قال ابنُ كثير (١٣‏/‏١٦٠): «الغِيبة محرَّمة بالإجماع، ولا يُستثنى من ذلك إلا مَن رجحت مصلحته، كما في الجرح والتعديل والنصيحة، كقوله ﷺ لما استأذن عليه ذلك الرجل الفاجر: «ائذنوا له، بئس أخو العشيرة». وكقوله ﷺ لفاطمة بنت قيس رضي الله عنها وقد خطبها معاوية وأبو الجهم: «أما معاوية فصعلوك، وأما أبو الجهم فلا يضع عصاه عن عاتقه». وكذا ما جرى مجرى ذلك، ثم بَقِيّتها على التحريم الشديد، وقد ورد فيها الزجر الأكيد». وبنحوه قال ابنُ عطية (٨‏/‏٢١)

ذكر ابنُ كثير (١٤‏/‏١١٧) أن عبد الرحمن بن زيد قال: معنى: ﴿هاؤم اقرءوا كتابيه﴾ أي: ها اقرؤوا كتابيه، و«ؤم» زائدة. ورجَّح أنها بمعنى: هاكم، فقال: «والظاهر أنها بمعنى: هاكم». ولم يذكر مستندًا. وذكر ابنُ عطية (٨‏/‏٣٩٢) أن البعض قال بأن أصل قوله: ﴿هاؤم﴾ هاؤموا، ثم نقله التخفيف والاستعمال. وأن آخرين قالوا بأن الميم ضمير الجماعة. وانتقد القولين بقوله: «وفي هذا كله نظر». ثم علَّق بقوله: «والمعنى على كل وجه: تعالوا، فهو استدعاء للفعل المأمور به»

اختُلف في قراءة قوله: ﴿نصب﴾؛ فقرأ قوم: ‹نَصْبٍ› بفتح النون. وقرأ آخرون: ﴿نُصُب﴾ بضمّها مع الصاد. وذكر ابنُ جرير (٢٣‏/‏٢٨٥) «أنه أجمعت قُراء الأمصار على فتح النون، وأنّ مَن قرأ بالفتح يوجّه النصب إلى أنه مصدر من قول القائل: نَصَبْت الشيء أنصبه نصبًا». وكأن تأويله عندهم: «كأنهم إلى صنم منصوب يُسرعون سعيًا». وأنّ مَن قرأ بالضم فإنه يوجّهه إلى أنه واحد الأنصاب، وهي آلهتهم التي كانوا يعبدونها. وبنحوه قال ابنُ كثير (١٤‏/‏١٣٧)

سورة البقرة — الآية ١٧٩

قال الشافعي: أخبرنا معاذ بن موسى، عن بُكَير بن معروف، عن مقاتل بن حيان، قال مقاتل: أخذت هذا التفسيرَ عن نفرٍ، حَفِظَ معاذ منهم مجاهدًا، والحسنَ، والضحاكَ بن مزاحم، ... في قوله: ﴿ولكم في القصاص حياة﴾: ينتهي بها بعضُكم عن بعضٍ مخافة أن يُقْتَل

سورة طه — الآية ١٣٢

قال يحيى بن سلّام: قوله: ﴿لا نسألك رزقا﴾، قال بعضهم: لا نسألك على ما أعطيناك من النبوة رِزْقًا، وتفسير الحسن في التي في الذاريات: ﴿ما أريد منهم من رزق﴾ [الذاريات:٥٧]: أن يرزقوا أنفسَهم. قال يحيى: فإن كانت هذه عند الحسن مثلها فهو: ﴿لا نسألك رزقا﴾ أن ترزق نفسَك، وهو أعْجَبُ إلَيَّ

اختُلِف في قراءة قوله: ﴿وظنوا أنهم قد كذبوا﴾؛ فقرأ قوم: ﴿كُذِبوا﴾ بالتخفيف ولهم في تفسير الآية وجهان: الأول: أنّ المعنى: استيأس الرسل مِن إيمان قومهم، وظنَّ المرسَل إليهم أنّ الرسل قد كذبوهم. الثاني: أنّ المعنى: استيأس الرسل من إيمان قومهم، وظنُّوا أنهم قد كذبوا فيما وُعِدوا من النصر. وقرأ غيرهم بالتشديد ولهم في تفسيرها وجهان: الأول: أنّ الرُّسُلَ ظنَّت بأتباعها المؤمنين أنهم قد كذبوهم، فارتدوا استبطاءً منهم للنصر. الثاني: استيأس الرسل من إيمان قومهم، واستيقنوا من تكذيبهم، ويكون الظن بمعنى: العلم. وقرأ آخرون: (كَذَبُوا) بالفتح، والمعنى: استيأس الرسل من تعذيب قومهم، وظنَّ قومهم أيضًا أنهم قد كذبوا. ورجَّح ابنُ جرير (١٣‏/‏٣٩٢) مستندًا إلى السياق والدلالة العقلية قراءةَ التخفيف، والوجهَ الأول في تفسيرها الذي قاله ابن عباس من طريق مسلم، وأبي الضحى، وعمران السلمي، وعلي، والعوفي، وقاله ابن جبير من طريق ربيعة بن كلثوم، وابن مسعود من طريق ابن جبير، ومجاهد من طريق أبي نجيح، وابن زيد، وعبد الله بن الحارث، والضحاك، فقال: «لأنّ ذلك عَقِيب قوله: ﴿وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم من أهل القرى، أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم﴾، فكان ذلك دليلًا على أنّ إياس الرسل كان مِن إيمان قومهم الذين أُهْلِكوا، وأنّ المضمر في قوله: ﴿وظنوا أنهم قد كذبوا﴾ إنّما هو مِن ذكر الذين مِن قبلهم مِن الأمم الهالكة، وزاد ذلك وضوحًا أيضًا إتباع اللهِ في سياق الخبر عن الرسل وأممهم قولَه: ﴿فنجي من نشاء﴾ إذ الذين أهلكوا هم الذين ظنُّوا أنّ الرسل قد كذبتهم، فكذَّبوهم ظنًّا منهم أنّهم قد كذبوهم». وانتقد (١٣‏/‏٣٩٤) الوجه الثاني الذي قال به ابن عباس من طريق ابن أبي مليكة، وعكرمة، وقاله ابن مسعود من طريق مسروق، وقاله سعيد بن جبير من طريق أبي بشر، وقاله سفيان، مستندًا إلى الدلالة العقلية، فقال: «وهذا تأويلٌ، وقول غيره من أهل التأويل أولى عندي بالصواب، وخلافُه من القول أشبه بصفات الأنبياء والرسل إن جاز أن يرتابوا بوعد الله إياهم، ويشُكُّوا في حقيقة خبره، مع معاينتهم مِن حُجَجِ الله وأدلته ما لا يعاينه المرسل إليهم، فيعذروا في ذلك أنّ المرسل إليهم لأولى في ذلك منهم بالعذر، وذلك قولٌ إن قاله قائل لا يخفى أمره، وقد ذكر هذا التأويل الذي ذكرناه أخيرًا عن ابن عباس لعائشة، فأنكرته أشد النكرة». وساق الآثار الواردة عنها رضي الله عنها، ثم قال (١٣‏/‏٣٩٦بتصرف): «فهذا ما روي في ذلك عن عائشة، غير أنها كانت تقرأ: ‹كُذِّبُوا› بالتشديد وضم الكاف، بمعنى: أنّ الرسل ظنت بأتباعها الذين قد آمنوا بهم أنهم قد كذبوهم، فارتدوا عن دينهم، استبطاء منهم للنصر». وكذا انتقده ابنُ عطية (٥‏/‏١٦٥) مستندًا إلى الدلالة العقلية، فساق ردَّ عائشة له، ثم علَّق بقوله: «وهذا هو الصواب، وأين العصمة والعلم؟!». وساق ابنُ تيمية (٤‏/‏٧٣-٧٤) إنكار عائشة، ورجَّح مستندًا إلى السياق، والنظائر الوجهَ الثاني، فقال: «فعائشة جعلت استيئاس الرسل من الكُفّار المكذبين، وظنَّهم التكذيب من المؤمنين بهم، ولكن القراءة الأخرى ثابتة لا يمكن إنكارها، وقد تأولها ابن عباس، وظاهر الكلام معه، والآية التي تليها -يقصد التي تليها في أثر ابن عباس الوارد من طريق ابن أبي مليكة- إنّما فيها استبطاء النصر، وهو قولهم: ﴿متى نصر الله﴾، فإن هذه كلمة تبطئ لطلب التعجيل». ثم قال: «وقوله: ﴿وظنوا أنهم قد كذبوا﴾ قد يكون مثل قوله: ﴿إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته فينسخ الله ما يلقي الشيطان﴾ [الحج:٥٢]، والظن لا يراد به في الكتاب والسنة الاعتقاد الراجح كما هو في اصطلاح طائفة من أهل الكلام في العلم، ويسمون الاعتقاد المرجوح: وهْمًا. بل قد قال النبي ﷺ: «إياكم والظنَّ، فإنّ الظنَّ أكذبُ الحديث». وقد قال تعالى: ﴿وإن الظن لا يغني من الحق شيئا﴾ [النجم:٢٨] فالاعتقاد المرجوح هو ظن، وهو وهم. وهذا الباب قد يكون من حديث النفس المعفوِّ عنه كما قال النبي ﷺ: «إنّ الله تجاوز لأُمَّتي ما حَدَّثت به أنفسها؛ ما لم تَكَلَّم، أو تعمل». وقد يكون من باب الوسوسة التي هي صريح الإيمان كما ثبت في الصحيح». وذكر ابنُ عطية (٥‏/‏١٦٤) أنّ قراءة التشديد تحتمل ما فيها من وجهي التفسير. وبيّن (٥‏/‏١٦٥) أنّ قراءة الفتح تحتمل أن يكون الضميران للرسل، أي: ظن الرسل أنهم قد كَذَبوا من حيث نقلوا الكذب، وإن كانوا لم يتعمدوه. وبنحوه قال ابنُ كثير (٨‏/‏٩٧). وبين ابنُ عطية أن هذا الاحتمال الثاني مردود، كالوجه الثاني من قراءة التخفيف، وأنّه راجع إليه

اختلف المفسرون فيمن قَرَّبا هذا القربان على قولين: الأول: أنهم ابني آم لصلبه. والثاني: أنهما رجلان من بني اسرائيل من ذرية آدم. ورجَّح ابنُ جرير (٨‏/‏٣٢٤-٣٢٥) القول الأول دون الثاني الذي قاله الحسن مستندًا إلى الإجماع، والدلالات العقلية، وذلك أنه: من المعلوم أنّ تقريب القربان كان في ولد آدم دون غيرهم، فلو لم يكن معنيًّا بابني آدم ابناه لصلبه لم يكن في ذكرهما فائدة، وغير جائز أن يخاطب الله عباده بما لا فائدة فيه. ثم لإجماع أهل الأخبار والسير والعلم بالتأويل على أنهما كانا ابني آدم لصلبه، وفي عهد آدم وزمانه. وكذا رجَّحه ابنُ عطية (٣‏/‏١٤٤)، وابنُ كثير (٥‏/‏١٧٧)

انتقد ابنُ تيمية (٤‏/‏٣٩٨) مستندًا إلى مخالفة الواقع أثرَ ابن عباس، فقال فيما نقله عنه ابنُ القيم: «هذا الحديث موضوع، ولا يُعرف لرسول الله ﷺ كاتب اسمه سجل قط». وانتقده أيضًا ابنُ كثير (٩‏/‏٣٨٣ بتصرف) مستندًا إلى مخالفة الواقع، فقال: «لا يصح، وقد صرَّح جماعة من الحفاظ بوضعه، وقد تصدّى الإمام أبو جعفر ابن جرير للإنكار على هذا الحديث، وردَّه أتم رد، وقال: لا يعرف في الصحابة أحد اسمه السجل، وكتاب النبي ﷺ معروفون، وليس فيهم أحد اسمه السجل، وصدق رحمه الله في ذلك، وهو من أقوى الأدلة على نكارة هذا الحديث. وأما من ذكر في أسماء الصحابة هذا فإنما اعتمد على هذا الحديث، لا على غيره»

اختُلِف في المراد بقوله تعالى: ﴿والذين معه﴾ على قولين: الأول: أنهم أتباع الخليل إبراهيم الذين آمنوا معه. وهذا قول مقاتل. والثاني: أنهم الأنبياء الذين كانوا في عصره عليه السلام وقريبًا من عصره. وهذا قول ابن زيد. وذَهَبَ ابنُ كثير (١٣/٥١٣) إلى القول الأول. ولم يذكر مستندًا. وذَهَبَ ابنُ جرير (٢٢/٥٦٦) إلى القول الثاني استنادًا إلى أثر ابن زيد. وهو ما رجَّحَه ابنُ عطية أيضًا استنادًا إلى السّنّة، والتاريخ، فقال (٨/٢٧٩): «وهذا القول أرجح؛ لأنه لم يُروَ أنّ إبراهيم كان له أتباع مؤمنون في مكافحته نمروذ، وفي البخاري أنه قال لسارة حين رحل بها إلى الشام مهاجرًا من بلد النمرود: ما على الأرض مَن يعبد الله غيري وغيرك»

سورة النساء — الآية ١١٤

قال مقاتل بن سليمان: ثم قال سبحانه:﴿لا خير في كثير من نجواهم﴾، يعني قوم طعمة؛ قيس بن زيد، وكنانة بن أبى الحقيق، وأبو رافع، وكلهم يهود، حين تناجوا في أمر طعمة