عن موسى بن أبي كثير -من طريق حصين- قال: بدء حديث هذه الآية في رِجال من الأنصار مِن أهل قباء: ﴿فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين﴾، فسألهم النبيُّ ﷺ. قالوا: نستنجي بالماء
عن عبد الله بن عباس -من طريق عبد الله بن كثير- أنّه كان يَقْرَأ: (إن تَسْتَفْتِحُواْ فَقَدْ جَآءَكُمُ الفَتْحُ وإن تَنْتَهُواْ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وإن تَعُودُواْ نَعُدْ ولَن تُغْنِيَ عَنهُمْ فِئَتُهُمْ مِّنَ اللهِ شَيْئًا)
عن كعب الأحبار -من طريق سمرة- قال:كان يحيى لا يَقْرَب النساء، ولا يشتهِيهِنَّ، وكان شابًّا حسن الوجه، ليِّن الجناح، قليل الشعر، قصير الأصابع، طويل الأنف، أقرن الحاجبين، دقيق الصوت، كثير العبادة، قَوِيًّا في الطاعة
رجّح ابنُ كثير (١٠/٥١١-٥١٢) مستندًا إلى السياق أن الذين أرسل عليهم حاصبًا هم عاد، وأن الذين أخذتهم الصيحة ثمود، وأن الذي خسف به قارون، وأن الذين أغرقوا فرعون ووزيره هامان، وجنوده، ثم قال: «وهذا الذي ذكرناه ظاهر سياق الآية، وهو من باب اللف والنشر، وهو أنه ذكر الأمم المكذبة، ثم قال: ﴿فكلا أخذنا بذنبه﴾ الآية، أي: من هؤلاء المذكورين». ثم انتقد مستندًا إلى ضعف الأثر وإلى السياق ما ورد في قول ابن عباس من طريق ابن جريج، فقال: «قد روي أن ابن جريج قال: قال ابن عباس في قوله: ﴿فمنهم من أرسلنا عليه حاصبا﴾ قال: قوم لوط، ﴿ومنهم من أغرقنا﴾ قال: قوم نوح. وهذا منقطع عن ابن عباس؛ فإن ابن جريج لم يدركه. ثم قد ذكر في هذه السورة إهلاك قوم نوح بالطوفان، وقوم لوط بإنزال الرجز من السماء، وطال السياق والفصل بين ذلك وبين هذا السياق». وانتقد كذلك قول قتادة أنه فسر ﴿فمنهم من أرسلنا عليه حاصبا﴾ قوم لوط. وأنه فسر: ﴿ومنهم من أخذته الصيحة﴾ أنهم قوم شعيب بقوله: «وهذا بعيدٌ أيضًا؛ لِما تقدم»
اختلف المفسرون في المراد بالفرقان؛ فذهب قوم إلى أنّه مصدر، والمراد: الفصل بين الحق والباطل في أمر عيسى. وذهب قومٌ إلى أنّه القرآن، والمراد: الفصل بين الحق والباطل في أحكام الشرائع. ورَجَّح ابنُ جرير (٥/١٨٣-١٨٤) القولَ الأول الذي قاله ابنُ الزبير وابنُ إسحاق مُسْتَنِدًا إلى دلالة القرآن، والسياق؛ لتقدّم ذِكْرِ القرآن في قوله: ﴿نزل عليك الكتاب بالحق مصدقا﴾، ولا شكَّ أنّ ذلك الكتاب هو القرآن لا غيره، فلا وجه لتكريره مرّة أخرى؛ إذ لا فائدة في تكريره، ولأنّ الله عَقَّب قولَه: ﴿وأنزل الفرقان﴾ بقوله: ﴿إن الذين كفروا بآيات الله﴾، وهذا وعيدٌ صريحٌ لِمَن جَحَدَ الفَصْلَ الذي أنزله الله فرقانًا بين الحق والباطل وعانده. وكذا رجَّح ابنُ كثير (٣/٦) هذا القول. ووجَّه ابنُ عطية (٢/١٥٤) تفسيرَ الفرقان بالقرآن لكونه يُفَرِّق بين الحق والباطل، ثُمَّ جَمَع بين القولين، فقال: «والفرقانُ يَعُمُّ هذا كلَّه». وذكر أنّ بعض المفسرين قال بأنّ الفرقان هنا كل أمر فرق بين الحق والباطل، فيما قدم وحدث، وعلَّق عليه، بقوله: «فيدخل في هذا التأويل طوفان نوح، وفرق البحر لغرق فرعون، ويوم بدر، وسائر أفعال الله تعالى المفرقة بين الحق والباطل، فكأنه تعالى ذكر الكتاب العزيز، ثم التوراة والإنجيل، ثم كل أفعاله ومخلوقاته التي فرقت بين الحق والباطل، كما فعلت هذه الكتب، ثم توعد تعالى الكفار عمومًا بالعذاب الشديد، وذلك يعم عذاب الدنيا بالسيف والغلبة، وعذاب الآخرة بالنار». ثم بيَّن أنّ الإشارة بهذا الوعيد إلى نصارى نجران، وذكر أنّ النقّاش قال بأنّه إلى اليهود؛ كعب بن الأشرف، وكعب بن أسد، وبني أخطب وغيرهم
للسلف في تفسير قوله: ﴿بروجا﴾ قولان: الأول: أنها النجوم الكبار. الثاني: أنها القصور التي في السماء. وقد رجّح ابنُ جرير (١٧/٤٨٤) مستندًا إلى اللغة القولَ الثاني، فقال: ""لأن ذلك في كلام العرب ﴿ولو كنتم في بروج مشيدة﴾ [النساء:٧٨]، وقول الأخطل:كأنها برجُ رُومِيٍّ يُشَيِّده بانٍ بِحص وآجُرٍّ وأحجاريعني بالبرج: القصر"". وقال ابنُ عطية (٦/٤٥٢): «والبروج هي التي علمتها العرب بالتجربة، وكل أمة مُصحِرة، وهي الشهور عند اللغويين وأهل تعديل الأوقات، وكل برج منها على منزلتين وثلث مِن منازل القمر التي ذكرها الله تعالى في قوله: ﴿والقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ﴾ [يس:٣٩]، والعرب تسمي البناء المرتفع المستغني بنفسه: برجًا، تشبيهًا ببروج السماء». وذكر ابنُ عطية القول الأول، وعلّق عليه قائلًا: «حكاه الثعلبي عن أبي صالح، وهذا غير ما بيناه إلا أنه غير مُخلَّص». وذكر ابن عطية (٦/٤٥٢) في الآية قولًا ثالثًا لم ينسبه لأحد مِن السلف: أنّ البروج قصور في الجنة. ثم انتقده مستندًا إلى الدلالة العقلية بقوله: «وأما القول بأنها قصور في الجنة فقول يحط غرض الآية في التنبيه على أشياء مُدرَكات تقوم بها الحُجَّة على كل مُنكِر لله أو جاهل به». وذكر ابنُ كثير (١٠/٣١٨) القولين، ثم رجّح مستندًا إلى النظائر الأول، فقال: «والقول الأول أظهر، اللهم إلا أن يكون الكواكب العظام هي قصور للحرس، فيجتمع القولان، كما قال تعالى: ﴿ولقد زينا السماء الدنيا بمصابيح وجعلناها رجوما للشياطين﴾ [الملك:٥]؛ ولهذا قال: ﴿تبارك الذي جعل في السماء بروجا وجعل فيها سراجا﴾ وهي الشمس المنيرة، التي هي كالسراج في الوجود، كما قال: ﴿وجعلنا سراجا وهاجا﴾ [النبأ:١٣]»
للسلف في تفسير قوله: ﴿لزاما﴾ أربعة أقوال: الأول: أنّ اللزام: عذاب الدنيا، وهو القتل يوم بدر. الثاني: أنه الموت. الثالث: أنه القتال. الرابع: أنه العذاب في الآخرة. وقد رجّح ابنُ جرير (١٧/٥٣٧) مستندًا إلى أقوال السلف القولَ الأول، فقال: «وقوله: ﴿فقد كذبتم﴾، يقول -تعالى ذِكْرُه- لمشركي قريش قومِ رسول الله ﷺ: فقد كذبتم -أيها القومُ- رسولَكم الذي أُرْسِل إليكم، وخالفتم أمر ربكم الذي أمَرَ بالتمسك به، لو تمسكتم به كان يعبأ بكم ربي، فسوف يكون تكذيبكم رسول ربكم وخلافكم أمر بارئكم عذابًا لكم مُلازمًا؛ قتلًا بالسيوف وهلاكًا لكم مُفنيًا يلحق بعضكم بعضًا. ففعل الله ذلك بهم، وصدقهم وعده، وقتلهم يوم بدر بأيدي أوليائه، وألحق بعضهم ببعض، فكان ذلك العذابُ اللزامَ». وقال ابنُ عطية (٦/٤٦٥): «وأكثر الناس على أنّ»اللزام«المشار إليه في هذا الموضع هو يوم بدر، وهو قول أبي بن كعب، وابن مسعود، والمعنى: فسوف يكون جزاء التكذيب». ثم علّق على القول الثاني، فقال: «وقال ابن عباس أيضًا: اللزام: الموت. وهذا نحو القول ببدر، وإن أراد به متأول الموت المعتاد في الناس عرفًا، فهو ضعيف». ورجّح ابنُ كثير (١٠/٣٣٥) أنّه لا مُنافاة بين القولين، فقال: «﴿فسوف يكون لزاما﴾ أي: فسوف يكون تكذيبكم لزامًا لكم، يعني: مُقْتَضِيًا لهلاككم وعذابكم ودماركم في الدنيا والآخرة، ويدخل في ذلك يومُ بدر، كما فسَّره بذلك عبدُ الله بن مسعود، وأبيُّ بن كعب، ومحمد بن كعب القرظي، ومجاهد، والضحاك، وقتادة، والسدي، وغيرهم. وقال الحسن البصري: ﴿فسوف يكون لزاما﴾ يعني: يوم القيامة. ولا منافاة بينهما»
ذكر المفسرون تفسيرات عدة للتهلكة. وأفاد ابنُ جرير (٣/٣٢٥) دخولَ جميع الأقوال في التهلكة، فقال: «فإذا كانت هذه المعاني كلها يحتملها قوله: ﴿ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة﴾، ولم يكن الله عز وجل خَصَّ منها شيئًا دون شيء؛ فالصوابُ من القول في ذلك أن يُقال: إنّ الله -تعالى ذِكْرُه- نهى عن الإلقاء بأيدينا لِما فيه هلاكُنا، والاستسلامِ للهلكة -وهي العذاب- بتَرْكِ ما لَزِمَنا من فرائضه، فغير جائزٍ لأحد مِنّا الدخولُ في شيء يكره الله مِنّا مِمّا نَسْتَوْجِبُ بدخولنا فيه عذابَه». ثم رَجَّح القولَ الذي قاله ابنُ عباس من طريق علي، مُسْتَنِدًا إلى قول ابن عباس، فقال: «غير أنّ الأمر وإن كان كذلك، فإنّ الأغلب من تأويل الآية: وأنفقوا -أيها المؤمنون- في سبيل الله، ولا تتركوا النفقة فيها فتهلكوا باستحقاقكم بترككم ذلك عذابي»
اختُلِف في تفسير هذه الآية؛ فقال بعضهم: هو دلالة على عدد الطلاق الذي يكون للرجل فيه الرجعة على زوجته، والعدد الذي تَبِينُ به زوجته منه. وقال آخرون: إنما أُنزِلت هذه الآية على النبي ﷺ تعريفًا من الله عبادَه سُنَّةَ طلاقهم نساءَهم، لا دلالة على العدد الذي تَبِينُ به المرأة من زوجها. ورَجَّح ابنُ جرير (٤/١٢٩) القولَ الأولَ الذي قال به عروة، وقتادة، وابن زيد، والسُّدِّيُّ، وعكرمة مُسْتَنِدًا إلى القرآن، فقال: «وذلك أنّ الله -تعالى ذكره- قال في الآية التي تتلوها: ﴿فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره﴾، فعَرَّف عبادَه القَدْرَ الذي به تَحْرُمُ المرأةُ على زوجها إلا بعد زوج، ولم يُبَيِّن فيها الوقتَ الذي يجوز الطلاق فيه والوقت الذي لا يجوز ذلك فيه». وعَلَّق ابنُ عطية (١/٥٦١) بعد ذكره لكلا القولين، فقال: «والآيةُ تتضمنُ هذين المعنيين»
ذكر ابنُ تيمية (٢/١١٢-١١٣) جملة من الأحاديث عن السلف والتي تفسر الاستطاعة بالزاد والراحلة، ثم قال معلِّقًا عليها: «فهذه الأحاديث مسندة من طرق حسان، ومرسلة، وموقوفة؛ تدل على أن مناط الوجوب: وجود الزاد والراحلة، مع علم النبي بأن كثيرًا من الناس يقدرون على المشي». وقد ذهب ابنُ تيمية أن الاستطاعة معنيٌّ بها: الزاد والراحلة مستندًا إلى السنة، حيث ذكر بعض ما روي عن النبي ﷺ من تفسيره السبيل بأنه الزاد والراحلة، ثم علّق عليها بقوله: «فعلم بذلك أن الحج لا يوجبه إلا ملك الزاد والراحلة». وانتقد ابنُ جرير (٥/٦١٧) أسانيد الأحاديث التي رُوِيَت عن رسول الله ﷺ في ذلك بقوله: «فأما الأخبار التي رويت عن رسول الله ﷺ في ذلك بأنّه الزاد والراحلة، فإنها أخبار في أسانيدها نظر، لا يجوز الاحتجاج بمثلها في الدين»