جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري
يقول تعالى ذكره : فأرسلنا على عاد ريحا صرصرا.
واختلف أهل التأويل في معنى الصرصر، فقال بعضهم : عني بذلك أنها ريح شديدة. ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله : ريحا صَرصَرا قال : شديدة.
حدثني الحارث، قال : حدثنا الحسن، قال : حدثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد رِيحا صَرْصَرا شديدة السّموم عليهم.
وقال آخرون : بل عنى بها أنها باردة. ذكر من قال ذلك :
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة فأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحا صَرْصَرا قال : الصرصر : الباردة.
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال : حدثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، في قوله : رِيحا صَرْصَرا قال : باردة.
حدثنا محمد بن الحسين، قال : حدثنا أحمد، قال : حدثنا أسباط، عن السديّ رِيحا صَرْصَرا قال : باردة ذات الصوت.
حُدثت عن الحسين، قال : سمعت أبا معاذ يقول : حدثنا عبيد، قال : سمعت الضحاك يقول، في قوله : رَيحا صَرْصَرا يقول : ريحا فيها برد شديد.
وأولى القولين في ذلك بالصواب قول مجاهد، وذلك أن قوله : صَرْصَرا إنما هو صوت الريح إذا هبّت بشدّة، فسُمع لها كقول القائل : صرر، ثم جعل ذلك من أجل التضعيف الذي في الراء، فقال ثم أبدلت إحدى الراءات صادا لكثرة الراءات، كما قيل في ردّده : ردرده، وفي نههه : نهنهه، كما قال رؤبة :
| فالْيَوْمَ قَدْ نَهْنَهَنِي تَنَهْنُهِي | وأوّلُ حِلْمٍ لَيْسَ بالمُسَفّهِ |
| أُكَفْكِفُ عَبْرَةً غَلَبَتْ عُداتِي | إذَا نَهْنَهْتُها عادَتْ ذُباحا |
وقوله : في أيّامٍ نَحِساتٍ اختلف أهل التأويل في تأويل النحسات، فقال بعضهم : عُني بها المتتابعات. ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن سعد، قال : ثني أبي، قال : ثني عمي، قال : ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله : في أيّامٍ نَحِساتٍ قال : أيام متتابعات أنزل الله فيهنّ العذاب.
وقال آخرون : عِني بذلك المشائيم. ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى وحدثني الحارث، قال : حدثنا الحسن، قال : حدثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله : أيّامٍ نَحِساتٍ قال : مشائيم.
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة في أيّامٍ نَحِساتٍ أيام والله كانت مشؤومات على القوم.
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال : حدثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، قال : النحسات : المشؤومات النكدات.
حدثنا محمد بن الحسين، قال : حدثنا أحمد بن المفضل، قال : حدثنا أسباط، عن السديّ في أيّامٍ نَحِساتٍ قال : أيام مشؤومات عليهم.
وقال آخرون : معنى ذلك : أيام ذات شرّ. ذكر من قال ذلك :
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد قوله : أيّامٍ نَحِساتٍ قال : النحس : الشرّ أرسل عليهم ريح شرّ ليس فيها من الخير شيء.
وقال آخرون : النحسات : الشداد. ذكر من قال ذلك :
حُدثت عن الحسين، قال : سمعت أبا معاذ يقول : حدثنا عبيد، قال : سمعت الضحاك يقول في أيّامٍ نَحِساتٍ قال : شداد.
وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال عنى بها : أيام مشائيم ذات نحوس، لأن ذلك هو المعروف من معنى النحس في كلام العرب.
وقد اختلفت القرّاء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قرّاء الأمصار غير نافع وأبي عمرو في أيّامٍ نَحِساتٍ بكسر الحاء، وقرأه نافع وأبو عمرو :«نَحْساتٍ » بسكون الحاء. وكان أبو عمرو فيما ذكر لنا عنه يحتج لتسكينه الحاء بقوله : يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٌ وأن الحاء فيه ساكنة.
والصواب من القول في ذلك أن يقال : إنهما قراءتان مشهورتان، قد قرأ بكلّ واحدة منهما قرّاء علماء مع اتفاق معنييهما، وذلك أن تحريك الحاء وتسكينها في ذلك لغتان معروفتان، يقال هذا يومٌ نَحْسٌ، ويومٌ نَحِسٌ، بكسر الحاء وسكونها قال الفرّاء : أنشدني بعض العرب :
| أبلِغْ جُذَاما وَلَخْما أنّ إخْوَتُهمْ | طَيّا وَبهْرَاءَ قَوْمٌ نَصْرُهُمْ نَحِسُ |
| يَوْمَيْنِ غَيْمَيْنِ وَيَوْما شَمْسا | نَجْمَيْنِ بالسّعْدِ وَنجْما نَحْسا |
وقوله : لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الخَزْيِ في الحَياةِ الدّنْيا يقول جلّ ثناؤه : ولعذابنا إياهم في الاَخرة أخزى لهم وأشدّ إهانة وإذلالاً وهُمْ لا يُنْصَرُونَ يقول : وهم يعني عادا لا ينصرهم من الله يوم القيامة إذا عذّبهم ناصر، فينقذهم منه، أو ينتصر لهم.
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لا يُنْصَرُونَ (١٦)﴾
يقول تعالى ذكره: فأرسلنا على عاد ريحا صرصرا.
واختلف أهل التأويل في معنى الصرصر، فقال بعضهم: عني بذلك أنها ريح شديدة.
* ذكر من قال ذلك.
حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله (رِيحًا صَرْصَرًا) قال: شديدة.
حدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد (رِيحًا صَرْصَرًا) شديدة السَّموم عليهم.
وقال آخرون: بل عنى بها أنها باردة.
* ذكر من قال ذلك:
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة (فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا) قال: الصرصر: الباردة.
حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السديّ (رِيحًا صَرْصَرًا) قال: باردة ذات الصوت.
حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد، قال: سمعت. الضحاك يقول، في قوله: (رِيحًا صَرْصَرًا) يقول: ريحا فيها برد شديد.
وأولى القولين في ذلك بالصواب قول مجاهد، وذلك أن قوله: (صَرْصَرًا) إنما هو صوت الريح إذا هبت بشدة، فسمع لها كقول القائل: صرر، ثم جعل ذلك من أجل التضعيف الذي في الراء، فقال ثم أبدلت إحدى الراءات صادا لكثرة الراءات، كما قيل في ردده: ردرده، وفي نههه: نهنهه، كما قال رؤبة؟
| فالْيَوْمَ قَدْ تُنَهْنِهُني | وَأَوَّلُ حِلْمٍ لَيْسَ بِالْمُسَفَّهِ (١) |
| أُكَفكِفُ عَبْرَةً غَلَبَتْ عُدَاتِي | إذَا نَهْنَهْتُهَا عادَت ذُباحا (٢) |
(٢) نسب المؤلف البيت إلى النابغة، ولم أجده في الديوان ولا في شروحه المختلفة. ومعنى أكفكف العبرة: أردها. وقوله غلبت عداتي: أي أنهم كانوا حراصا على أن أبكي بما يسيئون إلى، فغلبتهم عبرتي التي حبستها، ونهنهتها: كففتها ورددتها. وذباحا: ذبحا. ذبحا. يريد أنه حبس عبرته، وكان حبسها كالذبح من شدة الألم لأن البكاء يخفف ما يضطرم في النفس من ألم وغيظ ونحوه. والبيت عند المؤلف شاهد على أن كفكف ونهنه وصرصر ونحوها من الفعل الرباعي المضعف: أصلها: كفف ونهه وصرر، فلما اجتمع فيه ثلاث أحرف أمثال، أبدلت إحدى الراءات من نوع فاء الكلمة. وهذا مذهب لبعض النحويين الكوفيين، والله أعلم.
* ذكر من قال ذلك:
حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: (فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ) قال: أيام متتابعات أنزل الله فيهن العذاب.
وقال آخرون: عني بذلك المشائيم.
* ذكر من قال ذلك:
حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: (أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ) قال: مشائيم.
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة (فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ) أيام والله كانت مشئومات على القوم.
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، قال: النحسات: المشئومات النكدات.
حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السديّ (فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ) قال: أيام مشئومات عليهم.
وقال آخرون: معنى ذلك: أيام ذات شر.
* ذكر من قال ذلك:
حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد قوله: (أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ) قال: النحس: الشر; أرسل عليهم ريح شر ليس فيها من الخير شيء.
وقال آخرون: النحسات: الشداد.
حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول (فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ) قال: شداد.
وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال عنى بها: أيام مشائيم ذات نحوس، لأن ذلك هو المعروف من معنى النحس في كلام العرب.
وقد اختلفت القرّاء في قراءة ذلك، فقراته عامة قراء الأمصار غير نافع وأبي عمرو (فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ) بكسر الحاء، وقرأه نافع وأبو عمرو:"نَحْسَاتٍ" بسكون الحاء. وكان أبو عمرو فيما ذكر لنا عنه يحتج لتسكينه الحاء بقوله: (يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ) وأن الحاء فيه ساكنة.
والصواب من القول في ذلك أن يقال: إنهما قراءتان مشهورتان، قد قرأ بكل واحدة منهما قرّاء علماء مع اتفاق معنييهما، وذلك أن تحريك الحاء وتسكينها في ذلك لغتان معروفتان، يقال هذا يوم نحْس، ويوم نَحِس، بكسر الحاء وسكونها; قال الفرّاء: أنشدني بعض العرب؟
| أبْلِغْ جُذَاما وَلَخْما أنَّ إخْوَتَهُمْ | طَيَّا وَبَهْرَاءَ قَوْمٌ نَصْرُهُمْ نَحِسُ (١) |
| يَوْمَيْنِ غَيْمَيْنِ وَيَوْما شَمْسا | نَجْمَيْنِ بالسَّعْدِ وَنَجْما نَحْسا (٢) |
(٢) البيتان من مشطور الرجز، ولم نعرف قائلهما. واستشهد المؤلف بهما على أن النحس فيه لغتان: سكون الحاء، كهذا البيت وكسرها كالشاهد الذي قبله. وعلى هاتين اللغتين جاءت قراءة من قرأ قوله تعالى:" في أيام نحسات" وقد سبق القول عليه في الشاهد السابق.