ذكر ابنُ جرير (١٠/٢٢١) اختلاف أهل التفسير في بيان من هم أصحاب الأعراف، فأورد أقوالهم كالآتي: أوّلًا: هم رجال استوت حسناتهم وسيئاتهم. وثانيًا: هم قوم قتلوا في سبيل الله، وكانوا عصاة لآبائهم في الدنيا. وثالثًا: هم قوم فقهاء صالحون. ورابعًا: هم رجال من الملائكة، وليسوا من بني آدم. واختار صوابَ الأقوال الثلاثة الأولى دون ما قاله أبو مجلز في القول الرابع؛ مستندًا إلى دلالة السنّة، وأقوال السلف، واللغة، فقال: «والصواب من القول في أصحاب الأعراف أن يُقال كما قال الله -جل ثناؤه- فيهم: هم رجال يعرفون كُلًّا من أهل الجنة وأهل النار بسيماهم، ولا خبر عن رسول الله ﷺ يصح سنده ولا آية متفق على تأويلها، ولا إجماع من الأمة على أنهم ملائكة. فإذ كان ذلك كذلك، وكان ذلك لا يُدرَك قياسًا، وكان المُتعارَف بين أهل لسان العرب أنّ الرجال اسم يجمع ذكور بني آدم دون إناثهم ودون سائر الخلق غيرهم؛ كان بيِّنًا أنّ ما قاله أبو مجلز من أنهم ملائكة قول لا معنى له، وأن الصحيح من القول في ذلك ما قاله سائر أهل التأويل غيره. هذا مع من قال بخلافه من أصحاب رسول الله ﷺ، ومع ما روي عن رسول الله ﷺ في ذلك من الأخبار، وإن كان في أسانيدها ما فيها». ثم ذكر حديث أبي زُرعة بن عمرو بن جرير المرفوع المتقدم. وعند ابن عطية (٣/٥٧١) نحوه، فقد ذكر اختلاف المفسرين، ثم قال: «واللازم من الآية أنّ على أعراف ذلك السور أو على مواضع مرتفعة عن الفريقين حيث شاء الله تعالى رجالًا من أهل الجنة، يتأخر دخولهم، ويقع لهم ما وصف من الاعتبار في الفريقين». ورجّح ابنُ كثير (٣/٤١٨) مستندًا إلى أقوال السلف قولَ مَن قال: هم قوم استوت حسناتهم وسيئاتهم. وقال: «واختلفت عبارات المفسرين في أصحاب الأعراف مَن هم، وكلها قريبة ترجع إلى معنى واحد، وهو أنهم قوم استوت حسناتهم وسيئاتهم. نص عليه حذيفة، وابن عباس، وابن مسعود، وغير واحد من السلف والخلف». وبنحو ما قال ابنُ كثير قال ابنُ القيم (١/٣٩٣)، حيث ذكر اختلاف السلف في أصحاب الأعراف، ثم قال مُعَلِّقًا: «والثابت عن الصحابة هو القول الأول [يعني: أنهم قوم استوت حسناتهم وسيئاتهم]، وقد رُوِيَت فيه آثارٌ كثيرة مرفوعة لا تكاد تثبت أسانيدها». وزاد ابن عطية (٣/٥٧١) إضافةً إلى ما ورد في أقوال السلف قولَيْن آخَرَين، أحدهما: أنهم الشهداء. الثاني: أنهم عدول يوم القيامة الذين يشهدون على الناس بأعمالهم، وهم في كل أمة
اختُلف في المراد بالشاهد، وبحسب هذا اختُلف في مكية السورة ومدنيتها على أقوال: الأول: أنّ الآية مدنية، والشاهد عبد الله بن سلام. وقوله: ﴿عَلى مِثْلِهِ﴾ الضمير فيه عائد على قول محمد ﷺ في القرآن: إنه من عند الله. الثاني: أنه رجل من بني إسرائيل غير عبد الله بن سلام كان بمكة، والآية مكية. الثالث: الآية مكية، والشاهد عبد الله بن سلام. الرابع: أن الشاهد موسى بن عمران، والآية مكية. وعلَّق ابنُ عطية (٧/٧١٥) على القول الأخير الذي قاله مسروق، والشعبي، بقوله: «قوله تعالى: ﴿على مثله﴾ يريد بالمثل: التوراة، والضمير عائد -على هذا التأويل- على القرآن، أي: جاء شاهدٌ مِن بني إسرائيل بمثله، وشهد أنّه مِن عند الله تعالى». ورجَّح ابنُ جرير (٢١/١٣١) أنّ الشاهدَ عبد الله بن سلام مستندًا إلى أقوال السلف، وأحوال النُّزول، كما قوّى القول الأخير من جهة السياق، فقال: «لأن قوله: ﴿قل أرأيتم إن كان من عند الله وكفرتم به وشهد شاهد من بني إسرائيل على مثله﴾ في سياق توبيخ الله -تعالى ذكره- مشركي قريش، واحتجاجًا عليهم لنبيّه ﷺ، وهذه الآية نظيرة سائر الآيات قبلها، ولم يجرِ لأهل الكتاب ولا لليهود قبل ذلك ذِكر فتُوجّه هذه الآية إلى أنها فيهم نزلت، ولا دلّ على انصراف الكلام عن قصص الذين تقدم الخبر عنهم معنى». ثم قال: «غير أنّ الأخبار قد وردت عن جماعة من أصحاب رسول الله ﷺ بأنّ ذلك عني به عبد الله بن سلام وعليه أكثر أهل التأويل، وهم كانوا أعلم بمعاني القرآن، والسبب الذي فيه نزل، وما أُريدَ به». ورجَّح ابنُ كثير (١٣/١١) -مستندًا إلى أحوال النزول والنظائر- أنّ الشاهد اسم جنس يعمّ عبد الله بن سلام وغيره، ثم قال: «فإنّ هذه الآية مكية نزلت قبل إسلام عبد الله بن سلام، وهذه كقوله: ﴿وإذا يتلى عليهم قالوا آمنا به إنه الحق من ربنا إنا كنا من قبله مسلمين﴾ [القصص:٥٣]، وقال: ﴿إن الذين أوتوا العلم من قبله إذا يتلى عليهم يخرون للأذقان سجدا ويقولون سبحان ربنا إن كان وعد ربنا لمفعولا﴾ [الإسراء:١٠٧- ١٠٨]». وساق ابنُ عطية (٥/٩٥ ط: دار الكتب العلمية) الأقوال، ثم علَّق بقوله: «قوله: ﴿فآمن﴾ -على هذا التأويل [يعني: قول مسروق]- يعني به: تصديق موسى بأمر محمد، وتبشيره به. فذلك إيمان به، وأما مَن قال: الشاهد عبد الله بن سلام، فإيمان بيّن، وكذلك إيمان الإسرائيلي الذي كان بمكة في قول من قاله». ثم ذكر (٧/٦١٥) قولًا بأن الفاعل بـ«آمن» هو محمد ﷺ، وعلَّق عليه بقوله: «وهذا من القائلين بأن الشاهد هو موسى بن عمران عليه السلام»
اختُلف في معنى: ﴿يُرِيدُونَ أنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ﴾ في هذه الآية على أقوال: الأول: يريدون أن يُغيِّروا وعْد الله لأهل الحُدَيبية بِجَعْل غنائم خَيْبَر لهم. الثاني: أنّ الله تعالى وعَد نبيَّه ﷺ بالحُدَيبية أن يفتح عليه خَيْبَر، ونهاه عن أن يسير معه أحد من المتخلِّفين، فأراد المخَلَّفون أنْ يغيِّروا كلام الله الذي أمر به نبيَّه ﷺ. الثالث: يريدون أن يبدِّلوا كلام الله، أي: كتاب الله، كانوا يُبطِّئون المسلمين عن الجهاد ويأمرونهم أن يفرُّوا. الرابع: عُنِيَ بالآية: إرادتهم الخروج مع نبيِّ الله ﷺ في غَزْوِه، وقد قال الله -تبارك وتعالى-: ﴿فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أبَدًا ولَنْ تُقاتِلُوا مَعِي عَدُوًّا﴾ [التوبة:٨٣]. ورجَّح ابنُ جرير (٢١/٢٦٤) القول الأول، وهو قول مجاهد، ومقسم، وقتادة، وجويبر. وانتقد (٢١/٢٦٣) القول الرابع، وهو قول ابن زيد، مستندًا إلى أحوال النزول، والدلالة العقلية، فقال: «وهذا الذي قاله ابن زيد قولٌ لا وجْه له؛ لأن قول الله عز وجل: ﴿فاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أبَدًا ولَنْ تُقاتِلُوا مَعِي عَدُوًّا﴾ إنما نزل على رسول الله ﷺ مُنصَرَفَه مِن تبوك، وعُنِيَ به الذين تخلَّفوا عنه حين توجَّه إلى تبوك لغزو الروم، ولا اختلاف بين أهل العلم بمغازي رسول الله ﷺ أنّ تبوك كانت بعد فتح خَيْبَر، وبعد فتح مكة أيضًا، فكيف يجوز أن يكون الأمرُ على ما وصفنا معنِيًّا بقول الله: ﴿يُرِيدُونَ أنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ﴾، وهو خبرٌ عن المتخلِّفين عن المسير مع رسول الله ﷺ -إذ شخَص معتمرًا يريد البيت، فصدَّه المشركون عن البيت- الذين تخلَّفوا عنه في غزوة تبوك، وغزوة تبوك لم تكن كانت يوم نزلت هذه الآية، ولا كان أُوحِي إلى رسول الله ﷺ قوله: ﴿فاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أبَدًا ولَنْ تُقاتِلُوا مَعِي عَدُوًّا﴾». وانتقده ابنُ عطية (٧/٦٧٥) -مستندًا إلى أحوال النزول- قائلًا: «وهذا قول ضعيف؛ لأنّ هذه الآية نزلتْ في رجوع رسول الله ﷺ من تبوك، وهذا في آخر عمره ﷺ، وآية هذه السورة نزلت سنة الحُدَيبية، وأيضًا فقد غزت جُهَينة ومُزَيْنَة بعد هذه المدة مع رسول الله ﷺ، وقد فضَّلهم رسول الله ﷺ -بعد ذلك- على تميم وغطفان وغيرهم مِن العرب، الحديث المشهور، فأخبره الله تعالى أن يقول لهم في هذه الغزوة إلى خَيْبَر: ﴿لَنْ تَتَّبِعُونا﴾، وخصَّ الله تعالى بها أهل الحُدَيبية». ونحوه قال ابنُ كثير (١٣/١٠٢)
ذكر ابنُ عطية (ط: دار الكتب العلمية ٥/١٣٩) اختلافًا «في معنى الاستثناء في هذه الآية؛ فقال بعض المتأوِّلين: هو استثناءٌ من المَلَك المُخْبر للنبي ﷺ في نومه، فذكر الله تعالى مقالته كما وقعت. وقال آخرون: هو أخْذٌ مِن الله تعالى عباده بأدبه في استعمال الاستثناء في كل فعل يوجب وقوعه، كان ذلك مما يكون ولا بُدَّ، أو كان مما قد يكون وقد لا يكون. وقال بعض العلماء: إنما استثنى من حيث كلُّ واحد من الناس متى ردَّ هذا الوعد إلى نفسه أمكن أن يتم هذا الوعد فيه وألا يتمَّ؛ إذ قد يموت الإنسان أو يمرض أو يغيب، وكلّ واحد في ذاته محتاج إلى الاستثناء، فلذلك استثنى عز وجل في الجملة، إذ فيهم ولا بُدَّ من يموت. وقال آخرون: استثنى لأجل قوله تعالى: ﴿آمِنِينَ﴾، لا لأجل إعلامه بالدخول، فكأن الاستثناء مؤخَّر عن موضعه». ثم علَّق على القول الأخير بقوله: «ولا فرق بين الاستثناء مِن أجل الأمن، أو من أجل الدخول؛ لأن الله -تبارك وتعالى- قد أخبر بهما، ووقعت الثقة بالأمرين، فالاستثناء مِن أيِّهما كان هو استثناءٌ من واجب». ثم نقل عن قوم أنّ: ﴿إنْ﴾ بمعنى: إذ، ثم وجَّهه بقوله: «فكأنه تعالى قال: إذ شاء اللهُ». غير أنه استدرك عليه قائلًا: «وهذا حسنٌ في معناه، لكن كون ﴿إنْ﴾ بمعنى: إذ؛ غير موجود في لسان العرب». ثم علَّق بقوله: «وللناس بعد في هذا الاستثناء أقوالٌ مخلّطة غير هذه لا طائل فيها اختصرتها». ووجَّه ابنُ تيمية (٦/٣٣) قول من قال: ﴿إنْ﴾ بمعنى: إذ. بقوله: «ومقصوده بهذا تحقيق الفعل بـ﴿إن﴾ كما يتحقق مع: إذ، وإلا فـ:إذ ظرف توقيت، و﴿إن﴾ حرف تعليق». ثم ذكر (٦/٣٣-٣٤) أن «طائفة من الناس فرُّوا من هذا المعنى -أي: معنى تحقيق المشيئة-، وجعلوا الاستثناء لأمر مشكوك فيه، فقال الزَّجّاج: ﴿لَتَدْخُلُنَّ المَسْجِدَ الحَرامَ﴾ أي: أمركم الله به. وقيل: الاستثناء يعود إلى الأمن والخوف، أي: لتدخلنّه آمنين، فأما الدخول فلا شكّ فيه. وقيل: لتدخلنّ جميعكم أو بعضكم؛ لأنه علم أنّ بعضهم يموت، فالاستثناء لأنهم لم يدخلوا جميعهم». ثم انتقد (٦/٣٤) هذه الأقوال -مستندًا إلى دلالة اللفظ، وإلى الدلالة العقلية- قائلًا: «كل هذه الأقوال وقع أصحابها فيما فرُّوا منه، مع خروجهم عن مدلول القرآن، فحرَّفوه تحريفًا لم ينتفعوا به، فإنّ قول مَن قال: أي: أمركم الله به، هو سبحانه قد علم هل يأمرهم أو لا يأمرهم، فعلّمه بأنه سيأمرهم بدخوله كعلمه بأن سيدخلوا، فعلَّقوا الاستثناء بما لم يدل عليه اللفظ، وعِلْمُ الله متعلق بالمُظْهَر والمضمَر جميعًا. وكذلك أمنهم وخوفهم، هو يعلم أنهم يدخلون آمنين أو خائفين، وقد أخبر أنهم يدخلون آمنين مع علْمه بأنهم يدخلون آمنين، فكلاهما لم يكن فيه شكّ عند الله، بل ولا عند رسوله. وقول مَن قال: جميعهم أو بعضهم. يُقال: المُعلّق بالمشيئة دخول مَن أريد باللفظ، فإن كان أراد الجميع فالجميع لا بُدَّ أن يدخلوه، وإن أريد الأكثر كان دخولهم هو المعلّق بالمشيئة، وما لم يرد لا يجوز أن يعلق بـ﴿إن﴾، وإنما علّق بـ﴿إن﴾ ما سيكون؛ وكان هذا وعدًا مجزومًا به، ولهذا لما قال عمر للنبي ﷺ عام الحُدَيبية: ألم تكن تحدّثنا أنا نأتي البيت ونطوف به؟ قال: «بلى، قلت لك: إنك تأتيه هذا العام؟». قال: لا. قال: «فإنك آتيه، ومُطَوّف به»»
رجَّح ابنُ جرير (٤/٣٠١-٣٠٣) هذا القولَ الذي قال به أبو العالية، والحسن، وسعيد بن جبير، مستندًا إلى دلالة العموم، والعقل، فقال: «لأنّ الله -تعالى ذِكْرُه- قال: ﴿وللمطلقات متاع بالمعروف حقا على المتقين﴾. فجعل الله -تعالى ذِكْرُه- ذلك لكُلِّ مطلقةٍ، ولم يخصص منهُنَّ بعضًا دون بعض، فليس لأحد إحالةُ ظاهر تنزيل عامٍّ إلى باطنٍ خاصٍّ إلا بحُجَّةٍ يجب التسليمُ لها. فإن قال قائل: فإنّ الله -تعالى ذِكْرُه- قد خَصَّ المطلقة قبل المسيس إذا كان مفروضًا لها بقوله: ﴿وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم﴾، إذ لم يجعل لها غير نصف الفريضة. قيل: إنّ الله -تعالى ذِكْرُه- إذا دَلَّ على وجوب شيء في بعض تنزيله، ففي دلالته على وجوبه في الموضع الذي دلَّ عليه الكفايةُ عن تكريره، حتى يدلَّ على بُطُولِ فرضه، وقد دلَّ بقوله: ﴿وللمطلقات متاع بالمعروف﴾ على وجوب المتعة لكلِّ مطلقةٍ، فلا حاجة بالعباد الى تكرير ذلك في كلِّ آية وسورة. وليس في دلالته على أنّ للمطلقة قبلَ المسيس المفروض لها الصداق نصفَ ما فُرِض لها دلالةٌ على بُطُولِ المتعة عنه؛ لأنّه غيرُ مستحيل في الكلام لو قيل: وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم والمتعة. فلمّا لم يكن ذلك مُحالًا في الكلام كان معلومًا أنّ نصف الفريضة إذا وجب لها لم يكن في وجوبه لها نفيٌ عن حقها مِن المتعة، ولَمّا لم يكن اجتماعهما للمطلقة مُحالًا، وكان الله -تعالى ذكره- قد دلَّ على وجوب ذلك لها، وإن كانت الدلالة على وجوب أحدهما في آيةٍ غير الآية التي فيها الدلالة على وجوب الأخرى ثبت وصحَّ وجوبهما لها. هذا إذا لم يكن على أنّ للمطلقة المفروض لها الصداق إذا طلقت قبل المسيس دلالة غير قول الله -تعالى ذكره-: ﴿وللمطلقات متاع بالمعروف﴾، فكيف وفي قول الله -تعالى ذكره-: ﴿لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة ومتعوهن﴾ الدلالة الواضحة على أنّ المفروض لها إذا طلقت قبل المسيس لها من المتعة مثل الذي لغير المفروض لها منها؟! وذلك أنّ الله -تعالى ذكره- لَمّا قال: ﴿لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة﴾ كان معلومًا بذلك أنّه قد دلَّ به على حكم طلاق صنفين من طلاق النساء: أحدهما المفروض له، والآخر غير المفروض له؛ وذلك أنّه لما قال: ﴿أو تفرضوا لهن فريضة﴾ عُلِم أنّ الصنف الآخر هو المفروض له، وأنّها المطلقة المفروض لها قبل المسيس؛ لأنه قال: ﴿لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن﴾، ثم قال -تعالى ذكره-: ﴿ومتعوهن﴾ فأوَجَبَ المُتْعَةَ للصِّنفَيْنِ منهُنَّ جميعًا؛ المفروضِ لهن، وغيرِ المفروض لهن. فمَنِ ادَّعى أنّ ذلك لأحد الصنفين سُئِل البرهانَ على دعواه مِن أصلٍ أو نظيرٍ، ثم عُكِسَ عليه القولُ في ذلك؛ فلن يقول في شيء منه قولًا إلا أُلْزِم في الآخر مثلَه». وذكَر ابنُ عطية (١/٥٩٣) أن من قال: إن المتعة واجبة؛ قال: إن قوله: ﴿حقا على المحسنين﴾ تأكيد الوجوب، أي: على المحسنين بالإيمان والإسلام، فليس لأحد أن يقول لَسْتُ بمُحسن على هذا التأويل. ثم قال: «و﴿حقا﴾ صفة لقوله: ﴿متاعا﴾، أو نصب على المصدر، وذلك أدخل في التأكيد للأمر»
اختُلِف في تأويل قوله تعالى: ﴿وتُخْفِي فِي نَفْسِكَ ما اللَّهُ مُبْدِيهِ﴾ على قولين: أولهما: أن الذي أخفاه في نفسه ميله إليها، وحبه لفراق زيد لها؛ ليتزوجها إن طلقها. وهذا قول قتادة، وابن زيد، ومقاتل، وغيرهم. والثاني: أن الذي أخفاه في نفسه أنّ الله أعلمه أنها ستكون مِن أزواجه ﷺ. وهذا قول عليّ بن الحسين، والسّدّيّ. واختار ابنُ جرير (١٩/١١٥) القول الأول مستندًا إلى سبب النزول، وأقوال أهل التأويل. ويظهر من كلام ابن كثير (١١/١٧١-١٧٢) ميله إلى القول الثاني. ورجَّحَ ابن القيم (٢/٣٣٠-٣٣١) القولَ الثانيَ، وانتَقَدَ القولَ الأولَ، مستندًا إلى الدلالات العقلية، والسياق، فقال: «أما ما زعمه بعض مَن لم يقدر رسول الله ﷺ حقَّ قدره أنه ابتلي به في شأن زينب بنت جحش، وأنه رآها، فقال: «سبحان مقلب القلوب». وأخذت بقلبه، وجعل يقول لزيد بن حارثة: «أمسكها». حتى أنزل الله عليه: ﴿وإذ تقول للذي أنعم الله عليه وأنعمت عليه أمسك عليك زوجك واتق الله وتخفي في نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه﴾، فظن هذا الزاعم أن ذلك في شأن العشق، وصنَّف بعضهم كتابًا في العشق، وذكر فيه عشق الأنبياء، وذكر هذه الواقعة، وهذا من جهل هذا القائل بالقرآن وبالرسل، وتحميله كلام الله ما لا يحتمله، ونسبته رسول الله ﷺ إلى ما برأه الله منه؛ فإن زينب بنت جحش كانت تحت زيد بن حارثة، وكان رسول الله ﷺ قد تبنّاه، وكان يُدْعى: زيد بن محمد، وكانت زينب فيها شمم وترفُّع عليه، فشاور رسول الله ﷺ في طلاقها، فقال له رسول الله ﷺ: «أمسك عليك زوجك واتق الله». وأخفى في نفسه أن يتزوجها إن طلقها زيد، وكان يخشى مِن قالة الناس أنه تزوَّج امرأة ابنه؛ لأن زيدًا كان يُدْعى ابنه، فهذا هو الذي أخفاه في نفسه، وهذه هي الخشية من الناس التي وقعت له، ولهذا ذكر سبحانه هذه الآية يُعَدِّد فيها نعمَه عليه، لا يعاتبه فيها، وأعلمه أنه لا ينبغي له أن يخشى الناس فيما أحل الله له، وأن الله أحق أن يخشاه، فلا يتحرَّج ما أحلَّه له لأجل قول الناس، ثم أخبره أنه سبحانه زوجه إياها بعد قضاء زيد وطره منها؛ لتقتدي أمته به في ذلك، ويتزوج الرجل بامرأة ابنه من التبني، لا امرأة ابنه لصلبه، ولهذا قال في آية التحريم: ﴿وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم﴾ [النساء:٢٣]، وقال في هذه السورة: ﴿ما كان محمد أبا أحد من رجالكم﴾ [الأحزاب:٤٠]، وقال في أولها: ﴿وما جعل أدعياءكم أبناءكم ذلكم قولكم بأفواهكم﴾ [الأحزاب:٤]. فتأمل هذا الذب عن رسول الله ﷺ، ودفع طعن الطاعنين عنه، وبالله التوفيق. نعم كان رسول الله ﷺ يحب نساءه، وكان أحبهن إليه عائشة رضي الله عنها، ولم تكن تبلغ محبته لها ولا لأحد سوى ربه نهاية الحب، بل صحَّ أنه قال: «لو كنت متخذًا من أهل الأرض خليلًا لاتخذت أبا بكر خليلًا». وفي لفظ: «وإنّ صاحبكم خليل الرحمن»»
قال مقاتل بن سليمان: ﴿وأوحينا إليه لتنبئنهم بأمرهم هذا وهم لا يشعرون﴾، وذلك أنّ الله أوحى إلى يوسف عليه السلام بعد ما انصرَفَ إخوتُه: أنّك سَتُخْبِرُ إخوتَك بأمرهم هذا الذي رَكِبوا منك. ثم قال: ﴿وهم لا يشعرون﴾ أنّك يوسف حين تُخْبِرهم. فأنبأهم يوسفُ بعد ذلك حين قال لهم، وضرب الإناء، فقال: إنّ الإناء لَيُخْبِرُني بما فعلتم بيوسف مِن الشَّرِّ ونزع الثِّياب. عن الهُذَيْلِ، عن مُقاتِل، في قوله: ﴿وأَوْحَيْنا إلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذا وهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾، قال: لا يشعرون أنّك يوسف. قال: وذلك أنّ يوسف لَمّا استخرج الصّاع مِن وِعاء أخيه بنيامين قطع بالقوم، وتَحَيَّروا، فأحضرهم، وأخذ بنيامين مكان سرقته، ثُمَّ تقدم إلى أمينه. فقال له: أحضِرِ الصاعَ إذا حضروا، وانقره ثلاث نقرات، واستمع طنين كُلَّ نَقْرَةٍ حتى تسكن، ثُمَّ قل في النقرة الأولى كذا، وفي الثانية كذا، وفي الثالثة كذا، وأَوْهِمْهُم أنّك إنّما تخبرني عن شيء تفهمه مِن طنين الصّاع. قال: فأَمَرَ بهم، فجُمِعوا، ثم قال يوسف للذي استخرج الصاع -وهو أمينه-: أحضِرِ الصاعَ الذي سرقوه، وتقدَّم إليه ألّا يكتمَنا مِن أخبارهم شيئًا، فإنّه غضبان عليهم، ويُوشك أن يصدق عنهم. قال: فأحضره والقوم، وقال له الأمين: أيُّها الصاع، إنّ الملِك يأمرك أن تُبَيِّن له أمرَ هؤلاء القوم، ولا تكتمه شيئًا مِن أمرهم، ثُمَّ نقره نقرة شديدة، وأصغى إليه، يسمعه كأنّه يستمع منه شيئًا، فقال: أيُّها الملك، إنّ الصاع يقول لك: إنّهم أخبروك أنّهم لِأُمٍّ واحدة، وإنّهم لِأُمَّهاتٍ شَتّى، ولذلك وقع بينهم ما يقع بين الأولاد العُتاة. قال: قل له: لا يكتمنا مِن أخبارهم شيئًا. ثُمَّ نقره الثانية، وأصغى إليه يسمعه، فلمّا سكن قال: أيُّها الملك، إنّهم أخبروك أنّ لهم أخًا مفقودًا، ولن تَنصَرِم الأيامُ والليالي حتى يأتي ذلك الغلام، فيتبين الناسُ أخبارَهم. قال: مُرْه ألّا يكتمنا مِن أخبارهم شيئًا. قال: فطَنَّ الثالثة، فلمّا سَكَن قال: أيُّها الملِك، إنّه ما دخل على أبيهم غَمٌّ ولا هَمٌّ ولا حَزَنٌ إلا بسببهم وجرائِرِهم. قال: أوْعِزْ إليه ألّا يكتمنا مِن أخبارهم شيئًا. قال: فنَظَر بعضُهم إلى بعض، وخافوا أن يُظْهِر عليهم ما كتموه مِن أمر يوسف عليه السلام، فقاموا إليه بجمعهم يُقَبِّلون رأسه وعينيه، ويقولون: بِالذي أشبهك بالنبِيِّين، وفضَّلَك على العالمين، ألا أقَلْتَ العَثْرَةَ، وسَتَرْتَ العَوْرَةَ، وحَفِظْتَنا في أبينا يعقوب. فرَقَّ لهم، وقال: لولا حفاظي لكم في أبيكم لَنَكَّلْتُ بكم، ولَأَلْحَقْتُكم بالسُّرّاق واللُّصُوص، اعزُبُوا عنِّي، فلا حاجة لي فيكم. قال: فلمّا قدموا على أبيهم أخبروه بأخبارهم، قال: فرَدَّهم بالبضاعة المزجاة، وكتب معهم كتابًا إليه، فيه: بسم الله الرحمن الرحيم، مِن يعقوب إسرائيل الله ابن إسحاق ذبيح الله ابن إبراهيم خليل الله، إلى عزيز مصر، سلامٌ على مَنِ اتَّبع الهُدى، أمّا بعدُ: فإنِّي ما سرقتُ، ولا ولدتُ سارِقًا، ولَكِنّا أهلُ بيتٍ البلاء مُوَكَّل بنا؛ أمّا جَدِّي فأُلْقِي في النار، فجعلها الله عليه بردًا وسلامًا، وأما أبي فأُضْجِع للذَّبح ففداه الله بذِبح عظيم، وأمّا أنا فبُلِيتُ بفقد حبيبي وقُرَّةِ عيني يوسف. قال: فلمّا وصلوا إليه أوصلوا كتابه، فلمّا قرأ كتابه انتحَبَ، فقيل له: كأنّك صاحب الكتاب. قال: أجل. فذلك قوله: ﴿لتنبئنهم بأمرهم هذا وهم لا يشعرون﴾، ثُمَّ تَعَرَّف إليهم، فعرفوه
اختلف في المعنيِّ بـ«العلامات» في هذه الآية على أقوال: الأول: معالم الطرق بالنهار. الثاني: عُنِيَ بها النجوم. الثالث: عُنِيَ بها الجبال. وبيَّن ابنُ جرير (١٤/١٩٤) مستندًا إلى العموم أن «أوْلى الأقوال في ذلك بالصواب أن يُقال: إن الله -تعالى ذِكْره- عدَّد على عباده من نعمه إنعامه عليهم بما جعل لهم من العلامات التي يهتدون بها في مسالكهم وطرقهم التي يسيرونها، ولم يَخْصُص بذلك بعض العلامات دون بعضٍ، فكلُّ علامةٍ استدل بها الناس على طُرُقِهم وفِجاج سُبُلِهم فداخلٌ في قوله: ﴿وعَلاماتٍ﴾، والطُّرُقُ المسبولة الموطوءة علامةٌ للناحية المقصودة، والجبال علاماتٌ يُهتَدى بهنَّ إلى قَصْدِ السبيل، وكذلك النجوم بالليل». ثم رجَّح القول الأول مستندًا إلى الدلالة العقلية، فقال: «غير أن الذي هو أوْلى بتأويل الآية أن تكون العلامات من أدلة النهار، إذ كان الله قد فَصَل منها أدلة الليل بقوله: ﴿وبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾، وإذ كان ذلك أشبه وأولى بتأويل الآية فالواجب أن يكون القول في ذلك ما قاله ابن عباسٍ في الخبر الذي رُوِّيناه عن عطية عنه، وهو أن العلامات معالم الطُّرُقِ وأماراتها التي يُهتَدى بها إلى المستقيم منها نهارًا، وأن يكون النَّجْمُ الذي يُهتَدى به ليلًا هو الجَدْيُ والفَرْقدان؛ لأن بها اهتداء السفر دون غيرها من النجوم». وفرَّق ابنُ عطية (٥/٣٣٩ بتصرف) في المعنى بين تعلُّق اللفظة بما قبلها وبين عدم تعلُّقها، ففي حال تعلُّقها بما قبلها فالأظهر عنده -مستندًا إلى الدلالة العقلية- أن المعنى: «﴿وعلامات﴾ أي: عبرة وإعلامًا في كل سلوك، فقد يُهتَدى بالجبال والأنهار والسبل». وفي حال عدم تعلُّقها بما قبلها «فالصواب أن اللفظة تعمُّ هذا وغيره، وذلك أن كل ما دلَّ على شيءٍ أو علم به فهو علامة، وأحسن الأقوال المذكورة قول ابن عباس رضي الله عنهما لأنه عموم بالمعنى». وذكر ابنُ تيمية (النبوات ٢/٧٥٧) أن النجوم، والجبال، والطرق، وأعلام الطرق: كلها آيات، وأعلام، وعلامات على ما هو لازم لها في العادة، وذكر قولًا ولم ينسبه: أن العلامات هي النجوم. ثم رجَّح (٤/١٥٥-١٥٦) القول الأول مستندًا إلى دلالة ظاهر الآية، والدلالة اللغوية قائلًا: «وقول الأكثرين أصحّ؛ فإنّ العلامات كلّها يهتدى بها، ولأنّه قد قال: ﴿وأَلْقى فِي الأَرْضِ رَواسِيَ أنْ تَمِيدَ بِكُمْ وأَنْهارًا وسُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ * وعَلاماتٍ﴾ وهذا كلّه ممّا ألقاه في الأرض، وهو منصوب بـ»ألقى«، أو بفعل من جنسه كما قال بعضهم، أي: وجعل في الأرض أنهارًا؛ لأن الإلقاء من جنس الجعل». وعلَّق (٤/١٥٦) على القول الثالث بأن العلامات: هي الجبال. بقوله: «وهي أيضًا مما يُستدلّ به، ولهذا سمّاها الله أعلامًا في قوله: ﴿ومِن آياتِهِ الجَوارِ في البَحْرِ كالأَعْلام * فَبأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن:٢٤-٢٥] أي: كالجبال، والأعلام جمع عَلَم، والعَلَم: ما يُعلَّم به كالعلامة... فالجبال أعلامٌ، وهي علاماتٌ لمن في البر والبحر يُستدلّ بها على ما يُقاربها من الأمكنة؛ فإنّه يلزم من وجودها وجوده، وهي لا تزال دالّة ما دامت موجودة، ومدلولها موجودًا، وهي أثبت من غيرها؛ فقد يكون عندها قرية وسكّان فيكون علَمًا عليهم، ثم قد تخرب القرية ويذهب السكّان؛ فتزول الدلالة لزوال الملزوم». ونقل ابنُ عطية (٥/٣٣٩) عن أبيه: «أنه سمع بعض أهل العلم بالمشرق يقول: إن في بحر الهند الذي يجرى فيه من اليمن إلى الهند حيتانًا طوالًا رقاقًا كالحيّات في ألوانها وحركتها والتوائها، وأنها تسمى العلامات، وذلك أنها علامة الوصول إلى بلاد الهند، وأمارة النجاة والانتهاء إلى الهند لطول ذلك البحر وصعوبته، وأن بعض الناس قال: إنها التي أراد الله تعالى في هذه الآية. قال القاضي أبو محمد: قال أبي رضي الله عنه: وأنا ممن شاهد تلك العلامات في البحر المذكور وعاينها، فحدثني منهم عدد كثير»
اختُلِف في معنى الأُمَّة، وفي الناس الذين وصفهم الله بأنهم كانوا أمة واحدة؛ فقال قوم: هم الذين كانوا بين آدم ونوح، وهم عشرة قرون. وقال آخرون: بل تأويل ذلك: كان آدم على الحق، فبعث الله النبيين في ولده. وقال غيرهم: كان الناس أمة واحدة ودين واحد يوم استخرج ذرية آدم من صلبه فعرضهم على آدم. وذهب قوم إلى أنّ المعنى: كان الناس أمة واحدة على الكفر، فبعث الله النبيين. ورَجَّح ابنُ القيم (١/١٧١ بتصرف) القولَ الأول الذي قاله ابن عباس من طريق عكرمة، وقتادة مستندًا إلى القراءات، والنظائر، فقال: «وهذا هو القول الصحيح في الآية؛ فإن قراءة أبى بن كعب: (فاخْتَلَفُوا فَبَعَثَ اللهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ ومُنذِرِينَ)، ويشهد لهذه القراءة: قوله تعالى في سورة يونس [١٩]: ﴿وما كانَ النّاسُ إلا أُمَّةً واحِدَةً فاخْتَلَفوا﴾، والمقصود: أنّ العدوَّ كادَهُم، وتلاعب بهم، حتى انقسموا قسمين؛ كفارًا ومؤمنين، فكادهم بعبادة الأصنام، وإنكار البعث». وبنحوه قال ابنُ تيمية (١/٤٩٠)، وزاد الاستناد لقول جمهور الصحابة والتابعين. وكذلك رجَّحه ابنُ كثير (٢/٢٧٩)، فقال: «لأنّ الناس كانوا على ملة آدم عليه السلام، حتى عبدوا الأصنام، فبعث الله إليهم نوحًا عليه السلام، فكان أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض». ووجَّهَه ابنُ جرير (٣/٦٢١) بقوله: ""فتأويل الأُمَّة على هذا القول الذي ذكرناه عن ابن عباس: الدِّين، كما قال النابغة الذبياني:حلفت فلم أترك لنفسك ريبةً وهل يَأْثَمَن ذو أُمَّةٍ وهو طائعيعني: ذا الدِّين. فكان تأويل الآية على معنى قول هؤلاء: كان الناس أمة مجتمعة على ملة واحدة ودين واحد، فاختلفوا، فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين. وأصل الأمة: الجماعة تجتمع على دين واحد، ثم يكتفى بالخبر عن الأمة من الخبر عن الدين لدلالتها عليه، كما قال -جل ثناؤه-: ﴿ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة﴾ [المائدة: ٤٨]، يراد به: أهل دين واحد، ومِلَّة واحدة. فوَجَّه ابنُ عباس في تأويله قوله: ﴿كان الناس أمة واحدة﴾ إلى أنّ الناس كانوا أهل دين واحد حتى اختلفوا"". ورجَّح ابنُ جرير (٣/٦٢٥-٦٢٦ بتصرف) أنّ الناس كانوا أمة واحدة على دين واحد فاختلفوا في دينهم، فبعث الله عند اختلافهم النبيين. ولم يرَ تخصيصَ ذلك المعنى بوقت دون وقت، مستندًا لعدم وجود دليل يقطع بصحة أيِّ وقت، فقال: «وقد يجوز أن يكون ذلك الوقت الذي كانوا فيه أمة واحدة من عهد آدم إلى عهد نوح عليهما السلام. وجائز أن يكون عنى الله بالأمة: آدم. وجائز أن يكون كان ذلك حين عرض على آدم خلقه. وجائز أن يكون كان ذلك في وقت غير ذلك. ولا دلالة من كتاب الله ولا خبر يثبت به الحجة على أيِّ هذه الأوقات كان ذلك، فغيرُ جائزٍ أن نقول فيه إلا ما قال الله عز وجل فيه من أنّ الناس كانوا أمة واحدة، فبعث الله فيهم لما اختلفوا الأنبياء والرسل. ولا يضُرُّنا الجهلُ بوقت ذلك، كما لا ينفعنا العلمُ به إذا لم يكن العلم به لله طاعة». وذكر ابنُ عطية (١/٥١٢) أنّ الآية تحتمل احتمالًا آخر، وهو أن يخبر عن الناس الذين هم الجنس كله أنهم أمة واحدة في خُلُوِّهم عن الشرائع وجهلهم بالحقائق، لولا مَنُّ الله عليهم وتفضُّلُه بالرسل إليهم. وعلَّق عليه بقوله: «فــ﴿كان﴾ على هذا الثبوت لا تختص بالمضي فقط، وذلك كقوله تعالى: ﴿وكان الله غفورا رحيما﴾ [النساء:٩٦]»
عن محمد بن كعب القرظي -من طريق ابن إسحاق، عن يزيد بن زياد المدني- قال: لَمّا رأى رسولُ الله ﷺ تَوَلِّيَ قومِه عنه، وشَقَّ عليه ما يرى مِن مُباعَدَتهم ما جاءهم به مِن عند الله؛ تَمَنّى في نفسه أن يأتيه مِن الله ما يُقارِب به بينه وبين قومه، وكان يَسُرُّه -مع حُبِّه وحِرصه عليهم- أن يلين له بعض ما غلظ عليه مِن أمرهم، حين حدَّث بذلك نفسه وتَمَنّى وأحبه، فأنزل الله: ﴿والنجم إذا هوى ما ضل صاحبكم وما غوى﴾. فلما انتهى إلى قول الله: ﴿أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى﴾ ألقى الشيطانُ على لسانه لِما كان يُحَدِّث به نفسَه، ويتمنى أن يأتي به قومه: «تلك الغرانِيق العُلى، وإنّ شفاعتهن تُرْتَضى». فلمّا سمعت قريشٌ ذلك فرِحوا وسَرَّهم، وأعجبهم ما ذكر به آلهتهم، فأصاخوا له، والمؤمنون مُصَدِّقون نبيَّهم فيما جاءهم به عن ربِّهم، ولا يَتَّهمونه على خطأ، ولا وهم، ولا زلل. فلمّا انتهى إلى السجدة منها وختم السورة سجد فيها، فسجد المسلمون بسجود نبيِّهم تصديقًا لِما جاء به، واتِّباعًا لأمره، وسجد مَن في المسجد مِن المشركين مِن قريش وغيرهم لِما سَمِعوا مِن ذكر آلهتهم، فلم يبق في المسجد مؤمن ولا كافر إلا سجد، إلا الوليد بن المغيرة، فإنّه كان شيخًا كبيرًا، فلم يستطع، فأخذ بيده حَفْنَةً مِن البطحاء، فسجد عليها، ثم تَفَرَّق الناسُ مِن المسجد، وخرجت قريشٌ وقد سَرَّهم ما سمعوا مِن ذكر آلهتهم، يقولون: قد ذكر محمدٌ آلهتنا بأحسن الذِّكر، وقد زعم فيما يتلو أنّها الغرانيق العلى، وأن شفاعتهن ترتضى. وبلغت السجدةُ مَن بأرض الحبشة مِن أصحاب رسول الله ﷺ، وقيل: أسلمت قريش. فنهضت منهم رجال، وتَخَلَّف آخرون. وأتى جبرائيلُ النبيَّ ﷺ، فقال: يا محمد، ماذا صنعت؟! لقد تلوتَ على الناس ما لم آتِك به عن الله، وقلتَ ما لم يُقَل لك، فحزِن رسولُ الله ﷺ عند ذلك، وخاف مِن الله خوفًا كبيرًا؛ فأنزل الله -تبارك وتعالى- عليه -وكان به رحيمًا- يُعَزِّيه، ويُخفِّض عليه الأمر، ويخبره أنه لم يكن قبله رسول ولا نبيٌّ تَمَنّى كما تَمَنّى، ولا أحَبَّ كما أحَبَّ، إلا والشيطان قد ألقى في أمنيته كما ألقى على لسانه ﷺ، فنسخ الله ما ألقى الشيطان، وأحكم آياته، أي: فأنت كبعض الأنبياء والرسل. فأنزل الله: ﴿وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته﴾ الآية. فأذهب الله عن نبيِّه الحزن، وأَمَّنه مِن الذي كان يخاف، ونسخ ما ألقى الشيطان على لسانه مِن ذكر آلهتهم أنّها الغرانيق العُلى، وأنّ شفاعتهن تُرْتَضى. يقول الله حين ذكر اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى إلى قوله: ﴿وكم من ملك في السموات لا تغني شفاعتهم شيئا إلا من بعد أن يأذن الله لمن يشاء ويرضى﴾ [النجم:٢٦]، أي: فكيف تنفع شفاعة آلهتكم عنده؟! فلمّا جاءه مِن الله ما نسخ ما كان الشيطان ألقى على لسان نبيه؛ قالت قريش: ندِم محمدٌ على ما كان مِن منزلة آلهتكم عند الله، فغَيَّر ذلك، وجاء بغيره. وكان ذانك الحرفان اللذان ألقى الشيطان على لسان رسوله قد وقعا في فَمِ كُلِّ مشرك، فازدادوا شَرًّا إلى ما كانوا عليه