مدارك التنزيل وحقائق التأويل — أبو البركات النسفي

عن الكتاب
﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ الله فِى مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ﴾ كوقعة بدر وقريظة والنضير والحديبية وخيبر وفتح مكة. وقيل : إن المواطن التي نصر الله فيها النبي عليه السلام والمؤمنين ثمانون موطناً، ومواطن الحرب مقاماتها ومواقفها ﴿وَيَوْمَ﴾ أي واذكروا يوم ﴿حُنَيْنٍ﴾ وادٍ بين مكة والطائف كانت فيه الوقعة بين المسلمين وهم اثنا عشر ألفاً، وبين هوازن وثقيف وهم أربعة آلاف، فلما التقوا قال رجل من المسلمين : لن نغلب اليوم من قلة، فساءت رسول الله عليه الصلاة والسلام ﴿إِذْ﴾ بدل من ﴿يَوْمٍ﴾ ﴿أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ﴾ فأدركت المسلمين كلمة الإعجاب بالكثرة وزل عنهم أن الله هو الناصر لا كثرة الجنود، فانهزموا حتى بلغ فلهم مكة وبقي رسول الله ﷺ وحده وهو ثابت في مركزه ليس معه إلا عمه العباس آخذاً بلجام دابته، وأبو سفيان ابن الحارث بن عمه آخذاً بركابه فقال للعباس :«صح بالناس » وكان صيَّتاً، فنادى : يا أصحاب الشجرة فاجتمعوا وهم يقولون : لبيك، لبيك نزلت الملائكة عليهم الثياب البيض على خيول بلق، فأخذ رسول الله ﷺ كفأ من تراب فرماهم به ثم قال :
" انهزموا ورب الكعبة " فانهزموا وكان من دعائه عليه السلام يومئذ " اللهم لك الحمد وإليك المشتكى وأنت المستعان " وهذا دعاء موسى عليه السلام يوم انفلاق البحر ﴿فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئاً وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأرض بِمَا رَحُبَتْ﴾ «ما » مصدرية والباء بمعنى «مع » أي مع رُحبها وحقيقته ملتبسة برحبها على أن الجار والمجرور في موضع الحال كقولك «دخلت عليه بثياب السفر » أي متلبساً بها، والمعنى لم تجدوا موضعاً لفراركم عن أعدائكم فكأنها ضاقت عليكم ﴿ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ﴾ ثم انهزمتم

تفسير هذه الآية من كتب أخرى