عن محمد بن إسحاق، قال: إنّ أبا بكر لَمّا حدَّث نفسَه بأن يغزو الروم فلم يُطْلِع عليه أحدًا، إذ جاءه شُرَحْبيل بن حَسَنَة، فجلس إليه، فقال: يا خليفةَ رسول الله، أتُحَدِّثُ نفسَك أنّك تبعثُ إلى الشام جُندًا؟ فقال: نعم، قد حدَّثْتُ نفسي بذلك، وما أطْلَعْتُ عليه أحدًا، وما سألتني عنه إلا لشيء. قال: أجل، إنِّي رأيت -يا خليفة رسول الله- فيما يرى النائمُ كأنّك تمشي في الناس فوق خَرْشَفَةٍ مِن الجبل، ثم أقبلتَ تمشي حتى صعدت قُنَّةً من القِنان العالية، فأَشْرَفْتَ على الناس ومعك أصحابك، ثم إنّك هبطت مِن تلك القِنان إلى أرض سهلة دَمِثَةٍ فيها الزَّرع والقرى والحصون، فقلتَ للمسلمين: شُنُّوا الغارةَ على أعداء الله، وأنا ضامِنٌ لكم بالفتح والغنيمة. فشدَّ المسلمون، وأنا فيهم معي راية، فتوجهت بها إلى أهل قرية، فسألوني الأمان، فأمَّنتُهم، ثم جئتُ فأجدُك قد انتهيتَ إلى حصن عظيم، ففَتَحَ اللهُ لك، وأَلْقَوْا إليك السلم، ووضع اللهُ لك مجلسًا، فجلست عليه، ثم قيل لك: يفتح الله عليك وتُنصَر، فاشكر ربك، واعمل بطاعته. ثم قرأ: ﴿إذا جاء نصر الله والفتح ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا﴾ [النصر:١-٣]، ثم انتبهتُ. فقال له أبو بكر: نامت عيناك، خيرًا رأيتَ، وخيرًا يكون إن شاء الله. ثم قال: بَشَّرْتَ بالفتح، ونَعَيْتَ إلَيَّ نفسي. ثم دَمَعَتْ عينا أبي بكر، ثم قال: أمّا الخَرْشَفَة التي رأيتَنا نمشي عليها حتى صعدنا إلى القُنَّةِ العالية فأَشْرَفْنا على الناس؛ فإنّا نُكابِدُ مِن أمر هذا الجند والعدو مَشَقَّةً ويُكابِدونه، ثم نعلو بعدُ ويعلو أمرُنا، وأمّا نزولنا مِن القُنَّةِ العالية إلى الأرض السهلة الدَّمِثَة والزرع والعيون والقرى والحصون؛ فإنّا ننزل إلى أمر أسهل مِمّا كنا فيه مِن الخصب والمعاش، وأمّا قولي للمسلمين: شُنُّوا على أعداء الله الغارة فإنِّي ضامن لكم الفتح والغنيمة؛ فإنّ ذلك دُنُوُّ المسلمين إلى بلاد المشركين، وترغيبِي إيّاهم على الجهاد والأجر والغنيمة التي تقسم لهم وقبولهم، وأمّا الراية التي كانت معك فتوجهتَ بها إلى قرية من قراهم ودخلتها واستأمنوا فأمَّنتَهم؛ فإنّك تكون أحدَ أمراء المسلمين، ويفتح الله على يديك، وأمّا الحصن الذي فتح الله لي؛ فهو ذلك الوجه الذي يفتح الله لي، وأمّا العرش الذي رأيتني عليه جالسًا؛ فإنّ الله يرفعني ويضع المشركين، وقال الله -تبارك وتعالى- ليوسف: ﴿ورفع أبويه على العرش﴾، وأمّا الذي أمرني بطاعة الله وقرأ عَلَيَّ السورة؛ فإنّه نَعى إلَيَّ نفسي، وذلك أنّ النبي ﷺ نعى اللهُ إليه نفسَه حين نزلت هذه السورة، وعلم أنّ نفسَه قد نُعِيَت إليه. ثم سالتا عيناه، فقال: لَآمُرَنَّ بالمعروف، ولَأَنْهَيَنَّ عن المنكر، ولأجهدن فيمَن نزل أمر الله، ولَأُجَهِّزَنَّ الجنود إلى العادلين بالله في مشارق الأرض ومغاربها، حتى يقولوا: الله أحدٌ أحدٌ لا شريك له. أو يُؤَدُّوا الجزيةَ عن يدٍ وهم صاغرون، هذا أمرُ الله وسنةُ رسول الله ﷺ، فإذا تَوَفّاني الله عز وجل لا يجدني اللهُ عاجِزًا ولا وانِيًا ولا في ثواب المجاهدين زاهِدًا. فعند ذلك أمر الأمراء، وبعث إلى الشام البُعُوث
رجَّح ابنُ القيم (١/٣٤٥-٣٤٦) أنّ المراد: أنّ ما كان يخفيه المشركون فبدا لهم يوم القيامة هو حقيقة ما انطووا عليه من علمهم أنهم على باطل، وأن الرسل على حق. وانتَقَد (١/٣٤٤) مستندًا إلى السياق، والدلالات العقلية، ولغة العرب القولَ بأنّ الذي بدا لهم هو العذاب، وبأنهم كانوا يخفون الشرك في بعض المواطن يوم القيامة فلما وقفوا على النار بدا لهم جزاء ما أخفوه، وهو موافق لقول مقاتل، فقال: «وظنوا أنّ الذي بدا لهم العذاب، فلما لم يروا ذلك ملتئمًا مع قوله: ﴿ما كانوا يخفون من قبل﴾ قدَّروا مضافًا محذوفًا، وهو خبر ما كانوا يخفون من قبل، فدخل عليهم أمرٌ آخر لا جواب لهم عنه، وهو أنّ القوم لم يكونوا يخفون شركهم وكفرهم، بل كانوا يظهرونه ويدعون إليه، ويحاربون عليه، ولَمّا علموا أنّ هذا وارد عليهم، قالوا: إنّ القوم في بعض موارد القيامة ومواطنها أخفوا شركهم وجحدوه، وقالوا: ﴿والله ربنا ما كنا مشركين﴾. فلما وقفوا على النار بدا لهم جزاء ذلك الذي أخفوه». وذكر ابنُ عطية (٣/٣٤٣) نقلًا عن الزهراوي أنّ هناك من قال بأن الآية في المنافقين؛ لأنهم كانوا يخفون الكفر فبان لهم وباله يوم القيامة. وانتقده مستندًا للسياق بقوله: «وتقلق العبارة على هذا التأويل؛ لأنه قال: ﴿وقفوا﴾ يريد جماعة كفار، ثم قال: ﴿بدا لهم﴾ يريد: المنافقين من هؤلاء الكفار، والكلام لا يعطي هذا إلا على تحامل». ووجَّهه ابنُ كثير (٦/٢٣) بقوله: «ويحتمل أن يكون المراد بهؤلاء المنافقين: الذين كانوا يظهرون للناس الإيمان ويبطنون الكفر، ويكون هذا إخبارًا عما يكون يوم القيامة من كلام طائفة من الكفار، ولا ينافي هذا كون هذه السورة مكية، والنفاق إنما كان من بعض أهل المدينة ومَن حولها من الأعراب، فقد ذكر الله وقوع النفاق في سورة مكية، وهي العنكبوت، فقال: ﴿وليعلمن الله الذين آمنوا وليعلمن المنافقين (١١)﴾؛ وعلى هذا فيكون إخبارًا عن حال المنافقين في الدار الآخرة، حين يعاينون العذاب يظهر لهم حينئذ غب ما كانوا يبطنون من الكفر والشقاق والنفاق». وذكر ابنُ عطية (٣/٣٤٣-٣٤٤) أنّ الزهراوي قال: وقيل: إنّ الكفار كانوا إذا وعظهم النبي ﷺ خافوا، وأخفوا ذلك الخوف؛ لئلا يشعر به أتباعهم، فظهر لهم ذلك يوم القيامة. ثم قال: «ويصِحُّ أن يكون مقصد الآية الإخبار عن هول ما لقوه والتعظيم لما شقوا به، فعبر عن ذلك بأنهم ظهرت لهم مستوراتهم في الدنيا من معاص وغير ذلك، فكيف الظن -على هذا- بما كانوا يعلنون من كفر ونحوه، وينظر إلى هذا التأويل قوله تعالى في تعظيم شأن يوم القيامة: ﴿يوم تبلى السرائر﴾ [الطارق:٩]، ويصح أن يقدر الشيء الذي كانوا يخفونه في الدنيا نبوة محمد ﷺ وأقواله، وذلك أنّهم كانوا يخفون ذلك في الدنيا بأن يحقروه عند مَن يرد عليهم ويصفوه بغير صفته ويتلقوا الناس على الطرق، فيقولون لهم: هو ساحر، هو يفرق بين الأقارب. يريدون بذلك إخفاء أمره وإبطاله، فمعنى هذه الآية -على هذا-: بل بدا لهم يوم القيامة أمرك وصدقك وتحذيرك وإخبارك بعقاب مَن كفر الذي كانوا يخفونه في الدنيا، ويكون الإخفاء على ما وصفناه». ثم نقل عن الزجاج أنّه قال: المعنى: ظهر للذين اتبعوا الغواة ما كان الغواة يخفون من البعث. وعلَّق عليه بقوله: «فالضميران على هذا ليسا لشيء واحد». ثم ذكر أن المهدويَّ حكى عن الحسن نحو هذا
علَّق ابنُ جرير (٧/٥٣٩) على قول محمد بن أبي موسى بقوله: «فعلى هذا القول: الذي يتلى علينا في الكتاب: الذي قال الله -جل ثناؤه-: ﴿قل الله يفتيكم فيهن وما يتلى عليكم﴾، ﴿وإن امرأة خافت من بعلها نشوزًا أو إعراضًا﴾ الآية. والذي سأل القوم فأجيبوا عنه: في يتامى النساء اللاتي كانوا لا يؤتونهن ما كتب الله لهن من الميراث عمَّن ورثته عنه». وانتقده مستندًا للإجماع، والسياق، فقال: «فأما الذي ذكر عن محمد بن أبي موسى فإنّه -مع خروجه من قول أهل التأويل- بعيدٌ مما يدل عليه ظاهر التنزيل؛ وذلك أنه... إذا وُجِّه الكلام إلى المعنى الذي تأوَّله صار الكلام مبتدأ من قوله: ﴿في يتامى النساء اللاتي لا تؤتونهن ما كتب لهن﴾، ترجمةً بذلك عن قوله: ﴿فيهن﴾، ويصير معنى الكلام: قل الله يفتيكم فيهن في يتامى النساء اللاتي لا تؤتونهن. ولا دلالة في الآية على ما قاله، ولا أثر عمن يُعلم بقوله صحةُ ذلك، وإذ كان ذلك كذلك كان وصل معاني الكلام بعضه ببعض أولى، ما وُجِد إليه سبيل». وانتَقَدَه ابنُ عطية (٣/٣٢) مستندًا للغة، فقال: «ويُضْعِف هذا التأويلَ ما فيه من العطف على الضمير المخفوض بغير إعادة حرف الخفض». ثم قال: «ويحتمل أن تكون ﴿وما﴾ في موضع رفع عطفًا على اسم الله عز وجل، أي: ويفتيكم ما يتلى عليكم في الكتاب، يعني: القرآن، والإشارة بهذا إلى ما تقدم من الآيات في أمر النساء، وهو قوله تعالى في صدر السورة: ﴿وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء﴾ [النساء:٣]». وهو قول عائشة المتقدم في أول تفسير الآية
رجّح ابنُ عطية (٣/٥٥٣) أنّ الإثم في الآيةِ لفظ عامٌّ لجميع الأقوال والأفعال التي يتعلق بمرتكبها إثم، قال: «﴿والإثْمَ﴾: لفظه عامٌّ لجميع الأفعال والأقوال التي يتعلق بمرتكبها إثم». ثم أشار إلى ما جاء في قول الحسن من أنّ الإثم الخمر، وانتَقَدَه (٣/٥٥٣-٥٥٤) مستندًا إلى زمن النزول، واللغة، ودلالة العقل قائلًا: ""وقال بعضُ الناس: هي الخمر. واحتجَّ على ذلك بقول الشاعر:شربت الإثم حتى طار عقليوهذا قول مردودٌ؛ لأنّ هذه السورة مكية، ولم تعن الشريعة لتحريم الخمر إلا بالمدينة بعد أُحُد؛ لأن جماعة من الصحابة اصطحبوها يوم أحد، وماتوا شهداء وهي في أجوافهم، وأيضًا فبيت الشعر يُقال: إنّه مصنوع مُخْتَلق. وإن صحَّ فهو على حذف مضاف، وكان ظاهر القرآن على هذا القول أنّ تحريم الخمر من قوله تعالى: ﴿«يَسْئَلُونَكَ عَنِ الخَمْرِ والمَيْسِرِ قُلْ فِيهِما إثْمٌ كَبِيرٌ﴾ [البقرة:٢١٩]، وهو في هذه الآية قد حرم، فيأتي من هذا أنّ الخمر إثم، والإثم مُحَرَّم؛ فالخمر محرمة. ولكن لا يصح هذا؛ لأن قوله: ﴿فِيهِما إثْمٌ﴾ لفظ محتمل أن يراد به: أنه يلحق الخمر من فساد العقل والافتراء وقتل النفس وغير ذلك آثام، فكأنه قال: في الخمر هذه الآثام، أي: هي بسببها ومعها، وهذه الأشياء محرمة لا محالة، وخرجت الخمر من التحريم على هذا، ولم يترتب القياس الذي ذهب إليه قائل ما ذكرناه، ويعضد هذا أنّا وجدنا الصحابة يشربون الخمر بعد نزول قوله: ﴿قُلْ فِيهِما إثْمٌ﴾، وفي بعض الأحاديث: فتَرَكها قومٌ للإثم الذي فيها، وشربها قوم للمنافع. وإنّما حُرِّمت الخمر بظواهر القرآن، ونصوص الأحاديث، وإجماع الأمة»
اختلف في المعنيّ بهذه الآية على أقوال: الأول: إنّما ذلك لعائشة خاصة. الثاني: أزواج النبيّ ﷺ خاصة. الثالث: نزلت هذه الآية في أزواج النبي ﷺ، فكان ذلك كذلك حتى نزلت الآية التي في أول السورة فأوجب الجلد، وقَبِل التوبة. الرابع: نزلت في شأن عائشة، وهي عامة. ووجَّه ابنُ كثير (١٠/١٩٩) القول الأول بأنّ مراد قائليه: أنّ سبب النزول كان في عائشة دون غيرها، وإن كان الحكم يعمها وغيرها. ورجَّح ابنُ جرير (١٧/٢٣٠) مستندًا إلى دلالة العموم القولَ الرابع الذي قاله ابن عباس من طريق ابن حَوْشَب، وميمون، وابن زيد، فقال: «لأنّ الله عَمَّ بقوله: ﴿إن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات﴾ كلَّ محصنة غافلة مؤمنة رماها رامٍ بالفاحشة، مِن غير أن يَخُصَّ بذلك بعضًا دون بعض، فكلُّ رامٍ محصنةً بالصِّفة التي ذكر الله -جلَّ ثناؤه- في هذه الآية فملعونٌ في الدنيا والآخرة، وله عذاب عظيم، إلّا أن يتوب مِن ذنبه ذلك قبل وفاته». وكذا رجَّحه ابنُ كثير (١٠/٢٠٠) مستندًا إلى السنة، فقال: «وهو الصحيح، ويعضد العموم ما رواه ابن أبي حاتم...» وساق حديث: «اجتنبوا السبع الموبقات» الوارد في الآثار المتعلقة بالآية. وذكر ابنُ عطية (٦/٣٦٤-٣٦٥) أنّ اللعنة في هذه الآية: الإبعاد، وضرب الحدّ، واستيحاش المؤمنين منهم، وهجرهم لهم، وزوالهم عن رتبة العدالة. ثم علَّق قائلًا: «وعلى مَن قال: إنّ هذه الآية خاصة لعائشة. تترتب هذه الشدائد في جانب عبد الله بن أُبَيٍّ وأشباهه». وعلَّق ابنُ تيمية (٤/٥٠٢-٥٠٣) على القول بالعموم بقوله: «هذا قول كثير من الناس، ووجه ظاهر الخطاب؛ فإنه عام، فيجب إجراؤه على عمومه، إذ لا مُوجِب لخصوصه، وليس هو مختصًّا بنفس السبب بالاتفاق؛ لأنّ حكم غير عائشة من أزواج النبي ﷺ داخل في العموم، وليس هو من السبب، ولأنه لفظ جمع، والسبب في واحدة؛ ولأنّ قصر عمومات القرآن على أسباب نزولها باطل، فإن عامة الآيات نزلت بأسباب اقتضت ذلك، وقد علم أن شيئًا منها لم يقصر على سببه. والفرقُ بين الآيتين أنّه في أول السورة ذكر العقوبات المشروعة على أيدي المكلفين من الجلد ورد الشهادة والتفسيق، وهنا ذكر العقوبة الواقعة من الله سبحانه، وهي اللعنة في الدارين والعذاب العظيم. وقد رُوي عن النبي ﷺ من غير وجه وعن أصحابه أن قذف المحصنات من الكبائر، وفي لفظ في الصحيح: «قذف المحصنات الغافلات المؤمنات». وكان بعضهم يتأول على ذلك قوله: ﴿إن الذين يرمون المحصنات الغافلات﴾». وذكر (٤/٤٩٧-٥٠٢) أنّ القول بخصوص الآية في عائشة وأزواج النبي يُؤَيِّده ما يلي: أولًا: أنّ ذلك إيذاء للنبي، ومعلوم أن إيذاءه نفاق، والمنافق يجب قتله إذ لم تقبل توبته، والله فرَّق بين إيذاء النبي وإيذاء غيره من المؤمنين فقال: ﴿إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة وأعد لهم عذابا مهينا * والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتانا وإثما مبينا﴾ [الأحزاب:٥٧-٥٨]. ثانيًا: أنّ لعْنة الله في الدنيا والآخرة لا تُسْتَوْجَب بمجرد القذف؛ فتكون اللام في قوله: ﴿المحصنات الغافلات المؤمنات﴾ لتعريف المعهود، والمعهود هنا أزواج النبي ﷺ؛ لأنّ الكلام في قصة الإفك ووقوع مَن وقع في أم المؤمنين عائشة، أو يقصر اللفظ العام على سببه للدليل الذي يُوجِب ذلك. ثالثًا: أنّ الله سبحانه رَتَّب هذا الوعيد على قَذْف محصنات غافلات مؤمنات، وقال في أول السورة: ﴿والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة﴾ الآية. فرَتَّب الحدَّ وردّ الشهادة والفسق على مجرد قذف المحصنات، فلا بُدَّ أن يكون المحصنات الغافلات المؤمنات لهن مزية على مجرد المحصنات؛ وذلك لأنّ أزواج النبي ﷺ مشهود لهن بالإيمان؛ ولأنهن أمهات المؤمنين أزواج النبي في الدنيا والآخرة، وعوام المسلمات إنما يُعلَم منهنَّ في الغالب ظاهر الإيمان. رابعًا: أنّ الله سبحانه قال في قصة عائشة: ﴿والذي تولى كبره منهم له عذاب عظيم﴾، فتخصيصه متولي كبره دون غيره دليلٌ على اختصاصه بالعذاب العظيم، وقال: ﴿ولولا فضل الله عليكم ورحمته في الدنيا والآخرة لمسكم في ما أفضتم فيه عذاب عظيم﴾ فعُلِم أنّ العذاب العظيم لا يَمَسُّ كُلَّ مَن قذف، وإنّما يَمَسُّ مُتَوَلِّي كبرَه فقط، وقال هنا: ﴿ولهم عذاب عظيم﴾، فعُلِم أنّ الذي رمى أمهات المؤمنين يعيب بذلك رسوله ﷺ وتولى كبر الإفك، وهذه صفة المنافق ابن أبي. وأورد إشكالًا على هذا القول حاصلُه: أنّه كان مِن أهل الإفك حمنة وحسان ومسطح، ولم يُرموا بنفاق، ولم يقتل النبي أحدًا بذلك السب، بل قد اختُلِف في جلدهم. وأجاب عليه: بأنّ هؤلاء لم يقصدوا إيذاء النبي، ولم يظهر منهم دليل على الرغبة في ذلك، بخلاف ابن سلول الذي قصد إيذاءه، ولم يكن معلومًا وقت الحادثة أنّ أزواج النبي في الدنيا أزواجه في الآخرة، فكان وقوع ذلك مِن أزواجه ممكنًا عَقْلًا، ولإمكان أن يُطَلِّق النبيُّ المرأة المقذوفة، فأمّا بعد العلم بأن زوجاته أمهات المؤمنين هُنَّ زوجاته أيضًا في الآخرة صار قذفُهُنَّ أذًى بكل حال لعدم جواز وقوع الفاحشة منهن؛ لامتناع أن يقيم النبيُّ مع بَغِيٍّ
عن عبد الله بن عباس، عن جابر بن عبد الله بن رئاب -من طريق ابن إسحاق، عن الكلبي، عن أبي صالح- قال: مَرَّ أبو ياسر بن أخْطَب، فجاء رجلٌ من يهود لرسول الله ﷺ، وهو يتلو فاتحة سورة البقرة: ﴿الم ذلك الكتاب لا ريب فيه﴾. فأتى أخاه حُيَيَّ بن أخْطَبَ في رِجالٍ من اليهود، فقال: أتعلمون، واللهِ، لقد سمعتُ محمدًا يتلو فيما أنزل عليه: ﴿الم ذلك الكتاب﴾. فقال: أنت سمعتَه؟ قال: نعم. فمشى حتى وافى أولئك النفر إلى رسول الله ﷺ، فقالوا: ألم تقل: إنّك تتلو فيما أُنزل عليك: ﴿الم ذلك الكتاب﴾؟ فقال: «بلى». فقالوا: لقد بُعث بذلك أنبياء، ما نعلمُه بُيِّن لنبيٍّ منهم ما مُدَّةُ مُلْكِه وما أجَلُ أُمَّتِهِ غيرَك! الألف واحدة، واللام ثلاثون، والميم أربعون، فهذه إحدى وسبعون سنة. ثم قال: يا محمد، هل مع هذا غيره؟ قال: «نعم، ﴿المص﴾». قال: هذه أثقلُ وأطولُ، الألف واحدة، واللام ثلاثون، والميم أربعون، والصاد تسعون، فهذه إحدى وثلاثون ومائة، هل مع هذا غيره؟ قال: «نعم، ﴿الر﴾». قال: هذه أثقل وأطول، الألف واحدة، واللام ثلاثون، والراء مائتان، هذه إحدى وثلاثون ومائتا سنة، هل مع هذا غيره؟ قال: «نعم، ﴿المر﴾». قال: هذه أثقل وأطول، هذه إحدى وسبعون ومائتان. ثُمَّ قال: لقد لُبِّس علينا أمرُك حتى ما ندري أقليلًا أُعطيتَ أم كثيرًا؟! ثم قال: قوموا عنه. ثم قال أبو ياسر لأخيه ومَن معه: ما يدريكم، لعلَّه قد جُمِع هذا كله لمحمد؟! إحدى وسبعون، وإحدى وثلاثون ومائة، وإحدى وثلاثون ومائتان، وإحدى وسبعون ومائتان، فذلك سبعمائة وأربع سنين. فقالوا: لقد تشابه علينا أمرُه. فيزعمون: أنّ هذه الآيات نزلت فيهم: ﴿هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات﴾
عن زيد بن أرْقَم -من طريق أبي سعيد- قال: غَزَونا مع رسول الله ﷺ، وكان معنا ناس من الأعراب، فكُنّا نَبْتَدِر الماء، وكان الأعراب يَسبقونا إليه، فَيَسبِق الأعرابيُّ أصحابَه، فيَملأ الحوض، ويَجعل حوله حجارة، ويَجعل النِّطْعَ عليه حتى يجيء أصحابه، فأتى رجلٌ مِن الأنصار أعرابيًّا، فأَرخى زِمام ناقته لتَشرب، فأبى أن يَدَعه، فانتَزع حجرًا، ففاض الماء، فرفَع الأعرابيُّ خشبةً، فضَرب بها رأس الأنصاريّ، فشَجّه، فأتى عبد الله بن أُبيّ رأس المنافقين، فأَخبَره، وكان من أصحابه، فغَضِب، وقال: لا تُنفِقوا على مَن عند رسول الله حتى يَنفَضُّوا من حوله. يعني: الأعراب، وكانوا يَحضُرون رسول الله ﷺ عند الطعام، فقال عبدُ الله لأصحابه: إذا انفَضُّوا من عند محمد فائتُوا محمدًا بالطعام فليأكل هو ومَن عنده. ثم قال لأصحابه: إذا رَجعتم إلى المدينة فليُخرِج الأَعزُّ منها الأَذلَّ. قال زيد: وأنا رِدْف عمّي، فسمعتُ عبد الله، وكُنّا أخواله، فأَخبَرتْ عمّي، فانطلَق، فأَخبَر رسول الله ﷺ، فأَرسَل إليه رسول الله، فحَلف وجَحد، فصَدَّقه رسول الله ﷺ وكذَّبني، فجاء عمّي إليّ، فقال: ما أردتَ إلا أن مقَتَك رسول الله ﷺ، وكذَّبك، وكذَّبك المسلمون. فوقع عليّ مِن الهمّ ما لم يقع على أحد قطّ، فبينما أنا أسِير وقد خَفَقْتُ برأسي من الهمّ إذ آتاني رسول الله ﷺ، فعَرَك أُذُني، وضَحك في وجهي، فما كان يَسُرُّني أنّ لي بها الخُلْد أو الدنيا، ثمّ إنّ أبا بكر لَحِقني، فقال: ما قال لك رسول الله ﷺ؟ قلتُ: ما قال لي شيئًا، إلا أنّه عَرَك أُذُني، وضَحك في وجهي. فقال: أبْشِر. ثمّ لَحِقني عمر، فقلتُ له مثل قولي لأبي بكر، فلمّا أصبَحنا قرأ رسول الله ﷺ سورة المنافقين: ﴿إذا جاءَكَ المُنافِقُونَ قالُوا نَشْهَدُ إنَّكَ لَرَسُولُ﴾ حتى بلغ: ﴿لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنها الأَذَلَّ﴾
اختُلف في معنى: ﴿فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ﴾ -بعد اتفاقهم على أنّ «المكنون»: المصون- على أقوال: الأول: أنه كتاب في السماء. الثاني: أنه التوراة والإنجيل. الثالث: اللوح المحفوظ. ووجَّه ابنُ عطية (٨/٢١٠) القول الثاني بقوله: «كأنه تعالى قال: إنه لكتابٌ كريمٌ، ذُكِر كرمه وشرفه فِي كتابٍ مكنونٍ، فمعنى الآية -على هذا-: الاستشهاد بالكتب المنزّلة، وهذا كقوله عز وجل: ﴿إنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتابِ اللَّهِ﴾ [التوبة:٣٦]». ونقل عن بعض المتأوِّلين أنّ المراد: «مصاحف المسلمين، وكانت يوم نَزَلَتْ الآية لم تكن». ثم وجَّهه بقوله: «فهي -على هذا- إخبار بغيب، وكذلك هو كتاب مصون إلى يوم القيامة، ويؤيد هذا لفظة المَسِّ؛ فإنها تشير إلى المصاحف، وهي مستعارة من مسِّ الملائكة». ورجَّح ابنُ القيم (٣/١١٧) -مستندًا إلى دلالة ظاهر الآية- أنّ «الكتاب المكنون»: هو الكتاب الذي بأيدي الملائكة، فقال: «والصحيح أنه الكتاب الذي بأيدي الملائكة، وهو المذكور في قوله: ﴿فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ بِأَيْدِي سَفَرَةٍ كِرامٍ بَرَرَةٍ﴾ [عبس:١٣-١٦]، ويدل على أنه الكتاب الذي بأيدي الملائكة قوله: ﴿لا يَمَسُّهُ إلا المُطَهَّرُونَ﴾، فهذا يدل على أنه بأيديهم يمسّونه، وهذا هو الصحيح في معنى الآية». ثم بيَّن أوجه ترجيح هذا القول، وانتقد قول من قال: إنّ المراد مصاحف المسلمين مستندًا إلى الدلالة العقلية، فقال: «أحدها: أن ّالآية سيقت تنزيهًا للقرآن أن تنزل به الشياطين، وأنّ محله لا يصل إليه فيمسّه إلا المطهّرون، فيستحيل على أخابث خلْق الله وأنجسهم أن يصلوا إليه أو يمسّوه، كما قال تعالى: ﴿وما تَنَزَلَتْ بِهِ الشَّياطِينُ وما يَنْبَغِي لَهُمْ وما يَسْتَطِيعُونَ﴾ [الشعراء:٢١٠-٢١١]، فنفى الفعل وتَأَتِّيه منهم، وقدرتهم عليه، فما فعلوا ذلك ولا يليق بهم، ولا يقدرون عليه، فإنّ الفعل قد ينتفي عمّن يحسن منه، وقد يليق بمن لا يقدر عليه، فنفى عنهم الأمور الثلاثة، وكذلك قوله في سورة عبس [١٣-١٦]: ﴿فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ بِأَيْدِي سَفَرَةٍ كِرامٍ بَرَرَةٍ﴾، فوصف محله بهذه الصفات بيانًا أنّ الشيطان لا يمكنه أن يتنزل به، وتقرير هذا المعنى أهمّ وأجمل وأنفع من بيان كون المصحف لا يمسّه إلا طاهر. الوجه الثاني: أنّ السورة مكية، والاعتناء في السور المكية إنما هو بأصول الدين، من تقرير التوحيد والمعاد والنبوة، وأما تقرير الأحكام والشرائع فمظنّة السور المدنية. الثالث: أنّ القرآن لم يكن في مصحف عند نزول هذه الآية، ولا في حياة رسول الله ﷺ، وإنما جُمع في المصحف في خلافة أبي بكر، وهذا وإن جاز أن يكون باعتبار ما يأتي فالظاهر أنه إخبار بالواقع حال الإخبار، يوضّحه الوجه الرابع: وهو قوله: ﴿فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ﴾ والمكنون: المصون المستور عن الأعين الذي لا تناله أيدي البشر، كما قال تعالى: ﴿كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ﴾ [الصافات:٤٩] وهكذا قال السلف، قال الكلبي: مكنون من الشياطين. وقال مقاتل: مستور. وقال مجاهد: لا يصيبه تراب ولا غبار. وقال أبو إسحاق: مصون في السماء. يوضّحه الوجه الخامس: أنّ وصفه بكونه مكنونًا نظير وصفه بكونه محفوظًا؛ فقوله: ﴿إنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ﴾ كقوله: ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ [البروج:٢١-٢٢] يوضحّه الوجه السادس: أنّ هذا أبلغ في الردّ على المكذّبين وأبلغ في تعظيم القرآن مِن كون المصحف لا يمسّه مُحدث. الوجه السابع: قوله: ﴿لا يَمَسُّهُ إلا المُطَهَّرُونَ﴾ بالرفع، فهذا خبر لفظًا ومعنًى، ولو كان نهيًا لكان مفتوحًا، ومَن حمل الآية على النهي احتاج إلى صرف الخبر عن ظاهره إلى معنى النهي، والأصل في الخبر والنهي حمل كلٍّ منهما على حقيقته، وليس ههنا موجب يوجب صرف الكلام عن الخبر إلى النهي. الوجه الثامن: أنه قال: ﴿إلا المُطَهَّرُونَ﴾ ولم يقل: إلا المتطهّرون، ولو أراد به منع المُحدث مِن مسّه لقال: إلا المتطهّرون، كما قال تعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوّابِينَ ويُحِبُّ المُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة:٢٢٢]، وفي الحديث: «اللهم، اجعلني من التوابين، واجعلني من المتطهرين». فالمتطهّر فاعل التطهير، والمطهّر الذي طهّره غيره، فالمتوضئ متطهّر، والملائكة مطهّرون. الوجه التاسع: أنه لو أريد به المصحف الذي بأيدينا لم يكن في الاخبار عن كونه مكنونًا كبير فائدة؛ إذ مجرد كون الكلام مكنونًا في كتاب لا يستلزم ثبوته، فكيف يمدح القرآن بكونه مكنونًا في كتاب، وهذا أمر مشترك، والآية إنما سيقت لبيان مدحه وتشريفه وما اختص به من الخصائص التي تدل على أنه منزلٌ من عند الله وأنه محفوظ مضمون لا يصل إليه شيطان بوجهٍ ما، ولا يمسّ محله إلا المطهّرون وهم السّفرة الكرام البررة. الوجه العاشر: ما رواه سعيد بن منصور في سننه: حدثنا أبو الأحوص، حدثنا عاصم الأحول، عن أنس بن مالك، في قوله: ﴿لا يمسه إلا المطهرون﴾، قال: ﴿المطهّرون﴾ الملائكة. وهذا عند طائفة من أهل الحديث في حكم المرفوع، وقال الحاكم: تفسير الصحابة عندنا في حكم المرفوع، ومن لم يجعله مرفوعًا فلا ريب أنه عنده أصحّ من تفسير مَن بعد الصحابة، والصحابة أعلم الأمة بتفسير القرآن، ويجب الرجوع إلى تفسيرهم. وقال حرب في مسائله: سمعت إسحاق في قوله: ﴿لا يمسه إلا المطهرون﴾ قال: النسخة التي في السماء لا يمسها إلا المطهرون قال الملائكة». وذكر ابنُ تيمية (٦/١٨٩) أن اللوح المحفوظ مراد من هذه الآية، فقال: «والصحيح اللوح المحفوظ الذي في السماء مراد من هذه الآية، وكذلك الملائكة مرادون مِن قوله: ﴿المُطَهَّرُونَ﴾ لوجوه: أحدهما: إنّ هذا تفسير جماهير السلف من الصحابة ومَن بعدهم حتى الفقهاء الذين قالوا: لا يمس القرآن إلا طاهر، من أئمة المذاهب صرّحوا بذلك، وشبهوا هذه الآية بقوله: ﴿كَلّا إنَّها تَذْكِرَةٌ فَمَن شاءَ ذَكَرَهُ فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ بِأَيْدِي سَفَرَةٍ كِرامٍ بَرَرَةٍ﴾ [عبس:١١-١٦]. وثانيها: أنه أخبر أن القرآن جميعه في كتاب، وحين نَزَلَتْ هذه الآية لم يكن نزل إلا بعض المكي منه، ولم يجمع جميعه في المصحف إلا بعد وفاة النبي ﷺ. وثالثها: أنه قال: ﴿فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ﴾ والمكنون: المصون المحرّر الذي لا تناله أيدي المضلّين، فهذه صفة اللوح المحفوظ. ورابعها: أنّ قوله: ﴿لا يَمَسُّهُ إلّا المُطَهَّرُونَ﴾ صفة للكتاب، ولو كان معناها الأمر لم يصح الوصف بها، وإنما يوصف بالجملة الخبرية. وخامسها: أنه لو كان معنى الكلام الأمر لقيل: فلا يمسه؛ لتوسط الأمر بما قبله. وسادسها: أنه قال: ﴿المُطَهَّرُونَ﴾، وهذا يقتضي أن يكون تطهيرهم من غيرهم، ولو أريد طهارة بني آدم فقط لقيل: المتطهّرون، كما قال تعالى: ﴿فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أنْ يَتَطَهَّرُوا واللَّهُ يُحِبُّ المُطَّهِّرِينَ﴾ [التوبة:١٠٨]، وقال تعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوّابِينَ ويُحِبُّ المُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة:٢٢٢]. وسابعها: أنّ هذا مسوق لبيان شرف القرآن، وعلوه، وحفظه»
عن عبد الله بن عباس -من طريق شَهْر بن حَوْشَب- أنه قال: إذا كان يوم القيامة مُدّت الأرض مَدّ الأديم، وزِيد في سعتها كذا وكذا، وجمع الخلائق بصعيد واحد؛ جِنّهم وإنسِهم، فإذا كان ذلك اليوم قِيضتْ هذه السماء الدنيا عن أهلها على وجه الأرض، ولأهل السماء وحدهم أكثر من أهل الأرض جِنّهم وإنسِهم بضعْفٍ، فإذا نُثِروا على وجه الأرض فزعوا منهم، فيقولون: أفيكم ربّنا؟ فيَفزعون مِن قولهم، ويقولون: سبحان ربّنا، ليس فينا، وهو آتٍ. ثم تُقاض السماء الثانية، ولَأهل السماء الثانية وحدهم أكثر مِن أهل السماء الدنيا ومِن جميع أهل الأرض بضعْف جِنّهم وإنسِهم، فإذا نُثِروا على وجه الأرض فزع إليهم أهل الأرض، فيقولون: أفيكم ربّنا؟ فيَفزعون من قولهم، ويقولون: سبحان ربّنا، ليس فينا، وهو آتٍ. ثم تُقاض السموات سماء سماء، كلما قِيضتْ سماء عن أهلها كانت أكثر من أهل السموات التي تحتها ومن جميع أهل الأرض بضعْفٍ، فإذا نُثِروا على وجه الأرض فزع إليهم أهل الأرض، فيقولون لهم مثل ذلك، ويرجعون إليهم مثل ذلك، حتى تُقاض السماء السابعة، فلَأهل السماء السابعة أكثر من أهل ست سموات ومِن جميع أهل الأرض بضعْفٍ، فيجيء الله فيهم، والأمم جُثًا صفوف، وينادي منادٍ: ستعلمون اليوم مَن أصحاب الكرم، لِيَقُم الحَمُّادون لله على كل حال. قال: فيقومون، فيَسْرَحون إلى الجنة؛ ثم ينادي الثانية: ستعلمون اليوم مَن أصحاب الكرم، أين الذين كانت ﴿تَتَجافى جُنُوبُهُمْ عَنِ المَضاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وطَمَعًا ومِمّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [السجدة:١٦]؟ فيقومون، فيَسْرَحون إلى الجنة؛ ثم ينادي الثالثة: ستعلمون اليوم مَن أصحاب الكرم، أين الذين ﴿لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ ولا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وإقامِ الصَّلاةِ وإيتاءِ الزَّكاةِ يَخافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ القُلُوبُ والأَبْصارُ﴾ [النور:٣٧]؟ فيقومون، فيَسْرَحون إلى الجنة، فإذا أخذ من هؤلاء ثلاثة خرج عُنقٌ من النار، فأشرف على الخلائق، له عينان تُبصِران، ولسان فصيح، فيقول: إنّي وُكِّلتُ منكم بثلاثة: بكلّ جبّار عنيد. فيَلْقُطُهم من الصفوف لَقْط الطير حبَّ السِّمْسم، فيُحبس بهم في جهنم، ثم يخرج ثانية، فيقول: إني وُكِّلتُ منكم بمن آذى الله ورسوله. فيَلْقُطُهم لَقْط الطير حبَّ السِّمْسم، فيُحبس بهم في جهنم، ثم يخرج ثالثة، قال عوف، قال أبو المنهال: حسبتُ أنه يقول: وُكِّلتُ بأصحاب التصاوير. فيَلتقطهم من الصفوف لَقْط الطير حبَّ السِّمْسم، فيُحبس بهم في جهنم، فإذا أخذ من هؤلاء ثلاثة ومن هؤلاء ثلاثة نُشرت الصحف، ووُضعت الموازين، ودُعي الخلائق للحساب
عن وهب بن منبه -وكان له علم بالأحاديث الأولى- أنه كان يقول: كان ذو القرنين رجلًا من الروم، ابن عجوز مِن عجائزهم، ليس لها ولد غيره، وكان اسمه: الإسكندريس، وإنما سمي: ذا القرنين؛ أن صفحتي رأسه كانتا من نحاس، فلما بلغ -وكان عبدًا صالحًا- قال الله له: يا ذا القرنين، إنِّي باعثك إلى أُمَم الأرض، منهم أمتان بينهما طول الأرض كلها، ومنهم أمتان بينهما عرض الأرض كلها، وأمم في وسط الأرض، منهم الجن والإنس ويأجوج ومأجوج، فأما اللتان بينهما طول الأرض فأُمَّة عند مغرب الشمس يُقال لها: ناسك، وأما الأخرى فعند مطلعها يقال لها: منسك، وأما اللتان بينهما عرض الأرض فأُمَّة في قُطْر الأرض الأيمن يُقال لها: هاويل، وأما الأخرى التي في قطر الأرض الأيسر فأُمَّة يقال لها: تاويل. فلما قال الله له ذلك قال له ذو القرنين: يا إلهي، أنت قد ندبتني لأمر عظيم، لا يَقْدُرُ قَدْرَه إلا أنت، فأخبِرني عن هذه الأمم التي تبعثني إليها بأيِّ قوة أكابرهم؟ وبأي جمع أكاثرهم؟ وبأي حيلة أكايدهم؟ وبأي صبر أقاسيهم؟ وبأي لسان أناطقهم؟ وكيف لي بأن أفقه لغاتهم؟ وبأي سمع أعِي قولهم؟ وبأيِّ بصر أنفذهم؟ وبأي حجة أخاصمهم؟ وبأي قلب أعقل عنهم؟ وبأي حكمة أُدَبِّر أمرهم؟ وبأي قسط أعدل بينهم؟ وبأي حلم أصابرهم؟ وبأي معرفة أفصل بينهم؟ وبأي علم أتقن أمرهم؟ وبأي يد أسطو عليهم؟ وبأي رِجل أطؤهم؟ وبأي طاقة أخْصِمُهم؟ وبأيِّ جند أقاتلهم؟ وبأي رفق أستألفهم؟ فإنّه ليس عندي -يا إلهي- شيءٌ مما ذكرت يقرن لهم، ولا يقوى عليهم، ولا يُطِيقهم، وأنت الربُّ الرحيم الذي لا تُكَلِّف نفسًا إلا وسعها، ولا تُحَمِّلها إلا طاقتها، ولا تُعْنِتُها، ولا تَفْدَحُها، بل ترأفها وترحمها. فقال له الله عز وجل: إنِّي سأُطَوِّقك ما حَمَّلْتُك، أشرح لك صدرك فيَتَّسِعُ لكل شيء، وأشرح لك فهمك فتفقه كل شيء، وأبسط لك لسانك فتنطق بكل شيء، وأفتح لك سمعك فتعي كل شيء، وأمد لك بصرك فتنفذ كل شيء، وأُدَبِّر لك أمرك فتتقن كل شيء، وأحصي لك فلا يفوتك شيء، وأحفظ عليك فلا يعزب عنك شيء، وأشد لك ظهرك فلا يَهُدُّك شيء، وأشد لك رُكْنَك فلا يغلِبك شيء، وأشدُّ لك قلبك فلا يَرُوعُك شيء، وأشد لك عقلك فلا يهولك شيء، وأبسط لك يديك فيسطوان فوقَ كلِّ شيء، وأشد لك وطْأَتَك فتَهُدُّ كل شيء، وأُلْبِسُك الهَيْبَة فلا يَرُومُك شيء، وأُسَخِّر لك النور والظُّلْمَة فأجعلهما جندًا من جنودك؛ يهديك النور مِن أمامك، وتحوطك الظُّلْمَة من ورائك. فلمّا قيل له ذلك انطَلَق يَؤُمُّ الأُمَّة التي عند مغرب الشمس، فلمّا بلغهم وجد جمعًا وعددًا لا يحصيه إلا الله، وقُوَّة وبأسًا لا يطيقه إلا الله، وألسنة مختلفة، وأمورًا مشتبهة، وأهواء مُتَشَتِّتة، وقلوبًا مُتَفَرِّقة، فلمّا رأى ذلك كابرهم بالظلمة، فضرب حولهم ثلاثة عساكر منها، فأحاطت بهم مِن كل مكان، وحاشتهم حتى جمعتهم في مكان واحد، ثم دخل عليهم بالنور، فدعاهم إلى الله وعبادته، فمنهم مَن آمن له، ومنهم مَن صَدَّ عنه، فعمد إلى الذين تَوَلَّوا عنه، فأدخل عليهم الظُّلمة، فدخلت في أفواههم وأنوفهم وآذانهم وأجوافهم، ودخلت في بيوتهم ودُورهم، وغَشِيَتْهم مِن فوقهم ومِن تحتهم ومِن كلِّ جانبٍ منهم، فماجوا فيها، وتَحَيَّروا، فلمّا أشفقوا أن يهلكوا فيها عجُّوا إليه بصوتٍ واحد، فكشفها عنهم، وأخذهم عُنْوَة، فدخلوا في دعوته، فجَنَّدَ مِن أهل المغرب أممًا عظيمة، فجعلهم جندًا واحدًا، ثم انطلق بهم يقودهم، والظلمة تسوقهم من خلفهم، وتحوشهم من حولهم، والنور أمامه يقوده ويدُلُّه، وهو يسير في ناحية الأرض اليمنى، وهو يريد الأُمَّة التي في قُطر الأرض الأيمن التي يُقال لها: هاويل. وسخَّر الله له يده وقلبه ورأيه وعقله ونظره وائتِماره، فلا يخطئ إذا ائتمر، وإذا عمل عملًا أتقنه، فانطلق يقود تلك الأمم وهي تتبعه، فإذا انتهى إلى بحر أو مَخاضة بنى سُفُنًا مِن ألواح صغار أمثال النِّعالِ، فنظَمها في ساعة واحدة، ثم حمل فيها جميع مَن معه مِن تلك الأمم وتلك الجنود، فإذا قطع الأنهار والبحار فَتَقها، ثم دفع إلى كل إنسان لوحًا فلا يَكْرِثُه حملُه، فلم يزل ذلك دأبه حتى انتهى إلى هاويل، فعمل فيهم كعمله في ناسك، فلما فرغ منهم مضى على وجهه في ناحية الأرض اليمنى، حتى انتهى إلى منسك عند مطلع الشمس، فعمل فيها، وجَنَّد منها جنودًا كفعله في الأُمَّتين اللتين قبلها، ثم كرَّ مُقبِلًا في ناحية الأرض اليسرى وهو يريد تاويل، وهي الأُمَّة التي بحيال هاويل، وهما متقابلتان، بينهما عَرْضُ الأرضِ كله، فلما بلغها عمل فيها، وجنَّد منها كفعله فيما قبلها، فلمّا فرغ منها عَطَف منها إلى الأمم التي في وسط الأرض، من الجن وسائر الناس ويأجوج ومأجوج. فلما كان في بعض الطريق مِمّا يلي منقطع أرض الترك نحو المشرق قالت له أُمَّةٌ من الإنس صالحة: يا ذا القرنين، إنّ بين هذين الجبلين خَلْقًا مِن خلق الله كثيرًا، فيهم مشابهة مِن الإنس، وهم أشباه البهائم، وهم يأكلون العشب، ويفترسون الدواب والوحش كما يفترسها السباع، ويأكلون خشاش الأرض كلها مِن الحيّات والعقارب، وكل ذي روح مما خلق الله في الأرض، وليس لله خلقٌ يَنْمى نماءَهم في العام الواحد، ولا يزداد كزيادتهم، ولا يكثر ككثرتهم، فإن كانت لهم مدة على ما يرى من نمائهم وزيادتهم فلا شك أنهم سيملؤون الأرض، ويُجْلُون أهلَها، ويظهرون عليها، فيُفْسِدون فيها، وليست تَمُرُّ بنا سنةٌ منذ جاورناهم إلا ونحن نتوقعهم، وننتظر أن يطلع علينا أوائلهم من هذين الجبلين، ﴿فهل نجعل لك خرجا على أن تجعل بيننا وبينهم سدا. قال: ما مكني فيه ربي خير فأعينوني بقوة أجعل بينكم وبينهم ردما﴾، اغدو إلى الصخور والحديد والنحاس حتى أرتاد بلادهم، وأعلم علمهم، وأقيس ما بين جبليهم. ثم انطلق يؤمهم حتى دفع إليهم، وتَوَسَّط بلادهم، فإذا هم على مقدار واحد؛ أنثاهم وذكرهم، يبلغ طول الواحد منهم مثل نصف الرجل المربوع مِنّا، لهم مخاليب في مواضع الأظفار مِن أيدينا، ولهم أنياب وأضراس كأضراس السباع وأنيابها، وأحناك كأحناك الإبل قُوَّة، يُسْمَع لها حركة إذا أكل كحركة الجرَّة من الإبل، أو كقضم البغل المُسِنّ، أو الفرس القوي، وهم هلب، عليهم من الشعَر في أجسادهم ما يُوارِيهم، وما يَتَّقون به مِن الحرِّ والبرد إذا أصابهم، ولكل واحد منهم أذنان عظيمتان، إحداهما وبِرَةٌ ظهرها وبطنها، والأخرى زَغِبَةٌ ظهرها وبطنها، تَسَعانِه إذا لبسهما، يلبس إحداهما، ويفترش الأخرى، ويَتَصَيَّف في إحداهما، ويشتو في الأخرى، وليس منهم ذكرٌ ولا أنثى إلا وقد عرف أجلَه الذي يموت فيه وينقطع عمره، وذلك أنّه لا يموت مَيِّتٌ مِن ذكورهم حتى يخرج من صلبه ألف ولد، ولا تموت الأنثى حتى يخرج من رحمها ألف ولد، فإذا كان ذلك أيقن بالموت، وتَهَيَّأ له، وهم يُرزقون التِّنِّينَ في زمان الربيع، ويستمطرونه إذا تَحَيَّنوه كما يستمطر الغيث لحينه، فيقذفون منه كل سنة بواحد، فيأكلونه عامَهم كله إلى مثلها مِن قابل، فيغنيهم على كثرتهم ونمائهم، فإذا أمطروا أخصبوا، وعاشوا وسمنوا، ورُئِي أثرُه عليهم، فَدَرَّتْ عليهم الإناث، وشَبِقَت منهم الذكور، وإذا أخطأهم هزلوا وأجدبوا، وجَفَرت منهم الذكور، وأحالَتِ الإناث، وتبيَّن أثر ذلك عليهم، وهم يتداعون تداعي الحمام، ويعوون عَوِيَّ الذئاب، ويَتَسافَدون حيثما التقوا تَسافُد البهائم. ثم لَمّا عاين ذلك منهم ذو القرنين انصرف إلى ما بين الصَّدَفَين، فقاس ما بينهما وهو في منقطع أرض الترك مما يلي الشمس، فوجد بعد ما بينهما مائة فرسخ، فلما أنشأ في عمله حفر له أُسًّا حتى بلغ الماء، ثم جعل عرضه خمسين فرسخًا، وجعل حشوه الصخور، وطينه النحاس، يذاب ثم يُصَبُّ عليه، فصار كأنه عِرق مِن جبل تحت الأرض، ثم عَلاه وشَرَّفَه بزُبَرِ الحديد والنحاس المذاب، وجعل خلاله عِرْقًا مِن نحاس أصفر، فصار كأنه بُرْدٌ مُحَبَّرٌ مِن صُفْرةِ النحاس وحُمرته وسواد الحديد، فلمّا فرغ منه وأحكمه انطلق عامِدًا إلى جماعة الإنس والجن، فبينما هو يسير إذ رفع إلى أمة صالحة يهدون بالحق وبه يعدلون، فوجد أُمَّة مقسطة يقتسمون بالسوية، ويحكمون بالعدل، ويتآسون، ويتراحمون، حالهم واحدة، وكلمتهم واحدة، وأخلاقهم مشتبهة، وطريقتهم مستقيمة، وقلوبهم مُؤْتَلِفة، وسيرتهم مستوية، وقبورهم بأبواب بيوتهم، وليس على بيوتهم أبواب، وليس عليهم أمراء، وليس بينهم قضاة، وليس فيهم أغنياء ولا ملوك ولا أشراف، ولا يتفاوتون، ولا يتفاضلون، ولا يتنازعون، ولا يَسْتَبُّون، ولا يقتتلون، ولا يقحطون، ولا يُجْرَدون، ولا تصيبهم الآفات التي تصيب الناس، وهم أطول الناس أعمارًا، وليس فيهم مسكين ولا فقير، ولا فظٌّ ولا غليظ. فلمّا رأى ذلك ذو القرنين مِن أمرهم أعجب منهم، وقال لهم: أخبِروني -أيها القوم- خبرَكم، فإني قد أحصيت الأرض كلها، برها وبحرها، وشرقها وغربها، ونورها وظلمتها، فلم أجد فيها أحدًا مثلكم، فأخبِروني خبركم. قالوا: نعم، فسَلْنا عما تريد. قال: أخبِروني ما بالُ قبوركم على أبواب بيوتكم؟ قالوا: عمدًا فعلنا ذلك، لِئَلّا ننسى الموت، ولا يخرج ذِكْرُه مِن قلوبنا. قال: فما بال بيوتكم ليس عليها أبواب؟ قالوا: ليس فينا مُتَّهم، وليس فينا إلا أمين مُؤْتَمَن. قال: فما بالكم ليس عليكم أمراء؟ قالوا: لا نَتَظالَم. قال: فما بالكم ليس بينكم حُكّام؟ قالوا: لا نختصم. قال: فما بالكم ليس فيكم أغنياء؟ قالوا: لا نتكاثر. قال: فما بالكم ليس فيكم ملوك؟ قالوا: لا نتكابر. قال: فما بالكم ليس فيكم أشراف؟ قالوا: لا نتنافس. قال: فما بالكم ولا تتفاضلون ولا تتفاوتون؟ قالوا: مِن قِبَل أنّا مُتواصِلون مُتراحِمون. قال: فما بالكم لا تتنازعون ولا تختلفون؟ قالوا: مِن قِبَل أُلْفَة قلوبِنا، وصلاح ذاتِ بيننا. قال: فما بالكم لا تَسْتَبُّون ولا تقتتلون؟ قالوا: مِن قِبَل أنّا غلبنا طبائعَنا بالعزم، وسُسْنا أنفسنا بالحِلم. قال: فما بال كلمتكم واحدة، وطريقتكم مستقيمة؟ قالوا: مِن قِبَل أنّا لا نتكاذب، ولا نتخادع، فلا يغتاب بعضُنا بعضًا. قال: فأخبِروني مِن أين تشابهت قلوبكم، واعتدلت سيرتكم؟ قالوا: صحَّت صدورُنا، فنزع الله بذلك الغِلَّ والحسد من قلوبنا. قال: فما بالكم ليس فيكم مسكين ولا فقير؟ قالوا: مِن قِبَل أنّا نقسم بالسَّوِيَّة. قال: فما بالكم ليس فيكم فظٌّ ولا غليظ؟ قالوا: مِن قِبَل الذل والتواضع. قال: فما بالكم جعلتم أطول الناس أعمارًا؟ قالوا: مِن قِبَل أنا نتعاطى الحق، ونحكم بالعدل. قال: فما بالكم لا تقحطون؟ قالوا: لا نغفل عن الاستغفار. قال: فما بالكم لا تُجْرَدون؟ قالوا: من قِبَلِ أنّا وطَّنّا أنفسنا للبلاء منذ كُنّا، وأحببناه وحرصنا عليه؛ فعُرِّينا منه. قال: فما بالكم لا تصيبكم الآفاتُ كما تصيب الناس؟ قالوا: لا نتوكل على غير الله، ولا نعمل بأنواء النجوم. قال: حدِّثوني، أهكذا وجدتم آباءكم يفعلون؟ قالوا: نعم، وجدنا آباءنا يرحمون مساكينهم، ويواسون فقراءهم، ويعفون عمَّن ظلمهم، ويُحْسِنون إلى مَن أساء إليهم، ويحلمون عمَّن جهل عليهم، ويستغفرون لِمَن سبَّهم، ويَصِلون أرحامهم، ويَرُدُّون أماناتهم، ويحفظون وقتهم لصلاتهم، ويُوفُون بعهودهم، ويَصْدُقون في مواعيدهم، ولا يرغبون عن أكفائهم، ولا يستنكفون عن أقاربهم، فأصلح الله بذلك أمرَهم، وحفظهم به ما كانوا أحياء، وكان حقًّا عليه أن يخلفهم في تَرِكَتِهم. فقال لهم ذو القرنين: لو كنت مقيمًا لأقمت فيكم، ولكني لم أؤمر بالإقامة