فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني
عن الكتاب
المواطن : جمع موطن، ومواطن الحرب : مقاماتها، والمواطن التي نصر الله المسلمين فيها هي : يوم بدر، وما بعده من المواطن التي نصر الله المسلمين على الكفار فيها قبل يوم حنين، ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ﴾ معطوف على مواطن بتقدير مضاف : إما في الأوّل وتقديره : في أيام مواطن، أو في الثاني، وتقديره : وموطن يوم حنين، لئلا يعطف الزمان على المكان. وردّ بأنه لا استبعاد في عطف الزمان على المكان، فلا يحتاج إلى تقدير. وقيل : إن يوم حنين منصوب بفعل مقدّر معطوف على ﴿نَصَرَكُمُ﴾ أي : ونصركم يوم حنين، ورجح هذا صاحب الكشاف، قال : وموجب ذلك أن قوله :﴿إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ﴾ بدل من يوم حنين، فلو جعلت ناصبة هذا الظاهر لم يصح ؛ لأن كثرتهم لم تعجبهم في جميع تلك المواطن، ولم يكونوا كثيراً في جميعها. وردّ بأن العطف لا يجب فيه تشارك المتعاطفين في جميع ما ثبت للمعطوف، كما تقول : جاءني زيد، وعمرو، مع قومه، أو في ثيابه أو على فرسه، وقيل إن :﴿إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ﴾ ليس ببدل من يوم حنين، بل منصوب بفعل مقدّر : أي اذكروا إذا أعجبتكم كثرتكم. وحنين : واد بين مكة والطائف، وانصرف على أنه اسم للمكان، ومن العرب من يمنعه على أنه اسم للبقعة، ومنه قول الشاعر :
وإنما أعجب من أعجب من المسلمين بكثرتهم لأنهم كانوا إثني عشر ألفاً. وقيل : أحد عشر ألفاً، وقيل : ستة عشر ألفاً. فقال بعضهم : لن نغلب اليوم من قلة، فوكلوا إلى هذه الكلمة، فلم تغن الكثرة شيئاً عنهم، بل انهزموا وثبت رسول الله ﷺ، وثبت معه طائفة يسيرة، منهم : عمه العباس وأبو سفيان بن الحارث، ثم تراجع المسلمون، فكان النصر والظفر. والإغناء : إعطاء ما يدفع الحاجة، أي لم تعطكم الكثرة شيئاً يدفع حاجتكم، ولم تفدكم. قوله :﴿بِمَا رَحُبَتْ﴾ الرحب بضم الراء : السعة، والرحب بفتح الراء : المكان الواسع، والباء بمعنى مع، وما مصدرية، ومحل الجار والمجرور النصب على الحال. والمعنى : أن الأرض مع كونها واسعة الأطراف ضاقت عليهم بسبب ما حلّ بهم من الخوف والوجل ؛ وقيل إن الباء بمعنى على : أي على رحبها ﴿ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ﴾ أي : انهزمتم حال كونكم مدبرين : أي مولين أدباركم، جاعلين لها إلى جهة عدوّكم.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: وقد أخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن قتادة، قال : حنين ما بين مكة والطائف، قاتل نبيّ الله هوازن وثقيف، وعلى هوازن مالك بن عوف، وعلى ثقيف عبد ياليل بن عمرو الثقفي. وأخرج ابن المنذر، عن الحسن قال : لما اجتمع أهل مكة وأهل المدينة قالوا : الآن نقاتل حين اجتمعنا، فكره رسول الله ﷺ ما قالوا، وما أعجبهم من كثرتهم، فالتقوا فهزموا حتى ما يقوم أحد منهم على أحد حتى جعل رسول الله ﷺ ينادي أحياء العرب :«إليّ إليّ»، فوالله ما يعرج عليه أحد حتى أعرى موضعه، فالتفت إلى الأنصار وهم ناحية فنادهم :«يا أنصار الله وأنصار رسوله، إليّ عباد الله أنا رسول الله»، فجثوا يبكون وقالوا : يا رسول الله، وربّ الكعبة إليك والله، فنكسوا رءوسهم يبكون وقدّموا أسيافهم يضربون بين يدي رسول الله ﷺ، حتى فتح الله عليهم. وأخرج البيهقي في الدلائل، عن الربيع أن رجلاً قال يوم حنين : لن نغلب من قلة، فشقّ ذلك على رسول الله ﷺ، فأنزل الله :﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ﴾ قال الربيع : وكانوا إثني عشر ألفاً، منهم ألفان من أهل مكة. وأخرج الطبراني، والحاكم وصححه، وأبو نعيم، والبيهقي في الدلائل، عن ابن مسعود قال : كنت مع رسول الله ﷺ يوم حنين، فولى عنه الناس وبقيت معه في ثمانين رجلاً من المهاجرين والأنصار. فكنا على أقدامنا نحواً من ثمانين قدماً ولم نولهم الدبر، وهم الذين أنزل الله عليهم السكينة، ورسول الله ﷺ على بغلته البيضاء يمضي قدماً، فقال :
ناولني كفاً من تراب، فناولته فضرب به وجوههم فامتلأت أعينهم تراباً، وولى المشركون أدبارهم. ووقعة حنين مذكورة في كتب السير والحديث بطولها وتفاصيلها، فلا نطول بذلك.
وأخرج ابن أبي حاتم، عن السديّ، في قوله :﴿وَأَنزَلَ جُنُوداً لَّمْ تَرَوْهَا﴾ قال : هم الملائكة ﴿وَعذَّبَ الذين كَفَرُواْ﴾ قال : قتلهم بالسيف. وأخرج ابن أبي حاتم، عن سعيد ابن جبير، قال : في يوم حنين أمدّ الله رسوله بخمسة آلاف من الملائكة مسوّمين، ويومئذ سمى الله الأنصار مؤمنين قال : فأنزل سكينته على رسوله وعلى المؤمنين. وأخرج ابن إسحاق، وابن المنذر، وابن مردويه، وأبو نعيم، والبيهقي عن جبير بن مطعم، قال : رأيت قبل هزيمة القوم والناس يقتتلون مثل النجاد الأسود أقبل من السماء حتى سقط بين القوم، فنظرت فإذا نمل أسود مبثوث قد ملأ الوادي، لم أشك أنها الملائكة، ولم تكن إلا هزيمة القوم.
| نصروا نبيهم وشدّوا أزره | بحنين يوم تواكل الأبطال |
ناولني كفاً من تراب، فناولته فضرب به وجوههم فامتلأت أعينهم تراباً، وولى المشركون أدبارهم. ووقعة حنين مذكورة في كتب السير والحديث بطولها وتفاصيلها، فلا نطول بذلك.
وأخرج ابن أبي حاتم، عن السديّ، في قوله :﴿وَأَنزَلَ جُنُوداً لَّمْ تَرَوْهَا﴾ قال : هم الملائكة ﴿وَعذَّبَ الذين كَفَرُواْ﴾ قال : قتلهم بالسيف. وأخرج ابن أبي حاتم، عن سعيد ابن جبير، قال : في يوم حنين أمدّ الله رسوله بخمسة آلاف من الملائكة مسوّمين، ويومئذ سمى الله الأنصار مؤمنين قال : فأنزل سكينته على رسوله وعلى المؤمنين. وأخرج ابن إسحاق، وابن المنذر، وابن مردويه، وأبو نعيم، والبيهقي عن جبير بن مطعم، قال : رأيت قبل هزيمة القوم والناس يقتتلون مثل النجاد الأسود أقبل من السماء حتى سقط بين القوم، فنظرت فإذا نمل أسود مبثوث قد ملأ الوادي، لم أشك أنها الملائكة، ولم تكن إلا هزيمة القوم.