عن أبي بكر الصديق، قال: قال رسول الله ﷺ: «مَن قال في دُبُر كلِّ صلاة بعدما سلَّم هؤلاء الكلمات كتبه ملَك في رِقٍّ، فخَتَم بخاتم، ثم دفعها إلَيَّ يوم القيامة، فإذا بعث الله العبدُ مِن قبره جاءه الملَك ومعه الكتاب يُنادي: أين أهلُ العهود؟ حتى تدفع إليهم، والكلمات أن تقول: اللهم فاطر السموات والأرض، عالم الغيب والشهادة، الرحمن الرحيم، إني أعهد إليك في هذه الحياة الدنيا بأنّك أنت الله الذي لا إله إلا أنت، وحدك لا شريك لك، وأنّ محمدًا عبدُك ورسولك، فلا تَكِلْني إلى نفسي، فإنك إن تَكِلْنِي إلى نفسي تُقَرِّبْني مِن الشر، وتباعدني مِن الخير، وإني لا أثق إلا برحمتك، فاجعل رحمت
علَّق ابنُ عطية (٣/٣١٩ ط: دار الكتب العلمية) على قول ابن زيد بقوله: «والمعنى: مدحهم بأنهم لشدة إيمانهم يسرون بجميع ما يرد على النبي ﷺ من زيادات الشرع». وذكر ابنُ عطية (٥/٢١٠) أنّ فرقة قالت: المراد بـلذين آتَيْناهُمُ الكِتابَ: اليهود والنصارى، وعلَّق عليه بقوله: «وذلك أنهم لهم فرح بما ينزل على النبي ﷺ مِن تصديق شرائعهم، وذكر أوائلهم». ثم انتقده مستندًا إلى الدلالة العقلية، فقال: «ويضعف هذا التأويل بأنّ همهم به أكثر من فرحهم، فلا يُعتدُّ بفرحهم، ويُضعَّفُ أيضًا بأن اليهود والنصارى ينكرون بعضه، وقد فرَّق الله في هذه الآية بين الذين ينكرون بعضه وبين الذين آتيناهم الكتاب»
لم يذكر ابنُ جرير (١٧/٣٤٤) في معنى: ﴿قُلْ لا تُقْسِمُوا طاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ﴾ سوى قول مجاهد. وذكر ابنُ عطية (٦/٤٠٣-٤٠٤) في معنى الآية عدة احتمالات: «أحدها: النهي عن القسم الكاذب، إذ عرف أنّ طاعتهم دَغْلَةٌ رديَّة». ووجَّهه بقوله: «فكأنّه يقول: لا تُغالِطوا؛ فقد عُرِف ما أنتم عليه». «والثاني: أن يكون المعنى: لا تتكلفوا القسم، طاعة عرف متوسطة على قدر الاستطاعة أمْثل وأَجْدى عليكم». ووجَّهه بقوله: «وفي هذا الوجْه إبقاءٌ عليهم». «والثالث: أن يكون المعنى: لا تقنعوا بالقسم، طاعة تُعْرَف منكم وتظهر عليكم هو المطلوب منكم». «والرابع: أن يكون المعنى: لا تقنعوا لأنفسكم بإرضائنا بالقسم، طاعة الله معروفة، وشرعه وجهاد عدُوِّه مهيع لائح»
في نسخ هذه الآية قولان: الأول: أنها منسوخة. الثاني: أنها محكمة. ذكره ابنُ عطية (٧/٥٩٤). ورجَّح ابنُ جرير (٢١/٨١) القول بالنسخ مستندًا إلى إجماع المفسرين، فقال: «هذه الآية منسوخة بأمر الله بقتال المشركين، وإنما قلنا: هي منسوخة؛ لإجماع أهل التأويل على أن ذلك كذلك». وساق ابنُ عطية (٧/٥٩٠) القولين، ثم رجَّح أن الآية فيها نسخ وإحكام، فقال: «والآية تتضمن الغفران عمومًا، فينبغي أن يُقال: إن الأمور العظام كالقتل والكفر مجاهرة ونحو ذلك قد نسخ غفرانه آية السيف والجزية وما أحكمه الشرع لا محالة، وإنّ الأمور المحقّرة كالجفاء في القول ونحو ذلك يحتمل أن تبقى محكمة، وأن يكون العفو عنها أقرب إلى التقوى»
عن عبد الله بن شدّاد -من طريق سليمان الشيباني- قال: أتى جبريلُ محمدًا ﷺ، فقال: يا محمد، اقرأ. فقال: «وما أقرأ؟». فضمّه، ثم قال: يا محمد، اقرأ. قال: «وما أقرأ؟». قال: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ حتى بلغ: ﴿ما لَمْ يَعْلَمْ﴾. فجاء إلى خديجة، فقال: «يا خديجة، ما أراه إلا قد عُرض لي». قالت: كلا، واللهِ، ما كان ربّك يفعل ذلك بك، وما أتيتَ فاحشة قطّ. فأتتْ خديجة ورَقة، فأخبرتْه الخبر، قال: لئن كنتِ صادقة إنّ زوجك لنبيّ، وليَلقيَنّ من أُمّته شدة، ولئن أدركتُه لأومننّ به. قال: ثم أبطأ عليه جبريل، فقالت له خديجة: ما أرى ربّك إلا قد قلاك. فأنزل الله: ﴿والضُّحى واللَّيْلِ إذا سَجى ما ودَّعَكَ رَبُّكَ وما قَلى﴾ [الضحى:١-٣]
انتَقَد ابنُ عطية (٣/١٥٣) هذا القول الذي قاله عكرمة والحسن مستندًا إلى دلالة نصوص الشرع بقوله: «وفي هذا ضعف؛ لأن توبة المشرك نافعة بعد القدرة عليه وعلى كل حال». وذكر ابنُ كثير (٥/١٩٦) أنّ هذا القول يتأيد بخاتمة الآية: ﴿لهم في الدنيا خزي ولهم في الآخرة عذاب عظيم﴾؛ لأنّ أهل الإسلام قد ثبت في حقهم ما جاء عند مسلم، عن عبادة بن الصامت، قال: أخذ علينا رسول الله ﷺ كما أخذ على النساء: «ألا نشرك بالله شيئًا، ولا نسرق، ولا نزني، ولا نقتل أولادنا، ولا يعضه بعضُنا بعضًا، فمَن وفى منكم فأجره على الله، ومَن أصاب من ذلك شيئًا فعوقب فهو كفارة له، ومن ستره الله فأمره إلى الله؛ إن شاء عذَّبه، وإن شاء غفر له»""
علَّقَ ابنُ كثير (٥/٢٢٥-٢٢٦)على هذه الأحاديث قائلًا: «فهذه أحاديث دالَّةٌ على أن رسول الله ﷺ حَكَم بموافقة حُكْمِ التوراة، وليس هذا من باب الإلزام لهم بما يعتقدون صحته؛ لأنهم مأمورون باتباع الشرع المحمدي لا محالة، ولكن هذا بوحي خاصٍّ من الله عز وجل إليه بذلك، وسؤاله إياهم عن ذلك؛ ليقررهم على ما بأيديهم مما تراضوا على كتمانه وجحده، وعدم العمل به تلك الدهور الطويلة، فلما اعترفوا به مع عملهم على خلافه بان زيغُهم وعنادهم وتكذيبهم لما يعتقدون صحته من الكتاب الذي بأيديهم، وعدولهم إلى تحكيم الرسول ﷺ إنما كان عن هوى منهم وشهوة لموافقة آرائهم، لا لاعتقادهم صحة ما يحكم به، لهذا قالوا: ﴿إن أوتيتم هذا﴾ أي: الجلد والتحميم ﴿فخذوه﴾ أي: اقبلوه، ﴿وإن لم تؤتوه فاحذروا﴾ أي: من قبوله واتباعه»
نقل ابنُ عطية (٥/١٧٨) عن ابن جرير في قوله تعالى: ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنّاسِ عَلى ظُلْمِهِمْ﴾ أنه قال: «معناه: في الآخرة». ونقل عن قومٍ: أن «المعنى: إذا تابوا، وشديد العقاب إذا كفروا». ثم علَّق بقوله: «والظاهر من معنى المغفرة هنا إنما هو: سَتْرُهُ في الدنيا وإمهاله للكفرة، ألا ترى التنكير في لفظ ﴿مَغْفِرَةٍ﴾، وأنها منَكَّرة مُقَلَّلة وليس فيها مبالغة، كما في قوله تعالى: ﴿وإنِّي لَغَفّارٌ لِمَن تابَ وآمَنَ﴾ [طه:٨٢]، ونمط الآية يُعْطِي هذا، ألا ترى حكمه عليهم بالنار؟ ثم قال: ﴿ويَسْتَعْجِلُونَكَ﴾، فلما ظهر سوءُ فعلهم وجب في نفس السامع تعذيبهم، فأخبر بسيرته في الأمم وأنه يمهل مع ظلم الكفر، ولم يَرِد في الشرع أنّ الله تعالى يغفر ظُلْمَ العباد»
نقل ابنُ عطية (٥/١٩٧) عن ابن عباس أن «قوله تعالى: ﴿مِنَ السَّماءِ﴾ يريد به: الشَّرْعَ والدِّين، وقوله تعالى: ﴿فَسالَتْ أوْدِيَةٌ﴾ يريد به: القلوب، أي: أخذ النبيل بحظِّه، والبليد بحظِّه». ثم انتقده مستندًا إلى ضعف إسناد الأثر، وإلى مخالفة لغة العرب قائلًا: «وهذا قول لا يصح -والله أعلم- عن ابن عباس؛ لأنه ينحو إلى أقوال أصحاب الرموز، وقد تمسَّك به الغزاليُّ وأهل ذلك الطريق، ولا وجه لإخراج اللفظ عن مفهوم كلام العرب لغير عِلَّةٍ تدعو إلى ذلك». إلا أنه وجَّهه على فرض صحته بقوله: «وإن صَحَّ هذا القول عن ابن عباس فإنما قصد أنّ قوله تعالى: ﴿كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الحَقَّ والباطِلَ﴾ معناه: الحق الذي يتقرر في القلوب، والباطل الذي يعتريها»
اختُلِف في قوله تعالى: ﴿لَهُ لَحافِظُونَ﴾ على مَن يعود الضمير؟ على قولين: الأول: أنّه عائد على القرآن. الثاني: أنّه عائد على محمد ﷺ. ووجَّه ابنُ عطية (٥/٢٧٥) القول الأول بقوله: «والمعنى: لحافظون مِن أن يُبَدَّل أو يُغَيَّر كما جرى في سائر الكتب المنزلة». ووجَّه القول الثاني بقوله: «أي: نحفظه مِن أذاكم، ونحوطه من مكركم وغيره... وفي ضمن هذه العِدَة كان رسول الله ﷺ حتى أظهر الله به الشرع وحان أجله». ورجَّح ابنُ كثير (٨/٢٤٦) مستندًا إلى دلالة السياق القول الأول، فقال: «والمعنى الأول أولى، وهو ظاهر السياق». وزاد ابنُ عطية قولًا أن المعنى: «لحافظون باختزانه في صدور الرجال». ثم علَّق عليه بأنّ معناه متقارب مع القول الأول