سورة المزمل — الآية ٦

عن ابن أبي مُلَيْكَة، قال: سألتُ ابن عباس، وابن الزُّبير عن ﴿ناشِئَةِ الليل﴾. قالا: قيام الليل

اختلف أهل التفسير في الآيات التي أوتيها المذكور في الآية على أقوال؛ الأول: هي اسم الله الأعظم. الثاني: كتاب من كتب الله. الثالث: النبوة. وذكر ابنُ جرير (١٠‏/‏٥٧٤-٥٧٥) أنّ الآيات هي الحجج، وأنها تحتمل معنيين: ١- ما تعلمه المذكور في الآية من بعض كتب الله التي أنزلها، وعلى هذا يجوز أن يكون الذي أوتيها: بلعم أو أمية؛ لأنّ أمية كان فيما يُقال قد قرأ من كتب أهل الكتاب. ٢- كتاب أنزله الله على من أمر نبي الله أن يتلو على قومه نبأه، أو بمعنى اسم الله الأعظم، أو بمعنى النبوة، فغير جائز أن يكون معنيًّا به أُمَيَّة؛ لأنّ أمية لا تختلف الأمة في أنه لم يكن أوتي شيئًا من ذلك. ثم قال: «ولا خبر بأيِّ ذلك المراد، وأيّ الرجلين المعنيّ يُوجِب الحجة، ولا في العقل دلالة على أنّ ذلك المعني به من أيٍّ». وانتَقَد ابنُ عطية (٤‏/‏٨٨) قولَ مجاهد، وسليمان التيمي أنّها النُّبُوَّة بقوله: «وهو قول مردود، لا يصح عن مجاهد، ومَن أُعْطِي النبوة فقد أُعْطِي العِصْمَة ولا بُدَّ، ثبت هذا بالشرع». وبنحوه قال ابنُ كثير (٦‏/‏٤٥١). وذكر ابنُ عطية (٤‏/‏٨٨-٨٩) أنّ الزجاج نقل أنه قيل: إنّ الإشارة بالقصة إلى منافقي أهل الكتاب. وعلَّق عليه بقوله: «وصواب هذا أن يُقال: إلى كُفّار أهل الكتاب؛ لأنه لم يكن منهم منافق، إنما كانوا مجاهرين»

سورة آل عمران — الآية ٨٦

عن مجاهد بن جبر -من طريق ابن جريج-: في الآية، قال: هو رجل من بني عمرو بن عوف، كفر بعد إيمانه، قال: قال ابن جريج: أخبرني عبد الله بن كثير، عن مجاهد قال: لحق بأرض الروم، فتنصر، ثم كتب إلى قومه: أرسلوا، هل لي من توبة؟ فنزلت ﴿إلا الذين تابوا﴾، فآمن، ثم رجع، قال ابن جريج: قال عكرمة: نزلت في أبي عامر الراهب، والحارث بن سويد بن الصامت، ووَحْوَح بن الأسلت، في اثني عشر رجلًا رجعوا عن الإسلام، ولحقوا بقريش، ثم كتبوا إلى أهلهم: هل لنا من توبة؟ فنزلت: ﴿إلا الذين تابوا من بعد ذلك﴾ الآيات

علَّق ابنُ كثير (١٣‏/‏٣٤-٣٥) على هذا الحديث بقوله: «رواه ابن جرير عن محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، عن أبي زرعة وهب الله بن راشد، عن يونس بن يزيد الأيلي، به. ورواه البيهقي في الدلائل، من حديث عبد الله بن صالح -كاتب الليث- عن الليث، عن يونس به. وقد روى إسحاق بن راهويه، عن جرير، عن قابوس بن أبي ظبيان، عن أبيه، عن ابن مسعود، فذكر نحو ما تقدم. ورواه الحافظ أبو نعيم، من طريق موسى بن عبيدة، عن سعيد بن الحارث، عن أبي المعلى، عن ابن مسعود فذكر نحوه أيضًا». وذكره (١٣‏/‏٣٦) من طريق آخر ووصفه بالغرابة الشديدة

عَلَّقَ ابنُ عطية (٢‏/‏١٤) على قول السدي بقوله: «على هذا القول؛ قال كثيرٌ من الأربعة الآلاف: لا طاقة لنا. على جهة الفَشَلِ، والفَزَعِ من الموت، وانصرفوا عن طالوت، فقال المؤمنون الموقنون بالبعث والرجوع إلى الله -وهم عِدَّةُ أهل بدر-: ﴿كَمْ مِن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ﴾. والظنُّ على هذا بمعنى: اليقين، وهو فيما لم يقع بعدُ، ولا خرج إلى الحِسِّ»

اختُلِف في معنى ﴿المقنطرة﴾؛ فذهب بعضهم إلى أنّها: المال الكثير بعضه فوق بعض. وذهب بعضهم إلى أنها: المضروبة حتى صارت دنانيرَ ودراهمَ. وذَهَب ابنُ عطية (٢‏/‏١٧٣) إلى أنّ ﴿المقنطرة﴾ فيها إشارةٌ لحضور المال الفعلي، وذاك أشهى للنفس، فقال بعد ذكره لكِلا القولين: «والذي أقول: إنها إشارةٌ إلى حضور المال، وكونه عتيدًا، فذلك أشهى»

علَّق ابنُ عطية (٤‏/‏١٧٥) على قول من قال بأن قائل هذه المقالة هو النَّضر بن الحارث قائلًا: «وتَرَتَّب أن يقول النضر بن الحارث مقالةً وينسبها القرآن إلى جميعهم؛ لأن النَّضر كان فيهم موسومًا بالنُّبْل والفهم، مسكونًا إلى قوله، فكان إذا قال قولًا قاله منهم كثير، واتَّبعوه عليه، حسبما يفعله الناس أبدًا بعلمائهم وفقهائهم»

انتقد ابنُ كثير (٩‏/‏١١٣-١١٤ بتصرف) تحديد مكان الكهف، فقال: «وقد تكلَّف بعض المفسرين، فذكروا فيه أقوالًا، والله أعلم بأي بلاد الله هو، ولو كان لنا فيه مصلحة دينية لأرشدنا الله ورسوله إليه، فقد قال رسول الله ﷺ: «ما تركت شيئًا يقربكم إلى الجنة ويباعدكم من النار إلا وقد أعلمتكم به»»

انتقد ابنُ كثير (٩‏/‏١١٢-١١٣) أن يكون الكهف ُردِم على أصحابه مستندًا إلى القرآن، فقال: «وفي هذا نظر، والله أعلم؛ فإنّ الله تعالى قد أخبر أن الشمس تدخل عليهم في الكهف بكرة وعشية، كما قال تعالى: ﴿وترى الشمس إذا طلعت تزاور عن كهفهم ذات اليمين وإذا غربت تقرضهم ذات الشمال وهم في فجوة منه﴾ [الكهف:١٧]»

علَّق ابنُ كثير (١٠‏/‏٢١٢-٢١٣) على هذا الحديث بقوله: «وكذا رواه الإمام أحمد، عن هشيم، عن يونس بن عبيد، به. ورواه أبو داود والترمذي والنسائي، من حديثه أيضًا. وقال الترمذي: حسن صحيح. وفي رواية لبعضهم: فقال: «أطرِق بصرك». يعني: انظر إلى الأرض. والصرف أعم؛ فإنه قد يكون إلى الأرض، وإلى جهة أخرى»