قال مقاتل بن سليمان: ﴿وإنْ تَتَوَلَّوْا﴾ يقول: تُعرِضوا عما افترضتُ عليكم مِن حقّي ﴿يَسْتَبْدِلْ﴾ بكم ﴿قَوْمًا غَيْرَكُمْ﴾ يعني: أمثل منكم وأطْوَع لله منكم، ﴿ثُمَّ لا يَكُونُوا أمْثالَكُمْ﴾ في المعاصي، بل يكونوا خيرًا منكم وأطوع... ، ﴿وإنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ﴾ يعني: الأنصار
عن الضَّحّاك بن مُزاحِم -من طريق عبيد- في قوله: ﴿لا تُلْهِكُمْ أمْوالُكُمْ ولا أوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ إلى آخر السورة: هو الرجل المؤمن نَزل به الموت، وله مال كثير لم يزُكّه، ولم يحجّ منه، ولم يُعط منه حقّ الله؛ يسأل الرَّجعة عند الموت فيُزكي ماله، قال الله: ﴿ولَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إذا جاءَ أجَلُها﴾
عن مجاهد بن جبر -من طريق ابن أبي نجيح- في قوله: ﴿سَأَلَ سائِلٌ﴾ قال: دعا داعٍ. وفي قوله: ﴿بِعَذابٍ واقِعٍ﴾ قال: يقع في الآخرة، وهو قولهم: ﴿اللَّهُمَّ إنْ كانَ هَذا هُوَ الحَقَّ مِن عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أوِ ائْتِنا بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ [الأنفال:٣٢]
ذكر ابنُ عطية (٧/٦٢٣) أن قوله: ﴿أولئك﴾ ظاهر أنها إشارة إلى جنس يتضمنه قوله: ﴿والذي قال﴾. وبنحوه قال ابنُ كثير (١٣/٢٠). ثم قال ابنُ عطية: «ويحتمل -إن كانت الآية في مُشار إليه- أن يكون قوله: ﴿أولئك﴾ بمعنى: صنف هذا المذكور وجنسهم ﴿الذين حقّ عليهم القول﴾ أي: قول الله تعالى»
قال ابن جُرَيْج: أخبرني إسماعيل بن أميّة، عن الثبت -غير أنه لم ينسبه، وقال: ثقة-: أنّ النبي ﷺ أوْجبَ بقَسَمٍ أو غيره أن لا يُعفى عن رَجُلٍ عَفا عن الدّم وأخذ الدية، ثم عَدا فَقَتل. وقال ابن جُرَيْج: أخبرني عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز، قال: في كتاب لعمرَ عن النبي ﷺ قال: «والاعتداء الذي ذَكَر اللهُ: أنّ الرجل يأخذ العقلَ، أو يقتصُّ، أو يقضي السلطانُ فيما بين الجرح، ثم يعتدي بعضُهم من بعد أن يستوعبَ حقه، فمن فعل ذلك فقد اعتدى، والحكم فيه إلى السلطان بالذي يرى فيه من العقوبة». قال: ولو عفا عنه لم يكن لأحد من طلبة الحق أن يعفو؛ لأنّ هذا من الأمر الذي أنزل الله فيه قوله: ﴿فَإنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إلى اللَّهِ والرَّسُولِ﴾ [النساء:٥٩]»
عن الضَّحّاك بن مُزاحِم -من طريق عبيد- يقول في قوله: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ﴾ إلى آخر الآية، قال: بعث رسولُ الله ﷺ رجلًا مِن أصحابه إلى قوم يُصَدّقهم، فأتاهم الرجل، وكان بينهم وبينه حِنَّة في الجاهلية، فلما أتاهم رحّبوا به، وأقرُّوا بالزّكاة، وأعطوا ما عليهم من الحقّ، فرجع الرجلُ إلى رسول الله ﷺ، فقال: يا رسول الله، منع بنو فلان الزّكاة، ورجعوا عن الإسلام. فغضب رسول الله ﷺ، وبعث إليهم، فأتَوه، فقال: «أمنعتم الزّكاة، وطردتم رسولي؟!». فقالوا: واللهِ، ما فعلنا، وإنّا لنعلم أنك لرسول الله -صلّى الله عليك-، ولا بدّلنا، ولا منعنا حقّ الله في أموالنا. فلم يُصدّقهم رسول الله ﷺ؛ فأنزل الله هذه الآية، فعذَرهم
قال مقاتل بن سليمان: ﴿بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنهُمْ أنْ يُؤْتى﴾ يقول: يُعطى ﴿صُحُفًا مُنَشَّرَةً﴾ فيها كتاب من الله تعالى. وذلك أنّ كفار مكة قالوا للنبي ﷺ: كان الرجل مِن بني إسرائيل ذَنبه وكفّارة ذَنبه يُصبح مكتوبًا عند رأسه، فهلا تُرينا مثل هؤلاء الآيات إن كنت رسولًا كما تزعم. فقال جبريل: إن شئتَ فعلنا بهم كفِعْلنا ببني إسرائيل، وأَخذناهم بما أخذنا به بني إسرائيل. فكَره النبي ﷺ، وقالوا: ليُصبح عند رأس كلّ رجل منّا كتابٌ منشور مِن الله بأنّ آلهتنا باطل، وأنّ الإله الذي في السماء حقٌّ، وأنك رسول، وأنّ الذي جئت به حقٌّ، وتجيء معك بملائكة يَشهدون بذلك كقول ابن أبي أُمَيّة في سورة بني إسرائيل
رجَّح ابنُ عطية (٣/٤٩٩) مستندًا إلى النظائر أنّ الإتيان في قوله تعالى: ﴿أوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ﴾ إنما هو بحذف مضاف، وقال: «تقديره: أمر ربك، أو بطش ربك، أو حساب ربك، وإلا فالإتيان المفهوم من اللغة مستحيل في حقِّ الله تعالى، ألا ترى أنّ الله تعالى يقول: ﴿فَأَتاهُمُ اللَّهُ مِن حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا﴾ [الحشر:٢]، فهذا إتيان قد وقع، وهو على المجاز وحذف المضاف». انتهى كلامه. وما قاله باطل، والحق إثبات صفة المجيء لله على ما يليق بكماله وجلاله وعظمته، وهو إجماع السلف من الصحابة والتابعين. ينظر: الشريعة ٣/ ١١٤٧- ١١٧٧، الإبانة الكبرى ٣/٩١-١٣١، شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة ٢/٤٥١-٤٨٠
ذكر ابنُ جرير (١١/٦٢١-٦٢٢) هذا القول، ثم علَّق بقوله: «فقد أخبر من ذكرنا مِن هؤلاء: أنّ هؤلاء القوم إنما كانوا أهل اعتذار بالباطل لا بالحق، فغير جائز أن يوصفوا بالإعذار، إلا أن يوصفوا بأنهم أعْذَرُوا في الاعتذار بالباطل. فأمّا بالحق -على ما قاله مَن حكينا قوله من هؤلاء- فغيرُ جائز أن يوصَفوا به». وعلَّق ابنُ عطية (٤/٣٨٢-٣٨٣) على هذا القول بقوله: «وكلُّ هذه الفرقة قرأ: ﴿المعذّرون﴾ بشد الذال، فمنهم مَن قال: أصله: المعتذرون، نقلت حركة التاء إلى العين، وأدغمت التاء في الذال، والمعنى: معتذرون بكذب، ومنهم من قال: هو من التعذير، أي: الذين يعذرون الغزو ويدفعون في وجه الشرع». ثم قال: «فالآية إلى آخرها في هذا القول إنما وصَفَت صنفًا واحدًا في الكفر ينقسم إلى أعرابيٍّ وحضريٍّ»
عن محمد بن إسحاق -من طريق سلمة- قال: أمّا امرأةُ عِمران فهي أُمَّ مريم ابنة عمران أُمِّ عيسى ابن مريم -صلوات الله عليه-، وكان اسمُها فيما ذُكر لنا: حَنَّةَ ابنةَ فاقُود بن قبيل. وأما زوجها فإنّه عمران بن ياشهم بن أمون بن منشا بن حزقيا بن أحزيق بن يوثم بن عزاريا بن أمصيا بن ياوش بن أحزيهو بن يارم بن يهفاشاط بن أيشا بن أبيا بن رحبعم بن سليمان بن داود بن إيشا