سورة عبس — الآية ٨

قال مالك بن أنس: وإنما السعيُ في كتاب الله العمل والفعل، ﴿فَإذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فانْتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ واذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الجمعة:١٠]، يقول الله -تبارك وتعالى-: ﴿وإذا تَوَلّى سَعى فِي الأَرْضِ﴾ [البقرة:٢٠٥]، وقال تعالى: ﴿وأَمّا مَن جاءَكَ يَسْعى وهُوَ يَخْشى﴾، وقال: ﴿ثُمَّ أدْبَرَ يَسْعى﴾ [النازعات:٢٢]، وقال: ﴿إنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتّى﴾ [الليل:٤]. قال مالك: فليس السعي الذي ذكر الله في كتابه بالسعي على الأقدام، ولا الاشتداد، وإنما عنى: العمل والفعل

سورة البلد — الآية ١١

قال مجاهد بن جبر، والضَّحّاك بن مُزاحِم، ومحمد بن السّائِب الكلبي: ﴿فَلا اقْتَحَمَ العَقَبَةَ﴾ هي الصراط يُضرب على جهنم كحدّ السيف، مسيرة ثلاثة آلاف، سهلًا وصعودًا وهبوطًا، وأنّ لجنبَتَيه كلاليب وخطاطيف كأنها شوك السّعدان، فناجٍ مُسَلَّم، وناج مخدوش، ومُكردس في النار منكوس، فمِن الناس مَن يَمُرُّ عليه كالبرق الخاطف، ومنهم مَن يَمُرُّ عليه كالريح العاصف، ومنهم مَن يَمُرُّ عليه كالفارس، ومنهم مَن يَمُرُّ عليه كالرجل يسير، ومنهم مَن يزحف زحفًا، ومنهم الزالّون والزالّات، ومنهم مَن يُكردس في النار، واقتحامه على المؤمن كما بين صلاة العصر إلى العشاء

ذَهَبَ ابن تيمية (١‏/‏٣١٤-٣١٥) إلى أن الآية نزلت فيمن تحرّى القبلة، ثم صلى لغيرها. وعلَّقَ على حديث ابن عمر قائلًا: «فإن قيل: ففي حديث ابن عمر أنّ هذه الآية نزلت في صلاة التطوع في السفر. قلنا: لا منافاة بين هذين؛ فإن الآية الجامعة العامة تنزل في أشياء كثيرة، إما أن يراد به جميع تلك المعاني بإنزال واحد، وإما أن يتعدد الإنزال إما بتعدد عرض النبي القرآن على جبريل أو غير ذلك، وفي كل مرة تنزل في شيء غير الأول لصلاح لفظها لذلك كله، على أن قول الصحابة: نزلت الآية في ذلك. قد لا يعنون به سبب النزول، وإنما يعنون به أنه أريد ذلك المعنى منها وقصد بها، وهذا كثير في كلامهم»

نقل ابنُ عطية (٣‏/‏٥٣٨) في معنى الآية عن فرقة قولهم: «هي مخاطبةٌ لآدم وذريته، وإبليس وذريته». ثم انتقدهم مستندًا إلى دلالة العقل قائلًا: «وهذا ضعيف؛ لِعَدَمهم في ذلك الوقت، فإن قيل: خاطبهم وأمرهم بشرط الوجود. فذلك يبعُد في هذه النازلة؛ لأنّ الأمر بشرط الوجود إنّما يصح إذا تَرَتَّب على المأمور بعد وجوده، وصحَّ معناه عليه، كالصلاة والصوم ونحو ذلك، وأما هنا فإنّ معنى الهبوط لا يُتَصَوَّر في بني آدم بعد وجودهم، ولا يتعلق بهم من الأمر به شيء. وأمّا قوله تعالى في آية أخرى: ﴿اهْبِطا﴾ [طه:١٢٣] فهي مخاطبة لآدم وإبليس؛ بدليل بيانه العداوة بينهما»

رجَّح ابنُ جرير (٢١‏/‏٢٣٦-٢٣٧) -مستندًا إلى القرآن، والسنة، والدلالة العقلية- أن قوله تعالى: ﴿إنّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وما تَأَخَّرَ﴾ معناه: «إنا فتحنا لك فتحًا مبينًا لِتَشْكُر ربَّك وتحمَدَه على ذلك، فيغفر لك ما تقدَّم من ذنبك وما تأخر». وعلَّل ذلك بقوله: «وإنما اخترنا هذا القول في تأويل هذه الآية لدلالة قول الله عز وجل: ﴿إذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ والفَتْحُ ورَأَيْتَ النّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أفْواجًا فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ واسْتَغْفِرْهُ إنَّهُ كانَ تَوّابًا﴾ [النصر:١-٣] على صحته، إذ أمَرَه -تعالى ذِكره- أن يُسَبِّح بحمد ربه إذا جاءه نصر الله وفتح مكة، وأن يستغفره، وأعلمه أنّه توابٌ على مَن فعل ذلك، ففي ذلك بيانٌ واضحٌ أنّ قوله -تعالى ذكره-: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وما تَأَخَّرَ﴾ إنما هو خبرٌ من الله -جلَّ ثناؤه- نبيَّه -عليه الصلاة والسلام- عن جزائه له على شُكره له على النعمة التي أنعم بها عليه، من إظهاره له ما فتح؛ لأن جزاء الله تعالى عباده على أعمالهم دون غيرها». ثم استشهد بحديث عائشة، وبقول النبي ﷺ: «إني لأستغفر الله وأتوب إليه في كل يوم مئة مرة». ثم قال: «ولو كان القول في ذلك أنّه مِن خبر الله -تعالى ذكره- نبيَّه أنه قد غَفَر له ما تقدَّم من ذنبه وما تأخّر، على غير الوجه الذي ذكَرْنا، لم يكن لأمره إيّاه بالاستغفار بعد هذه الآية ولا لاستغفار نبيِّ الله ﷺ ربَّه -جلَّ جلاله- من ذنوبه بعدها معنًى يُعقَل؛ إذ الاستغفار معناه: طلبُ العبد من ربِّه عز وجل غفران ذنوبه، فإذا لم يكن ذنوبٌ تُغْفَر لم يكن لمسألته إيّاه غفرانها معنًى؛ لأنه من المُحال أن يقال: اللهم، اغفر لي ذنبًا لم أعْمَلْه». وذكر ابنُ عطية (٧‏/‏٦٦٦) أن «المراد هنا: أنّ الله تعالى فتح لك لكي يجعل لك ذلك أمارة وعلامة لغفرانه لك. فكأنها لام صيرورة، ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: «لقد أُنزلت عليّ الليلة سورة هي أحبُّ إليَّ من الدنيا»». ثم انتقد قول ابن جرير -مستندًا إلى أحوال النزول، والدلالة العقلية- قائلًا: «وهذا ضعيفٌ من وجهين: أحدهما: أنّ السورة ﴿إذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ﴾ إنما نزلت في آخر مدة النبيِّ ﷺ ناعيةً له نفسه حسب ما قال ابن عباس رضي الله عنهما، عندما سأل عمرُ رضي الله عنهما عن ذلك. والآخر: أنّ تخصيص النبي ﷺ بالتشريف كان يذهب، لأنّ كلّ واحد من المؤمنين مخاطبٌ بهذا الذي قال الطبري، أي: سبِّح واستغفر لكي يغفر الله لك، ولا يقتضي هذا أنّ الغفران قد وقع، وما قدَّمناه أولًا يقتضي وقوع الغفران للنبي ﷺ، ويدل على ذلك قول الصحابة رضي الله عنهم له ﷺ حين قام حتى تورَّمت قدماه: أتفعل هذا -يا رسول الله- وقد غفر الله لك ما تقدّم من ذنبك وما تأخَّر؟ فقال: «أفلا أكون عبدًا شكورًا؟!». فهذا نصٌّ في أن الغفران حكمٌ قد وقع». وانتقد ابنُ عطية (٧‏/‏٦٦٧) قول سفيان قائلًا: «وهذا ضعيف، وإنما المعنى: التشريف بهذا الحكم، ولو لم تكن له ذنوب البتَّة». ثم ذكر قول عطاء، ونقل عن بعضهم أن المعنى: «﴿ما تَقَدَّمَ﴾ هو قوله عليه الصلاة والسلام يوم بدر: «اللهم، إن تهلِك هذه العصابة لم تُعبَد». ﴿وما تَأَخَّرَ﴾ هو قوله عليه الصلاة والسلام يوم حنين: «لن نُغلَبَ اليوم من قِلَّة»». ثم انتقد ذلك قائلًا: «وهذا كلُّه مُعتَرَض»

تضمنت الآية ثلاثة أحكام في القاذف: جلْدُه، وردُّ شهادته أبدًا، والحكمُ بفِسْقه. فإن تابَ مِن القذف فإنّ توبته ترفع عنه الفسق، ولا تسقِط الحدّ بإجماع. واختلفوا في قبول شهادته بعد التوبة؛ لاختلافهم في عود الاستثناء في الآية، على قولين: أحدهما: أنه يعود على قوله: ﴿ولا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهادَةً أبَدًا وأُولَئِكَ هُمُ الفاسِقُونَ﴾، فإذا تاب القاذف قُبِلَت شهادتُه، وزال عنه اسمُ الفسق، حُدّ فيه أولم يُحَدّ. والآخر: أنه يعود على قوله: ﴿وأُولَئِكَ هُمُ الفاسِقُونَ﴾، وأما قوله: ﴿ولا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهادَةً أبَدًا﴾ فقد وُصِلَ بالأبد، ولا يجوز قبول شهادته أبدًا. ورجَّحَ ابنُ جرير (١٧‏/‏١٧٢-١٧٣) القولَ الأولَ -وهو قول الجمهور- استنادًا إلى الإجماع، ودلالة العقل، وقال: «ذلك أنّه لا خلاف بين الجميع أنّ ذلك كذلك إذا لم يُحَدّ في القذف حتى تاب؛ إمّا بأن لم يُرفع إلى السلطان بعفو المقذوفة عنه، وإمّا بأن ماتت قبل المطالبة بحدِّها ولم يكن لها طالب يطلب بحدّها، فإذ كان ذلك كذلك وحدثت منه توبة صَحَّت له بها العدالة. فإذ كان من الجميع إجماعًا، ولم يكن الله -تعالى ذِكْرُه- شرَطَ في كتابه أن لا تُقبل شهادته أبدًا بعد الحدّ في رميه، بل نهى عن قبول شهادته في الحال التي أوجب عليه فيها الحدّ، وسماه فيها فاسقًا؛ كان معلومًا بذلك أنّ إقامة الحدّ عليه في رميه لا تُحْدِث في شهادته مع التوبة من ذنبه ما لم يكن حادثًا فيها قبل إقامته عليه، بل توبته بعد إقامة الحدّ عليه مِن ذنبه أحْرى أن تكون شهادته معها أجوز منها قبل إقامته عليه؛ لأن الحدّ يزيد المحدود عليه تطهيرًا مِن جرمه الذي استحقّ عليه الحدّ». وبنحوه قال ابنُ تيمية (٥‏/‏٤٩١-٤٩٢، ٥٩١) مستشهدًا بما حدث في قصة الإفك

سورة النساء — الآية ٤٣

عن الأسلع بن شريك، قال: كنت أُرَحِّلُ ناقةَ الرسول الله ﷺ، فأصابتني جنابة في ليلة باردة، وأراد رسول الله ﷺ الرحلة، فكرهتُ أن أُرَحِّل ناقته وأنا جُنُب، وخشيت أن أغتسل بالماء البارد فأموت أو أمرض، فأمرت رجلًا من الأنصار فرَحَّلها، ثم رضفتُ أحجارًا، فأسخنت بها ماءً، فاغتسلت، ثم لحقت رسول الله ﷺ وأصحابه، فقال: «يا أسلع، ما لي أرى رحلتَك تغيَّرَتْ؟». قلت: يا رسول الله، لم أُرَحِّلْها، رَحَّلَها رجلٌ من الأنصار. قال: «ولِمَ؟». قلتُ: إنِّي أصابتني جنابة، فخشيت القَرَّ على نفسي، فأمرته أن يُرَحِّلها، ورضفتُ أحجارًا، فأسخنت بها ماءً، فاغتسلت به. فأنزل الله: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون ولا جنبا إلا عابري سبيل﴾ إلى ﴿إن الله كان عفوا غفورا﴾

سورة التوبة — الآية ١٠٧

قال مقاتل بن سليمان: ﴿وإرْصادًا لِمَن حارَبَ اللَّهَ ورَسُولَهُ مِن قَبْلُ﴾، يعني: أبا عامر الذي كان يُسَمّى: الرّاهِب؛ لأنّه كان يَتَعَبَّد، ويلتمس العلم، فمات كافِرًا بقِنَّسْرين؛ لدعوة النبي ﷺ. وإنّهم أتَوُا النبيَّ ﷺ، فقالوا: يبعدُ علينا المشيُ إلى الصلاة؛ فأْذن لنا في بناء مسجد، فأذِن لهم، ففرغوا منه يوم الجمعة، فقالوا للنبيِّ ﷺ: مَن يَؤُمُّهم؟ قال: «رجل منهم». فأمر مُجمِّع بن حارثة أن يَؤُمَّهُم؛ فنزلت هذه الآية، وحلف مُجَمِّع: ما أردنا ببناء المسجد إلا الخير. فأنزل الله عز وجل في مجمع: ﴿ولَيَحْلِفُنَّ إنْ أرَدْنا إلّا الحُسْنى واللَّهُ يَشْهَدُ إنَّهُمْ لَكاذِبُونَ﴾... ثم إنّ مجمع بن حارثة حسن إسلامه، فبعثه عمر بن الخطاب إلى الكوفة يُعَلِّمُهم القرآن، وهو علم عبد الله بن مسعود، لَقَّنه القرآن

سورة المائدة — الآية ٢٢

عن الربيع بن أنس -من طريق أبي جعفر- قال: إنّ موسى عليه السلام قال لقومه: إنِّي سأبعث رجالًا يأتونني بخبرهم. وإنّه أخذ مِن كل سِبْطٍ رجلًا، فكانوا اثني عشر نقيبًا، فقال: سيروا إليهم، وحدِّثوني حديثَهم وما أمرُهم، ولا تخافوا؛ إنّ الله معكم ما أقمتم الصلاة، وآتيتم الزكاة، وآمنتم برسله، وعزرتموهم، وأقرضتم الله قرضًا حسنًا. وإنّ القوم ساروا حتى هجموا عليهم، فرأوا أقوامًا لهم أجسام عَجَبٌ عِظَمًا وقُوَّةً، وإنّه -فيما ذُكِر- أبصرهم أحد الجبارين، وهم لا يألون أن يُخفوا أنفسهم حين رأوا العجب، فأخذ ذلك الجبّار منهم رجالًا، فأتى رئيسهم، فألقاهم قُدّامه، فعجبوا، وضحكوا منهم، فقال قائل منهم: إنّ هؤلاء زعموا أنهم أرادوا غزوكم، وإنّه لولا ما دفع الله عنهم لَقُتِلوا. وإنهم رجعوا إلى موسى عليه السلام، فحدثوه العجب

سورة هود — الآية ١١٤

عن أبي اليَسَرِ، قال: أتَتْني امرأةٌ تَبْتاعُ تمرًا، فقلتُ: إنّ في البيت تمرًا أطيبَ مِنه. فدَخَلَتْ معي البيتَ، فأَهْوَيْتُ إليها، فقَبَّلْتُها، فأتيتُ أبا بكر، فذكرتُ ذلك له، فقال: استُرْ على نفسِك، وتُبْ. فأتيتُ عمرَ، فذكرتُ ذلك له، فقال: استُرْ على نفسِك، وتُبْ، ولا تُخْبِر أحدًا. فلم أصْبِر، فأتيتُ رسول الله ﷺ، فذكرتُ ذلك له، فقال: «أخَلَّفت غازيًا في سبيل الله في أهلِه بمِثْلِ هذا؟!». حتى تَمَنّى أنّه لم يكن أسلم إلا تلك الساعة، حتى ظنَّ أنّه مِن أهل النار، وأطرقَ رسولُ الله ﷺ طويلًا، حتى أوحى الله إليه: ﴿وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفًا من الليل﴾ إلى قوله: ﴿للذاكرين﴾. قال أبو اليسر: فأتيتُه، فقَرَأها عَلَيَّ، فقال أصحابُه: يا رسول الله، ألهذا خاصَّة أم للناس عامَّة؟ قال: «بل للناس عامَّة»