وجَّه ابنُ جرير (١‏/‏٧١٤-٧١٥ بتصرف) معنى السجود في أثر ابن عباس قائلًا: «وأصل السجود: الانحناء لمن سجد له معظمًا بذلك. فكل مُنْحَنٍ لشيء تعظيمًا له فهو ساجد... فذلك تأويل ابن عباس قوله: ﴿سجدا﴾: ركعًا؛ لأن الراكع منحنٍ، وإن كان الساجد أشد انحناء منه». ووجَّه ابنُ تيمية (١‏/‏٢١٤-٢١٦) تفسير السجود بالانحناء أو بالركوع بقوله: «السجود في اللغة: هو الخضوع. وقال غير واحد من المفسرين: أمروا أن يدخلوا رُكَّعًا منحنين، فإنّ الدخول مع وضع الجبهة على الأرض لا يمكن، وقد قال تعالى: ﴿ألم تر أن الله يسجد له من في السماوات ومن في الأرض والشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب وكثير من الناس﴾... ، ومعلوم أنّ سجود كل شيء بحسبه، ليس سجود هذه المخلوقات وضع جباهها على الأرض، وقد قال النبي ﷺ... لما غربت الشمس: «إنها تذهب فتسجد تحت العرش»... فعُلِم أنّ السجود اسم جنس، وهو كمال الخضوع لله». وقال أيضًا: «من قال بهذا -كان سجود أحدهم على خده- أو قال بأنهم أمروا بالركوع، فهو يقول دخولهم وهم سجد بالأرض فيه صعوبة، وقد يؤذي أحدهم، ولكن هو ممكن، فإنّ الإنسان يمكنه حال السجود أن يزحف إذا كانت الأرض لا تؤذيه». وانتَقَدَ ابنُ تيمية (١‏/‏٢١٧) أيضًا هذا المعنى بقوله: «... وقال: قيل ادخلوا رُكَّعًا، فلو جزمنا أن هذا مأخوذ عن النبي ﷺ لجزمنا بأنّ الله أمرهم بالركوع، لكن ظاهر القرآن هو السجود، والسجود المطلق هو السجود المعروف، وكون الباب جعل صغيرًا إنما يكون لمن يُكره على الدخول منه ليحتاج أن ينحني، وهؤلاء قصدت طاعتهم، فأمروا بالخضوع لله والاستغفار، فدخولهم سُجَّدًا هو خضوع لله». ورجَّح ابنُ عطية (١‏/‏٢٢٢) عموم معنى السجود للقولين، فقال: «و﴿سجَّدًا﴾ قال ابن عباس رضي الله عنهما: معناه: ركوعًا. وقيل: متواضعين خضوعًا لا على هيئة معينة. والسجود يعم هذا كله؛ لأنه التواضع»

أفادت الآثارُ الاختلافَ في تفسير قوله: ﴿الحُسْنى وزِيادَةٌ﴾ على أقوال: أحدها: أنّ الحسنى: الجنة. والزيادة: النَّظَر إلى وجه الله تعالى. والثاني: أنّ الحسنى: واحدة من الحسنات. والزيادة: مضاعفتها إلى عشر أمثالها. الثالث: أنّ الحسنى: حسنة مثل حسنة. والزيادة: مغفرة ورضوان. والرابع: أنّ الحسنى: الجزاء في الآخرة. والزيادة: ما أُعْطُوا في الدنيا. ورجَّح ابنُ جرير (١٢‏/‏١٦٤-١٦٥) جميعَ تلك المعاني استنادًا إلى العموم، فقال: «وأَوْلى الأقوال في ذلك بالصواب أن يُقال: إنّ الله -تبارك وتعالى- وعد المحسنين من عباده على إحسانهم الحسنى أن يجزيهم على طاعتهم إيّاه الجنةَ، وأن تبْيَضَّ وجوهُهم، ووعدهم مع الحسنى الزيادةَ عليها، ومِن الزيادة على إدخالهم الجنة أن يكرمهم بالنظر إليه، وأن يعطيهم غُرَفًا من لآلئ، وأن يزيدهم غفرانًا ورضوانًا؛ كل ذلك مِن زيادات عطاءِ الله إيّاهم على الحسنى التي جعلها الله لأهل جناته. وعمَّ ربُّنا -جلَّ ثناؤه- بقوله: ﴿وزيادة﴾ الزيادات على الحسنى، فلم يُخَصِّص منها شيئًا دون شيء، وغير مستنكر من فضل الله أن يجمع ذلك لهم، بل ذلك كله مجموع لهم -إن شاء الله-. فأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يُعمّ كما عَمَّه -عزَّ ذِكْرُه-». وبنحوه قال ابنُ كثير (٧‏/‏٣٥٤). وعلَّق ابنُ عطية (٤‏/‏٤٧٤) على ترجيح ابن جرير للعموم بقوله: «ويُؤَيِّد ذلك أيضًا قولُه: ﴿أُولئِكَ أصْحابُ الجَنَّةِ﴾». ورجَّح ابنُ عطية (٤‏/‏٤٧٣) القول الأول استنادًا إلى أقوال السلف. وكذا رجَّحه ابنُ القيم (٢‏/‏٣٥) استنادًا إلى السُّنَّة، وأقوال السلف، وذكر أنّ مَن فَسَّر الزيادة بالمغفرة والرضوان فهو من لوازم رؤيته -تبارك وتعالى-. وأورد ابنُ عطية (٤‏/‏٤٧٤) إشكالًا على القول الأول؛ بأنّه لو كان معنى الحسنى: الجُنَّة، لكان في القول تكرير بالمعنى، وأجاب عنه بقوله: «على أنّ هذا ينفصل عنه بأنّه وصف المحسنين بأنّ لهم الجنة، وأنّهم لا يرهق وجوهَهم قترٌ ولا ذِلَّة، ثم قال: ﴿أُولئِكَ أصْحابُ الجَنَّةِ﴾ على جهة المدح لهم، أي: أولئك مُسْتَحِقُّوها وأصحابها حقًّا وباستيجاب»

اختُلف في الذين عُنوا بقوله: ﴿وآخرين منهم﴾ على أقوال: الأول: فارس. الثاني: الرّوم والعَجَم. الثالث: التابعين من أبناء العرب. الرابع: أنهم جميع طوائف الناس. ورجَّح ابنُ جرير (٢٢‏/‏٦٣١) -مستندًا إلى دلالة العموم- القول الأخير الذي قاله مجاهد من طريق ابن أبي نجيح، وابن زيد، والضَّحّاك، فقال: «لأن الله عز وجل عمّ بقوله: ﴿وآخرين منهم لما يلحقوا بهم﴾ كلّ لاحقٍ بهم من»آخرين«، ولم يخصّص منهم نوعًا دون نوع، فكلّ لاحقٍ بهم فهو من الآخرين الذي لم يكونوا في عداد الأولين الذين كان رسول الله ﷺ يتلو عليهم آيات الله». وكذا رجَّحه ابن تيمية (٦‏/‏٣٠٢) مستندًا إلى الدلالة العقلية، والنظائر، فقال: «فإنّ قوله: ﴿وآخرين منهم﴾ أي: في الدّين دون النّسب؛ إذ لو كانوا منهم في النّسب لكانوا من الأُمّيين. وهذا كقوله تعالى: ﴿والذين آمنوا من بعد وهاجروا وجاهدوا معكم فأولئك منكم﴾ [الأنفال:٧٥]». وساق ابنُ كثير (١٣‏/‏٥٥٥ بتصرف) الحديث الوارد عن أبي هريرة في تفسير قوله: ﴿وآخرين منهم لما يلحقوا بهم﴾، ثم بيّن دلالته على العموم، فقال: «ففي هذا الحديث دليل... على عموم بعثته ﷺ إلى جميع الناس؛ لأنه فسّر قوله: ﴿وآخرين منهم﴾ بفارس، ولهذا كتب كُتبه إلى فارس والرّوم وغيرهم من الأمم، يدعوهم إلى الله عز وجل، وإلى اتّباع ما جاء به». وذكر ابنُ عطية (٨‏/‏٣٠١) أن قوله تعالى: ﴿منهم﴾ على هذا القول إنما يريد: في البشرية والإيمان، كأنه قال: وفي آخرين من الناس. ثم قال: «وذلك أنّا نجد بَعْثه ﷺ إلى جميع الخلائق». وذكر ابنُ القيم (٣‏/‏١٥٤) أنه اختُلف في هذا اللحاق المنفي، فقيل: هو اللحاق في الزمان، أي: يتأخر زمانهم عنهم. وقيل: هو اللحاق في الفضل والسّبق. ثم علَّق بقوله: «وعلى التقديرين فامتنّ عليهم سبحانه بأنْ علّمهم بعد الجهل، وهَداهم بعد الضلالة، ويا لَها مِن مِنّة عظيمة فاقَت المِنن وجَلّت أن يقدر العباد لها على ثمن»

سورة آل عمران — الآية ١٥٢

عن الزُّبَيْر بن العوام -من طريق ابن إسحاق- قال: واللهِ، لقد رأيتني أنظر إلى خَدَم هند بنت عتبة وصواحبها مُشَمِّراتٍ هوارب، ما دُون أخْذِهِنَّ قليلٌ ولا كثيرٌ، إذ مالتِ الرُّماةُ إلى العسكر حين كشفنا القومَ عنه، يُريدُون النَّهْبَ، وخَلَّوْا ظهورنا للخيل، فأُتينا مِن أدبارنا، وصرخ صارخٌ: ألا إنّ محمدًا قد قُتِل. فانكَفَأْنا، وانكَفَأَ علينا القومُ بعد أن أصبنا أصحابَ اللواء، حتى ما يدنو منه أحدٌ مِن القوم

سورة الأنعام — الآية ١٦٠

عن ابن عباس، عن النبي ﷺ فيما يروى عن ربِّه، قال: «إنّ الله كتب الحسنات والسيئات، ثم بيَّن ذلك، فمَن همَّ بحسنة فلم يعملها كتبها الله له عنده حسنة كاملة، فإن هو همَّ بها فعملها كتبها الله له عنده عشر حسنات إلى سبع مائة ضعف إلى أضعاف كثيرة، ومَن همَّ بسيئة فلم يعملها كتبها الله له عنده حسنة كاملة، فإن هو همَّ بها فعملها كتبها الله له سيئة واحدة»

انتَقَدَ ابنُ كثير (٣‏/‏٣٥٨) قولَ يحيى بن سعيد، وربيعة هذا، بدلالة السياق، والنظائر، فقال: «هذا بعيدٌ من السياق؛ لأنه قال: ﴿ومَن كانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ﴾ يعني: من الأولياء، ﴿ومَن كانَ فَقِيرًا﴾ أي: منهم ﴿فَلْيَأْكُلْ بِالمَعْرُوفِ﴾ أي: بالتي هي أحسن. كما قال في الآية الأخرى: ﴿ولا تَقْرَبُوا مالَ اليَتِيمِ إلاَّ بِالَّتِي هِيَ أحْسَنُ حَتّى يَبْلُغَ أشُدَّهُ﴾ [الأنعام:١٥٢]، أي: لا تقربوه إلا مُصلِحين له، فإن احتجتُم إليه أكلتم منه بالمعروف»

قال ابن عطية (٢‏/‏٤٩٨ بتصرف): «كانت هذه السيرة في الأنصارِ لازمةً، وكانت في قريشٍ مباحةً مع التراضي، ألا ترى أنّ أبا عمرو بن أمية خلف على امرأة أبيه بعد موته، فولدت مِن أبي عمرو مسافرًا وأبا معيط، وكان لها من أمية أبو العيص وغيره، فكان بنو أمية إخوة مسافر وأبي معيط وأعمامهما، والروايات في هذا كثيرة بحسب السير الجاهلية، ولا منفعة في ذكر جميع ذلك؛ إذ قد أذهبه الله بقوله: ﴿لا يحل لكم﴾»

رجَّح ابنُ كثير (٤‏/‏٣٨٩) مستندًا إلى النظائر أنّ معنى: ﴿ورُوحٌ مِنهُ﴾: «أنّه مخلوق مِن روح مخلوقة، وأضيفت الروح إلى الله على وجْه التشريف، كما أضيفت الناقة والبيت إلى الله في قوله: ﴿هَذِهِ ناقَةُ اللَّهِ﴾ [هود:٦٤]، وفي قوله: ﴿وطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطّائِفِينَ﴾ [الحج:٢٦]، وكما ورد في الحديث الصحيح: «فأدخل على ربي في داره»، أضافها إليه إضافة تشريف لها، وهذا كله من قبيلٍ واحد، ونمط واحد»

وجَّه ابنُ كثير (١٠‏/‏٤٨٨-٤٨٩) على هذا القول بقوله: «هذا محمول على ما إذا أراد بذلك الفخر على غيره؛ فإن ذلك مذموم، كما ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: «إنه أوحي إلَيَّ: أن تواضعوا، حتى لا يفخر أحدٌ على أحد، ولا يبغي أحد على أحد». وأما إذا أحب ذلك لمجرد التجمل فهذا لا بأس به، فقد ثبت أن رجلًا قال: يا رسول الله، إني أحب أن يكون ردائي حسنًا ونعلي حسنة، أفمِن الكبر ذلك؟ فقال: «لا، إن الله جميل يحب الجمال»»

ذكر ابنُ كثير (١٣‏/‏٣٢٩) هذا الأثر، ثم رجّح أنّ الآية عامة في كلّ مَن خاف مقام ربّه، وأضاف مستدلًا بعمومها على دخول مَن آمن من الجنّ الجنة، فقال: «وهذه الآية عامة في الإنس والجنّ، فهي مِن أدل دليل على أنّ الجنّ يدخلون الجنة إذا آمنوا واتقوا؛ ولهذا امتنّ الله تعالى على الثقلين بهذا الجزاء، فقال: ﴿ولمن خاف مقام ربه جنتان فبأي آلاء ربكما تكذبان﴾»