سورة يونس — الآية ٩٠

عن عبد الله بن شدّاد بن الهاد -من طريق محمد بن كعب- قال: اجتمع يعقوب وبنوه إلى يوسف، وهم اثنان وسبعون، وخرجوا مع موسى مِن مصر حين خرجوا وهم ستمائة ألف، فلمّا أدركهم فرعون فرأوه قالوا: يا موسى، أين المخرج فقد أدركنا؟ قد كُنّا نَلْقى مِن فرعون البلاء؟ فأوحى الله إلى موسى: ﴿أن اضرب بعصاك البحر فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم﴾ [الشعراء:٦٣]. ويبس لهم البحر، وكشف اللهُ عن وجه الأرض، وخرج فرعون على فرس حصان أدْهَم، على لونه مِن الدُّهمِ ثمانمائة ألفٍ سوى ألوانها مِن الدواب، وكانت تحت جبريل عليه السلام فرس ودِيقٌ ليس فيها أُنثى غيرُها، وميكائيل يسوقهم، لا يَشُذُّ رجل منهم إلا ضَمَّه إلى الناس، فلما خرج آخرُ بني إسرائيل دنا منه جبريلُ، ولصق به، فوجد الحصانُ ريح الأنثى، فلم يملك فرعون مِن أمره شيئًا، وقال: أقدِموا، فليس القومُ أحقَّ بالبحر منكم. ثم أتبعهم فرعون، حتى إذا هَمَّ أوَّلهم أن يخرجوا ارتطم، ونادى فيها: ﴿آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل وأنا من المسلمين﴾. ونودي: ﴿آلآن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين﴾

سورة الشعراء — الآية ٦٣

عن عبد الله بن شداد بن الهاد الليثي -من طريق محمد بن كعب القرظي- قال: لقد ذُكر لي: أنّ فرعون خرج في طلب موسى - عليه السلام - على سبعين ألفًا مِن دُهم الخيل، سوى ما في جنده من شبه الخيل، قال ابن إسحاق: وخرج موسى ببني إسرائيل، حتى إذا قابله البحر لم يكن له عنه مُنصَرَف؛ طلع فرعون في جنوده من خلفهم، ﴿فلما تراءى الجمعان قال أصحاب موسى إنا لمدركون قال كلا إن معي ربي سيهدين﴾ للنجاة، قد وعدني ذلك، ولا خُلْف لموعوده. فأوحى الله - عز وجل فيما ذُكِر لي- إلى البحر: إذا ضربك موسى بالعصاة فانفلِق. قال: فبات البحرُ يضرب بعضُه بعضًا فَرَقًا مِن الله - عز وجل -، وانتظار ما أُمِر به، وأوحى الله - عز وجل - إلى موسى: ﴿أن اضرب بعصاك البحر﴾. فضربه بها، وفيهاسلطان الله - عز وجل - الذي أعطاه، ﴿فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم﴾ عن يَبَسٍ من الأرض. يقول الله - عز وجل - لموسى: ﴿فاضرب لهم طريقًا في البحر يبسا لا تخاف دركا ولا تخشى﴾ [طه: ٧٧]. فلما شق له البحر عن طريقٍ قاعهُ يبسٌ، تلا موسى ببني إسرائيل، فاتبعه فرعون وجنوده

رجَّح ابنُ جرير (٨‏/‏٢٥٤) مستندًا إلى أحوال النزول، والسياق قول قتادة، ومجاهد، وعكرمة أنّ معنى: ﴿ولا تَزالُ تَطَّلِعُ عَلى خائِنَةٍ مِنهُمْ﴾، أي: ولا تزال -يا محمد- تَطَّلِع من اليهود على كذبٍ وخيانةٍ، ثم بيَّن علَّة ذلك، فقال: «لأنّ الله عنى بهذه الآية القوم من يهود بني النضير الذين همُّوا بقَتْل رسول الله ﷺ وأصحابه، إذ أتاهم رسول الله ﷺ يستعينهم في دية العامريِّين، فأَطْلَعه الله -عزَّ ذِكْره- على ما قد همُّوا به. ثم قال -جلَّ ثناؤه- بعد تعريفه أخبار أوائلهم، وإعلامه منهج أسلافهم، وأن آخرهم على منهاج أوَّلهم في الغدر والخيانة؛ لئلا يَكْبُرَ فِعْلُهم ذلك على نبي الله ﷺ، فقال -جلَّ ثناؤه-: ولا تزال تطَّلع من اليهود على خيانةٍ، وغدرٍ، ونقضِ عهدٍ. ولم يُرِدْ أنه لا يزال يطَّلع على رجلٍ منهم خائنٍ، وذلك أن الخبر ابْتُدِئَ به عن جماعتهم، فقيل: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إذْ هَمَّ قَوْمٌ أنْ يَبْسُطُوا إلَيْكُمْ أيْدِيَهُمْ﴾، ثم قيل: ﴿ولا تَزالُ تَطَّلِعُ عَلى خائِنَةٍ مِنهُمْ﴾. فإذ كان الابتداء عن الجماعة فالخَتْمُ بالجماعة أوْلى». ونقل ابن عطية (٣‏/‏١٣١) قولا آخر أن المعنى: «على فرقة خائنة»، ثم وجَّهه بقوله: «فهي اسم فاعل على صفة المؤنث»

اختُلِف في معنى قوله: ﴿لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ﴾ على قولين: الأول: ليتفقهوا في أحكام الدين ومعالم الشرع، وينذروا به قومهم إذا رجعوا إليهم. الثاني: ليتفقهوا فيما يشاهدونه من نصر الله لرسوله وتأييده لدينه ليقوى إيمانهم ويخبروا به قومهم. ورجَّح ابنُ جرير (١٢‏/‏٨٤بتصرف) مستندًا إلى الأغلب في اللغة القولَ الثاني الذي قاله الحسن، فقال: «لأنّ النَّفْرَ إذا كان مُطْلقًا بغير صلة بشيء فالأغلب مِن استعمال العرب إيّاه في الجهاد والغزو، فإذا كان ذلك هو الأغلب من المعاني فيه، وكان -جل ثناؤه- قال: ﴿فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين﴾؛ عُلِم أنّ قوله: ﴿ليتفقهوا﴾ إنّما هو شرطٌ للنفر لا لغيره، إذْ كان يليه دون غيره من الكلام». وانتقد مستندًا إلى الدلالات العقلية القولَ الأولَ، فقال: «فإن قال قائل: وما تنكر أن يكون معناه: ليتفقه المتخلِّفون في الدين؟ قيل: ننكر ذلك لاستحالته. وذلك أنّ نَفْر الطائفة النافرة لو كان سببًا لتفقه المتخلفة وجَبَ أن يكون مقامها معهم سببًا لجهلهم وترك التفقه، وقد علمنا أن مقامهم لو أقاموا ولم ينفروا لم يكن سببًا لمنعهم من التفقه». وذكر ابنُ عطية (٤‏/‏٤٣٥) أنّ الأول قول الجمهور، وأنّه قويٌّ

اختُلِف في تأويل قوله تعالى: ﴿ربنا لا تجعلنا فتنة للقوم الظالمين﴾ على قولين: أحدهما: أنّ المعنى: لا تُسَلِّطهم علينا فيفتتنون بنا لظنِّهم أنّهم على حقٍّ. والآخر: لا تسلطهم علينا فيفتنونا. وذَهَبَ ابنُ جرير (١٢‏/‏٢٥٣-٢٥٤) إلى أنّ القوم استعاذوا بالله من كل معنًى يكون صادًّا لقوم فرعون عن الإيمان بالله بأسبابهم، فقال: «الصواب من القول في ذلك أن يُقال: إنّ القوم رغبوا إلى الله في أن يُجيرهم مِن أن يكونوا مِحْنَةً لقوم فرعون وبلاءً، وكلُّ ما كان مِن أمرٍ كان لهم مصدَّة عن اتباع موسى والإقرار به، وبما جاءهم به، فإنّه لا شك أنّه كان لهم فتنة، وكان مِن أعظم ذلك أن يُسلّطوا عليهم؛ فإنّ ذلك كان لا شكَّ -لو كان- مِن أعظم الأمور لهم إبعادًا من الإيمان بالله ورسوله. وكذلك من المصدَّة كان لهم عن الإيمان: أن لو كان قوم موسى عاجلتهم مِن الله محنةٌ في أنفسهم مِن بَلِيَّة تنزل بهم، فاستعاذ القومُ بالله مِن كل معنًى يكون صادًّا لقوم فرعون عن الإيمان بالله بأسبابهم». وذكر ابنُ عطية(٤‏/‏١٣٨) قولًا ثالثًا، ثم انتَقَدَه، فقال: «ويحتمل اللفظ من التأويل -وقد قالته فرقة- أنّ المعنى: لا تفتنهم وتبتلهم بقتلنا، فتعذبهم على ذلك في الآخرة. وفي هذا التأويل قَلَقٌ بَيّنٌ»

اختُلِف في معنى قوله تعالى: ﴿فَإنَّهُ كانَ لِلأَوّابِينَ غَفُورًا﴾ في هذه الآية على أقوال: الأول: هم المسبِّحون. الثاني: هم المطيعون المحسنون. الثالث: هم الذين يُصلُّون بيْن المغرب والعشاء. الرابع: هم الذين يُصلُّون الضُّحى. الخامس: هو الراجع من ذَنبه، التّائب منه. وزاد ابنُ عطية (٥‏/‏٤٦٤) على هذه الأقوال قولًا عن فرقة: أنهم المصلحون. ثم جمع (٥‏/‏٤٦٥) بيْن هذه الأقوال بقوله: «وحقيقة اللفظة أنه مِن آبَ يَؤُوبُ: إذا رَجَع، وهؤلاء كلهم لهم رجوع إلى طاعة الله -تبارك وتعالى-، ولكنها لفظة لزم عرفها أهل الصلاح». ورجَّح ابنُ جرير (١٤‏/‏٥٦٢) مستندًا إلى لغة العرب القول الخامس، وهو قول ابن عباس من طريق عطية وما في معناه، وعلَّل ذلك بقوله: «لأن الأوّاب إنما هو فعّال، مِن قول القائل: آبَ فلانٌ مِن كذا، إمّا مِن سَفَره إلى منزله، أو من حالٍ إلى حالٍ». ووافقه ابنُ كثير (٨‏/‏٤٧٣)، وعلَّل ذلك باللغة، والنظائر، فقال: «لأن الأوّاب مشتقٌّ من الأوب، وهو: الرجوع، يقال: آب فلان: إذا رجع، قال الله تعالى: ﴿إنَّ إلَيْنا إيابَهُمْ﴾ [الغاشية:٢٥]، وفي الحديث الصحيح: أنّ رسول الله ﷺ كان إذا رجع من سفر قال: «آيبون، تائبون، عابدون، لربنا حامدون»»

اختُلِف في التسبيح في قوله تعالى: ﴿وإنْ مِن شَيْءٍ إلا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ على أقوال: الأول: قوله تعالى: ﴿مِن شَيْءٍ﴾ لفظ عموم، ومعناه الخصوص في كلِّ حيٍّ ونام، وليس ذلك في الجمادات البحتة. الثاني: هذا التسبيح حقيقة، وكل شيءٍ على العموم يُسَبِّح تسبيحًا لا يسمعه البشر ولا يفقهونه. ورجَّح ابنُ تيمية (٤‏/‏٢٢٠) القول الثاني، فقال: «والصواب أنّ لها تسبيحًا وسجودًا بحسبها». ولم يذكر مستندًا. وعلَّق ابنُ كثير (٩‏/‏١٩) على القول الثاني بقوله: «ويشهد لهذا القول آية السجدة في أول الحج». وزاد ابنُ عطية (٥‏/‏٤٨٦) قولًا ثالثًا عن فرقة: أن هذا التسبيح «تجوُّز، ومعناه: أن كل شيء تبدو فيه صنعة الصانع الدّالَّة عليه، فتدعو رؤية ذلك إلى التسبيح من المُعتَبِر». ثم علَّق عليه بقوله: «ومِن حجة هذا التأويل قوله تعالى: ﴿إنّا سَخَّرْنا الجِبالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالعَشِيِّ﴾ [ص:١٨]». واعترض أصحاب القول الثاني على هذا القول بقولهم: «ولو كان التسبيح ما قاله الآخرون من أنّه أثر الصنعة لكان أمرًا مفهومًا، والآية تنطق بأن هذا التسبيح لا يُفْقَه». وعلَّق ابنُ عطية على اعتراضهم بقوله: «وينفصل عن هذا الاعتراض بأن يريد بقوله سبحانه: ﴿لا تَفْقَهُونَ﴾ الكفار والغَفَلة، أي: أنهم يُعرضون عن الاعتبار؛ فلا يفقهون حكمة الله -تبارك وتعالى- في الأشياء»

اختُلِف في المعنِيِّ بالإنسان في قوله تعالى: ﴿ولَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ﴾ على قولين: أحدهما: أنه آدم عليه السلام، وإنما قيل: ﴿مِن سُلالة﴾ لأنه استُلَّ من كل الأرض. والثاني: أنه ابن آدم، والسُّلالة: النطفة استُلَّت من الطين، والطين: آدم عليه السلام. ورجَّح ابنُ جرير (١٧‏/‏١٩) مستندًا إلى السياق واللغة القولَ الثاني الذي قاله ابن عباس مِن طريق أبي يحيى، ومجاهد، والكلبي «لدلالة قوله: ﴿ثم جعلناه نطفة في قرار مكين﴾ على أنّ ذلك كذلك؛ لأنّه معلوم أنّه لم يَصِر في قرار مكين إلا بعد خلقه في صُلْب الفحل، ومِن بعد تَحَوُّلِه مِن صلبه صار في قرار مكين، والعرب تسمي ولد الرجل ونطفته: سليله وسلالته. لأنهما مسلولان منه». وعلَّق ابنُ عطية (٦‏/‏٢٨١) على القول الثاني بقوله: «وهذه الفرقة يَتَرَتَّب مع قولها عود الضمير في ﴿جعلناه﴾، ﴿وأنشأنه﴾». ورجَّح ابنُ كثير (١٠‏/‏١١٢) القول الأول مستندًا إلى السياق، ودلالة القرآن، فقال: «وهذا أظهر في المعنى، وأقرب إلى السياق، فإنّ آدم عليه السلام خُلِق مِن طين لازب، وهو الصلصال مِن الحمأ المسنون، وذلك مخلوق من التراب، كما قال تعالى: ﴿ومن آياته أن خلقكم من تراب ثم إذا أنتم بشر تنتشرون﴾ [الروم:٢٠]»

سورة آل عمران — الآية ٦٨

عن [عبد الرحمن] بن غَنْم -من طريق شَهْر بن حَوْشَب-: أنّه لَمّا خرج أصحاب النبي ﷺ إلى النجاشيِّ أدركهم عمرو بن العاص وعُمارة بن أبي مُعَيْطٍ، فأرادوا عَنَتَهم والبغيَ عليهم، فقَدِموا على النجاشي، وأخبروه أنّ هؤلاء الرَّهْط الذين قدموا عليك مِن أهل مكة إنّما يريدون أن يَخْبِلوا عليك مُلْكَك، ويُفْسِدوا عليك أرضَك، ويشتموا ربَّك. فأرسل إليهم النجاشيُّ، فلمّا أن أتوه قال: ألا تسمعون ما يقول صاحباكم هذان -لعمرو بن العاص، وعمارة بن أبي مُعيط-! يزعمان أنّما جِئتُم لتَخْبِلوا عَلَيَّ مُلْكي، وتُفسِدوا عَلَيَّ أرضي. فقال عثمان بن مَظْعُون وحمزة: إن شئتم فخلُّوا بين أحدنا وبين النجاشي، فلنُكَلِّمْه، فأنا أحْدَثُكم سِنًّا، فإن كان صوابًا فالله يأتي به، وإن كان أمرًا غير ذلك قلتم: رجل شابٌّ، لكم في ذلك عذر. فجمع النجاشِيُّ قِسِّيسِيهِ ورُهْبانَه وتَراجِمَتَه، ثم سألهم: أرأيتكم صاحبَكم هذا الذي مِن عنده جئتُم، ما يقول لكم وما يأمركم به وما ينهاكم عنه، هل له كتاب يقرؤه؟ قالوا: نعم، هذا الرجل يقرأ ما أنزل الله عليه، وما قد سمع منه، وهو يأمُرُ بالمعروف، ويأمُرُ بحسن المجاورة، ويأمُرُ باليتيم، ويأمرُ بأن يُعبد الله وحده، ولا يُعبَد معه إلهٌ آخر. فقرأ عليه سورة الروم وسورة العنكبوت وأصحاب الكهف ومريم، فلمّا أن ذكر عيسى في القرآن أراد عمرو أن يُغْضِبَه عليهم، فقال: واللهِ، إنّهم ليشتمون عيسى ويَسُبُّونه. قال النجاشي: ما يقول صاحبكم في عيسى؟ قال: يقول: إنّ عيسى عبد الله، ورسوله، وروحه، وكلمته ألقاها إلى مريم. فأخذ النجاشيُّ نفثةً مِن سواكه قَدْرَ ما يُقَذِّي العين، فحلف: ما زاد المسيحُ على ما يقول صاحبكم، ما يَزِنُ ذلك القَذى في يده مِن نَفْثَةِ سِواكِه، فأبشِروا، ولا تخافوا، فلا دهونة -يعني بلسان الحبشة: اليوم- على حِزب إبراهيم. قال عمرو بن العاصي: ما حِزبُ إبراهيم؟ قال: هؤلاء الرهط وصاحبُهم الذي جاؤوا من عنده ومَن اتبعهم. فأُنْزِلَتْ ذلك اليوم خُصُومَتُهم على رسول الله ﷺ وهو بالمدينة: ﴿إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا النَّبِيّ والذين آمنوا والله ولي المؤمنين﴾

اختُلِف في المخاطب بقوله: ﴿ليس بأمانيكم﴾ على ثلاثة أقوال: الأول: هم أهل الشرك من عبدة الأوثان. والثاني: هم أهل الكتاب خاصة. والثالث: هم أهل الإسلام. ورجَّح ابنُ جرير (٧‏/‏٥١٤-٥١٥ بتصرف) القول الأول الذي قاله مجاهد وابن زيد، وانتَقَد البقية مستندًا إلى السياق، فقال: «لأن المسلمين لم يَجْرِ لأمانيهم ذِكْرٌ فيما مضى مِن الآي قبل قوله: ﴿ليس بأمانيكم﴾، وإنما جرى ذكر أماني نصيب الشيطان المفروض، وذلك في قوله: ﴿ولأمنينهم ولآمرنهم فليبتكن آذان الأنعام﴾، وقوله: ﴿يعدهم ويمنيهم﴾؛ فإلحاق معنى قوله: ﴿ليس بأمانيكم﴾ بما قد جرى ذكره قبلُ أحقُّ وأولى مِن ادِّعاء تأويلٍ فيه لا دلالة عليه من ظاهر التنزيل، ولا أثر عن الرسول ﷺ، ولا إجماع من أهل التأويل... ومما يدل أيضًا على صِحَّة ما قلنا...: إنّ الله وصف وعْد الشيطان ما وعَدَ أولياءه، وأخبر بحال وعْدِه الصادق بقوله: ﴿والذين آمنوا وعملوا الصالحات سندخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا وعد الله حقا﴾، وقد ذكر -جلَّ ثناؤه- مع وصفه وعد الشيطان أولياءه وتمنيته إياهم الأماني بقوله: ﴿يعدهم ويمنيهم﴾ كما ذكر وعده إياهم، فالذي هو أشْبه أن يُتبِع تمنيته إياهم من الصفة بمثل الذي أتبع عِدَتَه إياهم به من الصفة. وإذ كان ذلك كذلك صَحَّ أنّ قوله: ﴿ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب﴾ ﴿من يعمل سوءا يجز به﴾ الآية إنّما هو خبر من الله عن أماني أولياء الشيطان، وما إليه صائِرَةٌ أمانيهم مع سَيِّء أعمالهم من سوء الجزاء، وما إليه صائرة أعمال أولياء الله من حسن الجزاء. وإنما ضمَّ -جل ثناؤه- أهل الكتاب إلى المشركين في قوله: ﴿ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب﴾ لأن أماني الفريقين من تمنية الشيطان إياهم التي وعدهم أن يُمَنِّيهُمُوها بقوله: ﴿ولأضلنهم ولأمنينهم ولآمرنهم﴾». ورجَّح ابنُ تيمية (٢‏/‏٣٤٣-٣٤٤ بتصرف) القول الأخير مستندًا إلى أحوال النزول، فقال: «[وهو] أشهر في النقل، وأظهر في الدليل؛ لأن السورة مدنية بالاتفاق، فالخطاب فيها مع المؤمنين كسائر السور المدنية»