سورة مريم — الآية ٨٧

عن أبي بكر الصديق، قال: قال رسول الله - ﷺ -: «مَن قال في دُبُر كلِّصلاة بعدما سلَّم هؤلاء الكلمات كتبه ملَك في رِقٍّ، فخَتَم بخاتم، ثم دفعها إلَيَّ يوم القيامة، فإذا بعث الله العبدُ مِن قبره جاءه الملَك ومعه الكتاب يُنادي: أين أهلُ العهود؟ حتى تدفع إليهم، والكلمات أن تقول: اللهم فاطر السموات والأرض، عالم الغيب والشهادة، الرحمن الرحيم، إني أعهد إليك في هذه الحياة الدنيا بأنّك أنت الله الذي لا إله إلا أنت، وحدك لا شريك لك، وأنّ محمدًا عبدُك ورسولك، فلا تَكِلْني إلى نفسي، فإنك إن تَكِلْنِي إلى نفسي تُقَرِّبْني مِن الشر، وتباعدني مِن الخير، وإني لا أثق إلا برحمتك، فاجعل رحمتك لي عهدًا عندك تؤديه إلَيَّ يوم القيامة، إنك لا تخلف الميعاد»، وعن طاووس: أنه أمر بهذه الكلمات، فكُتِبَت في كفنه.

سورة الشعراء — الآية ٢١٩

عن ابن عباس، قال: سألتُ رسول الله ﷺ، فقلتُ: بأبي أنت وأمي، أين كنتَ وآدمُ في الجنة؟ فتبسَّم حتى بَدَت نواجِذُه، ثم قال: «إنِّي كنت في صُلبه، وهبط إلى الأرض وأنا في صُلبه، وركبت السفينة في صُلب أبي نوح، وقذفت في النار في صُلب أبي إبراهيم، ولم يلتق أبواي قطُّ على سِفاح، لم يزل الله ينقلني من الأصلاب الطيبة إلى الأرحام الطاهرة مُصَفًّى مُهَذَّبًا، لا تتشعب شعبتان إلا كنت في خيرهما، قد أخذ الله بالنبوة ميثاقي، وبالإسلام هداني، وبين في التوراة والإنجيل ذكري، وبين كل شيء مِن صفتي في شرق الأرض وغربها، وعلمني كتابه، ورقي بي في سمائه، وشق لي مِن أسمائه؛ فذو العرش محمود وأنا محمد، ووعدني أن يحبوني بالحوض، وأعطاني الكوثر، وأنا أول شافع، وأول مشفع، ثم أخرجني في خير قرون أمتي، وأمتي الحمّادون، يأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر»

سورة النجم — الآية ١٦

عن أبي جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية أو غيره، عن أبي هريرة: أنّ رسول الله ﷺ أُتي بفرسٍ، فجعل كل خطوة منه أقصى بصره، فسار وسار معه جبريل عليه السلام، ... إلى أن قال: ثم مضى إلى السّدرة، فقيل له: هذه السّدرة المنتهى، ينتهي كلُّ أحد مِن أُمّتك خلا على سبيلك، وهي السّدرة المنتهى، تخرج مِن أصلها أنهارٌ مِن ماء غير آسِن، وأنهار مِن لبنٍ لم يتغيّر طعمه، وأنهار مِن خمرٍ لذّة للشاربين، وأنهار من عسل مُصفّى، وهي شجرة يسير الراكب في ظِلّها سبعين عامًا، وإنّ ورقةً منها مُظلّة الخَلْق، فغشيها نور وغشيها الملائكة. قال عيسى -يعني: أبا جعفر الرازي-: فذلك قوله: ﴿إذْ يَغْشى السِّدْرَةَ ما يَغْشى﴾... ، وفي لفظ عند ابن جرير: فغَشيها نور الخلاّق، وغَشِيتها الملائكة أمثال الغربان حين يَقَعْنَ على الشجر

يرى ابنُ جرير (٥‏/‏٦٨٨-٦٨٩) بأن اسم الإشارة ﴿ذلك﴾ في قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِما عَصَوْا وكانُوا يَعْتَدُونَ﴾ راجع إلى الشيء الذي أشير إليه بـ﴿ذلك﴾ في قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ ويَقْتُلُونَ الأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾، أي: أنّ ما تحملوه من غضب الله وضرب الذلة والمسكنة عليهم، بسبب كفرهم، وقتلهم الأنبياء، ومعصيتهم ربهم، واعتدائهم في شرع ربهم، فاسم الإشارة الثاني عنده تأكيد للأول، وهو معنى قول قتادة. واستدرك ابنُ عطية (٢‏/‏٣٢٢) على ابن جرير، فقال بعدما ذكر قولَه: «والذي أقول: إن الإشارة بـ﴿ذلِكَ﴾ الأخير إنما هي إلى كفرهم وقتلهم، وذلك أنّ الله تعالى استدرجهم، فعاقبهم على العصيان والاعتداء بالمصير إلى الكفر وقتل الأنبياء، وهو الذي يقول أهل العلم: إن الله تعالى يعاقب على المعصية بالإيقاع في معصية، ويجازي على الطاعة بالتوفيق إلى طاعة»

أفادت الآثار الاختلافَ في تأويل قوله تعالى: ﴿وقولوا لهم قولا معروفا﴾ على قولين: أحدهما: أنّ المراد: عِدُوهم عِدَةً جميلةً مِن البرِّ والصِّلَة. وهذا قول ابن جُريج، ومجاهد. والآخر: أنّ المراد: ادعوا لهم. وهذا قول ابن زيد. ورجَّحَ ابنُ جرير (٦‏/‏٤٠٢) القولَ الأولَ مستندًا إلى أقوال أهل التأويل، فقال: «أوْلى هذه الأقوال في ذلك بالصحة ما قاله ابنُ جُرَيْج، وهو أنّ معنى قوله: ﴿وقولوا لهم قولا معروفًا﴾ أي: قولوا يا معشر ولاة السفهاء قولًا معروفًا للسفهاء: إن صَلحتم ورشدتم سلَّمنا إليكم أموالَكم، وخلَّينا بينكم وبينها، فاتقوا اللهَ في أنفسكم وأموالكم. وما أشبه ذلك من القول الذي فيه حثٌّ على طاعة الله، ونهيٌ عن معصيته». وساق ابنُ عطية (٢‏/‏٤٧١) القولين، ثم قال: «ومعنى اللفظ: كلُّ كلام تعرفُه النفوسُ، وتأنسُ إليه، ويقتضيه الشرع»

وجّه ابنُ عطية (٧‏/‏٤٨٣) هذا القول الذي قالته عائشة، وأبو أمامة، وعكرمة، وابن أبي حازم، بقوله: «ومعنى القول بأنها في المؤذّنين: أنهم داخلون فيها. وأما نزولها فمكية بلا خلاف، ولم يكن بمكة أذان، وإنما ترتب بالمدينة، وإنّ الأذان لَمِن الدعاء إلى الله تعالى، ولكنه جزء منه. والدعاء إلى الله بقوة، كجهاد الكفار وردع الطغاة وكفّ الظلمة وغيره أعظم عناء من تولي الأذان؛ إذ لا مشقة فيه». وانتقد ابنُ كثير (١٢‏/‏٢٤٢) هذا القول مستندًا لأحوال النُّزول، فقال: «فأما حال نزول هذه الآية فإنه لم يكن الأذان مشروعًا بالكلية؛ لأنها مكية، والأذان إنما شرُع بالمدينة بعد الهجرة، حين أريه عبد الله بن زيد بن عبد ربه الأنصاري في منامه، فقصّه على رسول الله ﷺ، فأمره أن يلقيه على بلال فإنه أندى صوتًا»

سورة آل عمران — الآية ١٥٥

عن عبد الرحمن بن عوف -من طريق شقيق- أنّه لقي الوليد بن عقبة، فقال له الوليد: ما لي أراك جفوتَ أميرَ المؤمنين عثمانَ؟ فقال له عبد الرحمن: أبْلِغْهُ أنِّي لم أفِرَّ يوم عينين -يقول: يوم أحد-، ولم أتخلف عن بدر، ولم أترك سُنَّة عمر. فانطلق، فخَبَّر بذلك عثمان، فقال: أمّا قوله: «إنِّي لم أفِرَّ يوم عينين» فكيف يُعَيِّرُني بذلك وقد عفا الله عني، فقال: ﴿إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان إنما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا ولقد عفا الله عنهم﴾؟! وأمّا قوله: «إنِّي تخلفتُ يومَ بدر» فإنِّي كنتُ أُمَرِّضُ رُقَيَّةَ بنتَ رسول الله ﷺ حتى ماتت، وقد ضرب لي رسول الله ﷺ بسَهْم، ومَن ضرب له رسول الله ﷺ بسَهْمِ فقد شهد. وأمّا قوله: «إني لم أترك سُنَّة عُمَر» فإنِّي لا أُطِيقُها، ولا هو. فأْتِهِ، فحدِّثه بذلك

سورة المدثر — الآية ١١

عن عبد الله بن عباس -من طريق عكرمة-: أنّ الوليد بن المُغيرة جاء إلى النبيِّ ﷺ، فقَرأ عليه القرآن، فكأنه رَقَّ له، فبَلغ ذلك أبا جهل، فأتاه، فقال: يا عمّ، إنّ قومك يريدون أن يجمعوا لك مالًا ليُعطوكه، فإنك أتيتَ محمدًا لتَعرَّض لِما قِبلَه. قال: قد عَلمتْ قريش أني مِن أكثرها مالًا. قال: فقُلْ فيه قولًا يَبلغ قومك أنّك مُنكِرٌ له، أو أنك كارهٌ له. قال: وماذا أقول؟ فواللهِ، ما فيكم رجل أعلم بالشِّعر مني، ولا برَجَزِهِ ولا بقِصِيده مني، ولا بأشعار الجنّ، واللهِ، ما يُشبه الذي يقول شيئًا من هذا، وواللهِ، إنّ لِقَوْله الذي يقول حلاوة، وإنّ عليه لَطُلاوة، وإنه لَمُثمِرٌ أعلاه، مُغدِقٌ أسفله، وإنّه لَيَعلو وما يُعلى، وإنه ليَحْطِم ما تحته. قال: لا يرضى عنك قومك حتى تقول فيه. قال: فدعني حتى أُفكّر. فلما فَكّر قال: هذا سحرٌ يُؤثر؛ يَأْثُره عن غيره. فنَزلت: ﴿ذَرْنِي ومَن خَلَقْتُ وحِيدًا﴾

ذكر ابنُ عطية (٥‏/‏١٢٨) في قوله: ﴿فخذ أحدنا مكانه﴾ احتمالين: أحدهما: «أن يكون مجازًا، وهم يعلمون أنّه لا يصح أخذُ حُرٍّ لِيُسْتَرَقَّ بدلَ مَن أحكمت السنة رقه، وإنما هذا كما تقول لمن تكره فعله: اقتلني ولا تفعل كذا وكذا. وأنت لا تريد أن يقتلك، ولكنك تبالغ في اسْتِنزاله، وعلى هذا يتجه قول يوسف: ﴿مَعاذَ اللَّهِ﴾؛ لأنّه تَعَوُّذ مِن غير جائز». والآخر: «أن يكون قولهم: ﴿فَخُذْ أحَدَنا مَكانَهُ﴾ حقيقة، وبعيد عليهم -وهم أنبياء- أن يريدوا استرقاق حُرٍّ، فلم يبق إلا أن يريدوا بذلك طريق الحمالة، أي: خذ أحدنا حتى ينصرف إليك صاحبك». وكذا ذكر في قوله: ﴿إنا نراك من المحسنين﴾ احتمالين، فقال: «وقولهم: ﴿إنّا نَراكَ مِنَ المُحْسِنِينَ﴾ يحتمل أن يريدوا وصفَه بما رأوه من إحسانه في جميع أفعاله معهم ومع غيرهم. ويحتمل أن يريدوا: إنّا نرى لك إحسانًا علينا في هذه اليد إن أسديتها إلينا. وهذا تأويل ابن إسحاق»

علَّقَ ابنُ كثير (٣‏/‏٣٤٩) على هذه الآثار بقوله: «ومضمون كلامهم: أنّ الرجل يجب عليه دفعُ الصَّداق إلى المرأة حتمًا، وأن يكون طَيِّبَ النفس بذلك كما يمنح المنيحة ويُعْطِي النِّحْلَة طيِّبًا بها، كذلك يجب أن يعطي المرأةَ صداقها طيبًا بذلك، فإن طابت هي له به بعدَ تسميته، أو عن شيءٍ منه فليأكله حلالًا طيبًا، ولهذا قال: ﴿فَإنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾». ووجَّه ذلك ابنُ عطية (٢‏/‏٤٦٩)، فقال: «وقيل: ﴿نحلة﴾ معناه: شِرْعَةً، مأخوذ من النحل، تقول: فلان ينتحل دين كذا. وهذا يحسن مع كون الخطاب للأولياء، ويَتَّجِهُ مع سواه، ونصبها على أنّها مِن الأزواج بإضمار فِعْلٍ من لفظها، تقديره: انحلوهن نحلة. ويجوز أن يعمل الفعل الظاهر وإن كان من غير اللفظ؛ لأنّه مناسب للنحلة في المعنى، ونصبها على أنها من الله عز وجل بإضمار فعل مُقَدَّرٍ مِن اللفظ، لا يصح غير ذلك، وعلى أنها شريعة هي أيضًا من الله»