اختلف السلف في تفسير قوله: ﴿وفصل الخطاب﴾ على أقوال: الأول: أنه عِلم القضاء والفهم به. الثاني: أن فصل الخطاب بتكليف المدعي البينة، واليمين على المدعى عليه. الثالث: أن فصل الخطاب هو قول: أما بعد. وقد ذكر ابنُ جرير (٢٠/٥٢) هذه الأقوال، ثم رجّح مستندًا إلى اللغة، والعموم جوازَ جميعها، فقال: «وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يُقال: إنّ الله أخبر أنه آتى داود -صلوات الله عليه- فصل الخطاب، والفصل: هو القطع، والخطاب: هو المخاطبة، ومن قطع مخاطبة الرجل الرجل في حال احتكام أحدهما إلى صاحبه قطع المحتكم إليه الحكم بين المحتكم إليه وخصمه بصواب من الحكم، ومَن قطع مخاطبته أيضًا صاحبه إلزام المخاطب في الحكم ما يجب عليه إن كان مدعيًا فإقامة البينة على دعواه، وإن كان مدعًى عليه فتكليفه اليمين؛ إن طلب ذلك خصمه. ومن قطع الخطاب أيضًا الذي هو خطبه عند انقضاء قصة وابتداء في أخرى الفصل بينهما بأما بعد؛ فإذ كان ذلك كله محتملًا ظاهر الخبر، ولم تكن في هذه الآية دلالة على أي ذلك المراد، ولا ورد به خبرٌ عن الرسول ﷺ ثابتٌ، فالصواب أن يعم الخبر كما عمه الله، فيقال: أوتي داود فصل الخطاب في القضاء، والمحاورة، والخطب». ووافقه ابنُ كثير (١٢/٨١) بقوله: «وقال مجاهد أيضًا: هو الفصل في الكلام، وفي الحكم. وهذا يشمل هذا كله، وهو المراد، واختاره ابن جرير». وذكر ابنُ عطية (٧/٣٣٢) هذه الأقوال، ثم قال: «والذي يعطيه لفظُ الآية: أنّ الله تعالى آتاه أنّه كان إذا خاطب في نازلة فَصَل المعنى وأوضحه وبيَّنه، لا يأخذه في ذلك حَصْرٌ ولا ضَعْف، وهذه صفةٌ قليلٌ مَن يدركها، فكان كلامه عليه السلام فصلًا، وقد قال الله تعالى في صفة القرآن: ﴿إنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ﴾ [الطارق:١٣]، ويزيد محمد ﷺ على هذه الدرجة بالإيجاز في العبارة، وجمع المعاني الكثيرة في اللفظ اليسير، وهذا هو الذي تخصص عليه السلام به في قوله: «وأعطيت جوامع الكلم». فإنها في الخلال التي لم يُؤتَها أحدٌ قبلَه»
ذكر ابنُ كثير (١٤/٢٧٦) هذا الأثر من طريق محمد بن سنان القزاز، عن مطهر بن الهيثم، عن موسى بن علي بن رباح، عن أبيه، عن جده، ثم علّق عليه بقوله: ""وهكذا رواه ابن أبي حاتم، والطبراني، من حديث مطهر بن الهيثم به. وهذا الحديث لو صح لكان فيصلًا في هذه الآية، ولكن إسناده ليس بالثابت؛ لأنّ مطهر بن الهيثم قال فيه أبو سعيد بن يونس: كان متروك الحديث. وقال ابن حبان: يروي عن موسى بن علي وغيره ما لا يُشبِه حديث الأثبات""
رجَّح ابنُ عطية (٤/٨٢-٨٣) أن المراد بالظَّنِّ هنا: هو غلبته مع بقاء الرجاء. وانتَقَدَ تفسيره باليقين كما في قول مقاتل مستندًا إلى الدلالات العقلية، فقال: «وليس الأمر عندي كذلك، بل هو موضع غلبة الظن مع بقاء الرجاء، وكيف يوقنون بوقوعه وموسى عليه السلام يقول: إنّ الرمي به إنما هو بشرط أن لا يقبلوا التوراة، والظنُّ إنما يقع ويستعمل في اليقين متى كان ذلك المتيقن لم يخرج إلى الحواس»
نقل ابنُ تيمية في منهاج السنة النبوية (٧/١٨٨-١٨٩) هذا القول عن مجاهد، ثم انتقده مستندًا إلى ضعف إسناده، وظاهر الآية بأنّ هذا النقل غير ثابت عنه، والثابت عنه خلافه، وبأن «هذا مُعارَض بما هو أشهر منه عند أهل التفسير، وهو أن الذي جاء بالصِّدق: محمد، والذي صدَّق به: أبو بكر. فإن هذا يقوله طائفة، وذكره الطبري بإسناده إلى علي». وبأن «لفظ الآية عام مطلق، لا يختص بأبي بكر ولا بعلي»
اختُلف في المراد بقوله: ﴿قوارير من فضة قدروها تقديرا﴾ على قولين: الأول: قَدّروها تقديرًا على قدْر رِيّهم؛ لا تَزيد ولا تنقص عن ذلك. الثاني: قَدَّروها على قدْر الكفّ. وعلَّق ابنُ القيم (٣/٢٣٦) على القول الأول الذي قاله ابن عباس، ومجاهد، وسعيد بن جُبَير، وقتادة، وابن زيد، بقوله: «هذا أبلغ في لذّة الشارب، فلو نَقص عن رِيّه لنَقص التذاذه، ولو زاد حتى يَشمئز منه حصل له ملالةٌ وسآمةٌ من الباقي». وبنحوه قال ابنُ كثير (١٤/٢١٣). وذكر ابنُ القيم (٣/٢٣٧) أنّ طائفة قالت: الضمير يعود على الشّاربين، أي: قَدَّروا في أنفسهم شيئًا، فجاءهم الأمر بحسب ما قَدّروه وأرادوه، ثم رجَّح القول الأول -مستندًا إلى أنّه الأعمّ- بقوله: «وقول الجمهور أحسن وأبلغ، وهو مستلزم لهذا القول». وذكر ابنُ كثير (١٤/٢١٤) أنّ القول الثاني -الذي قاله ابن عباس من طريق عطية العَوفيّ، والربيع، والقُرَظيّ- لا ينافي القول الأول، فإنها مُقدّرة في القدْر والرّي. وذكر ابنُ عطية أنّ الضمير في ﴿قدروها﴾ يحتمل ثلاثة احتمالات: الأول: أن يكون الضمير للملائكة. الثاني: أن يكون للطائفين. الثالث: أن يكون للمُنعّمين. ثم علَّق بقوله: «والتقدير إمّا أن يكون على قدْر الأكُفّ. قاله الربيع. أو على قدْر الرِّيّ. قاله مجاهد. وهذا كلّه على قراءة مَن قرأ: (قَدَرُوها) بفتح القاف»
عن العلاء بن كثير، قال: إنّ الله تعالى قال: يا موسى، أتدري لِمَ كلَّمتُك؟ قال: لا، يا ربِّ. قال: لأنِّي لم أخْلُقْ خَلْقًا تَواضَعَ لي تَواضُعَك
عن أبي الدرداء -من طريق جعفر بن كثير السهمي- قال: إيّاكم والالتفاتَ في الصلاة؛ فإنّه لا صلاة للمُتَلَفِّت، وإن غُلِبْتُم على تَطَوُّعٍ فلا تُغلَبوا على المكتوبة
قال مجاهد بن جبر: فلم يزل يوسفُ عليه السلام يدعو المَلِك إلى الإسلام ويَتَلَطَّف له حتى أسْلَم الملِكُ، وكثيرٌ من الناس. فهذا في الدنيا
قال الحسن البصري: ﴿وقَدْ أضَلُّوا كَثِيرًا﴾ يعني: الأصنام، أي: ضلّ كثيرٌ مِن الناس بعبادتهم إياها مِن غير أن تكون الأصنام دَعتْ إلى عبادتها
عن عبد الله بن عباس: ﴿وجَعَلْتُ لَهُ مالًا مَمْدُودًا﴾ كان له بين مكة والطائف إبل وخيل ونَعم وغنم، وكان له عِير كثيرة، وعبيدٌ، وجوار