جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري
القول في تأويل قوله تعالى :
﴿كَيْفَ يَهْدِي اللّهُ قَوْماً كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوَاْ أَنّ الرّسُولَ حَقّ وَجَآءَهُمُ الْبَيّنَاتُ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظّالِمِينَ * أُوْلََئِكَ جَزَآؤُهُمْ أَنّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللّهِ وَالْمَلآئِكَةِ وَالنّاسِ أَجْمَعِينَ * خَالِدِينَ فِيهَا لاَ يُخَفّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلاَ هُمْ يُنظَرُونَ * إِلاّ الّذِينَ تَابُواْ مِن بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُواْ فَإِنّ الله غَفُورٌ رّحِيمٌ﴾
اختلف أهل التأويل فيمن عنى بهذه الآية، وفيمن نزلت، فقال بعضهم : نزلت في الحارث بن سويد الأنصاري، وكان مسلما، فارتدّ بعد إسلامه. ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن عبد الله بن بزيع البصري، قال : حدثنا يزيد بن زريع، قال : حدثنا داود بن أبي هند، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال : كان رجل من الأنصار أسلم، ثم ارتدّ ولحق بالشرك، ثم ندم، فأرسل إلى قومه : أرسلوا إلى رسول الله ﷺ : هل لي من توبة ؟ قال : فنزلت :﴿كَيْفَ يَهْدِي اللّهُ قَوْما كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ﴾ إلى قوله :﴿وَجَاءَهُمُ البَيّنَاتُ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ إِلاّ الّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وأصْلَحُوا فَإِنّ اللّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ فأرسل إليه قومه، فأسلم.
حدثني ابن المثنى، قال : ثني عبد الأعلى، قال : حدثنا داود، عن عكرمة بنحوه، ولم يرفعه إلى ابن عباس، إلا أنه قال : فكتب إليه قومه، فقال : ما كذبني قومي، فرجع.
حدثنا أبو كريب، قال : حدثنا حكيم بن جميع، عن عليّ بن مسهر، عن داود بن أبي هند، عن عكرمة عن ابن عباس، قال : ارتدّ رجل من الأنصار، فذكر نحوه.
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا جعفر بن سليمان، قال : أخبرنا حميد الأعرج، عن مجاهد، قال : جاء الحارث بن سويد، فأسلم مع النبيّ ﷺ، ثم كفر الحارث فرجع إلى قومه، فأنزل الله عزّ وجلّ فيه القرآن :
﴿كَيْفَ يَهْدِي اللّهُ قَوْما كَفَرُوا بَعْدَ إيمانِهِمْ﴾ إلى :﴿إِلاّ الّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وأصْلَحُوا فَإِنّ اللّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ قال : فحملها إليه رجل من قومه، فقرأها عليه، فقال الحارث : إنك والله ما عُلِمْتُ لصدوق، وإن رسول الله ﷺ لأصدق منك، وإن الله عزّ وجلّ لأصدق الثلاثة ! قال : فرجع الحارث فأسلم، فحسن إسلامه.
حدثني موسى بن هارون، قال : حدثنا عمرو، قال : حدثنا أسباط، عن السديّ :﴿كَيْفَ يَهْدِي اللّهُ قَوْما كَفَرُوا بَعْدَ إيمانِهِم وَشَهِدُوا أنّ الرّسُولَ حَقّ﴾ قال : أنزلت في الحارث بن سويد الأنصاري كفر بعد إيمانه، فأنزل الله عزّ وجلّ فيه هذه الآيات، إلى :﴿أُولَئِكَ أصْحَابُ النّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ﴾ ثم تاب وأسلم، فنسخها الله عنه، فال :﴿إِلاّ الّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وأصْلَحُوا فإِنّ اللّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله عزّ وجلّ :﴿كَيْفَ يَهْدِي اللّهُ قَوْما كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ وَشَهِدُوا أنّ الرّسُولَ حَقّ وَجَاءَهُمْ البَينات﴾ قال رجل من بني عمرو بن عوف كفر بعد إيمانه.
حدثني المثنى، قال : حدثنا أبو حذيفة، قال : حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريح، عن مجاهد، قال : هو رجل من بني عمرو بن عوف كفر بعد إيمانه. قال ابن جريج : أخبرني عبد الله بن كثير، عن مجاهد، قال : لحق بأرض الروم فتنصر، ثم كتب إلى قومه : أرسلوا هل لي من توبة ؟ قال : فحسبت أنه آمن ثم رجع. قال : ابن جريج : قال عكرمة : نزلت في أبي عامر الراهب، والحارث بن سويد بن الصامت، ووَحْوَح بن الأسلت في اثني عشر رجلاً رجعوا عن الإسلام، ولحقوا بقريش، ثم كتبوا إلى أهلهم : هل لنا من توبة ؟ فنزلت :﴿إِلاّ الّذِي تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾. . . الاَيات.
وقال آخرون : عنى بهذه الآية أهل الكتاب، وفيهم نزلت. ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن سعد، قال : ثني أبي، قال : ثني عمي، قال : ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله :﴿كَيْفَ يَهْدِي اللّهُ قَوْما كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ﴾ فهم أهل الكتاب عرفوا محمدا ﷺ، ثم كفروا به.
حدثنا محمد بن سنان، قال : حدثنا أبو بكر الحنفي، قال : حدثنا عباد بن منصور، عن الحسن في قوله :﴿كَيْفَ يَهْدِي اللّهُ قَوْما كَفَرُوا بَعْدَ إيمانِهِمْ﴾. . . الاَية كلها، قال اليهود والنصارى.
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، قال : كان الحسن يقول في قوله :﴿كَيْفَ يَهْدِي اللّهُ قَوْما كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ﴾. . . الآية، هم أهل الكتاب من اليهود والنصارى، رأوا نعت محمد ﷺ في كتابهم، وأقرّوا به، وشهدوا أنه حقّ، فلما بعث من غيرهم حسدوا العرب على ذلك، فأنكروه وكفروا بعد إقرارهم حسدا للعرب حين بعث من غيرهم.
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا معمر، عن الحسن في قوله :﴿كَيْفَ يَهْدِي اللّهُ قَوْما كَفَرُوا بَعْدَ إيمانِهِمْ﴾ قال : هم أهل الكتاب¹ كانوا يجدون محمدا ﷺ في كتابهم، ويستفتحون به، فكفروا بعد إيمانهم.
قال أبو جعفر : وأشبه القولين بظاهر التنزيل ما قال الحسن، من أن هذه الآية معنيّ بها أهل الكتاب على ما قال. غير أن الأخبار بالقول الآخر أكثر، والقائلين به أعلم بتأويل القرآن، وجائز أن يكون الله عزّ وجلّ أنزل هذه الآيات بسبب القوم الذين ذكر أنهم كانوا ارتدّوا عن الإسلام، فجمع قصتهم وقصة من كان سبيله سبيلهم في ارتداده عن الإيمان بمحمد ﷺ في هذه الآيات، ثم عرّف عباده سنته فيهم، فيكون داخلاً في ذلك كل من كان مؤمن بمحمد ﷺ قبل أن يبعث، ثم كفر به بعد أن بعث، وكل من كان كافرا ثم أسلم على عهده ﷺ ثم ارتدّ وهو حيّ عن إسلامه، فيكون معنيا بالآية جميع هذين الصنفين وغيرهما ممن كان بمثل معناهما، بل ذلك كذلك إن شاء الله.
فتأويل الآية إذا :﴿كَيْفَ يَهْدِي اللّهُ قَوْما كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ﴾ يعني : كيف يرشد الله للصواب، ويوفق للإيمان، قوما جحدوا نبوّة محمد ﷺ، بعد إيمانهم : أي بعد تصديقهم إيّاهُ، وإقرارهم بما جاءهم به من عند ربه. ﴿وَشَهِدُوا أنّ الرّسُولَ حَقّ﴾ يقول : وبعد أن أقرّوا أن محمدا رسول الله ﷺ إلى خلقه حقا. ﴿وَجَاءَهُمُ البَيّناتُ﴾ يعني : وجاءهم الحجج من عند الله، والدلائل بصحة ذلك. ﴿وَاللّهُ لاَ يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ يقول : والله لا يوفق للحقّ والصواب الجماعة الظلمة، وهم الذين بدّلوا الحقّ إلى الباطل، فاختاروا الكفر على الإيمان. وقد دللنا فيما مضى قبل على معنى الظلم، وأنه وضع الشيء في غير موضعه بما أغنى عن إعادته.
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
* * *
القول في تأويل قوله: ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٨٦) أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (٨٧) خَالِدِينَ فِيهَا لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ (٨٨) إِلا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٨٩)﴾
اختلف أهل التأويل فيمن عنى بهذه الآية، وفيمن نزلت.
فقال بعضهم: نزلت في الحارث بن سويد الأنصاري، وكان مسلمًا فارتدّ بعد إسلامه.
ذكر من قال ذلك:
٧٣٦٠ - حدثني محمد بن عبد الله بن بزيع البصري قال، حدثنا يزيد بن زريع قال، حدثنا داود بن أبي هند، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: كان رجل من الأنصار أسلم ثم ارتد ولحق بالشرك، ثم ندم فأرسل إلى قومه: أرسلوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، هل لي من توبة؟ قال: فنزلت:"كيف يهدي الله قومًا كفروا بعد إيمانهم" إلى قوله:"وجاءَهم البيناتُ والله لا يهدي القوم
٧٣٦١ - حدثني ابن المثنى قال، حدثني عبد الأعلى قال، حدثنا داود، عن عكرمة بنحوه، ولم يرفعه إلى ابن عباس = إلا أنه قال: فكتب إليه قومه، فقال: ما كذَبني قومي! فرجع.
٧٣٦٢ - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا حكيم بن جُميع، عن علي بن مُسْهر، عن داود بن أبي هند، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: ارتد رجل من الأنصار، فذكر نحوه. (١)
٧٣٦٣ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا جعفر بن سليمان قال، أخبرنا حميد الأعرج، عن مجاهد قال: جاء الحارث بن سُوَيد فأسلم مع النبي صلى الله عليه وسلم، ثم كفر الحارث فرجع إلى قومه، فأنزل الله عز وجل فيه القرآن:"كيف يَهدي الله قومًا كفروا بعدَ إيمانهم" إلى"إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا فإنّ الله غفورٌ رحيمٌ"، قال: فحملها إليه رجل من قومه فقرأها عليه، فقال الحارث: إنك والله ما علمتُ لصَدُوقٌ، وإنّ رسول الله ﷺ لأصدقُ منك، وإنّ الله عز وجل لأصدق الثلاثة. قال: فرجع الحارث فأسلم فحسن إسلامه.
٧٣٦٤ - حدثني موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط، عن السدي:"كيف يهدي الله قومًا كفروا بعد إيمانهم وشهدُوا أنّ الرسول حق"، قال: أنزلت في الحارث بن سُوَيد الأنصاري، كفر بعد إيمانه، فأنزل الله عز وجل فيه هذه الآيات، إلى:"أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون"،
٧٣٦٥ - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله عز وجل:"كيف يهدي الله قومًا كفروا بعد إيمانهم وشهدوا أن الرسول حق وجاءَهم البينات"، قال: رجلٌ من بني عمرو بن عوف، كفر بعد إيمانه.
٧٣٦٦ - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد مثله.
٧٣٦٧ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد قال: هو رجل من بني عمرو بن عوف، كفر بعد إيمانه = قال ابن جريج، أخبرني عبد الله بن كثير، عن مجاهد قال: لحق بأرض الرّوم فتنصَّر، ثم كتب إلى قومه:"أرسلوا، هل لي من توبة؟ " قال: فحسبتُ أنه آمن، ثم رَجع = قال ابن جريج، قال عكرمة، نزلت في أبي عامر الرّاهب، والحارث بن سويد بن الصامت، ووَحْوَح بن الأسلت = في اثني عشر رجلا رَجعوا عن الإسلام ولحقوا بقريش، ثم كتبوا إلى أهلهم: هل لنا من توبة؟ فنزلت:"إلا الذي تابوا من بعد ذلك"، الآيات.
* * *
وقال آخرون: عنى بهذه الآية أهل الكتاب، وفيهم نزلت.
ذكر من قال ذلك:
٧٣٦٨ - حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله:"كيف يهدي الله قومًا كفرُوا بعد إيمانهم"، فهم أهلُ الكتاب، عرَفوا محمدًا ﷺ ثم كفروا به.
٧٣٧٠ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قال: كان الحسن يقول في قوله:"كيف يهدي الله قومًا كفروا بعد إيمانهم" الآية، هم أهل الكتاب من اليهود والنصارى، رأوا نعتَ محمد ﷺ في كتابهم وأقرّوا به، وشهدوا أنه حقٌّ، فلما بُعث من غيرهم حَسدوا العربَ على ذلك فأنكروه، وكفروا بعد إقرارهم، حسدًا للعرب، حين بُعثَ من غيرهم.
٧٣٧١ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن الحسن في قوله:"كيف يهدي الله قومًا كفروا بعد إيمانهم"، قال: هم أهل الكتاب، كانوا يجدون محمدًا ﷺ في كتابهم، ويستفتحون به، فكفروا بعد إيمانهم.
* * *
قال أبو جعفر: وأشبه القولين بظاهر التنزيل ما قال الحسن: منْ أنّ هذه الآية معنيٌّ بها أهل الكتاب على ما قال، غيرَ أنّ الأخبار بالقول الآخر أكثر، والقائلين به أعلم، بتأويل القرآن. (١) وجائز أن يكون الله عز وجل أنزل هذه الآيات بسبب القوم الذين ذُكر أنهم كانوا ارتدّوا عن الإسلام، فجمع قصّتهم وقصة من كان سبيله سبيلهم في ارتداده عن الإيمان بمحمد ﷺ في هذه الآيات. ثم عرّف عباده سُنته فيهم، فيكون داخلا في ذلك كلّ من كان مؤمنًا بمحمد ﷺ قبل أنُ يبعث، ثم كفر به بعد أن بُعث، وكلّ من كان كافرًا ثم أسلم على عهده صلى الله عليه وسلم، ثم ارتد وهو حيٌّ عن
* * *
فتأويل الآية إذًا:"كيف يَهدي الله قومًا كفروا بعد إيمانهم"، يعني: كيف يُرشد الله للصواب ويوفّق للإيمان، قومًا جحدُوا نبوّة محمد ﷺ ="بعد إيمانهم"، أي: بعد تصديقهم إياه، وإقرارهم بما جاءَهم به من عند ربه ="وَشهدوا أن الرسول حقّ"، يقول: وبعد أن أقرّوا أن محمدًا رسول الله ﷺ إلى خلقه حقًّا ="وجاءهم البينات"، يعني: وجاءهم الحجج من عند الله والدلائلُ بصحة ذلك؟ ="والله لا يهدي القوم الظالمين"، يقول: والله لا يوفّق للحق والصّواب الجماعة الظَّلمة، وهم الذين بدّلوا الحق إلى الباطل، فاختارُوا الكفر على الإيمان.
* * *
وقد دللنا فيما مضى قبل على معنى"الظلم"، وأنه وضعُ الشيء في غير موضعه، بما أغنى عن إعادته. (١)
* * *
="أولئك جزاؤهم"، يعني: هؤلاء الذين كفروا بعد إيمانهم، وبعد أن شهدوا أن الرسول حَقّ -"جزاؤهم"، ثوابهم من عملهم الذي عملوه (٢) ="أنّ عليهم لعنة الله"، يعني: أن يحلّ بهم من الله الإقصاء والبعد، (٣) ومن الملائكة والناس الدعاءُ بما يسوءهم من العقاب (٤) ="أجمعين"، يعني: من جميعهم، لا من
(٢) انظر تفسير"الجزاء" فيما سلف ٢: ٢٧، ٢٨، ٣١٤، وغيره في فهارس اللغة"جزى".
(٣) في المخطوطة والمطبوعة: "أن حل بهم"، فعل ماض، والسياق يقتضي المضارع.
(٤) في المخطوطة والمطبوعة: "ومن الملائكة والناس إلا مما يسوءهم... "، وهو كلام غير مستقيم، وهو تصحيف لما كتبت، كان في الأصل"الدعاما يسوءهم" بغير همزة"الدعاء"، وبغير نقط"بما"، فاشتبهت الحروف على الناسخ، فحرفها إلى ما ترى.
* * *
وقد بينا صفة"لعنة الناس" الكافرَ في غير هذا الموضع، بما أغنى عن إعادته. (١)
* * *
="خالدين فيها" يعني: ماكثين فيها، يعني في عقوبة الله (٢)
="لا يخفَّف عنهم العذاب"، لا ينقصون من العذاب شيئًا في حال من الأحوال، ولا ينفَّسون فيه (٣) ="ولا هم ينظرون"، يعني: ولا هم ينظرون لمعذرة يعتذرون. (٤) وذلك كله عَينُ الخلود في العقوبة في الآخرة. (٥)
ثم استثنى جل ثناؤه الذين تابوا، من هؤلاء الذين كفروا بعد إيمانهم فقال تعالى ذكره:"إلا الذين تَابوا من بعد ذلك وأصلحوا"، يعني: إلا الذين تابوا
(٢) انظر تفسير"خالدين" فيما سلف ١: ٣٩٧، ٣٩٨ / ٢: ٢٨٧ / ٤: ٣١٧، وفهارس اللغة.
(٣) انظر تفسير"يخفف" فيما سلف ٢: ٣١٦، ٣١٧، والتنفيس: والترفيه والتفريج هنا.
(٤) انظر تفسير"ينظرون" في نظيرة هذه الآية فيما سلف ٣: ٢٦٤، ٢٦٥، وقبله ٢: ٤٦٧، ٤٦٨.
(٥) في المخطوطة والمطبوعة: "وذلك كله أعني الخلود في العقوبة في الآخرة"، وهي جملة فاسدة البناء والمعنى، أخطأ الناسخ فهم مراد أبي جعفر، فكتب ما كتب، والصواب هو ما أثبت. فإن أبا جعفر قد لجأ إلى الاختصار في مواضع كثيرة من تفسيره، منها هذا الموضع، فلم يبين إعراب قوله تعالى: "لا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينظرون"، وأهل الإعراب يعربونها حالا متداخلة - أي حالا من حال - لأن"خالدين" حال من الضمير في"عليهم". وأما أبو جعفر، فهو يعدها جملة مستأنفة، وهي بذلك بيان عن الخلود في النار. والدليل على صحة ذلك، وعلى صحة ما أثبت من الصواب في نص أبي جعفر هنا، أنه قال في تفسير نظيرة هذه الآية من"سورة البقرة: ١٦٢" في الجزء ٣: ٢٦٤ ما نصه.
"وأما قوله: " لا يخفف عنهم العذاب"، فإنه خبر من الله تعالى ذكره عن دوام العذاب أبدًا من غير توقيت ولا تخفيف". فهذا نص قاطع في أن إعراب الطبري لهذا الموضع من الآية هو ما ذهبت إليه، وفي أنه يرى أن معنى هذه الجملة من الآية، هو معنى"الخلود" بعينه. والحمد لله أولا وآخرًا.