جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري
يقول تعالى ذكره : فأمّا عادٌ قوم هود فاسْتَكْبَرُوا على ربهم وتجبروا فِي الأرْضِ تكبرا وعتوّا بغير ما أذن الله لهم به وَقالُوا مَنْ أشَدّ مِنّا قُوّةٍ أوَلَمْ يَرَوْا أنّ اللّهَ الّذِي خَلَقَهُمْ وأعطاهم ما أعطاهم من عظم الخلق، وشدّة البطش هُو أشَدّ مِنْهُمْ قُوّةً فيحذروا عقابه، ويتقوا سطوته لكفرهم به، وتكذيبهم رسله وكانُوا بآياتِنا يَجْحَدُونَ يقول : وكانوا بأدلتنا وحججنا عليهم يجحدون.
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
وعنى بقوله: (وَمِنْ خَلْفِهِمْ) : من خلف الرسل الذين بعثوا إلى آبائهم رسلا إليهم، وذلك أن الله بعث إلى عاد هودا، فكذبوه من بعد رسل قد كانت تقدمته إلى آبائهم أيضا، فكذبوهم، فأهلكوا.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك:
حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: (فَإِنْ أَعْرَضُوا)... إلى قوله: (وَمِنْ خَلْفِهِمْ) قال: الرسل التي كانت قبل هود، والرسل الذين كانوا بعده، بعث الله قبله رسلا وبعث من بعده رسلا.
وقوله: (أَلا تَعْبُدُوا إِلا اللَّهَ) يقول تعالى ذكره: جاءتهم الرسل بأن لا تعبدوا إلا الله وحده لا شريك له.
قالوا: (لَوْ شَاءَ رَبُّنَا لأنزلَ مَلائِكَةً) يقول جل ثناؤه: فقالوا لرسلهم إذ دعوهم إلى الإقرار بتوحيد الله: لو شاء ربنا أن نوحده، ولا نعبد من دونه شيئا غيره، لأنزل إلينا ملائكة من السماء رسلا بما تدعوننا أنتم إليه، ولم يرسلكم وأنتم بشر مثلنا، ولكنه رضي عبادتنا ما نعبد، فلذلك لم يرسل إلينا بالنهي عن ذلك ملائكة.
وقوله: (فَإِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ) يقول: قال لرسلهم: فإنا بالذي أرسلكم به ربكم إلينا جاحدون غير مصدّقين به.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الأرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ (١٥)﴾