سورة سبأ — الآية ٥١

عن حذيفة بن اليمان، قال: ذَكَرَ رسولُ الله ﷺ فتنةً تكون بين أهل المشرق والمغرب، قال: «فبينما هم كذلك إذ خرج عليهم السفيانِيُّ مِن الوادي اليابس، في فورة ذلك، حتى ينزل دمشق، فيبعث جيشين؛ جيشًا إلى المشرق، وجيشًا إلى المدينة، حتى ينزلوا بأرض بابل في المدينة الملعونة والبقعة الخبيثة، فيقتلون أكثر من ثلاثة آلاف، ويبقُرون بها أكثر مِن مائة امرأة، ويقتلون بها ثلاثمائة كبش من بني العباس، ثم ينحدرون إلى الكوفة فيُخرّبون ما حولها، ثم يخرجون متوجهين إلى الشام، فتخرج رايةُ هدًى مِن الكوفة، فتلحق ذلك الجيش منها على ليلتين فيقتلونهم، لا يُفلت منهم مخبر، ويستنقذون ما في أيديهم مِن السبي والغنائم، ويُخَلِّي جيشه الثاني بالمدينة، فينتهبونها ثلاثة أيام ولياليها، ثم يخرجون متوجهين إلى مكة، حتى إذا كانوا بالبيداء بعث الله جبريلَ، فيقول: يا جبريل، اذهب فأَبِدهم. فيضربها برجله ضربةً يخسف الله بهم، فذلك قوله عز وجل في سورة سبأ: ﴿ولَوْ تَرى إذْ فَزِعُوا فَلا فَوْتَ﴾ الآية. فلا ينفلت منهم إلا رجلان؛ أحدهما بشير، والأخر نذير، وهما من جهينة». فلذلك جاء القول: وعند جهينة الخبر اليقين

سورة الزخرف — الآية ٤٤

عن عديّ بن حاتم، قال: كُنتُ قاعدًا عند رسول الله ﷺ، فقال: «ألا إنّ الله عَلِم ما في قلبي مِن حُبّي لقومي، فسرَّني فيهم، فقال: ﴿وإنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ ولِقَوْمِكَ وسَوْفَ تُسْأَلُونَ﴾ فجعل الذِّكْرَ والشرف لقومي في كتابه، ثم قال: ﴿وأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ واخْفِضْ جَناحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء:٢١٤-٢١٥] يعني: قومي، فالحمد لله الذي جعل الصّدِّيق من قومي، والشهيد من قومي، والأئمة مِن قومي، إنّ الله قلّب العباد ظهرًا وبطنًا، فكان خير العرب قريش، وهي الشجرة المباركة التي قال الله في كتابه: ﴿مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ﴾ يعني بها: قريشًا، ﴿أصْلُها ثابِتٌ﴾ يقول: أصلها كَرم، ﴿وفَرْعُها فِي السَّماءِ﴾ [إبراهيم:٢٤] يقول: الشرف الذي شرَّفهم الله بالإسلام الذي هداهم له، وجعلهم أهله، ثم أنزل فيهم سورة من كتاب الله مُحكمة: ﴿لِإيلافِ قُرَيْشٍ﴾» إلى آخرها. قال عَديّ بن حاتم: ما رأيتُ رسول الله ﷺ ذُكرتْ عنده قريش بخير قطّ إلا سرّه، حتى يتبيّن ذلك السرور للناس كلّهم في وجهه، وكان كثيرًا ما يتلو هذه الآية: ﴿وإنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ ولِقَوْمِكَ وسَوْفَ تُسْأَلُون﴾

عن عروة بن الزبير -من طريق أبي الأسود-، ومحمد بن شهاب الزُّهريّ -من طريق موسى بن عقبة- قالا: أقبل رسول الله ﷺ من الحُدَيبية راجعًا، فقال رجل من أصحاب رسول الله ﷺ: واللهِ، ما هذا بفتح؛ لقد صُدِدنا عن البيت، وصُدّ هَدْيُنا. وعكف رسول الله ﷺ بالحُدَيبية، وردّ رجلين من المسلمين خرجا، فبلغ رسول الله ﷺ قول رجال من أصحابه: إنّ هذا ليس بفتح. فقال رسول الله ﷺ: «بئس الكلام، هذا أعظم الفتح؛ لقد رضي المشركون أن يدفعوكم بالرّاحِ عن بلادهم، ويسألوكم القَضِيَّةَ، ويرغبون إليكم في الأمان، وقد كرهوا منكم ما رأَوا، وقد أظفركم الله عليهم، وردّكم سالمين غانمين مأجورين، فهذا أعظم الفتح، أنسيتم يوم أُحد إذ تُصعِدون ولا تَلْوُون على أحد وأنا أدعوكم في أخراكم؟! أنسيتم يوم الأحزاب ﴿إذْ جاءُوكُمْ مِن فَوْقِكُمْ ومِن أسْفَلَ مِنكُمْ وإذْ زاغَتِ الأَبْصارُ وبَلَغَتِ القُلُوبُ الحَناجِرَ وتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونا﴾ [الأحزاب:١٠]؟!». قال المسلمون: صدق اللهُ ورسولُه، هو أعظم الفتوح، واللهِ، يا نبي الله، ما فكّرنا فيما فكّرتَ فيه، ولأنت أعلم بالله وبالأمور مِنّا. فأنزل الله سورة الفتح

عن أبي الأسود -من طريق ابن لَهيعة- عن عروة: أنّ أوْس بن أقرم، وهو رجل من بني الحارث بن الخَزْرَج، هو الذي سمع قول عبد الله بن أُبيّ، فأَخبَر بذلك عمر بن الخطاب، وذَكر ذلك عمر لرسول الله ﷺ، وبعَث رسول الله ﷺ إلى ابن أُبيّ، فسأله عما تَكلّم به، فحَلف بالله ما قال من ذلك شيئًا، فقال له رسول الله ﷺ: «إن كان سَبق منك قول فتُبْ». فجَحد وحَلف، فوقع رجال بأَوْس بن أقرم، وقالوا: أسأتَ بابن عمّك وظَلمتَه، ولم يُصدّقك رسول الله ﷺ. فبينما هم يسيرون إذ رَأوا رسول الله ﷺ يُوحى إليه، فلما قضى الله قضاءَه في موطنه ذلك، وسُرِّي عنه؛ نظر رسول الله ﷺ، فإذا هو بأَوْس بن أقرم، فأَخذ بأُذُنه، فعصَرها، حتى استشرف القوم؛ فقام رسول الله ﷺ، فقال: «أبْشِر، فقد صدق الله حديثك». ثم قرأ عليه سورة المنافقين حتى بلغ ما أنزل الله في ابن أُبيّ: ﴿هم الذين يقولون لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا﴾ حتى بلغ: ﴿ولكن المنافقين لا يعلمون﴾

سورة العلق — الآية ١

عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيّب: أنّ أول ما رأى النبي ﷺ أنّ الله عز وجل أراه رؤيا في المنام، فشقّ ذلك عليه، فذكرها رسول الله ﷺ لامرأته خديجة بنت خُوَيْلد بن أسد، فعصمها الله عز وجل من التكذيب، وشرح صدرها بالتصديق، فقالت: أبشِر، فإنّ الله عز وجل لن يصنع بك إلا خيرًا. ثم إنه خرج من عندها، ثم رجع إليها، فأخبرها أنه رأى بطنه شُقّ، ثم طُهِّر وغُسِل، ثم أعيد كما كان. قالت: هذا -والله- خيرٌ، فأبشِر. ثم استعلن له جبريل عليه السلام وهو بأعلى مكة، فأجلسه على مجلس كريم مُعجب كان النبي ﷺ يقول: «أجلسني على بساط كهيئة الدرنوك، فيه الياقوت واللؤلؤ». فبشّره برسالة الله عز وجل حتى اطمأن النبي ﷺ، فقال له جبريل عليه السلام: اقرأ. فقال: «كيف أقرأ؟». قال: ﴿اقرأ باسم ربك الذي خلق خلق الإنسان من علق اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم﴾ [العلق:١-٥]، ويزعم ناس أنّ ﴿يا أيها المدثر﴾ أول سورة أُنزِلَتْ عليه، والله أعلم

ذكر ابنُ عطية (٦‏/‏٢٧٩) أن هذا القول بيِّن، ثم ذكر احتمالًا آخر، فقال: «ويحتمل اللفظ أن يريد بالزكاة: الفضائل، كأنه أراد الأزكى مِن كل فعل، كما قال تعالى: ﴿خَيْرًا مِنهُ زَكاةً وأَقْرَبَ رُحْمًا﴾ [الكهف:٨١]». وعلَّق ابنُ كثير (١٠‏/‏١٠٨)بقوله: «الأكثرون على أن المراد بالزكاة هاهنا: زكاة الأموال، مع أن هذه الآية مكية، وإنما فرضت الزكاة بالمدينة في سنة اثنتين من الهجرة. والظاهر أن التي فرضت بالمدينة إنما هي ذات النصب والمقادير الخاصة، وإلا فالظاهر أن أصل الزكاة كان واجبًا بمكة، كما قال تعالى في سورة الأنعام [١٤١]، وهي مكية: ﴿وآتوا حقه يوم حصاده﴾». ثم ذكر احتمالًا آخر، فقال: «وقد يحتمل أن يكون المراد بالزكاة هاهنا: زكاة النفس من الشرك والدنس، كقوله: ﴿قد أفلح من زكاها. وقد خاب من دساها﴾ [الشمس:٩-١٠]، وكقوله: ﴿وويل للمشركين. الذين لا يؤتون الزكاة﴾ [فصلت:٦-٧]، على أحد القولين في تفسيرها. وقد يحتمل أن يكون كلا الأمرين مرادًا، وهو زكاة النفوس وزكاة الأموال؛ فإنه من جملة زكاة النفوس، والمؤمن الكامل هو الذي يتعاطى هذا وهذا»

قال ابنُ القيم (٢‏/‏٢٤٨): «الصحيح من القولين في تقدير الآية: أإله مع الله فَعَلَ هذا؟ حتى يتم الدليل، فلا بد من الجواب بـ»لا«، فإذا لم يكن معه إله فَعَلَ كفِعْلِه فكيف تعبدون آلهة أخرى سواه؟! فعلم أن إلهية ما سواه باطلة، كما أن ربوبية ما سواه باطلة بإقراركم وشهادتكم. ومن قال: المعنى: هل مع الله إله آخر؟. من غير أن يكون المعنى:»فَعَلَ هذا«فقوله ضعيف؛ لوجهين: أحدهما: أنهم كانوا يقولون: مع الله آلهة أخرى، ولا ينكرون ذلك. الثاني: أنه لا يتم الدليل، ولا يحصل إفحامهم وإقامة الحجة عليهم إلا بهذا التقدير، أي: فإذا كنتم تقولون: إنه ليس معه إله آخر فعل مثل فعله. فكيف تجعلون معه إلهًا آخر لا يخلق شيئًا وهو عاجز؟! وهذا كقوله: ﴿أم جعلوا لله شركاء خلقوا كخلقه فتشابه الخلق عليهم قل الله خالق كل شيء وهو الواحد القهار﴾ [الرعد:١٦]، وقوله: ﴿هذا خلق الله فأروني ماذا خلق الذين من دونه﴾ [لقمان:١١]، وقوله: ﴿أفمن يخلق كمن لا يخلق﴾ [النحل:١٧]، وقوله: ﴿والذين يدعون من دون الله لا يخلقون شيئا وهم يخلقون﴾ [النحل:٢٠]، وقوله: ﴿واتخذوا من دونه آلهة لا يخلقون شيئا وهم يخلقون﴾ [الفرقان:٣]، وهو كثير في القرآن، وبه تتِمُّ الحُجَّة كما تبيَّن». وبنحوه قال ابنُ تيمية (٥‏/‏٦٥-٦٧). وبيَّنَ ابنُ كثير (٦‏/‏٤٢٠) أنّ القول الأول يرجع إلى معنى الثاني، وقال مُعلِّلًا ذلك: «لأن تقدير الجواب أنهم يقولون: ليس ثَمَّ أحد فَعَلَ هذا معه، بل هو المتفرد به. فيُقال: فكيف تعبدون معه غيره وهو المستقِلّ المتفرد بالخلق والتدبير؟ كما قال: ﴿أفمن يخلق كمن لا يخلق﴾ [النحل:١٧]»

أفادت الآثار الاختلاف في إرسال رسل من الجنّ إليهم أكان أم لم يكن؟ على قولين: أحدهما: أرسل إلى الجن رسل منهم، كما أرسل إلى الإنس رسل من الإنس. وهو قول الضحاك. الآخر: ليس في الجنِّ رسل، إنما الرسل في الإنس، والنِّذارةُ في الجن. وهو قول مجاهد، وابن جريج، وغيرهما. وعلَّقَ ابن جرير (٩‏/‏٥٦١) على تأويل ابن عباس هذا قائلًا: «تأويل الآية على هذا التأويل الذي تأوَّله ابن عباس: ألم يأتكم أيها الجن والإنس رسل منكم؟ فأمّا رسل الإنس فرسل من الله إليهم، وأما رسل الجن فرسُل رُسُلِ الله من بني آدم، وهم الذين إذا سَمِعوا القرآنَ ولّوا إلى قومهم منذرين. وأما الذين قالوا بقول الضحاك، فإنهم قالوا: إنّ الله -تعالى ذكره- أخبرَ أنّ من الجن رسلًا أرسلوا إليهم، كما أخبر أنّ من الإنس رسلًا أرسلوا إليهم، قالوا: ولو جاز أن يكون خبرُه عن رسل الجن بمعنى أنهم رسل الإنس جاز أن يكون خبره عن رسل الإنس بمعنى أنهم رُسُل الجنّ. قالوا: وفي فساد هذا المعنى ما يدلُّ على أنّ الخبرين جميعًا بمعنى الخبر عنهم أنهم رُسُل الله؛ لأنّ ذلك هو المعروف في الخطاب دون غيره». ورجَّحَ ابنُ كثير (٦‏/‏١٧٦) القولَ الثاني استنادًا إلى القرآن، ودلالة العقل، فقال: «الدليل على أنّ الرسل إنما هم من الإنس قوله تعالى: ﴿إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده﴾ إلى قوله: ﴿رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل﴾ [النساء:١٦٣-١٦٥]، وقال تعالى عن إبراهيم: ﴿وجعلنا في ذريته النبوة والكتاب﴾ [العنكبوت:٢٧]، فحصر النبوة والكتاب بعد إبراهيم في ذريته، ولم يقل أحد من الناس: إنّ النبوة كانت في الجن قبل إبراهيم الخليل، ثم انقطعت عنهم ببعثته. وقال تعالى: ﴿وما أرسلنا قبلك من المرسلين إلا إنهم ليأكلون الطعام ويمشون في الأسواق﴾ [الفرقان:٢٠]، وقال: ﴿وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم من أهل القرى﴾ [يوسف:١٠٩]، ومعلوم أنّ الجن تَبَع للإنس في هذا الباب، ولهذا قال تعالى إخبارًا عنهم: ﴿وإذ صرفنا إليك نفرًا من الجن يستمعون القرآن فلما حضروه قالوا أنصتوا فلما قضي ولوا إلى قومهم منذرين * قالوا يا قومنا إنا سمعنا كتابا أنزل من بعد موسى مصدقًا لما بين يديه يهدي إلى الحق وإلى طريق مستقيم * يا قومنا أجيبوا داعي الله وآمنوا به يغفر لكم من ذنوبكم ويجركم من عذاب أليم * ومن لا يجب داعي الله فليس بمعجز في الأرض وليس له من دونه أولياء أولئك في ضلال مبين﴾ [الأحقاف:٢٩-٣٢]. وقد جاء في الحديث الذي رواه الترمذي وغيره: أنّ رسول الله ﷺ تلا عليهم سورة الرحمن، وفيها قوله تعالى: ﴿سنفرغ لكم أيها الثقلان * فبأي آلاء ربكما تكذبان﴾». وذكر ابنُ عطية (٣‏/‏٤٦٣) أنّ قوله: ﴿غرتهم الحياة الدنيا﴾ التفاتة فصيحة، تضمَّنت أنّ كفرهم كان بأذمِّ الوجوه لهم؛ وهو الاغترار الذي لا يُواقِعه عاقل، ثم قال: «ويحتمل ﴿غرتهم﴾ أن يكون بمعنى: أشبعتهم وأطعمتهم بحلوائها، كما يقال: غرَّ الطائرُ فرخَه»

اختُلِف في تأويل قوله تعالى: ﴿يعرفون نعمت الله ثم ينكرونها﴾ على أربعة أقوال: الأول: أن النعمة: ما ذُكِرَ في هذه السورة، وإنكارها: قولهم: ورثناها عن آبائنا. وهذا قول مجاهد. والثاني: أن النعمة: ما ذُكِرَ في هذه السورة، وإنكارها: قولهم: لولا فلان ما كان كذا وكذا، ولولا فلان ما أصبت كذا وكذا. وهذا قول عون بن عبد الله. والثالث: أن النعمة: ما ذُكِرَ في هذه السورة، وإنكارها: قولهم: هذه بشفاعة آلهتنا. وهذا قول الكلبي، وغيره. والرابع: أن النعمة: نبوَّة محمد ﷺ، وإنكارها: جحد نبوّته وتكذيبه. وهذا قول السّدّيّ. ورجَّحَ ابنُ جرير (١٤‏/‏٣٢٦-٣٢٧) القولَ الرابعَ استنادًا إلى السياق، وقال مُعَلِّلًا اختياره: «وذلك أنّ هذه الآية بين آيتين كلتاهما خبر عن رسول الله ﷺ وعما بُعِث به، فأولى ما بينهما أن يكون في معنى ما قبله وما بعده؛ إذ لم يكن معنى يدل على انصرافه عما قبله وعما بعده، فالذي قبل هذه الآية قوله: ﴿فإن تولوا فإنما عليك البلاغ المبين يعرفون نعمة الله ثم ينكرونها﴾ وما بعده: ﴿ويوم نبعث من كل أمة شهيدا﴾ وهو رسولها. فإذ كان ذلك كذلك فمعنى الآية: يعرف هؤلاء المشركون بالله نعمة الله عليهم يا محمد بك، ثم ينكرونك ويجحدون نبوتك». وذَهَبَ إلى ذلك أيضًا ابنُ القيم (٢‏/‏١١٨) مستندًا إلى دلالة عقلية، فقال: «هذا أقرب إلى حقيقة الإنكار؛ فإنه إنكار لما هو أجَلُّ النعم أن تكون نعمة». ثم علّق على الأقوال الثلاثة الأولى، واسْتَدْرَكَ عليها (٢‏/‏١١٨-١١٩) بقوله: «أما على القول الأول والثاني والثالث فإنهم لما أضافوا النعمة إلى غير الله فقد أنكروا نعمة الله بنسبتها إلى غيره؛ فإن الذي قال: إنما كان هذا لآبائنا ورثناه كابرًا عن كابر. جاحدًا لنعمة الله عليه، غير معترف بها، وهو كالأبرص والأقرع اللذين ذكَّرهما الملَك بنعم الله عليهما، فأنكرا، وقالا: إنما ورثنا هذا كابرًا عن كابر. فقال: إن كنتما كاذبين فصيركما الله إلى ما كنتما. وكونها موروثة عن الآباء أبلغ في إنعام الله عليهم؛ إذ أنعم بها على آباءهم، ثم ورثهم إياها، فتمتعوا هم وآباؤهم بنعمه. وأما قول الآخرين: لولا فلان لما كان كذا. فيتضمن قطع إضافة النعمة إلى مَن لولاه لم تكن، وإضافتها إلى من لا يملك لنفسه ولا لغيره ضرًّا ولا نفعًا، وغايته أن تكون جزء من أجزاء السبب أجرى الله تعالى نعمته على يده، والسبب لا يستقل بالإيجاد، وجعله سببًا هو من نعم الله عليه، وهو المنعم بتلك النعمة، وهو المنعم بما جعله من أسبابها، فالسبب والمسبب من إنعامه، وهو سبحانه قد ينعم بذلك السبب، وقد ينعم بدونه؛ فلا يكون له أثر، وقد يسلبه تسبيبته، وقد يجعل لها معارضًا يقاومها، وقد يرتب على السبب ضد مقتضاه، فهو وحده المنعم على الحقيقة. وأما قول القائل: بشفاعة آلهتنا. فتضمن الشرك مع إضافة النعمة إلى غير وليها، فالآلهة التي تعبد من دون الله أحقر وأذل من أن تشفع عند الله، وهي محضرة في الهوان والعذاب مع عابديها، وأقرب الخلق إلى الله وأحبهم إليه لا يشفع عنده إلا من بعد إذنه لمن ارتضاه، فالشفاعة بإذنه من نعمه، فهو المنعم بالشفاعة، وهو المنعم بقبولها، وهو المنعم بتأهيل المشفوع له؛ إذ ليس كل أحد أهلًا أن يشفع له، فمن المنعم على الحقيقة سواه؟! قال تعالى: ﴿وما بِكُمْ مِن نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾، فالعبد لا خروج له عن نعمته وفضله ومنته وإحسانه طرفة عين، لا في الدنيا، ولا في الآخرة»

اختُلف في تفسير قوله: ﴿كانوا قليلًا من الليل ما يهجعون﴾ على أقوال: الأول: معناه: كانوا قليلًا من الليل لا يهجعون، وقالوا: ﴿ما﴾ بمعنى الجحد. الثاني: كانوا قليلًا من الليل يهجعون، ووجهوا ﴿ما﴾ التي في قوله: ﴿ما يهجعون﴾ إلى أنها صلة. الثالث: معناه: كانوا يُصَلُّون العَتَمَة. الرابع: أن معناه: كان هؤلاء المحسنون قبل أن تُفرض عليهم الفرائض قليلًا من الناس، والكلام بعد قوله: ﴿إنهم كانوا قبل ذلك محسنين﴾ كانوا قليلًا مستأنف بقوله: ﴿من الليل ما يهجعون﴾. وقد بيّن ابنُ جرير (٢١‏/‏٥٠٦) أنه على القول الثاني «يجوز أن تكون ﴿ما﴾ في موضع رفع، ويكون تأويل الكلام: كانوا قليلًا من الليل هجوعهم». ثم قال: «وأما مَن جعل ﴿ما﴾ صلة فإنه لا موضع لها؛ ويكون تأويل الكلام على مذهبه: كانوا يهجعون قليل الليل، وإذا كانت ﴿ما﴾ صلة كان القليل منصوبًا بـ﴿يهجعون﴾». وعلّق على القول الثالث، فقال: «وعلى هذا التأويل ﴿ما﴾ في معنى الجحد». وعلّق على القول الرابع، فقال: «فالواجب أن تكون ﴿ما﴾ على هذا التأويل بمعنى الجحد». ثم رجّح (٢١‏/‏٥٠٩) -مستندًا إلى الأغلب من ظاهر اللفظ- القول الثاني، فقال: «وأولى الأقوال بالصحة في تأويل قوله: ﴿كانوا قليلًا من الليل ما يهجعون﴾ قول مَن قال: كانوا قليلًا من الليل هجوعهم؛ لأن الله -تبارك وتعالى- وصفهم بذلك مدحًا لهم، وأثنى عليهم به، فوصفهم بكثرة العمل، وسهر الليل، ومكابدته فيما يُقرّبهم منه ويرضيه عنهم أولى وأشبه من وصفهم من قلّة العمل، وكثرة النوم، مع أنّ الذي اخترنا في ذلك هو أغلب المعاني على ظاهر التنزيل». وبنحوه ابنُ عطية (٨‏/‏٦٧) حيث قال: «وظاهر الآية عندي أنهم كانوا يقومون الأكثر من ليلهم، أي: من كل ليلة». وبيّن أن ﴿ما﴾ على هذا مصدرية و﴿قليلًا﴾ خبر كان، و«الهجوع» مرتفع بـ﴿قليلًا﴾ على أنه فاعل، ويكون المعنى على هذا:«كانوا قليلًا من الليل هجوعهم». وكذا ابنُ تيمية (٦‏/‏١٠٢) مستندًا إلى النظائر، فقال: «وأصح الأقوال: أنّ معناه: كانوا يهجعون قليلًا. فـ﴿قليلًا﴾ منصوب بـ﴿يهجعون﴾ و﴿ما﴾ مؤكدة. وهذا مثل قوله: ﴿بل لعنهم الله بكفرهم فقليلا ما يؤمنون﴾ [البقرة:٨٨]، وقوله: ﴿كانوا قليلًا من الليل ما يهجعون﴾ هو مُفسّر في سورة المزمل بقوله: ﴿قم الليل إلا قليلا*نصفه أو انقص منه قليلا * أو زد عليه ورتل القرآن ترتيلا﴾ [المزمل:٢-٤]، فهذا المستثنى من الأمر هو القليل المذكور في تلك السور، وهو قليل بالنسبة إلى مجموع الليل والنهار؛ فإنهم إذا هجعوا ثلثه أو نصفه أو ثلثاه فهذا قليل بالنسبة إلى ما لم يهجعوه من الليل والنهار، وسواء ناموا بالنهار أو لم يناموا». وانتقد ابنُ القيم (٣‏/‏٣٥) -مستندًا إلى الدلالة العقلية، والسنة، والنظائر- القول الأول بقوله: «وهذا ضعيف لوجوه» ثم ذكر لضعفه عدة وجوه، أهمها ما يلي: ١- أنّ هذا ليس بلازم لوصف المتقين الذين يستحقون هذا الجزاء. ٢- أنّ قيام مَن نام من الليل نصفه أحبّ إلى الله من قيام مَن قامه كلّه. ٣- أنه لو كان هذا مرادًا لكان النبي أولى به، وما قام ليلة حتى الصباح. ٤- أنه سبحانه لما أمره بقيام الليل في سورة المزمل إنما أمره بقيام النصف أو النقصان منه أو الزيادة عليه فذكر له هذه المراتب الثلاثة، ولم يذكر قيامه كلّه