بحر العلوم — أبو الليث السمرقندي
عن الكتاب
﴿كَيْفَ يَهْدِي الله قَوْمًا كَفَرُواْ بَعْدَ إيمانهم وَشَهِدُواْ أَنَّ الرسول حَقٌّ وَجَاءهُمُ البينات﴾ أي بعدما ظهر لهم العلامات ﴿والله لاَ يَهْدِي القوم الظالمين﴾ فإن قيل في ظاهر الآية أن من كفر بعد إسلامه، لا يهديه الله، ومن كان ظالماً لا يهديه الله، وقد رأينا كثيراً من المرتدين، أسلموا وهداهم الله، وكثيراً من الظالمين تابوا عن الظلم. قيل له : لا يهديهم الله ما داموا مقيمين على كفرهم وظلمهم، ولا يُقْبِلُون إلى الإسلام، فأما إذا جاهدوا، وقصدوا الرجوع، وفقهم الله لذلك لقوله :﴿والذين جاهدوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ الله لَمَعَ المحسنين﴾ [سورة العنكبوت: ٦٩] وتأويل آخر :﴿كَيْفَ يَهْدِي الله﴾ يقول : كيف يرشدهم إلى الجنة ؟ كما قال في آية :﴿إِنَّ الذين كَفَرُواْ وَظَلَمُواْ لَمْ يَكُنِ الله لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلاَ لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقاً﴾ [النساء: ١٦٨] ويقال : كيف يرحمهم الله وينجيهم من العقوبة ؟ ويقال : كيف يغفر الله لهم ؟ وقالت المعتزلة : كَيْفَ يَهْدِي الله ؟ معناه : كيف يكونون مهتدين، لأنهم لا يرون الهداية، والاهتداء في الابتداء إلا على سبيل الجزاء، ويرون ذلك من كسب العبد.