عن ابن عباس، قال: ما هَبَّت ريحٌ قَطُّ إلّا جَثا النبيُّ ﷺ على ركبتيه، وقال: «اللهم، اجعلها رحمة، ولا تجعلها عذابًا، اللهم، اجعلها رِياحًا، ولا تجعلها ريحًا». قال ابن عباس: واللهِ، إنّ تفسير ذلك في كتاب الله: ﴿أرسلنا عليهم ريحًا صرصرًا﴾، و﴿أرسلنا عليهم الريح العقيم﴾ [الذاريات:٢٨]، وقال: ﴿وأرسلنا الرياح لواقح﴾ [الحجر:٢٢]، و﴿يرسل الرياح مبشرات﴾ [الروم:٤٦]
وجَّهَ ابنُ جرير (٤/١٢٧) تفسير الآية على هذا القول الذي قال به عروة، وعكرمة، والسدي، وابن زيد، وقتادة بقوله: «فتأويل الآية على هذا الخبر: عددُ الطلاق الذي لكم -أيها الناس- فيه على أزواجكم الرَّجْعَة إذا كُنَّ مدخولًا بِهِنَّ: تطليقتان، ثم الواجب على مَن راجع منكم بعد التطليقتين إمساكٌ بمعروف، أو تسريحٌ بإحسان؛ لأنّه لا رجعة له بعد التطليقتين إن سرحها فطَلَّقها الثالثة»
ذكر ابنُ جرير (٧/١٠٥) في تفسير قوله: ﴿غير مسمع﴾ مثل ما جاء في قول مقاتل عن الحسن ومجاهد. ثُمَّ استدرك عليه من جهة اللغة قائلًا: «ولو كان ذلك معناه لقيل: واسمع غير مسموع. ولكن معناه: واسمع لا تسمع». ووافق ابنُ عطية (٢/٥٧٢) ابنَ جرير في نقده، ومستنده، حيث قال: «ومَن قال: ﴿غَيْرَ مُسْمَعٍ﴾: غير مقبول منك. فإنّه لا يساعده التصريف»
استند ابنُ القيم (١/٣٩٤) إلى قول أبي العالية هذا في انتقاده لقول مَن قال: إنّ أصحاب الأعراف هم أفاضل المؤمنين عَلَوا على الأعراف ليطالعوا أحوال الناس. وقال: «وفي هذا [أي: قول أبي العالية] ردٌّ على قول مَن قال: إنهم أفاضل المؤمنين علوا على الأعراف يطالعون أحوال الفريقين. فعاد الصواب إلى تفسير الصحابة، وهم أعلم الأمة بكتاب الله ومراده منه»
ذكر ابنُ كثير (٩/٣٩٥) أنّ تفسير اللهو بالمرأة والولد فيه تلازم، ثم قال: «وهو كقوله تعالى: ﴿لو أراد الله أن يتخذ ولدا لاصطفى مما يخلق ما يشاء سبحانه﴾ [الزمر:٤]». وذكر ابنُ تيمية (٤/٣٦٦) أنّ مَن فسروا اللهو بالولد والزوجة قالوا ذلك؛ لأنّ مِن المشركين مَن جعل لله ولدًا وصاحبة، وقالوا: إنه ضاهى الحق، وهم يسمون المرأة لهوًا، والولد لهوًا
رَجَّح ابنُ جرير (٥/٣٢٧) مستندًا إلى السياق قولَ محمد بن جعفر بن الزبير: بأنّ الله أمر النبي ﷺ أن يقول هذا القولَ لنصارى نَجْران، حيث إنّه لم يَجْرِ ذِكْرٌ لغيرهم في هذه السورة، فـ«ما قَبْلَ هذه الآية مِن مُبْتَدأ هذه السورة وما بعدها خبرٌ عنهم، واحتجاجٌ مِن الله لنبيِّه محمد ﷺ، ودليلٌ على بُطولِ قولهم في المسيح، فالواجبُ أن تكون هي أيضًا مصروفةَ المعنى إلى نحو ما قبلها، ومعنى ما بعدها». ثُمَّ انتَقَدَ (٥/٣٢٦) قولَ الحسن لعدم الخبر الدّالِّ على صِحَّته، فقال: «وأما ما روى الحسنُ في ذلك مِمّا قد ذكرناه؛ فلا خبر به عندنا يصحُّ، فيجوز أن يُقال: إنّ ذلك كذلك، وإن لم يكن في السورة دلالة على أنه كما قال». غير أنّه ذَكَرَ لقول الحسن وِجْهَةً يمكن أن يُحْمَل عليها، فقال: «إلا أن يكون الحسنُ أراد بالقوم الذين ذَكَر أنهم قالوا ذلك على عهد رسول الله ﷺ وفْدَ نَجْران مِن النصارى، فيكون ذلك مِن قوله نظيرَ إخبارنا». وزاد ابنُ عطية (٢/١٩٦) احتمالًا آخر، وهو: «أن تكون الآيةُ عامَّةً لأهل الكتاب اليهود والنصارى؛ لأنهم كانوا يدَّعون أنهم يحبُّون الله ويحبُّهم، ألا ترى أنّ جميعهم قالوا: ﴿نَحْنُ أبْناءُ اللَّهِ وأَحِبّاؤُهُ﴾ [المائدة:١٨]»
عن عبد الله بن عباس -من طريق سعيد بن جبير- قال: قال المشركون: إن كان محمدٌ كما يزعم نبيًّا فَلِمَ يُعَذِّبه ربُّه، ألا ينزل عليه القرآن جملةً واحدةً؟ ينزل عليه الآية والآيتين والسورة! فأنزل الله على نبيِّه جوابَ ما قالوا: ﴿وقال الذين كفروا لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة﴾ إلى: ﴿وأضل سبيلا﴾
عن الضَّحّاك بن مُزاحِم -من طريق عبيد- في قوله: ﴿لا تُلْهِكُمْ أمْوالُكُمْ ولا أوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ إلى آخر السورة: هو الرجل المؤمن نَزل به الموت، وله مال كثير لم يزُكّه، ولم يحجّ منه، ولم يُعط منه حقّ الله؛ يسأل الرَّجعة عند الموت فيُزكي ماله، قال الله: ﴿ولَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إذا جاءَ أجَلُها﴾
عن ابن عباس -من طريق يزيد الفارسي- قال: قلتُ لعثمان بن عفان: ما حمَلكم أن عَمَدتم إلى الأنفال وهي من المثاني، وإلى براءة وهي من المِئِين، فقَرَنتم بينَهما، ولم تَكْتُبوا سطرَ: ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾، ووضَعتُمُوها في السَّبعِ الطُّوَلِ، ما حمَلكم على ذلك؟ فقال عثمانُ: كان رسول الله ﷺ مما يأتي عليه الزمانُ وهو يَنزِلُ عليه السُّوَرُ ذواتُ العَدَد، فكان إذا نزَل عليه الشيءُ دعا بعضَ مَن كان يَكْتُبُ، فيقولُ: «ضَعُوا هؤلاء الآياتِ في السورة ِالتي يُذْكَرُ فيها كذا وكذا». وكانت الأنفال من أوائل ما نزَل بالمدينة، وكانت براءة مِن آخِر القرآن نزولًا، وكانت قصَّتُها شبيهةً بقصَّتِها، فظَنَنتُ أنها منها، فقُبِض رسول الله ﷺ ولم يُبَيِّن لنا أنها منها، فمِن أجلِ ذلك قَرَنتُ بينَهما، ولم أكْتُبْ بينَهما سطر: ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾، ووضَعتهُما في السَّبع الطَّوَل
عن سعيد بن جبير -من طريق عبد الله بن كثير- قال: كان لا يرث إلا الرجل الذي قد بلغ أن يقوم في المال ويعمل فيه، ولا يرث الصغير ولا المرأة شيئًا، فلما نزلت المواريث في سورة النساء شقَّ ذلك على الناس، وقالوا: أيرث الصغير الذي لا يقوم في المال، والمرأة التي هي كذلك، فيرثان كما يرث الرجل؟! فرجوا أن يأتي في ذلك حَدَث من السماء، فانتظروا، فلمّا رأوا أنه لا يأتي حدث قالوا: لئن تَمَّ هذا إنّه لواجب ما منه بُدٌّ. ثم قالوا: سلوا. فسألوا النبي ﷺ؛ فأنزل الله: ﴿ويستفتونك في النساء قل الله يفتيكم فيهن وما يتلى عليكم في الكتاب﴾ في أول السورة ﴿في يتامى النساء اللاتي لا تؤتونهن ما كتب لهن وترغبون أن تنكحوهن﴾. وكان الولي إذا كانت المرأة ذات جمال ومال رغب فيها، ونكحها، واستأثر بها، وإذا لم تكن ذات جمال ومال أنكَحها، ولم يَنكِحها