علَّق ابنُ كثير (١٢‏/‏٣٢٩) على قول مجاهد، بقوله: «وهذا الذي قاله مجاهد كما قال تعالى: ﴿ومكروا مكرا ومكرنا مكرا وهم لا يشعرون﴾ [النمل:٥٠]، وذلك لأن المشركين كانوا يتحيّلون في ردّ الحق بالباطل بحيل ومكر يسلكونه، فكادهم الله، وردّ وبال ذلك عليهم؛ ولهذا قال: ﴿أم يحسبون أنا لا نسمع سرهم ونجواهم﴾ أي: سرهم وعلانيتهم»

سورة الجاثية — الآية ١٤

عن عبد الله بن عباس -من طريق ميمون بن مهران- قال: لما نزلت هذه الآية: ﴿مَن ذا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ [البقرة:٢٤٥، الحديد:١١] قال يهوديٌّ بالمدينة -يُقال له: فنحاص-: احتاج ربُّ محمد. قال: فلما سمع عمرُ بذلك اشتَمل على سيفه، وخرج في طلبه، فجاء جبريل عليه السلام إلى النبي ﷺ، فقال: إنّ ربّك يقول لك: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لا يَرْجُونَ أيّامَ اللَّهِ﴾، واعْلم أنّ عمر قد اشتمل على سيفه وخرج في طلب اليهودي. فبعث رسول الله ﷺ في طَلَبه، فلما جاء قال: «يا عمر، ضع سيفَك». قال: صدقتَ، يا رسول الله، أشهد أنك أُرسلت بالحق. قال: «فإنّ ربّك يقول: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لا يَرْجُونَ أيّامَ اللَّهِ﴾». قال: لا جرم، والذي بعثك بالحق، لا يُرى الغضب في وجهي

أفادت الآثارُ اختلافَ السلف في تفسير قوله: ﴿إن لا يظلم مثقال ذرة﴾ على قولين: الأول: أنّ المراد بها: أنّ مَن عمل ما يزِنُ مثقالَ ذرَّةٍ مِن خيرٍ أو شَرٍّ جازاه الله على عمله؛ إن خيرًا فخير، وإن شرًّا فشر. الثاني: أنّ المراد: أنّ الله يقتصُّ للمظلومين يوم القيامة من الظالمين، ويرُدُّ إلى كُلِّ صاحب حَقٍّ حقَّه. وقد رجَّح ابنُ جرير (٧‏/‏٣٤) القول الأول مستندًا إلى السنة، والسياق، فقال: «وإنّما اخترنا التأويل الأول لموافقته الأثر عن رسول الله ﷺ [حديث أبي سعيد الخدري، وما في معناه من الأحاديث التالية]، مع دلالة ظاهر التنزيل على صحته، إذ كان في سياق الآية التي قبلها التي حثَّ الله فيها على النفقة في طاعته، وذم النفقة في طاعة الشيطان، ثم وصل ذلك بما وعد المنافقين في طاعته بقوله: ﴿إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه أجرا عظيما﴾»

اختُلِف في تفسير هذه الآية؛ فقال بعضهم: تأويله: ولَهُنَّ من حسن العشرة والصحبة مثل الذي عليهنَّ من الطاعة لهم. وقال آخرون: وله من التَّصَنُّع والمُؤاتاة مثل الذي عليهنَّ من ذلك. ورَجَّح ابنُ جرير (٤‏/‏١٢٠) أنّه تحريمٌ على كل واحدٍ من الزوجين مُضارَّة صاحبه مستندًا إلى موافقته لظاهر الآية، وسياقها، فقال: «والذي هو أوْلى بتأويل الآية عندي: وللمطلقات واحدةً أو ثنتين بعد الإفضاء إليهنَّ على بعولتهنَّ أن لا يراجعوهنَّ في أقرائِهِنَّ الثلاثة إذا أرادوا رجعتهنَّ فيهنَّ، إلا أن يُرِيدوا إصلاحَ أمْرِهِنَّ وأمرهم، وألا يراجعوهنَّ ضِرارًا، كما عليهنَّ لهم إذا أرادوا رجعتهنَّ فيهنَّ أن لا يكتمن ما خلق الله في أرحامهنَّ من الولد ودمِ الحيض ضرارًا منهنَّ لهم؛ ليفتنهم بأنفسهنَّ، ذلك أن الله -تعالى ذِكْرُه- نهى المطلقات عن كتمان أزواجهنَّ في أقرائهنَّ ما خلق الله في أرحامهنَّ إن كُنَّ يُؤْمِنَّ بالله واليوم الآخر، وجعل أزواجهنَّ أحقَّ بردهنَّ في ذلك إن أرادوا إصلاحًا، فحرَّم الله على كل واحد منهما مُضارَّة صاحبه، وعَرَّف كلَّ واحد منهما ما له وما عليه من ذلك، ثم عَقَّب ذلك بقوله: ﴿ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف﴾، فبَيَّن أنّ الذي على كل واحد منهما لصاحبه من ترك مُضارَّتِه مثل الذي له على صاحبه من ذلك. فهذا التأويل هو أشبه بدلالة ظاهر التنزيل من غيره». ثُمَّ بَيَّن احتمال اندراج القولين الواردين فيما ذَكَرَ، فقال: «وقد يحتمل أن يكون كلُّ ما على كل واحد منهما لصاحبه داخلًا في ذلك، وإن كانت الآية نزلت فيما وصَفْنا؛ لأن الله -تعالى ذكره- قد جعل لكل واحد منهما على الآخر حقًّا، فلكل واحد منهما على الآخر من أداء حَقِّه إليه مثل الذي عليه له، فيدخل حينئذ في الآية ما قاله الضحاك، وابن عباس، وغير ذلك»

سورة السجدة — الآية ١٣

عن أبي هريرة، قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: «إنّ الله يعتذر إلى آدم يوم القيامة بثلاثة معاذير، يقول: يا آدم، لولا أنِّي لعنتُ الكذّابين، وأُبغِض الكذب والحلِف، وأُعَذِّب عليه؛ لرحمت اليوم ذريتك أجمعين مِن شدة ما أعددت لهم من العذاب، ولكن حق القول مني لِمَن كذب رسلي وعصى أمري لأملأن جهنم منكم أجمعين. ويقول: يا آدم، إنِّي لا أُدخل أحدًا مِن ذريتك النار، ولا أُعذِّب أحدًا منهم بالنار، إلا مَن قد علمتُ في سابق علمي أني لو رددته إلى الدنيا لعاد إلى شرٍّ مما كان فيه، لم يراجع ولم يُعتب. ويقول له: يا آدم، قد جعلتك اليوم حكمًا بيني وبين ذريتك، قم عند الميزان، فانظر ما يرفع إليك من أعمالهم، فمن رجح منهم خيره على شرِّه مثقالَ ذرة فله الجنة، حتى تعلم أني لا أُدخل النار اليوم منهم إلا ظالِمًا»

سورة الفاتحة — الآية ٧

عن عبد الله بن عباس -من طريق أبي رَوْق، عن الضحاك- ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ يعني: اليهود الذين غضب الله عليهم، ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ قال: وغير طريق النصارى الذين أضلَّهم الله بفِرْيَتِهم عليه. قال: يقول: فأَلْهِمْنا دينَك الحقَّ، وهو لا إله إلا الله وحده لا شريك له، حتى لا تغضب علينا، كما غضبت على اليهود، ولا تُضِلَّنا كما أضللت النصارى، فتعذبنا بما تعذبهم به. يقول: امنعنا من ذلك برفقك ورحمتك وقدرتك

سورة آل عمران — الآية ١٤

عن عمر بن الخطاب -من طريق عبد الله بن أرقم- أنّه جاء إلى عُمَر بحِلْيَةِ آنِيَةٍ وفِضَّةٍ، فقال عمر: اللَّهُمَّ، إنّك ذكرت هذا المالَ، فقلتَ: ﴿زين للناس حب الشهوات﴾ حتى ختم الآية. وقلتَ: ﴿لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم﴾ [الحديد:٥٣]. وإنّا لا نستطيع إلا أن نفرح بما زَيَّنتَ لنا، اللَّهُمَّ، فاجعلنا نُنفِقه في حقٍّ، وأعوذ بك من شرِّه

سورة آل عمران — الآية ٧١

عن عبد الله بن عباس، قال: قال عبد الله بن الصَّيْفِ، وعَدي بن زيد، والحارث بن عوف؛ بعضُهم لبعض: تعالوا نؤمن بما أنزل الله على محمد وأصحابه غُدوةً، ونكفر به عَشِيَّةً، حتى نَلْبِسَ عليهم دينهم؛ لعلهم يصنعون كما نصنع، فيرجعون عن دينهم. فأنزل الله فيهم: ﴿يا أهل الكتاب لم تلبسون الحق بالباطل﴾ إلى قوله: ﴿والله واسع عليم﴾

سورة المائدة — الآية ٨٤

قال مقاتل بن سليمان: ﴿وما لَنا لا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ﴾ وذلك أنّهم لَمّا أسلموا ورجعوا إلى أرضهم لامهم كفارُ قومهم، فقالوا: أتركتم مِلَّةَ عيسى ﷺ ودينَ آبائكم؟! قالوا: نعم، ﴿وما لَنا لا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وما جاءَنا مِنَ الحَقِّ﴾ مع محمد ﷺ، ﴿ونَطْمَعُ﴾ يعني: ونرجو ﴿أنْ يُدْخِلَنا رَبُّنا﴾ الجنة ﴿مَعَ القَوْمِ الصّالِحِينَ﴾ وهم المهاجرين الأُوَل -رضوان الله عليهم-

سورة النساء — الآية ١١٣

قال مقاتل بن سليمان: ثم قال لنبيه ﷺ: ﴿ولولا فضل الله عليك ورحمته﴾ يعني: ونعمته بالقرآن حين بَيَّنَ لك أمر طعمة، فحوَّلك عن تصديق الخائنين بالقرآن؛ ﴿لهمت طائفة منهم أن يضلوك﴾ يقول: لكادت طائفة من قوم الخائنين أن يستنزلوك عن الحق، ﴿وما يضلون﴾ يعني: وما يَسْتَنزِلون ﴿إلا أنفسهم وما يضرونك من شيء﴾ يعني: وما ينقصونك من شيء ليس ذلك بأيديهم، إنما ينقصون أنفسهم