سورة غافر — الآية ٦٩

عن محمد بن سيرين -من طريق داود بن أبي هند- قال: إن لم تكن هذه الآية نزلت في القَدَرية فإني لا أدري فيمن نزلت: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِ اللَّهِ أنّى يُصْرَفُونَ﴾ إلى قوله: ﴿لَمْ نَكُنْ نَدْعُو مِن قَبْلُ شَيْئًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الكافِرِين﴾

سورة المجادلة — الآية ١٢

عن سعد بن أبي وقّاص -من طريق مُصعب- قال: نَزَلَتْ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقَةً﴾، فقدّمتُ شَعيرة، فقال رسول الله ﷺ: «إنك لَزهيد». فنَزَلَت الآية الأخرى: ﴿أأَشْفَقْتُمْ أنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقاتٍ﴾

نقل ابنُ عطية (٢‏/‏٤٢) في معنى هذا القول رواية «أن الله ردَّ عليه عينيه وخلق له حياة يرى بها كيف تعمر القرية وتحيا من ثلاثين سنة تكملة المائة، لأنه بقي سبعين ميتًا كله». ثم انتقدها مستندًا إلى لفظ الآية قائلًا: «وهذا ضعيف، ترد عليه ألفاظ الآية»

ذكر ابنُ عطية (٣‏/‏١٩) أنّ الخطاب بهذه الآية للقوم الذين يتعصبون لأهل الرِيَب والمعاصي، وأنه يشمل بعمومه أهل النازلة. ثم رجَّح مستندًا إلى ظاهر لفظ الآية كونه لأهل التعصب في الواقعة، فقال: «وهو الأظهر عندي؛ بحكم التأكيد بـ﴿هؤُلاءِ﴾، وهي إشارة إلى حاضرين»

رجّح ابن عطية (٤‏/‏١٧١) أنّ هذه الآية مدنية كسائر السورة بقوله: «وهذا هو الصواب». ولم يذكر مستندًا. ثم وجَّه ابنُ عطية (٤‏/‏١٧١) قولَ مجاهد، وعكرمة من طريق ابن جريج قائلًا: «ويحتمل عندي قول عكرمة ومجاهد: هذه مكية. أنْ أشارا إلى القصة لا إلى الآية»

ذكر ابنُ عطية (٧‏/‏٥٩٠) أن قوله: ﴿تلك آيات الله﴾ إشارة إلى ما ذكر. وقوله: ﴿نتلوها﴾ فيه حذف مضاف، أي: يتلو شأنها وتفسيرها وشرح العبرة لها، ثم ساق احتمالًا آخر، فقال: «ويحتمل أن يريد بـ﴿آيات الله﴾: القرآن المنزل في هذه المعاني». وعلَّق عليه بقوله: «فلا يكون في ﴿نتلوها﴾ حذف مضاف»

سورة الممتحنة — الآية ٨

عن عثمان بن عطاء، عن أبيه، عن ابن عباس، قال: قال الله عز وجل: ﴿فإن تولوا فخذوهم واقتلوهم حيث وجدتموهم، ولا تتخذوا منهم وليًا ولا نصيرًا، إلا الذين يصلون إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق﴾ الآية [النساء:٨٩-٩٠]، وقال: ﴿لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم﴾ الآية، ثم نَسخ هؤلاء الآيات، فأنزل الله: ﴿براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين﴾ إلى قوله: ﴿فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم﴾ [التوبة:١-٥]، وأنزل: ﴿وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة﴾ [التوبة:٣٦]، قال: ﴿وإن جنحوا للسلم فاجنح لها﴾ [الأنفال:٦١]، ثم نَسخ ذلك هذه الآية: ﴿قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرّمون ما حرم الله ورسوله﴾ [التوبة:٢٩]

انتَقَدَ ابنُ كثير (٢‏/‏٢١٤) هذا القول الذي قال به الربيع، وابن زيد، مستندًا لنظائر المعنى من القرآن، وسياق الآية، بقوله: «وفي هذا نظر؛ لأنّ قوله: ﴿الذين يقاتلونكم﴾ إنّما هو تهييج وإغراء بالأعداء الذين هِمَّتُهم قتالُ الإسلام وأهله، أي: كما يقاتلونكم فقاتلوهم أنتم، كما قال: ﴿وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة﴾ [التوبة:٣٦]؛ ولهذا قال في هذه الآية: ﴿واقتلوهم حيث ثقفتموهم وأخرجوهم من حيث أخرجوكم﴾، أي: لِتَكُن هِمَّتُكم مُنبَعِثَةً على قتالهم كما أنّ هِمَّتَهُم مُنبَعِثَةٌ على قتالكم، وعلى إخراجهم من بلادهم التي أخرجوكم منها، قصاصًا». ثم قال بعد ذلك: «وقد حُكِي عن أبي بكر الصديق رضي الله عنهما: أنّ أول آية نزلت في القتال بعد الهجرة: ﴿أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا﴾ الآية [الحج:٣٩]، وهو الأشهر، وبه ورد الحديث»

اختُلِف في المراد بالصَّغار في الآية على أربعة أقوال: أولها: أن يكونوا قيامًا، والآخِذ لها جالسًا. وثانيها: أن يأتون بها مشيًا لا يركبون، وهم كارهون. وثالثها: أن يكونوا أذلاء مقهورين. ورابعها: أنّ الصَّغار هو التزامهم لجريان أحكام الملّة عليهم، وإعطاء الجزية. وذَهَبَ ابنُ عطية (٤‏/‏٢٩٢) إلى العموم، فقال: «وقوله: ﴿وهم صاغرون﴾ لفظٌ يَعُمُّ وجوهًا لا تنحصر لكثرتها». ورجَّحَ ابنُ القيم (٢‏/‏٩) القولَ الرابعَ، وانتَقَدَ غيرَه؛ لأنه لا دليل عليه، وهو مخالف لمقتضى الآية، فقال: «هذا كله مما لا دليل عليه، ولا هو مقتضى الآية، ولا نُقِل عن رسول الله ﷺ، ولا عن الصحابة أنهم فعلوا ذلك. والصواب في الآية أنّ الصغار هو التزامهم لجريان أحكام الملة عليهم، وإعطاء الجزية، فإنّ التزام ذلك هو الصَّغار»

اختُلف في المراد بالآية على أقوال: الأول: أنها عامة. الثاني: النبي ﷺ. الثالث: المؤذّنين. ورجَّح ابنُ عطية (٧‏/‏٤٨٣) القول بالعموم الذي قاله قتادة، والحسن، فقال: «والأصوب أن يُعتقد أن الآية نزلت عامة». ولم يذكر مستندًا. وبنحوه ابنُ كثير (١٢‏/‏٢٤٢) مستندًا إلى أحوال النُّزول، فقال: «والصحيح أن الآية عامة في المؤذّنين وفي غيرهم، فأما حال نزول هذه الآية فإنه لم يكن الأذان مشروعًا بالكلية؛ لأنها مكية، والأذان إنما شُرع بالمدينة بعد الهجرة، حين أريه عبد الله بن زيد بن عبد ربه الأنصاري في منامه، فقصّه على رسول الله ﷺ، فأمره أن يلقيه على بلال فإنه أندى صوتًا، كما هو مقرّر في موضعه، فالصحيح إذًا أنها عامة»