البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي

عن الكتاب
﴿كيف يهدي الله قوماً كفروا بعد إيمانهم وشهدوا أن الرسول حق وجاءهم البينات والله لا يهدي القوم الظالمين﴾ نزلت في أهل الكتاب آمنوا بالتوراة والإنجيل وفيهما ذكر محمد ﷺ، فغيروه وكفروا بعد إيمانهم بنبوّته، قاله الحسن وروى عطية قريباً منه عن ابن عباس وقال مقاتل : في عشرة رهط ارتدوا فيهم الحارث بن سويد الأنصاري، فندم ورجع، ورواه أبو صالح عن ابن عباس، وذكر مجاهد، والسدّي : أن الحارث كان يظهر الإسلام، فلما كان يوم أحد قتل المجدر بن زياد بدم كان له عليه، وقتل زيد بن قيس، وارتد ولحق بالمشركين، فأمر رسول الله ﷺ عمر أن يقتله إن ظفر به، ففاته، ثم بعث إلى أخيه من مكة يطلب التوبة، فنزلت إلى قوله :﴿إلا الذين تابوا﴾ فكتب بها قومه، إليه فرجع تائباً.
ورواه عكرمة عن ابن عباس، ولم يسمه، ولم يذكر سوى أنه رجل من الأنصار ارتد فلحق بالمشركين، وخرجه النسائي عن ابن عباس مطولاً وقيل : لحق بالروم وقيل : ارتد الحارث في أحد عشر رجلاً، وسمى منهم الزمخشري : طعمة بن أبيرق، والحارث بن سويد بن الصامت، ووحوح بن الأسلت، وذكر عكرمة أنهم كانوا اثني عشر، وسمى منهم : أبا عامر الراهب، والحارث ووجوهاً.
وقال النقاش : نزلت في طعمة بن أبيرق.
ألفاظ الآية تعم كل من ذكر وغيرهم.
وقيل : هي في عامة المشركين وقال مجاهد : حمل الآيات إلى الحارث رجل من قومه فقرأها عليه فقال له الحارث : إنك والله ما علمت لصدوق، وإن رسول الله لأصدق منك، وإن الله تعالى لأصدق الثلاثة.
قال فرجع الحارث فأسلم وحسن إسلامه.
كيف : سؤال عن الأحوال، وهي هنا للتعجيب والتعظيم لكفرهم بعد الإيمان، أي : كيف يستحق الهداية من أتى بما ينافيها بعد التباسه بها ووضوحها ؟ فاستبعد حصولها لهم مع شدّة الجرائم، كما قال ﷺ :« كيف تفلح أمة أدمت وجه نبيها » ؟.
وقال الزمخشري : كيف يلطف بهم وليسوا من أهل اللطف لما علم الله من تصميمهم على كفرهم ؟ انتهى.
وهذه نزعة إعتزالية، إذ ليس المعنى عنده : إن الله يخلق الهداية فيهم كما لا يخلق الضلال فيهم، بل هما مخلوقان للعبد.
وقيل : الاستفهام هنا يراد به الجحد، والمعنى : ليس يهدي، ونظيره قول الشاعر :
فهذي سيوف، يا صديّ بن مالك *** كثير، ولكن : أين بالسيف ضارب ؟
وقول الآخر :
كيف نَومي على الفراش ولمايشمل الشام غارة شعواء ؟
والهداية هنا هي إلى الإيمان واتباع الحق، وأبعد من زعم أن المعنى : لا يهديهم إلى الجنة إلاَّ إن تجوَّز، فأطلق المسبب على السبب، لأن دخول الجنة مسبب عن الإيمان، فيعود إلى القول الأول.
وشهدوا : ظاهره أنه معطوف على قوله كفروا، وبه قال الحوفي، وابن عطية، ورده مكي وقال : لا يجوز عطف : شهدوا، على : كفروا، لفساد المعنى، ولم يبين من أي جهة فساد المعنى، وكأنه توهم الترتيب، فلذلك فسد المعنى عنده وقال ابن عطية : المعنى مفهوم أن الشهادة قبل الكفر، و : الواو، لا ترتب، وأجاز قوم منهم : مكي، والزمخشري : أن يكون معطوفاً على : ما في إيمانهم، من معنى الفعل، إذ المعنى : بعد أن آمنوا وشهدوا.
وأجاز الزمخشري وغيره أن تكون : الواو، للحال لا للعطف، التقدير : كفروا بعد إيمانهم وقد شهدوا، والعامل فيه : كفروا.
والرسول هنا : محمد ﷺ، قاله الجمهور، وجوّز أن يكون الرسول هنا بمعنى الرسالة، وفيه بعد.
والبينات : هي شواهد القرآن، والمعجزات التي تأتي بمثلها الأنبياء.
﴿والله لا يهدي القوم الظالمين﴾ أي : لا يخلق في قلوبهم الهداية.
و : الظالمين، عام معناه الخصوص أي : لا يهدي من قضى عليه بأنه يموت على الكفر قال ابن عطية : ويحتمل أن يريد الإخبار عن أن الظالم في ظلمه ليس على هدى من الله، فتجيء الآية عامة تامة العموم. انتهى.
وهذا المعنى الذي ذكره ينبو عنه لفظ الآية وقال الزمخشري : الظالمين، المعاندين الذين علم الله أن اللطف لا ينفعهم. انتهى.
وتفسيره على طريقته الإعتزالية.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وتضمنت هذه الآيات من أصناف البديع : الطباق : في قوله : طوعا وكرها.
وفي : كفروا بعد إيمانهم في موضعين.
والتكرار : في : يهدي ولا يهدي.
وفي : كفروا بعد إيمانهم.
والتجنيس المغاير : في كفروا وكفروا.
والتأكيد : بلفظ : هم، في قوله : وأولئك هم الضالون.
قيل : والتشبيه في : ثم ازدادوا كفراً، شبه تماديهم على كفرهم وإجرامهم بالاجرام التي يزاد بعضها على بعض، وهو من تشبيه المعقول بالمحسوس.
والعدول من مفعل إلى فعيل، في : عذاب أليم، لما في : فعيل، من المبالغة.
والحذف في مواضع.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى