ذكر ابنُ جرير (٥‏/‏٥٠، ٥٣) قراءة ﴿فأذنوا﴾ بقصر الألف وفتح الذال، وبيَّن أنها بمعنى: اعلموا ذلك واستيقنوه. وأدخل تحتها قول ابن عباس. وذكر ابن عطية (٢‏/‏١٠٤) قراءتي ﴿فأذنوا﴾، ﴿فآذِنوا﴾، ثم نقل أنّ سيبويه فرَّق بين أذِنت وآذَنتُ، فقال: «آذَنت: أعلمْت. وأَذِنت: ناديت وصوت بالإعلام. قال: وبعضٌ يُجري آذنت مجرى أذنت». ثم قال ابنُ عطية (٢‏/‏١٠٤): «قال أبو علي: من قال ﴿فأذنوا﴾ فقصر معناه: فاعلموا الحرب من الله. قال ابن عباس وغيره من المفسرين معناه: فاستيقنوا الحرب من الله تعالى». ثم وجَّه تفسير ابن عباس رضي الله عنهما بكونه راجعًا إلى معنى الإذن، فقال: «وهذا عندي من الإذن، وإذا أذِن المرء في شيء فقد قرَّره وبنى مع نفسه عليه، فكأنه قال لهم: فقرروا الحرب بينكم وبين الله ورسوله، ويلزمهم من لفظ الآية أنهم مُستدعُو الحرب والباغون لها؛ إذ هم الآذنون بها وفيها، ويندرج في هذا المعنى الذي ذكرته علمهم بأنهم حرب، وتيقُنهم لذلك»

سورة النساء — الآية ٨٤

عن أسامة بن زيد، أنّ رسول الله ﷺ قال لأصحابه ذات يوم: «ألا هل مُشَمِّر للجنة؛ فإن الجنة لا خَطَر لها، هي -وربِّ الكعبة- نور تلألأ، وريحانة تهتز، وقصر مشيد، ونهر مُطَّرِد، وفاكهة كثيرة نضيجة، وزوجة حسناء جميلة، وحُلَل كثيرة، في مقام أبدًا، في خير ونضرة، ونعمة في دار عالية سليمة بهية». قالوا: يا رسول الله، نحن المشمرون لها. قال: «قولوا: إن شاء الله». ثم ذكر الجهاد، وحضَّ عليه

سورة الحجرات — الآية ٧

عن قتادة بن دعامة -من طريق سعيد- ﴿واعْلَمُوا أنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الأَمْرِ لَعَنِتُّمْ﴾، قال: هؤلاء أصحاب نبيِّ الله ﷺ، لو أطاعهم نبيُّ الله ﷺ في كثير من الأمر لعَنِتوا، فأنتم -واللهِ- أسخف قلوبًا، وأطيش عقولًا، فاتّهَم رجلٌ رأيَه، وانتصح كتاب الله؛ فإنّ كتاب الله ثِقة لِمَن أخذ به وانتهى إليه، وإنّ ما سوى كتاب الله تغرير

سورة الأحزاب — الآية ٧٢

عن عبد الله بن عباس -من طريق الضحاك- في قوله: ﴿إنّا عَرَضْنا الأَمانَةَ﴾ الآية: هي أمانات الناس، والوفاء بالعهد، فحقٌّ على كل مؤمن ألّا يغش مؤمنًا ولا معاهدًا في شيء قليل ولا كثير

اختُلف في المراد بـ﴿المفتون﴾ على أقوال: الأول: أنه المجنون. الثاني: الضّال. الثالث: أولى بالشيطان. الرابع: الجنون. ووجَّه ابنُ جرير (٢٣‏/‏١٥٣) القول الأخير الذي قاله ابن عباس من طريق العَوفيّ، والضَّحّاك، بأنه وُجّه فيه المفتون إلى معنى الفتنة أو الفتون، كما قيل: ليس له معقول ولا معقود، أي: بمعنى: ليس له عقل ولا عقد رأي. وبنحوه قال ابنُ عطية (٨‏/‏٣٦٧). ورجَّحه ابنُ جرير (٢٣‏/‏١٥٥) مستندًا إلى اللغة، فقال: «لأنّ ذلك أظهر معاني الكلام، إذا لم ينو إسقاط الباء، وجَعلنا لدخولها وجهًا مفهومًا. وقد بَيّنا أنه غير جائز أن يكون في القرآن شيءٌ لا معنى له». وانتقده ابنُ تيمية (٦‏/‏٣٧٧) مستندًا للغة، فقال: «وكون المفتون بمعنى الفتنة لا أصل له في اللغة ألبتة، وجَعْل المصدر على زنة»مفعول«لو صحّ لم يكن قياسًا. بل مقصورًا على السماع». وانتقد ابنُ القيم (٣‏/‏١٨٥) هذه الأقوال، ورجَّح أنّ الباء إنما دَخَلتْ لتدلّ على تضمين الفعل «تبصر» معنى «تَشعر وتَعلم»- مستندًا إلى النظائر-، فقال: «وهذه الأقوال كلّها تَكلُّف ظاهر لا حاجة إلى شيء منه، و»سَتُبصِر«مُضمّن معنى»تَشعر وتَعلم«، فعدي بالباء كما تقول: سَتشعر بكذا وتَعلم به، قال تعالى: ﴿ألَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرى﴾ [العلق:١٤]. وإذا دعاك اللفظ إلى المعنى من مكان قريب فلا تُجب مَن دعاك إليه من مكان بعيد». ورجَّح ابنُ كثير (١٤‏/‏٨٨) القول الثاني الذي قاله الحسن مستندًا إلى اللغة، فقال: «ومعنى ﴿المفتون﴾ ظاهر، أي: الذي قد افتُتن عن الحق وضَلّ عنه، وإنما دَخَلت الباء في قوله: ﴿بأييكم المفتون﴾ لتدلّ على تَضمين الفعل في قوله: ﴿فستبصر ويبصرون﴾، وتقديره: فسَتعلم ويَعلمون، أو: فسَتُخبر ويُخبرون بأيكم المفتون». ورجَّح ابنُ تيمية (٦‏/‏٣٧٥) -مستندًا إلى القراءات، وأقوال السلف- القول الثالث الذي قاله مجاهد، والحسن، وقتادة، فقال: «قوله تعالى: ﴿بأيكم المفتون﴾ حار فيها كثير من الناس، والصواب فيها التفسير المأثور عن السلف». ثم عَلّق على قول الحسن بقوله: «فبَيّن الحسن المعنى المراد وإن لم يَتكلّم على اللفظ، كعادة السلف في اختصار الكلام مع البلاغة وفهم المعنى». ثم قال: «ويدلّ أيضًا على هذا المعنى في الآية أنّ في قراءة أُبيّ بن كعب، والجَوْنيّ، وابن عبلة: (فِي أيِّيكُمُ المَفْتُونُ) والشيطان مفتون بلا ريب». وذكر (٦‏/‏٣٧٥-٣٧٦) أنّ القول الثاني الوارد عن الحسن أيضًا موافق لما ذُكر؛ فإنّ الضّال به المفتون الذي هو شيطان، ثم قال: «وإنما ذَكر الحسن لفظ الضّال؛ لأنهم لم يريدوا بالمجنون الذي يَخرق ثيابه، ويَقذف بالحجارة، ويَتكلّم بالهذَيان»

قال ابنُ جرير (١٧‏/‏٥٩٥): «الذي عُنِي به من سلامة القلب في هذا الموضع: هو سلامة القلب مِن الشكّ في توحيد الله، والبعث بعد الممات». وذكر ابنُ عطية (٦‏/‏٤٩٢) أنّ سفيان قال: إن صاحب القلب السليم هو الذي يلقى ربَّه وليس في قلبه شيء غيره. ثم علَّق بقوله: «وهذا يقتضي عموم اللفظة، ولكن السليم مِن الشرك هو الأهم». وبنحوهما ابنُ تيمية (٥‏/‏٤٦)، وكذا ابنُ كثير (١٠‏/‏٣٥٥). وقال ابنُ القيم (٢‏/‏٢٧٦-٢٧٧ بتصرُّف): «قد اختلفت عبارات الناس في معنى القلب السليم، والأمر الجامع لذلك: أنه الذي قد سلم من كل شهوة تخالف أمر الله ونهيه، ومِن كل شبهة تعارض خبره، فسلم من عبودية ما سواه، وسلم من تحكيم غير رسوله، فسلم في محبة الله مع تحكيمه لرسوله، في خوفه ورجائه، والتوكل عليه، والإنابة إليه، والذل له، وإيثار مرضاته في كل حال، والتباعد من سخطه بكل طريق. وهذا هو حقيقة العبودية التي لا تصلح إلا لله وحده، ولا يتم له سلامته مطلقًا حتى يسلم من خمسة أشياء: ١- من شرك يناقض التوحيد. ٢- وبدعة تخالف السنة. ٣- وشهوة تخالف الأمر. ٤- وغفلة تناقض الذِّكر. ٥- وهوًى يناقض التجريد والإخلاص. وهذه الخمسة حُجُب عن الله، وتحت كل واحد منها أنواع كثيرة تتضمن أفرادًا لا تنحصر»

اختُلِف في تأويل الوصيد على أقوال: الأول: الفِناء. والثاني: الباب. والثالث: الصَّعيد. ورجَّح ابنُ جرير (١٥‏/‏١٩٤ بتصرف) مستندًا إلى دلالة اللفظ القول الأول والثاني، دون الثالث الذي قاله ابن عباس من طريق العوفي، وسعيد بن جبير، وعمرو، فقال: «وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قولُ مَن قال: الوصيد: الباب، أو فناء الباب حيث يغلق الباب. وذلك أن الباب يوصد، وإيصاده: إطباقه وإغلاقه، من قول الله عز وجل: ﴿إنها عليهم مؤصدة﴾ [الهمزة:٨]... فكأن معنى الكلام: وكلبهم باسط ذراعيه بفناء كهفهم عند الباب، يحفظ عليهم بابه». وبنحوه ابنُ عطية (٥‏/‏٥٨٢)، وابنُ كثير (٩‏/‏١١٥)

انتقد ابنُ عطية (٥‏/‏٦٦٠) ما ورد في هذا الأثر من أنهم كانوا يرزقون التنين، فقال: «وروي في أمر يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ أن أرزاقهم هي من التنين يمطرونها، ونحو هذا مما لم يصح». وانتقد (٥‏/‏٦٦٣ بتصرف) كذلك ما جاء في هذا القول من أنّ طول السد ما بين طرفي الجبلين مائة فرسخ، بقوله: «هذا مما لا ثبوت له». وانتقد ابنُ كثير (٩‏/‏١٩١) قول وهب، فقال: «وقد ذكر ابنُ جرير هاهنا عن وهب بن منبه أثرًا طويلًا عجيبًا في سَيْر ذي القرنين، وبنائه السد، وكيفية ما جرى له، وفيه طول وغرابة ونكارة في أشكالهم وصفاتهم، وطولهم وقصر بعضهم، وآذانهم. وروى ابن أبي حاتم أحاديث غريبة في ذلك لا تصح أسانيدها»

ذكر ابنُ جرير (١٨‏/‏٥٤١) في عود الهاء من قوله: ﴿ويتخذها﴾ قولين: الأول: أنها تعود على سبيل الله. كما في قول مجاهد. الثاني: أنها من ذكر آيات الكتاب. وقد رجّح ابنُ جرير مستندًا إلى السياق القول الأول، فقال: «﴿ويتخذها هزوا﴾ يستهزئ بها ويكذب بها. وهما من أن يكونا من ذكر سبيل الله أشبه عندي لقربهما منها، وإن كان القول الآخر غير بعيد من الصواب. واتخاذه ذلك هزوًا: هو استهزاؤه به». وبنحوه ابنُ كثير (١١‏/‏٤٧) ولم يذكر مستندًا. وزاد ابنُ عطية (٧‏/‏٤٢) وجهًا ثالثًا، فقال: «ويحتمل أن يعود على الأحاديث؛ لأن الحديث اسم جنس بمعنى الأحاديث، وكذلك ﴿سَبِيلِ اللَّهِ﴾ اسم جنس، ولكل وجه من الحديث وجه يليق به من السبيل»

ذكر ابنُ جرير (١‏/‏٦٢٣) أنّ الأمر بالاستعانة بالصبر والصلاة في الآية خوطب به أحبار بني إسرائيل، فقال: «فمعنى الآية: واستعينوا أيها الأحبار من أهل الكتاب بحبس أنفسكم على طاعة الله، وكفِّها عن معاصي الله، وبإقامة الصلاة المانعة من الفحشاء والمنكر، المقربة من مراضي الله، العظيمة إقامتها إلا على المتواضعين لله، المستكينين لطاعته، المتذللين من مخافته». ونقل ابنُ كثير (١‏/‏٣٩١) قول ابن جرير، ثم رجَّح العموم بقوله: «هكذا قال، والظاهر أنّ الآية وإن كانت خطابًا في سياق إنذار بني إسرائيل فإنهم لم يقصدوا بها على سبيل التخصيص، وإنما هي عامة لهم ولغيرهم»