سورة الإسراء — الآية ٧٣

قال عبد الله بن عباس: قدِم وفدُ ثقيف على النبي ﷺ، فقالوا: نبايعك على أن تعطينا ثلاث خصال. قال: «وما هُنَّ؟» قالوا: أن لا ننحني -أي: في الصلاة-، ولا نكسر أصنامنا بأيدينا، وأن تمتعنا باللات سنة من غير أن نعبدها. فقال النبي ﷺ: «لا خير في دين لا ركوع فيه ولا سجود، وأما أن تكسروا أصنامكم بأيديكم فذاك لكم، وأما الطاغية -يعني: اللات والعزى- فإني غير مُمَتِّعكم بها». فقالوا: يا رسول الله، إنّا نُحِبُّ أن تسمع العربُ أنك أعطيتنا ما لم تعطِ غيرنا، فإن خشيت أن تقول العرب: أعطيتهم ما لم تعطنا. فقل: اللهُ أمرني بذلك. فسكت رسولُ الله ﷺ، فطمِع القوم في سكوته أن يعطيهم ذلك؛ فأنزل الله عز وجل هذه الآية

سورة الأحزاب — الآية ٣٥

عن سعيد بن جبير، في قوله: ﴿إنَّ المُسْلِمِينَ والمُسْلِماتِ﴾ يعني: المخلصين لله من الرجال، والمخلصات من النساء، ﴿والمُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ﴾ يعني: المصدِّقين والمصدِّقات، ﴿والقانِتِينَ والقانِتاتِ﴾ يعني: المطيعين والمطيعات، ﴿والصّادِقِينَ والصّادِقاتِ﴾ يعني: الصادقين في إيمانهم، ﴿والصّابِرِينَ والصّابِراتِ﴾ يعني: على أمر الله، ﴿والخاشِعِينَ﴾ يعني: المتواضعين لله في الصلاة، مَن لا يعرف مَن عن يمينه ولا مَن عن يساره، ولا يلتفت مِن الخشوع لله، ﴿والخاشِعاتِ﴾ يعني: المتواضعات مِن النساء، ﴿والصّائِمِينَ والصّائِماتِ﴾ قال: مَن صام شهر رمضان وثلاثة أيام مِن كل شهر فهو مِن أهل هذه الآية، ﴿والحافِظِينَ فُرُوجَهُمْ والحافِظاتِ﴾ قال: يعني: فروجهم عن الفواحش. ثم أخبر بثوابهم، فقال: ﴿أعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ﴾ يعني: لِمَن ذُكر في هذه الآية ﴿مَغْفِرَةً﴾ يعني: لذنوبهم، ﴿وأَجْرًا عَظِيمًا﴾ يعني: جزاء وافرًا في الجنة

سورة النجم — الآية ٣

عن أبي الحمراء، وحَبّة العُرَنيّ، قالا: لما أمر رسول الله ﷺ بسدّ الأبواب التي في المسجد، شقّ عليهم. قال حَبّة: إني لَأنظر إلى حمزة بن عبد المطلب وهو تحت قطيفةٍ حمراء، وعيناه تَذْرفان، وهو يقول: أخْرجتَ عمّك، وأبا بكر، وعمر، والعباس، وأسكنتَ ابنَ عمّك! فقال رجل يومئذ: ما يألو يرفعُ ابنَ عمّه. قال: فعلم رسول الله ﷺ أنّه قد شقّ عليهم، فدعا الصلاة جامعة، فلما اجتمعوا صعد المنبر، فلم يُسمع لرسول الله ﷺ خطبة قطّ كان أبلغ منها تمجيدًا وتوحيدًا، فلمّا فرغ قال: «يا أيها الناس، ما أنا سددتُها، ولا أنا فتحتُها، ولا أنا أخرجتُكم وأسكنتُه». ثم قرأ: ﴿والنَّجْمِ إذا هَوى ما ضَلَّ صاحِبُكُمْ وما غَوى وما يَنْطِقُ عَنِ الهَوى إنْ هُوَ إلّا وحْيٌ يُوحى﴾

اختلف السلف في كيفية تزكية اليهود أنفسهم على أقوال: الأول: هو قولهم: نحن أبناء الله وأحباؤه، ولا ذنوب لنا. والثاني: هو تقديمهم أبناءَهم لإمامتهم في الصلاة. والثالث: هو زعمهم أنّ أبناءهم سيشفعون لهم، ويُزَكُّونهم عند الله يوم القيامة. والرابع: هو تزكية بعضهم لبعض. وقد رَجَّح ابنُ جرير (٧‏/‏١٢٨) مستندًا إلى دلالة القرآن، وظاهر اللفظ القولَ الأول، وقال: «لأنّ ذلك هو أظهر معانيه؛ لإخبار الله عنهم أنّهم إنما كانوا يزكون أنفسهم دون غيرها». وبنحوه قال ابنُ عطية (٢‏/‏٥٧٩) مستندًا إلى السياق، حيث قال: «وقوله تعالى: ﴿انظر كيف يفترون﴾ الآية، يُبَيِّن أنّ تزكيتهم أنفسَهم كانت بالباطل والكذب، ويُقَوِّي أنّ التزكية كانت بقولهم: ﴿نحن أبناء الله وأحباؤه﴾ [المائدة:١٨] إذ الافتراء في هذه المقالة أمكن»

اختُلِف في الشجرة التي جعلها الله مثلًا للكلمة الطيبة على قولين: الأول: هي النخلة. الثاني: هي شجرة في الجنة. ورجَّح ابنُ جرير (١٣‏/‏٦٤١) مستندًا إلى السنة القول الأول، وهو قول ابن مسعود وما في معناه، ثم أورد (١٣‏/‏٦٤١-٦٤٣) عدة روايات عن ابن عمر تؤيد هذا المعنى، وذكر ابنُ عطية (٥‏/‏٢٤٣-٢٤٤) القولين، ثم علَّق عليهما بقوله: «ويحتمل أن تكون شجرة غير معيَّنة، إلا أنها كل ما اتصف بهذه الصفات، فيدخل فيه النخلة وغيرها، وقد شبَّه الرسول -عليه الصلاة والسلام- المؤمن الذي يقرأ القرآن بالأُتْرُجَّة، فلا يتعذَّر أن يُشَبَّه أيضًا بشجرتها». ووجَّه ابنُ القيم (٢‏/‏٩٤) القول الثاني بقوله: «ومَن قال من السلف: إنها شجرة في الجنة، فالنخلة من أشرف أشجار الجنة»

قال ابنُ جرير (١٤‏/‏٤١١-٤١٢): «وللعرب في التسبيح أماكن تستعمله فيها: فمنها الصلاة، كان كثيرٌ من أهل التأويل يتأولون قول الله: ﴿فلولا أنه كان من المسبحين﴾ [الصافات:١٤٣]: فلولا أنّه كان من المصلين. ومنها الاستثناء، كان بعضهم يتأول قول الله تعالى: ﴿ألم أقل لكم لولا تسبحون﴾ [القلم:٢٨]: لولا تستثنون، وزعم أنّ ذلك لغة لبعض أهل اليمن، ويستشهد لصحة تأويله ذلك بقوله: ﴿إذ أقسموا ليصرمنها مصبحين * ولا يستثنون﴾ [القلم:١٧-١٨]، قال: ﴿قال أوسطهم ألم أقل لكم لولا تسبحون﴾ [القلم:٢٨]، فذكَّرهم تركهم الاستثناء. ومنها النور، وكان بعضهم يتأول في الخبر الذي روي عن النبي ﷺ: «لولا ذلك لأحرقت سُبُحات وجهه ما أدركت من شيء» أنه عنى بقوله: «سبحات وجهه»: نور وجهه»

ذكر ابنُ عطية (٧‏/‏٩) في معنى قوله تعالى: ﴿وعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ وعْدَهُ ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾: أنّ الكُفّار من قريش والعرب لا يعلمون أنّ الأمور مِن عند الله -تبارك وتعالى-، وأن وعْده لا يتخلَّف، وأن ما يورده نبيه -عليه الصلاة والسلام- حقٌّ. ورجَّح هذا المعنى قائلًا: «وهذا الذي ذكرناه هو عمدة ما قيل». ثم انتقد مستندًا إلى الإجماع ما حكاه ابنُ جرير من روايات للنزول تفيد مدنية الآية، فقال: «وقد حكى الطبريُّ وغيرُه روايات يردُّها النظر أوَّل قول، من ذلك أن بعضهم قال: إنما نزلت ﴿وعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ وعْدَهُ﴾ بعد غلبة الروم لفارس ووصول الخبر بذلك. فهذا يقتضي أن الآية مدنية، والسورة كلها مكية بإجماع، ونحو هذا من الأقوال»

سورة ص — الآية ٣٤

عن إسماعيل السُّدِّيّ -من طريق أسباط- في قوله: ﴿وأَلْقَيْنا عَلى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا﴾، قال: الشيطانُ حين جلس على كرسيه أربعين يومًا؛ كان لسليمان عليه السلام مائة امرأة، وكانت امرأة منهن يقال لها: جرادة، وهي آثر نسائه عنده وآمَنُهُنَّ، وكان إذا أجنب أو أتى حاجة نزع خاتمه، ولم يأتمن عليه أحدًا من الناس غيرها، فجاءته يومًا من الأيام، فقالت: إنّ أخي بينه وبين فلان خصومة، وأنا أحبُّ أن تقضي له إذا جاءك. فقال: نعم. ولم يفعل، فابتُلي؛ فأعطاها خاتمه، ودخل المخرج، فخرج الشيطان في صورته، فقال: هات الخاتم. فأعطته، فجاء حتى جلس على مجلس سليمان، وخرج سليمانُ بعد، فسألها أن تعطيه خاتمه، فقالت: ألم تأخذه قبلُ؟! قال: لا. قال: وخرج مِن مكانه تائهًا، ومكث الشيطان يحكم بين الناس أربعين يومًا، فأنكر الناسُ أحكامَه، فاجتمع قُرّاء بني إسرائيل وعلماؤهم، فجاؤوا حتى دخلوا على نسائه، فقالوا: إنا قد أنكرنا هذا. وأقبلوا يمشون حتى أتوه، فأحدقوا به، ثم نشروا فقرؤوا التوراة، فطار مِن بين أيديهم حتى وقع على شُرْفَةٍ والخاتم معه، ثم طار حتى ذهب إلى البحر، فوقع الخاتم منه في البحر، فابتلعه حوتٌ مِن حيتان البحر، وأقبل سليمان في حاله التي كان فيها حتى انتهى إلى صيّاد مِن صيادي البحر وهو جائع، فاستطعمه من صيدهم، فأعطاه سمكتين، فقام إلى شطِّ البحر، فشقَّ بطونهما، فوجد خاتمه في بطن إحداهما، فأخذه، فلبسه، فردَّ الله عليه بهاءَه وملكَه، فأرسل إلى الشيطان، فجيء به، فأَمر به، فجُعل في صندوق من حديد، ثم أطبق عليه، وأقفل عليه بقفل، وخَتم عليه بخاتمه، ثم أمر به فأُلقي في البحر، فهو فيه حتى تقوم الساعة، وكان اسمه: حبقيق

رجَّحَ ابنُ جرير (٢‏/‏٥٦٣-٥٦٤ بتصرف) مستندًا إلى الإجماع، واللغة، والدلالة العقلية أنّ قواعد البيت رَفَعَها إبراهيمُ وإسماعيلُ جميعًا، وأنّ القولَ المقَدَّر في الآية لهما، أي: يقولان: ربنا تقبل منا. فقال: «الصواب من القول عندنا في ذلك: أنّ المُضْمَر من القول لإبراهيم وإسماعيل، وأنّ قواعدَ البيت رفعها إبراهيمُ وإسماعيلُ جميعًا. وذلك أنّ إبراهيم وإسماعيل إن كانا هُما بَنَياها ورفعاها فهو ما قلنا، وإن كان إبراهيمُ تَفَرَّد ببنائها وكان إسماعيل يناوله فهما أيضًا رفعاها؛ لأن رفعها كان بهما: من أحدهما البناء، ومن الآخر نقل الحجارة إليها ومعونة وضع الأحجار مواضعها، ولا تمتنع العرب من نسبة البناء إلى من كان بسببه البناء ومعونته، وإنما قلنا ما قلنا من ذلك، لإجماع جميع أهل التأويل على أن إسماعيل مَعْنِيٌّ بالخبر الذي أخبر الله عنه وعن أبيه أنَّهُما كانا يقولانه، وذلك قولهما: ﴿ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم﴾. فمعلوم أنّ إسماعيل لم يكن ليقول ذلك، إلا وهو: إمّا رجل كامل، وإمّا غلام قد فَهِم مواضع الضُرِّ من النفع، ولزمته فرائض الله وأحكامه، وإذا كان كذلك فمعلوم أنه لم يكن تاركًا معونة أبيه، إمّا على البناء، وإمّا على نقل الحجارة، وأيُّ ذلك كان منه فقد دخل في معنى من رفع قواعد البيت، وثَبَتَ أنّ القول المضمر خبرٌ عنه وعن والده إبراهيم عليهما السلام، فتأويل الكلام: وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل يقولان: ربنا تقبل منا عملنا، وطاعتنا إياك، وعبادتنا لك، في انتهائنا إلى أمرك الذي أمرتنا به، في بناء بيتك الذي أمرتنا ببنائه، إنك أنت السميع العليم»

علّق ابنُ عطية (٣‏/‏١٧٢-١٧٣ بتصرف) على الآية بقوله: «قال كثير من العلماء: هي محكمة، وتخيير الحُكّام باقٍ. وهذا هو الأظهر إن شاء الله. وفِقْهُ هذه الآية: أنّ الأمة -فيما علمتُ- مجمعةٌ على أن حاكم المسلمين يحكم بين أهل الذمة في التظالم، ويتسلط عليهم في تغييره، وينقِّر عن صورته كيف وقع فيغير ذلك، ومن التظالم: حبس السلع المبيعة، وغصب المال، وغير ذلك. فأما نوازل الأحكام التي لا ظلم فيها من أحدهم للآخر، وإنما هي دعاوى محتملة، وطلب ما يحِلُّ ولا يحل، وطلب المخرج من الإثم في الآخرة، فهذه هي التي الحاكم فيها مخيَّر، وإذا رضي به الخصمان فلا بُدَّ مع ذلك من رضى الأساقفة أو الأحبار. قاله ابن القاسم في العتبية، قال: وأما إن رضي الأساقفة دون الخصمين، أو الخصمان دون الأساقفة فليس له أن يحكم. قال القاضي أبو محمد: وانظر إن رضي الأساقفة لأشكال النازلة عندهم دون أن يرضى الخصمان فإنها تحتمل الخلاف، وانظر إذا رضي الخصمان ولم يقع من الأحبار نكيرٌ فحكم الحاكم ثم أراد الأحبار ردَّ ذلك الحكم، وهل تستوي النوازل في هذا، كالرجم في زانيين، والقضاء في مال يصير من أحدهما إلى الآخر، وانظر إذا رضي الخصمان هل على الحاكم أن يستعلم ما عند الأحبار، أو يقنع بأن لم تقع منهم معارضة؟ ومالك رحمه الله يستحب لحاكم المسلمين الإعراضَ عنهم وتركَهم إلى دينهم. وقال ابن عباس، ومجاهد، وغيرهما: قوله تعالى: ﴿فإن جاؤوك﴾ يعني: أهل نازلة الزانيين. قال القاضي أبو محمد: ثم الآية بعد تتناول سائر النوازل»