اختُلف هل علم النبي ﷺ بقدوم الجن عليه أم لا؟ وساق ابنُ عطية (٧/٦٣١) القولين، ثم رجَّح أنّ الوفد الوارد ذكره هنا غير الوفد المشار إليه في سورة الجن، فقال: «والتحرير في هذا أن النبي ﷺ جاءه جنٌّ دون أن يعرف بهم، وهم المتفرّقون من أجل الرّجم، وهذا هو قوله تعالى: ﴿قل أوحي إلي﴾ [الجن:١]، ثم بعد ذلك وفد عليه وفد، وهو المذكور صرْفه في هذه الآية». ولم يذكر مستندًا. وساق ابنُ كثير (١٣/٣١-٣٢) آثارًا تدل على عدم علم النبي بهم حال قراءته، وبيّن أنّ ما يعارضها مِن آثار تقتضي علمه، فيُحتمل أنه كان في مرة أخرى؛ إذ تكاثر الروايات يدل على تكرار توافد الجن عليه، فقال: «فأما ما رواه البخاري ومسلم جميعًا، [وهو حديث ابن مسعود الآتي في الآثار المتعلقة بالآيات أن شجرة آذنت الني ﷺ بالجن] فيحتمل أن يكون هذا في المرة الأولى، ويكون إثباتًا مقدمًا على نفي ابن عباس المذكور في تفسير الآية من طريق العوفي، ويحتمل أن يكون هذا في بعض المرات المتأخرات، والله أعلم. ويحتمل أن يكون في الأولى ولكن لم يشعر بهم حال استماعهم حتى آذَنَته بهم الشجرة، أي: أعلمته باستماعهم». وعلَّق (١٣/٤٢) على ما جاء عن ابن مسعود من اختلاف في الروايات بأنه يحتمل الآتي: أنه لم يكن مع رسول الله ﷺ حال مخاطبته الجنّ ودعائه إياهم، وإنما كان بعيدًا منه، ولم يخرج مع النبي ﷺ أحد سواه، ومع هذا لم يشهد حال المخاطبة. الثاني: أن يكون أول مرّة خرج إليهم لم يكن معه ابن مسعود ولا غيره، ثم بعد ذلك خرج معه ليلة أخرى. وعلَّق ابن عطية (٧/٦٣٢) على ما روي عن ابن مسعود بقوله: «واضطربت الروايات عن عبد الله بن مسعود... فاختصرتُ هذه الروايات وتطويلها؛ لعدم صحتها»
اختلف المفسّرون في وقت الدخان على ثلاثة أقوال: الأول: أنه الدُّخان الذي رأته قريش حين دعا عليهم رسول الله ﷺ بسبع كسبع يوسف عليه السلام، فأصابهم جوع، فكانوا يرون بينهم وبين السماء كهيئة الدُّخان من الجوع. وهو قول ابن مسعود، وأبي العالية، وإبراهيم النخعي، ومجاهد، والضّحّاك، ومقاتل. الثاني: دُخان يجيء قبل القيامة فيأخذ بأنفاس الكفار، ويأخذ المؤمنين منه كهيئة الزكام. وهو قول علي بن أبي طالب، وأبي سعيد الخدري، وابن عمر، وابن عباس، والحسن. الثالث: أنه كان يوم فتح مكة. وهو قول أبي هريرة، والأعرج. وقد رجَّح ابنُ جرير (٢١/٢٠) -مستندًا إلى السياق- القول الأول، وعلَّل ذلك بقوله: «لأنّ الله -جل ثناؤه- توعّد بالدخان مشركي قريش، وأنّ قوله لنبيه ﷺ: ﴿فارتقب يوم تأتي السماء بدخان مبين﴾ في سياق خطاب الله كفار قريش، وتقريعه إياهم بشركهم بقوله: ﴿لا إله إلا هو يحيي ويميت ربكم ورب آبائكم الأولين بل هم في شك يلعبون﴾، ثم أتبع ذلك قوله لنبيه -عليه الصلاة والسلام-: ﴿فارتقب يوم تأتي السماء بدخان مبين﴾ أمرًا منه له بالصبر إلى أن يأتيهم بأسه وتهديدًا للمشركين، فهو بأن يكون إذ كان وعيدًا لهم قد أحلَّه بهم أشبه مِن أن يكون أخَّرَهُ عنهم لغيرهم». وعلَّق ابنُ عطية (٧/٥٧١) على القول الأول بقوله: «وما يأتي من الآيات يقوي هذا التأويل». ورجَّح ابنُ كثير (١٢/٣٣٩) -مستندًا إلى ظاهر القرآن، والسنة، والدلالة العقلية- القول الثاني، وانتقد الأول، فقال بعد أن أورد عدة أحاديث وآثار فيه، ومنها قول ابن عباس من طريق ابن أبي مليكة: «وهذا إسناد صحيح إلى ابن عباس، وهكذا قول مَن وافقه مِن الصحابة والتابعين أجمعين، مع الأحاديث المرفوعة مِن الصّحاح والحسان وغيرهما، التي أوردناها مما فيه مقنع ودلالة ظاهرة على أن الدُّخان من الآيات المنتظرة، مع أنه ظاهر القرآن، قال الله تعالى: ﴿فارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ﴾ أي: بيّن واضح يراه كل أحد. وعلى ما فسّر به ابن مسعود رضي الله عنه: إنما هو خيال رأوه في أعينهم من شدة الجوع والجَهد. وهكذا قوله: ﴿يَغْشى النّاسَ﴾ أي: يتغشاهم ويَعُمهم، ولو كان أمرًا خياليًّا يخصّ أهل مكة المشركين لما قيل فيه: ﴿يَغْشى النّاسَ﴾». وجعل ابنُ جرير (٢١/٢٠-٢١) الحكم بصحة القول الثاني متوقفة على صحة حديث حذيفة المُثبت لكون النبي ﷺ فسّر الدُّخان في الآية بدخان يوم القيامة، ثم انتقد صحة الحديث بقوله: «وإنما لم أشهد له بالصحة لأن محمد بن خلف العسقلاني حدثني أنه سأل روّادًا عن هذا الحديث: هل سمعه من سفيان؟ فقال له: لا. فقلت له: فقرأته عليه؟ فقال: لا. فقلت له: فقرئ عليه وأنت حاضر فأقرَّ به؟ فقال: لا. فقلت: فمِن أين جئتَ به؟ قال: جاءني به قومٌ، فعرضوه عليَّ، وقالوا لي: اسمعه منّا. فقرءوه عليَّ، ثم ذهبوا، فحدّثوا به عنِّي، أو كما قال». وعلَّق ابنُ كثير (١٢/٣٣٧) على انتقاده للحديث بقوله: «وقد أجاد ابنُ جرير في هذا الحديث هاهنا، فإنه موضوع بهذا السند، وقد أكثر ابنُ جرير من سياقه في أماكن مِن هذا التفسير، وفيه منكرات كثيرة جدًّا، ولا سيما في أول سورة بني إسرائيل في ذكر المسجد الأقصى». ثم بيَّن ابنُ جرير أنّ انتقاده لا يُراد به إنكار وقوع الدُّخان في المستقبل -لثبوت ذلك في السنة-، وإنما كان انتقاده متجهًا إلى تفسير الآية به، فقال: «وبعد، فإنه غير منكر أن يكون أحلَّ بالكفار الذين توعّدهم بهذا الوعيد ما توعدهم، ويكون مُحِلًّا فيما يُستأنَفُ بعد بآخرين دُخانًا على ما جاءت به الأخبار عن رسول الله ﷺ عندنا كذلك؛ لأن الأخبار عن رسول الله ﷺ قد تظاهرت بأن ذلك كائن، فإنه قد كان ما روى عنه عبد الله بن مسعود، فكلا الخبرين اللذين رُويا عن رسول الله ﷺ صحيح، وإن كان تأويل الآية في هذا الموضع ما قلنا». وقال ابنُ عطية (٧/٥٧٢): «ويحتمل إن صحَّ حديثُ حُذيفة أن يكون قد مرَّ دُخان، ويأتي دُخان آخر»
عن كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف، عن أبيه، عن جدِّه، أن رسول الله ﷺ قال: «لَتَسْلُكُنَّ سنن من قبلكم، إن بني إسرائيل افترقت...» الحديث
قال يحيى بن سلّام: قوله عز وجل: ﴿ولقد آتينا داود وسليمان علما وقالا الحمد لله الذي فضلنا على كثير من عباده المؤمنين﴾، يعنيان: أهل زمانهم من المؤمنين
عن الحسن البصري، في الآية، قال: إنّ هذا الدينَ دينٌ واصبٌ، شَغَل الناس، وحال بينهم وبين كثير من شهواتهم، فما يستطيعه إلا مَن عرَف فضله، ورجا عاقبته
قال مقاتل بن سليمان: ﴿فَإمّا يَأْتِيَنَّكُمْ﴾ يعني: ذُرِّيَّة آدم، فإن يأتيكم[[كذا في المطبوع.]] يا ذرِّيَّة آدم ﴿مِنِّي هُدىً﴾ يعني: رسولًا وكتابًا فيه البيان. ثُمّ أخبر بمستقر من اتَّبَع الهدى في الآخرة، قال سُبحانه: ﴿فَمَن تَبِعَ هُدايَ﴾[[تفسير مقاتل بن سليمان ١/٩٩.]]
قال مقاتل بن سليمان: يقول الله عز وجل: ﴿وأشربوا في قلوبهم العجل بكفرهم﴾، قال لهم موسى: أن تحبوا شيئًا دونه يَعْدِل حُبَّه في قلوبكم، كحُبِّ اللهِ خالقِكم، ﴿قل بئسما يأمركم به إيمانكم إن كنتم مؤمنين﴾ كما تزعمون[[تفسير مقاتل بن سليمان ١/١٢٤.]]
عن عبد الله بن مسعود -من طريق أبي عبيدة- قال: لَمّا بعث الله موسى إلى فرعون قال: ربِّ، أيَّ شيء أقول؟ قال: قل: هيا شرا هيا. قال الأعمش -من طريق أبي معاوية-: تفسير ذلك: الحي قبل كل شيء، والحي بعد كل شيء
قال يحيى بن سلّام: قَوْلُهُ: ﴿إنَّها ساءَتْ مُسْتَقَرًّا﴾، إنّ أهلها لا يستقرون فيها، يعني: كقوله: ﴿عاملة ناصبة﴾ [الغاشية:٣] أعملها الله، وأنصبها في النار، وقال: ﴿يطوفون بينها وبين حميم آن﴾ [الرحمن:٤٤]، فهم في ترداد وعناء. في تفسير قتادة. وأما قوله: ﴿ومقاما﴾: منزلًا
قال يحيى بن سلّام: قال بعضهم: ﴿الذي يراك حين تقوم﴾ في الصلاة وحدك، ﴿وتقلبك في الساجدين﴾ في صلاة الجميع. وقال بعضهم: ﴿الذي يراك حين تقوم﴾ في الصلاة قائمًا، ﴿وتقلبك في الساجدين﴾ في الركوع والسجود. قال يحيى: أحد هذين الوجهين تفسير الحسن، وقتادة