَ، وإنّ خَيْرَ القَوْلِ أصْدَقُهُ، اخْتارُوا إمّا ذَرَارِيّكُمْ وَنِساءَكُمْ وَإمّا أمْوَالَكُمْ » قالوا : ما كنا نعدل بالأحساب شيئا. فقام رسول الله ﷺ، فقال :«إنّ هَؤُلاءِ قَدْ جاءُونِي مُسْلِمِينَ، وإنّا خَيّرْناهُمْ بينَ الذّرَارِي والأمْوَالِ فَلَمْ يَعْدِلُوا بالأحْسابِ شَيْئا، فَمَنْ كانَ بِيَدِهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ فَطابَتْ نَفْسُهُ أنْ يَرُدّهُ فَلْيَفْعَلْ ذلكَ، وَمَنْ لا فَلْيُعْطِنا، وَلْيَكُنْ قَرْضا عَلَيْنا حتى نُصِيبَ شَيْئا فَنُعْطيَهَ مَكانَهُ » فقالوا : يا نبيّ الله رضينا وسلمنا. فقال :«إنّي لا أدْرِي، لَعَلّ مِنْكُمْ مَنْ لا يَرْضَى، فَمُرُوا عُرَفاءَكُمْ فَلْيَرْفَعُوا ذلكَ إلَيْنا » فرفعت إليه العرفاء أن قد رضوا وسلموا.
حدثنا عليّ بن سهل، قال : حدثنا مؤمل، قال : حدثنا حماد بن سلمة، قال : حدثنا يعلى بن عطاء، عن أبي همام، عن أبي عبد الرحمن، يعني الفهري، قال : كنت مع النبيّ ﷺ في غزوة حنين فلما ركدت الشمس لبست لأمتي وركبت فرسي، حتى أتيت النبيّ ﷺ وهو في ظلّ شجرة، فقلت : يا رسول الله قد حان الرواح، فقال :«أجَلْ » فنادى :«يا بِلال يا بلالُ » فقام بلال من تحت سمرة، فأقبل كأن ظله ظل طير، فقال : لبيك وسعديك، ونفسي فداؤك يا رسول الله فقال له النبيّ ﷺ :«أسْرِجْ فَرَسِي » فأخرج سرجا دفتاه حشوهما ليف، ليس فيهما أشر ولا بطر. قال : فركب النبيّ ﷺ، فصاففناهم يومنا وليلتنا فلما التقى الخيلان ولى المسلمون مدبرين، كما قال الله، فنادى رسول الله ﷺ :«يا عِبادَ اللّهِ، يا مَعْشَرَ المُهاجِرِينَ » قال : ومال النبيّ ﷺ عن فرسه، فأخذ حفنة من تراب فرمى بها وجوههم، فولوا مدبرين. قال يعلى بن عطاء : فحدثني أبناؤهم عن آبائهم أنهم قالوا : ما بقي منا أحد إلا وقد امتلأت عيناه من ذلك التراب.
حدثنا محمد بن المثنى، قال : حدثنا محمد بن جعفر، قال : حدثنا شعبة، عن أبي إسحاق، قال : سمعت البراء، وسأله رجل من قيس : فررتم عن رسول الله ﷺ يوم حنين ؟ فقال البراء : لكن رسول الله ﷺ لم يفرّ، وكانت هوازن يومئذ رماة، وإنا لما حملنا ع