محتويات صفحة تفسير الآية

تجد في هذه الصفحة تفسير الآية ٧ من سورة الفاتحة في ١٢١ كتابًا من كتب التفسير، ومعاني غريب كلماتها، وإعرابها، وقراءات القراء العشرة فيها، و٣٩ قولًا من التفسير بالمأثور، وما يتصل بها من الموضوعات والوقفات والترجمات.

تفسير الآية ٧ من سورة الفاتحة

١٢١ كتابًا من كتب التفسير

جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري

عن الكتاب

القول في تأويل قوله تعالى :


﴿صِرَاطَ الّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِم وَلاَ الضّآلّينَ﴾
وقوله : صِرَاطَ الذينَ أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ إبانة عن الصراط المستقيم أيّ الصراط هو، إذ كان كل طريق من طرق الحقّ صراطا مستقيما، فقيل لمحمد ﷺ : قل يا محمد : اهدنا يا ربنا الصراط المستقيم، صراط الذين أنعمت عليهم، بطاعتك وعبادتك من ملائكتك، وأنبيائك، والصديقين، والشهداء، والصالحين. وذلك نظير ما قال ربنا جل ثناؤه في تنزيله :( وَلَوْ أَنّهُمْ فَعَلُوا ما يُوعَظُونَ بِهِ لَكان خَيْرا لَهُمْ وأشَدّ تَثْْبِيتا وإذا لآتيناهم مِنْ لَدُنّا أجْرا عَظِيما ولَهَدَيْناهُمْ صِرَاطا مُسْتَقِيما وَمَنْ يُطِعِ اللّهَ وَالرّسُولَ فأولئك مَعَ الذّينَ أنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النّبِيّينَ وَالصّدّيقِينَ والشهَدَاءِ وَالصالِحِينَ وحسن أولئك رفيقا ).
قال أبو جعفر : فالذي أمر محمد ﷺ وأمته أن يسألوه ربهم من الهداية للطريق المستقيم، هي الهداية للطريق الذي وصف الله جل ثناؤه صفته. وذلك الطريق هو طريق الذي وصفهم الله بما وصفهم به في تنزيله، ووعد من سَلَكه فاستقام فيه طائعا لله ولرسوله ﷺ، أن يورده مواردهم، والله لا يخلف الميعاد. وبنحو ما قلنا في ذلك رُوي الخبر عن ابن عباس وغيره.
حدثنا محمد بن العلاء، قال : حدثنا عثمان بن سعيد، قال : حدثنا بشر بن عمار، قال : حدثنا أبو روق، عن الضحاك، عن ابن عباس :( صِرَاطَ الّذِينَ أَنْعَمَتَ عَلَيْهِم )ْ يقول : طريق من أنعمت عليم بطاعتك وعبادتك من الملائكة والنبيين والصديقين والشهداء والصالحين، الذين أطاعوك وعبدوك.
وحدثني أحمد بن حازم الغفاري، قال : أخبرنا عبيد الله بن موسى، عن أبي جعفر عن ربيع :( صِرَاطَ الّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ ) قال : النبيون.
وحدثني القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : حدثني حجاج عن ابن جريج، قال : قال ابن عباس :( أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ ) قال : المؤمنين.
وحدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : قال وكيع ( أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ ) : المسلمين.
وحدثني يونس بن عبد الأعلى، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال عبد الرحمن بن زيد في قول الله :( صِرَاطَ الذِينَ أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ ) قال : النبي ﷺ ومن معه.
قال أبو جعفر : وفي هذه الآية دليل واضح على أن طاعة الله جل ثناؤه لا ينالها المطيعون إلا بإنعام الله بها عليهم وتوفيقه إياهم لها. أوَ لا يسمعونه يقول :( صِرَاطَ الّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ ) فأضاف كل ما كان منهم من اهتداء وطاعة وعبادة إلى أنه إنعام منه عليهم ؟
فإن قال قائل : وأين تمام هذا الخبر، وقد علمت أن قول القائل لآخر : أنعمت عليك، مقتض الخبر عما أنعم به عليه، فأين ذلك الخبر في قوله :( صِرَاطَ الّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ ) وما تلك النعمة التي أنعمها عليهم ؟ قيل له : قد قدمنا البيان فيما مضى من كتابنا هذا عن اجتزاء العرب في منطقها ببعض من بعض إذا كان البعض الظاهر دالاّ على البعض الباطن وكافيا منه، فقوله :( صِرَاطَ الّذِينَ أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ ) من ذلك لأن أمر الله جل ثناؤه عباده بمسألته المعونة وطلبهم منه الهداية للصراط المستقيم لما كان متقدما قوله :( صِرَاطَ الّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ ) الذي هو إبانة عن الصراط المستقيم، وإبدالٌ منه، كان معلوما أن النعمة التي أنعم الله بها على من أمرنا بمسألته الهداية لطريقهم هو المنهاج القويم والصراط المستقيم الذي قد قدمنا البيان عن تأويله آنفا، فكان ظاهر ما ظهر من ذلك مع قرب تجاور الكلمتين مغنيا عن تكراره كما قال نابغة بني ذبيان :
كأنكَ منْ جِمالِ بَني أُقَيْشٍيُقْعْقَعُ خَلْفَ رِجْلَيْهِ بِشَنّ
يريد كأنك من جمال بني أقيش جمل يقعقع خلف رجليه بشنّ، فاكتفى بما ظهر من ذكر الجمال الدال على المحذوف من إظهار ما حذف. وكما قال الفرزدق بن غالب :
تَرَى أرْباقَهُمْ مُتَقَلّدِيها *** *** إذَا صدئ الحَديدُ على الكُماةِ
يريد : متقلديها هم، فحذف «هم » إذ كان الظاهر من قوله :«أرباقهم » دالاّ عليها.
والشواهد على ذلك من شعر العرب وكلامها أكثر من أن تحصى، فكذلك ذلك في قوله :( صِرَاطَ الّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِم )ْ.

القول في تأويل قوله تعالى : غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ.


قال أبو جعفر : والقراء مجمعة على قراءة «غير » بجرّ الراء منها. والخفض يأتيها من وجهين : أحدهما أن يكون غير صفة للذين ونعتا لهم فتخفضها، إذ كان «الذين » خفضا وهي لهم نعت وصفة وإنما جاز أن يكون «غير » نعتا ل«الذين »، و«الذين » معرفة وغير نكرة لأن «الذين » بصلتها ليست بالمعرفة المؤقتة كالأسماء التي هي أمارات بين الناس، مثل : زيد وعمرو، وما أشبه ذلك وإنما هي كالنكرات المجهولات، مثل : الرجل والبعير، وما أشبه ذلك فما كان «الذين » كذلك صفتها، وكانت غير مضافة إلى مجهول من الأسماء نظير «الذين » في أنه معرفة غير مؤقتة كما «الذين » معرفة غير مؤقتة، جاز من أجل ذلك أن يكون : غير المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ نعتا ل ( الذين أنعمت عليهم ) كما يقال : لا أجلس إلا إلى العالم غير الجاهل، يراد : لا أجلس إلا إلى من يعلم، لا إلى من يجهل. ولو كان الذين أنعمت عليهم معرفة مؤقتة كان غير جائز أن يكون غيرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ لها نعتا، وذلك أنه خطأ في كلام العرب إذا وصفت معرفة مؤقتة بنكرة أن تلزم نعتها النكرة إعراب المعرفة المنعوت بها، إلا على نية تكرير ما أعرب المنعوت بها. خطأٌ في كلامهم أن يقال : مررت بعبد الله غير العالم، فتخفض «غير » إلا على نية تكرير الباء التي أعربت عبد الله، فكان معنى ذلك لو قيل كذلك : مررت بعبد الله، مررت بغير العالم. فهذا أحد وجهي الخفض في :( غيرَ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ ).
والوجه الآخر من وجهي الخفض فيها أن يكون «الذين » بمعنى المعرفة المؤقتة. وإذا وجه إلى ذلك، كانت غير مخفوضة بنية تكرير الصراط الذي خفض الذين عليها، فكأنك قلت : صراط الذين أنعمت عليهم صراط غير المغضوب عليهم.
وهذان التأويلان في غير المغضوب عليهم، وإن اختلفا باختلاف معربيهما، فإنهما يتقارب معناهما من أجل أن من أنعم الله عليه فهداه لدينه الحق فقد سلم من غضب ربه ونجا من الضلال في دينه، فسواءٌ إذ كان سامع قوله :( اهْدِنَا الصّرَاطَ المُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ ) غير جائز أن يرتاب مع سماعه ذلك من تاليه في أن الذين أنعم الله عليهم بالهداية للصراط، غير غاضب ربهم عليهم مع النعمة التي قد عظمت منته بها عليهم في دينهم، ولا أن يكونوا ضلالاً وقد هداهم للحق ربهم، إذْ كان مستحيلاً في فطرهم اجتماع الرضا من الله جل ثناؤه عن شخص والغضب عليه في حال واحدة واجتماع الهدى والضلال له في وقت واحد أَوُصِف القوم مع وصف الله إياهم بما وصفهم به من توفيقه إياهم وهدايته لهم وإنعامه عليهم بما أنعم الله به عليهم في دينهم بأنهم غير مغضوب عليهم ولا هم ضالون، أم لم يوصفوا بذلك لأن الصفة الظاهرة التي وصفوا بها قد أنبأت عنهم أنهم كذلك وإن لم يصرّح وصفهم به. هذا إذا وجهنا «غير » إلى أنها مخفوضة على نية تكرير الصراط الخافض الذين، ولم نجعل غير المغضوب عليهم ولا الضالين من صفة الذين أنعمت عليهم بل إذا جعلناهم غيرهم وإن كان الفريقان لا شك مُنْعَما عليهما في أديانهم. فأما إذا وجهنا :( غيرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلاَ الضّالّينَ ) إلى أنها من نعت ( الذين أنعمت عليهم ) فلا حاجة بسامعه إلى الاستدلال، إذْ كان الصريح من معناه قد أغنى عن الدليل، وقد يجوز نصب «غير » في غير المغضوب عليهم وإن كنت للقراءة بها كارها لشذوذها عن قراءة القراء. وإن ما شذّ من القراءات عما جاءت به الأمة نقلاً ظاهرا مستفيضا، فرأي للحق مخالف وعن سبيل الله وسبيل رسوله ﷺ وسبيل المسلمين متجانف، وإن كان له لو كانت القراءة جائزة به في الصواب مخرج.
وتأويل وجه صوابه إذا نصبتَ : أن يوجه إلى أن يكون صفة للهاء والميم اللتين في «عليهم » العائدة على «الذين »، لأنها وإن كانت مخفوضة ب«على »، فهي في محل نصب بقوله :«أنعمت ». فكأن تأويل الكلام إذا نصبت «غير » التي مع «المغضوب عليهم » : صراط الذين هديتهم إنعاما منك عليهم غير مغضوب عليهم، أي لا مغضوبا عليهم ولا ضالين. فيكون النصب في ذلك حينئذٍ كالنصب في «غير » في قولك : مررت بعبد الله غير الكريم ولا الرشيد، فتقطع غير الكريم من عبد الله، إذ كان عبد الله معرفة مؤقتة وغير الكريم نكرة مجهولة.
وقد كان بعض نحويي البصريين يزعم أن قراءة من نصب «غير » في غير المغضوب عليهم على وجه استثناء غير المغضوب عليهم من معاني صفة الذين أنعمت عليهم، كأنه كان يرى أن معنى الذين قرأوا ذلك نصبا : اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم إلا المغضوب عليهم الذين لم تنعم عليهم في أديانهم ولم تهدهم للحق، فلا تجعلنا منهم كما قال نابغة بني ذبيان :
وَقَفْتُ فيها أَُصَِْيلالا أُسائلُهاأعْيَتْ جَوَابا وَما بالرّبْع منْ أحَدِ
إِلاّ أَوَارِيّ لأيا مَا أُبَيّنُها *** *** والنّؤْي كالحَوْضِ بالمَظْلُومَةِ الجَلَدِ
والأواري معلوم أنها ليست من عداد أحد في شيء. فكذلك عنده استثنى ( غير المغضوب عليهم ) من ( الذين أنعمت عليهم )، وإن لم يكونوا من معانيهم في الدين في شيء.
وأما نحويو الكوفيين فأنكروا هذا التأويل واستخطئوه، وزعموا أن ذلك لو كان كما قاله الزاعم من أهل البصرة لكان خطأ أن يقال : ولا الضالين لأن «لا » نفي وجحد، ولا يعطف بجحد إلا على جحد وقالوا : لم نجد في شيء من كلام العرب استثناء يعطف عليه بجحد، وإنما وجدناهم يعطفون على الاستثناء بالاستثناء، وبالجحد على الجحد فيقولون في الاستثناء : قام القوم إلا أخاك وإلا أباك وفي الجحد : ما قام أخوك، ولا أبوك وأما قام القوم إلا أباك ولا أخاك، فلم نجده في كلام العرب قالوا : فلما كان ذلك معدوما في كلام العرب وكان القرآن بأفصح لسان العرب نزوله، علمنا إذ كان قوله :( ولا الضالين ) معطوفا على قوله :( غير المغضوب عليهم ) أن «غير » بمعنى الجحد لا بمعنى الاستثناء، وأن تأويل من وجهها إلى الاستثناء خطأ. فهذه أوجه تأويل ( غير المغضوب عليهم ). باختلاف أوجه إعراب ذلك.
وإنما اعترضنا بما اعترضْنا في ذلك من بيان وجوه إعرابه، وإن كان قصدنا في هذا الكتاب الكشف عن تأويل آي القرآن، لما في اختلاف وجوه إعراب ذلك من اختلاف وجوه تأويله، فاضطرّتنا الحاجة إلى كشف وجوه إعرابه، لتنكشف لطالب تأويله وجوه تأويله على قدر اختلاف المختلفة في تأويله وقراءته.
والصواب من القول في تأويله وقراءته عندنا القول الأول، وهو قراءة :( غيرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ ) بخفض الراء من «غير » بتأويل أنها صفة للذين أنعمت عليهم ونعت لهم لما قد قدمنا من البيان إن شئت
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
قال أبو جعفر: وإنما وصفه الله بالاستقامة، لأنه صواب لا خطأ فيه. وقد زعم بعض أهل الغباء، أنه سمّاه مستقيمًا، لاستقامته بأهله إلى الجنة. وذلك تأويلٌ لتأويل جميع أهل التفسير خلافٌ، وكفى بإجماع جميعهم على خلافه دليلا على خطئه.
* * *

القول في تأويل قوله:: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾.


وقوله (صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ)، إبانةٌ عن الصراط المستقيم، أيُّ الصراط هو؟ إذْ كان كلّ طريق من طرُق الحق صراطًا مستقيمًا. فقيل لمحمد صلى الله عليه وسلم: قُلْ يا محمد: اهدنا يا ربنا الصراط المستقيم، صراط الذين أنعمت عليهم، بطاعتك وعبادتك، من مَلائكتك وأنبيائك والصديقين والشهداء والصالحين.
وذلك نظير ما قال ربنا جلّ ثناؤه في تنزيله: (وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا وَإِذًا لآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا وَلَهَدَيْنَاهُمْ
صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ) [سورة النساء: ٦٦-٦٩].
قال أبو جعفر: فالذي أمِر محمدٌ ﷺ وأمّتُه أن يسألوا ربَّهم من الهداية للطريق المستقيم، هي الهداية للطريق الذي وَصف الله جلّ ثناؤه صفتَه. وذلك الطريق، هو طريق الذي وَصفهم الله بما وصفهم به في تنزيله، ووعد من سَلكه فاستقام فيه طائعًا لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم، أن يورده مواردهم، والله لا يخلف الميعاد.
وبنحو ما قلنا في ذلك رُوِي الخبر عن ابن عباس وغيره.
١٨٨ - حدثنا محمد بن العلاء، قال: حدثنا عثمان بن سعيد، قال: حدثنا بشر بن عُمَارة، قال: حدثنا أبو رَوْق، عن الضحاك، عن ابن عباس: "صراطَ الذين أنعمت عليهم" يقول: طَريقَ من أنعمتَ عليهم بطاعتك وعبادتك من الملائكة والنبيين والصديقين والشهداء والصالحين، الذين أطاعوك وعبَدُوك (١).
١٨٩ - حدثني أحمد بن حازم الغفاري، قال: أخبرنا عبيد الله بن موسى، عن أبي جعفر عن ربيع: "صراط الذين أنعمتَ عليهم"، قال: النبيّون (٢).
١٩٠ - حدثني القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثني حجاج عن ابن جريج، قال: قال ابن عباس: "أنعمت عليهم " قال: المؤمنين (٣).
١٩١- حدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: قال وكيع: "أنعمت عليهم"، المسلمين (٤).
(١) الخبر ١٨٨ - ضعف هذا الإسناد مفصل في: ١٣٧. وهذا الخبر نقله ابن كثير ١: ٥٢. وانظر أيضًا: ١٧٩.
(٢) الأثر ١٨٩ - ربيع: هو ابن أنس البكري. وسبق شرح هذا الإسناد إليه: ١٦٤. والأثر نقله ابن كثير ١: ٥٣، والسيوطي ١: ١٦.
(٣) الخبر ١٩٠ - هذا كالخبر ١٨٣ منقطع بين ابن جريج وابن عباس. وقد نقله ابن كثير ١: ٥٣، والسيوطي ١: ١٦، ولكن وقع فيه "ابن حميد" بدل "ابن جرير".
(٤) الأثر ١٩١ - وهذا نقله ابن كثير أيضًا ١: ٥٣.
١٩٢- حدثني يونس بن عبد الأعلى، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال عبد الرحمن بن زيد في قول الله " صراط الذين أنعمت عليهم "، قال: النبيّ ﷺ ومن معه (١).
قال أبو جعفر: وفي هذه الآية دليلٌ واضح على أنّ طاعة الله جَلّ ثناؤه لا ينالها المُطيعون إلا بإنعام الله بها عليهم، وتوفيقه إياهم لها. أوَ لا يسمعونه يقول: "صراط الذين أنعمت عليهم"، فأضاف كلّ ما كان منهم من اهتداء وطاعة وعبادة إلى أنه إنعام منه عليهم؟
فإن قال قائل: وأين تمام هذا الخبر؟ وقد علمتَ أنّ قول القائل لآخر: "أنعمت عليك"، مقتضٍ الخبرَ عمَّا أنعمَ به عليه، فأين ذلك الخبرُ في قوله: "صراط الذين أنعمت عليهم"؟ وما تلك النعمة التي أنعمها عليهم؟
قيل له: قد قدّمنا البيان -فيما مضى من كتابنا هذا- عن إجراء العرب في منطقها ببعضٍ من بعض، إذا كان البعضُ الظاهر دالا على البعض الباطن وكافيًا منه. فقوله: "صراط الذين أنعمتَ عليهم" من ذلك. لأن أمرَ الله جل ثناؤه عبادَه بمسألته المعونةَ، وطلبهم منه الهدايةَ للصراط المستقيم، لما كان متقدّمًا قولَه: "صراطَ الذين أنعمت عليهم"، الذي هو إبانةٌ عن الصراط المستقيم وإبدالٌ منه -كان معلومًا أن النعمة التي أنعم الله بها على من أمَرنا بمسألته الهدايةَ لطريقهم، هو المنهاجُ القويمُ والصراطُ المستقيم، الذي قد قدّمنا البيان عن تأويله آنفًا، فكان ظاهرُ ما ظهر من ذلك - مع قرب تجاور الكلمتين- مغنيًا عن تكراره.
كما قال نابغة بني ذبيان:
كأَنَّك مِنْ جِمالِ بَنِي أُقَيْشٍيُقَعْقَعُ خَلْفَ رِجْلَيْهِ بشَنِّ (٢)
(١) الأثر ١٩٢ - مضى هذا الإسناد: ١٨٥. وأما نص الأثر، فهو عند ابن كثير ١: ٥٣. وقال بعد هذه الروايات: "والتفسير المتقدم عن ابن عباس أعم وأشمل". يعني الخبر ١٨٨.
(٢) ديوانه: ٥٨، سيبويه ١: ٣٧٥، مجاز القرآن: ١٠١ الخزانة ٢: ٣١٤، وهذا الشعر يقوله النابغة لعيينة بن حصن الفزاري. بنو أقيش: هم بنو أقيش بن عبيد. وقيل: فخذ من أشجع. وقيل: حي من اليمن في إبلهم نفار شديد. وقيل: هم حي من الجن يزعمون. وقعقع حرك شيئا يابسا فتسمع له صوت. والشن: القربة البالية. يصف عيينة بالجبن والخور وشدة الفزع، كأنه جمل شديد النفار، إذا سمع صوت شن يقعقع به
يريد: كأنك من جمال بني أقيش، جملٌ يُقعقع خلف رجليه بشنّ، فاكتفى بما ظهر من ذكر "الجمال" الدال على المحذوف، من إظهار ما حذف. وكما قال الفرزدق بن غالب:
تَرَى أَرْباقَهُمْ مُتَقَلِّدِيهاإِذا صَدِئَ الحديدُ عَلَى الكُمَاةِ (١)
يريد: متقلديها هم، فحذف "هم "، إذ كان الظاهرُ من قوله أرباقَهُم، دالا عليها.
والشواهد على ذلك من شعر العرب وكلامها أكثر من أن تحصى. فكذلك ذلك في قوله: "صراط الذين أنعمت عليهم".
* * *

القول في تأويل قوله: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾.


قال أبو جعفر: والقرَأةُ مجمعةٌ على قراءة " غير " بجر الراء منها (٢). والخفضُ يأتيها من وجهين:
أحدهما: أن يكون "غير" صفة لِ"الذين" ونعتًا لهم فتخفضها. إذ كان " الذين " خفضًا، وهي لهم نعتٌ وصفةٌ. وإنما جاز أن يكون " غير " نعتًا لِـ " الذين "، و " الذين " معرفة و"غير" نكرة، لأن " الذين " بصلتها ليست بالمعرفة المؤقتة كالأسماء
(١) ديوانه: ١٣١ والنقائض: ٧٧٣، ويأتي في تفسير آية سورة الشعراء: ٤ (١٩: ٣٨ بولاق)، وهو هناك "على الكتاب"، وهو خطأ. يهجو جريرا وقومه بني كليب بن يربوع. الأرباق: جمع ربق، والربق جمع ربقة: وهو الحبل تشد به الغنم الصغار لئلا ترضع. وتقالد السيف: وضع نجاده على منكبه. والكماة، جمع كمى: وهو البطل الشديد البأس. يصف بني كليب بأنهم رعاء أخساء بخلاء، لا هم لهم إلا رعية الغنم، والأبطال في الحرب يصلون حرها الأيام الطوال حتى يصدأ حديد الدروع على أبدانهم من العرق.
(٢) في المطبوعة "والقراء مجمعة"، والقَرَأَة: جمع قارئ. انظر ما مضى: ٥١ في التعليق، و ٦٤ تعليق: ٤ و: ١٠٩ تعليق: ١.
التي هي أماراتٌ بين الناس، مثل: زيد وعمرو، وما أشبه ذلك (١) ؛ وإنما هي كالنكرات المجهولات، مثل: الرجل والبعير، وما أشبه ذلك. فلما كان " الذين " كذلك صفتُها، وكانت "غير" مضافةً إلى مجهول من الأسماء، نظيرَ " الذين "، في أنه معرفة غير موقتة، كما " الذين " معرفة غير مؤقتة - جاز من أجل ذلك أن يكون "غير المغضوب عليهم" نعتًا لِ "الذين أنعمت عليهم" كما يقال: " لا أجلس إلا إلى العالم غير الجاهل"، يراد: لا أجلس إلا إلى مَن يعلم، لا إلى مَن يجهل.
ولو كان "الذين أنعمت عليهم" مَعرفة موقتة. كان غير جائز أن يكون "غير المغضوب عليهم" لها نعتًا. وذلك أنه خطأ في كلام العرب - إذا وصفت معرفة مؤقَّتة بنكرة- أن تُلْزِم نَعتها النكرةَ إعرابَ المعرفة المنعوت بها، إلا على نية تكرير ما أعربَ المنعوتَ بها. خطأ في كلامهم أن يقال: "مررت بعبد الله غير العالم"، فتخفض " غير "، إلا على نية تكرير الباء التي أعرَبتْ عبد الله. فكان معنى ذلك لو قيل كذلك: مَرَرتُ بعبد الله، مررت بغيرِ العالم. فهذا أحد وجهي الخفض في: "غير المغضوب عليهم".
والوجهُ الآخر من وجهي الخفض فيها: أن يكون " الذين " بمعنى المعرفة المؤقتة. وإذا وُجِّه إلى ذلك، كانت "غير" مخفوضةً بنية تكرير "الصراط" الذي خُفِض "الذين" عليها، فكأنك قلت: صراطَ الذين أنعمت عليهم، صراطَ غير المغضوب عليهم.
وهذان التأويلان في "غير المغضوب عليهم"، وإن اختلفا باختلاف مُعرِبَيْهما، فإنهما يتقارب معناهما. من أجل أنَّ من أنعم الله عليه فهداه لدينه الحق، فقد سلم من غضب رَبه ونجا من الضلال في دينه.
فسواءٌ - إذ كان سَبب قوله: "اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت
(١) يعني بقوله: "المعرفة المؤقتة" المعرفة المحددة، وهو العلم الشخصي الذي يعين مسماه تعيينًا مطلقًا غير مقيد. فقولك "زيد" يعين تعيينًا مطلقًا أو محددًا. والمعرف بالألف واللام إنما يعين مسماه ما دامت فيه "ال"، فإذا فارقته فارقه التعيين. وانظر معاني الفراء ١: ٧.
عليهم" غيرَ جائزٍ أن يرتاب، مع سماعه ذلك من تاليه، في أن الذين أنْعم الله عليهم بالهداية للصِّراط غيرُ غاضب ربُّهم عليهم، مع النعمة التي قد عظمت مِنَّته بها عليهم في دينهم؛ ولا أن يكونوا ضُلالا وقد هداهم الحقَّ ربُّهم. إذْ كان مستحيلا في فِطَرِهم اجتماعُ الرضَى من الله جلّ ثناؤه عن شخص والغضب عليه في حال واحدة، واجتماعُ الهدى والضلال له في وقت واحد - أوُصِف (١) القوم؛ معَ وَصْف الله إياهم بما وصفهم به من توفيقه إياهم وهدايته لهم، وإنعامه عَليهم بما أنعم الله به عليهم في دينهم، بأنهم غيرُ مغضوب عليهم ولا هم ضَالُّون؛ أم لم يوصفوا بذلك. لأن الصِّفة الظاهرة التي وُصفوا بها، قد أنبأت عنهم أنهم كذلك، وإن لم يصرِّح وصفَهُم به.
هذا، إذا وجَّهنا " غير " إلى أنها مخفوضة على نية تكرير "الصراطِ" الخافضِ "الذين"، ولم نجعل "غير المغضوب عليهم ولا الضالين" من صفة "الذين أنعمت عليهم"، بل إذا حملناهم غيرَهم. وإن كان الفريقان لا شك مُنْعَمًا عليهما في أدْيانهم.
فأمّا إذا وجهنا "غير المغضوب عليهم ولا الضالين" إلى أنها من نَعت، "الذين أنعمت عليهم". فلا حاجة بسامعه إلى الاستدلال، إذْ كان الصريحُ من معناه قد أغنى عن الدليل.
وقد يجوز نصب " غير " في "غير المغضوب عليهم"، وإن كنتُ للقراءة بها كارهًا لشذوذها عن قراءة القُرّاء. وإنَّ ما شذ من القراءات عما جاءت به الأمة نقلا ظاهرًا مستفيضًا، فرأيٌ للحق مخالف. وعن سبيل الله وسبيل رسوله ﷺ وسبيل المسلمين مُتجانفٌ. وإن كان له - لو كانت جائزًا القراءةُ به (٢) - في الصواب مخرجٌ.
(١) سياق العبارة: "سواء... أوصف القوم... أم لم يوصفوا"، وما بين هذين فصل طويل كدأب أبي جعفر في بيانه.
(٢) في المطبوعة: "لو كانت القراءة جائزة به "، بدلوه ليوافق عبارتهم، دون عبارة الطبري
وتأويل وجه صوابه إذا نصبتَ: أن يوجَّه إلى أن يكون صفةً للهاء والميم اللتين في " عليهم " العائدة على " الذين ". لأنها وإن كانت مخفوضة بِ " على "، فهي في محل نصب يقوله: " أنعمت ". فكأن تأويل الكلام -إذا نصبت " غير " التي مع " المغضوب عليهم"-: صراطَ الذين هَدَيتهم إنعامًا منك عليهم، غيرَ مغَضوبٍ عليهم، أي لا مغضوبًا عليهم ولا ضالين. فيكون النصب في ذلك حينئذ، كالنصب في " غير " في قولك: مررت بعبد الله غيرَ الكريم ولا الرشيدِ، فتقطع "غيرَ الكريم" من "عبد الله"، إذْ كان "عبدُ الله" معرفة مؤقتة، و"غير الكريم" نكرة مجهولة.
وقد كان بعضُ نحويِّي البصريين يزعم أنّ قراءة مَنْ نصب " غير " في "غير المغضوب عليهم"، على وَجه استثناءِ "غير المغضوب عليهم" من معاني صفة "الذين أنعمت عليهم"، كأنه كان يرى أنّ معنى الذين قرأوا ذلك نصبًا: اهدنا الصراط المستقيم، صراطَ الذين أنعمتَ عليهم، إلا المغضوبَ عَليهم -الذين لم تُنعم عليهم في أديانهم ولم تَهْدهم للحق- فلا تجعلنا منهم. كما قال نابغة بني ذبيان:
وَقَفْتُ فِيهَا أُصَيْلالا أُسَائِلُها... عَيَّت جَوابًا، ومَا بالرَّبْعِ مِنْ أَحَدِ (١) إلا أَوَارِيَّ لأيًا مَا أُبَيِّنُهُا... والنُّؤْيُ كالحَوْضِ بالمَظْلُومَةِ الجَلَدِ (٢)
(١) ديوانه: ٢٣، ويأتي في تفسير آية البقرة: ٣٥ (١: ١٨٦ بولاق)، وآية النساء: ١١٤ (٥: ١٧٨)، وآية يونس: ٩٨ (١١: ١١٧) وآية سورة الليل: ٢٠ (٣٠: ١٤٦). يقال: لقيته أصيلالا وأصيلانًا، إذا لقيته بالعشي. وذلك أن الأصيل هو العشي، وجمعه أُصُل (بضمتين) وأصلان (بضم فسكون)، ثم صغروا الجمع فقالوا: أصيلان، ثم أبدلوا من النون لامًا. فعلوا ذلك اقتدارا على عربيتهم، ولكثرة استعمالهم له حتى قل من يجهل أصله ومعناه. وعى في منطقه: عجز عن الكلام.
(٢) أواري جمع آري (مشدد الياء) : وهو محبس الدابة ومأواها ومربطها، من قولهم: تأري بالمكان أقام وتحبس. ولأيا: بعد جهد ومشقة وإبطاء. والنؤى: حفرة حول الخباء تعلى جوانبها بالتراب، فتحجز الماء لا يدخل الخباء، والمظلومة: يعني أرضًا مروا بها في برية فتحوضوا حوضًا سقوا فيه إبلهم، وليس بموضع تحويض لبعدها عن مواطئ السابلة. فلذلك سماها مظلومة، والظلم: وضع الشيء في غير موضعه. والجلد: الأرض الصلبة، يعني أنها لا تنبت شيئًا فلا يرعاها أحد.
والأواريُّ معلومٌ أنها ليست من عِدَاد "أحد" في شيء. فكذلك عنده، استثنى "غير المغضوب عليهم" من "الذين أنعمت عليهم"، وإن لم يكونوا من معانيهم في الدين في شيء.
وأما نحِويُّو الكوفيين، فأنكروا هذا التأويل واستخفُّوه (١)، وزعموا أن ذلك لو كان كما قاله الزاعم من أهل البصرة، لكان خطأ أن يقال: "ولا الضالين".
لأن " لا " نفي وجحد، ولا يعطف بجحد إلا على جحد. وقالوا: لم نجد في شيء من كلام العرب استثناءً يُعطف عليه بجحد، وإنما وجدناهم يعطفون على الاستثناء بالاستثناء، وبالجحد على الجحد، فيقولون في الاستثناء: قام القومُ إلا أخاك وإلا أباك.
وفي الجحد: ما قام أخوك ولا أبوك. وأما: قام القومُ إلا أباك ولا أخاك. فلم نجده في كلام العرب. قالوا: فلما كان ذلك معدومًا في كلام العرب، وكان القرآن بأفصح لسان العرب نزولُه، علمنا -إذ كان قولُه"ولا الضالين" معطوفًا على قوله"غير المغضوب عليهم" -أن " غير " بمعنى الجحد لا بمعنى الاستثناء، وأن تأويل من وجَّهها إلى الاستثناء خطأ.
فهذه أوجه تأويل "غير المغضوب عليهم"، باختلاف أوجه إعراب ذلك.
وإنما اعترضْنا بما اعترضنا في ذلك من بَيان وُجوه إعرابه- وإن كان قصدُنا في هذا الكتاب الكشفَ عن تأويل آي القرآن- لما في اختلاف وجوه إعراب ذلك من اختلاف وجوه تأويله. فاضطرّتنا الحاجة إلى كشف وجوه إعرابه، لتنكشف لطالب تأويله وُجوه تأويله، على قدر اختلاف المختلفة في تأويله وقراءته.
والصَّوابُ من القول في تأويله وقراءته عندنا، القول الأول، وهو قراءةُ (غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ) بخفض الراء من " غير ". بتأويل أنها صفة لِ "الذين أنعمت عليهم" ونعتٌ لهم -لما قد قدمنا من البيان- إن شئتَ، وإن شئت فبتأويلِ تكرار " صراط ". كلُّ ذلك صوابٌ حَسنٌ.
(١) في المطبوعة: "واستخطئوه"، واستخفوه: رأوه خفيفا لا وزن له.
فإن قال لنا قائل: فمنْ هؤلاء المغضوبُ عليهم، الذين أمرنا الله جل ثناؤه بمسألته أن لا يجعلنا منهم؟
قيل: هم الذين وصفهم الله جَلّ ثناؤه في تنزيله فقال: (قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ) [سورة المائدة: ٦٠]. فأعلمنا جلّ ذكره ثَمَّة (١)، ما أحَلَّ بهم من عقوبته بمعصيتهم إياه. ثم علمنا، منّهً منه علينا، وجه السبيل إلى النجاة من أن يَحِلَّ بنا مثل الذي حَلّ بهم من المَثُلات، ورأفة منه بنا (٢).
فإن قيل: وما الدليلُ على أنهم أولاء الذين وصفَهم الله وذكر نبأهم في تنزيله على ما وصفت؟ قيل:
١٩٣ - حدثني أحمد بن الوليد الرملي، قال: حدثنا عبد الله بن جعفر الرقي، قال: حدثنا سفيان بن عيينة، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن الشعبي، عن عديّ بن حاتم، قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: المغضوبُ عليهم، اليهود (٣).
١٩٤- حدثنا محمد بن المثنى، قال: حدثنا محمد بن جعفر، قال: حدثنا شعبة، عن سماك بن حرب، قال: سمعت عباد بن حُبيش يحدث، عن عدي بن حاتم، قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنّ المغضوبَ عليهم اليهود (٤).
(١) بدلوها في المطبوعة إلى "بمنه"؛ وثم وثمة (بفتح الثاء) : إشارة للبعيد بمنزلة "هنا" للقريب.
(٢) المثلات جمع مثلة (بفتح فضم ففتح) : وهي العقوبة والتنكيل.
(٣) الحديث ١٩٣ - هذا إسناد صحيح، وسيأتي بعض هذا الحديث أيضًا بهذا الإسناد ٢٠٧. وتخريجه سيأتي في ١٩٥.
(٤) الحديث ١٩٤ - وهذا إسناد صحيح أيضًا. عباد بن حبيش، بضم الحاء المهملة وفتح الباء الموحدة ولآخره شين معجمة، الكوفي، ذكره ابن حبان في الثقات، وابن أبي حاتم ٣ / ١ / ٧٨. وبعض الحديث سيأتي أيضًا ٢٠٨ بهذا الإسناد.
١٩٥- حدثني علي بن الحسن، قال: حدثنا مسلم بن عبد الرحمن، قال: حدثنا محمد بن مصعب، عن حماد بن سلمة، عن سماك بن حرب، عن مُرِّي بن قَطَريّ، عن عدي بن حاتم، قال: سألت النبي ﷺ عن قول الله جلّ وعزّ "غير المغضوب عليهم" قال: هم اليهود (١).
١٩٦ - حدثنا حُميد بن مَسْعَدة السّامي، قال: حدثنا بشر بن المفضَّل، قال: حدثنا الجُرَيْري، عن عبد الله بن شَقِيق: أنّ رُجلا أتى رسول الله ﷺ وهو محاصرٌ واديَ القُرَى، فقال: مَنْ هؤلاء الذين تحاصرُ يا رسول الله؟ قال: هؤلاء المغضوب عليهم، اليهود (٢).
(١) الحديث ١٩٥ - وهذا إسناد صحيح أيضًا. مري بن قطري الكوفي: ذكره ابن حبان في الثقات، وترجمه البخاري في الكبير ٤ / ٢ / ٥٧، وقال: "سمع عدي بن حاتم، روى عنه سماك بن حرب، يعد في الكوفيين". و "مري": بضم الميم وتشديد الراء المكسورة مع تشديد الياء. و "قطري" بفتح القاف والطاء وبعد الراء ياء مشددة. وبعضه سيأتي أيضًا بالإسناد نفسه ٢٠٩.
وهذا الحديث عن عدي بن حاتم: أصله قصة مطولة في إسلامه. فرواه -بطوله- أحمد في المسند ٤: ٣٧٨ - ٣٧٩ عن محمد بن جعفر عن شعبة، بالإسناد السابق ١٩٤.. ورواه الترمذي ٤: ٦٧ من طريق عمرو بن أبي قيس عن سماك عن عباد بن حبيش عن عدي. وقال: "هذا حديث حسن غريب، لا نعرفه إلا من حديث سماك بن حرب. وروى شعبة عن سماك بن حرب عن عباد بن حبيش عن عدي بن حاتم عن النبي ﷺ - الحديث بطوله". وروى بعضه الطيالسي في مسنده: ١٠٤٠ عن عمرو بن ثابت "عمن سمع عدي بن حاتم". وقد تبين لنا من روايات الطبري هنا أن سماك بن حرب سمعه من عباد بن حبيش ومن مري بن قطري، كلاهما عن عدي، وأن سماك بن حرب لم ينفرد بروايته أيضًا، إذ رواه إسماعيل بن أبي خالد عن الشعبي عن عدي. وأن لم يعرفه الترمذي إلا من حديث سماك - لا ينفي أن يعرفه غيره من وجه آخر. وذكره ابن كثير ١: ٥٤ من رواية أحمد في المسند، وأشار إلى رواية الترمذي، وإلى روايات الطبري هنا، ثم قال: "وقد روى حديث عدي هذا من طرق، وله ألفاظ كثيرة يطول ذكرها ". وذكره الحافظ في الإصابة، في ترجمة عدي ٢: ٢٢٩ من رواية أحمد والترمذي. وذكر السيوطي منه ١: ١٦ تفسير الحرفين، ونسبه أيضًا لعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن حبان في صحيحه. وكذلك صنع الشوكاني ١: ١٥.
(٢) الحديث ١٩٦ - حميد بن مسعدة السامي، شيخ الطبري: هو "السامي" بالسين المهملة، نص على ذلك الحافظ ابن حجر في التقريب. وهو نسبة إلى "سامة بن لؤي بن غالب". ووقع في نسخ الطبري -هنا وفيما يأتي ٢١٠- "الشامي" بالمعجمة، وهو تصحيف. و "الجريري"، بضم الجيم: هو سعيد بن إياس البصري. و "عبد الله بن شقيق العقيلي"، بضم العين وفتح القاف: تابعي كبير ثقة. وهذا الإسناد مرسل، لقول عبد الله بن شقيق: "أن رجلا". وسيأتي مرسلا أيضًا ١٩٧، ١٩٩ ولكنه سيأتي موصولا ١٩٨.
١٩٧- حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: حدثنا ابن عُلَّية، عن سعيد الجُرَيْري، عن عروة، عن عبد الله بن شَقيق: أن رجلا أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكر نحوه.
١٩٨- حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أنبأنا عبد الرزّاق، قال: أخبرنا معمر، عن بُدَيْل العقيلي، قال: أخبرني عبد الله بن شَقيق: أنه أخبره من سمع النبي ﷺ -وهو بوادي القُرَى، وهو عَلى فَرسه، وسأله رجل من بني القَين فقال: يا رسول الله، من هؤلاء؟ - قال: المغضوبُ عليهم. وأشار إلى اليهود (١).
١٩٩- حدثنا القاسم بن الحسن، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثنا خالد الواسطي، عن خالد الحَذَّاء، عن عبد الله بن شقيق، أنّ رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم، فذكر نحوه
٢٠٠ - حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا عثمان بن سعيد، قال: حدثنا بشر بن عُمارة، قال: حدثنا أبو رَوْق، عن الضحاك، عن ابن عباس: "غير المغضوب عليهم"، يعني اليهودَ الذين غَضب الله عليهم (٢).
(١) الحديث ١٩٨ - بديل، بضم الباء الموحدة وفتح الدال المهملة: هو ابن ميسرة العقيلي، وهو تابعي ثقة. وهذه الرواية متصلة بإسناد صحيح. لأن عبد الله بن شقيق صرح فيها بانه أخبره "من سمع النبي ﷺ "، وجهالة الصحابي لا تضر، كما هو معروف. والوصل بذكر الصحابي المبهم - زيادة من الثقة، فهي مقبولة.
وقد ذكر ابن كثير ١: ٥٤ - ٥٥ هذه الرواية الموصولة، ثم أشار إلى الروايات الثلاث المرسلة، ثم قال: " ووقع في رواية عروة تسمية: عبد الله بن عمرو، فالله أعلم". ولكنه لم يذكر من خرج رواية عروة التي يشير إليها. ثم قال ابن كثير: "وقد روى ابن مردويه من حديث إبراهيم بن طهمان عن بديل بن ميسرة عن عبد الله بن شقيق عن أبي ذر، قال: سألت رسول الله ﷺ عن المغضوب عليهم، قال: اليهود، قلت: الضالين؟ قال: النصارى". وأشار الحافظ في الفتح ٨: ١٢٢ إلى رواية ابن مردويه هذه عن أبي ذر "بإسناد حسن". وذكر أيضًا أن رواية عبد الله بن شقيق الموصولة " أنه أخبره من سمع النبي صلى الله عليه وسلم" - رواها أحمد. وهذه الروايات أيضًا عند السيوطي ١: ١٦، والشوكاني ١: ١٤ - ١٥. وسيأتي تفسير (الضالين) بهذه الأسانيد ٢١٠، ٢١١، ٢١٢، ٢١٣. وسيأتي في ٢١١ بيان من عروة الذي في الإسناد ١٩٧.
(٢) الأثر ٢٠٠ - أثر الضحاك عن ابن عباس لم يخرجوه. وسيأتي باقيه ٢١٥.
٢٠١- حدثني موسى بن هارون الهمداني، قال: حدثنا عمرو بن طلحة، قال: حدثنا أسباط بن نصر، عن السدّيّ في خبر ذكره، عن أبي مالك، وعن أبي صالح عن ابن عباس -وعن مرة الهمداني عن ابن مسعود- وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: "غير المغضوب عليهم"، هم اليهود (١).
٢٠٢- حدثنا ابن حميد الرازي، قال: حدثنا مهران، عن سفيان، عن مجاهد، قال: "غير المغضوب عليهم"، قال: هم اليهود.
٢٠٣- حدثنا أحمد بن حازم الغفاري، قال: حدثنا عبد الله، عن أبي جعفر، عن ربيع: "غير المغضوب عليهم"، قال: اليهود.
٢٠٤- حدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثني حجاج، عن ابن جريج، قال: قال ابن عباس: "غير المغضوب عليهم" قال: اليهود.
٢٠٥- حدثني يونس بن عبد الأعلى، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: "غير المغضوب عليهم"، اليهود.
٢٠٦- حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: حدثني ابن زيد، عن أبيه، قال: "المغضوب عليهم"، اليهود (٢).
قال أبو جعفر: واختُلِف في صفة الغضب من الله جلّ ذكره:
فقال بعضهم: غضبُ الله على من غضب عليه من خلقه، إحلالُ عقوبته بمن غَضبَ عليه، إمّا في دنياه، وإمّا في آخرته، كما وصف به نفسه جلّ ذكره في كتابه فقال: (فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ) [سورة الزخرف: ٥٥].
وكما قال: (قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ
(١) الخبر ٢٠١ - ابن كثير ١: ٥٥، والدر المنثور ١: ١٦، والشوكاني ١: ١٥. وسيأتي باقيه: ٢١٧.
(٢) الآثار ٢٠٢ - ٢٠٦: في ابن كثير، والدر المنثور، الشوكاني، كالذي مضى. وسيأتي باقيها: ٢١٤، ٢١٦، ٢١٨، ٢١٩، ٢٢٠.
وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ) [سورة المائدة: ٦٠].
وقال بعضهم: غضب الله على من غضب عليه من عباده، ذم منه لهم ولأفعالهم، وشتم لهم منه بالقول.
وقال بعضهم: الغضب منه معنى مفهوم، كالذي يعرف من معاني الغضب، غير أنه -وإن كان كذلك من جهة الإثبات (١) - فمخالف معناه منه معنى ما يكون من غضب الآدميين الذين يزعجهم ويحركهم ويشق عليهم ويؤذيهم.
لأن الله جل ثناؤه لا تحل ذاته الآفات، ولكنه له صفة، كما العلم له صفة، والقدرة له صفة، على ما يعقل من جهة الإثبات، وإن خالفت معاني ذلك معاني علوم العباد، التي هي معارف القلوب، وقواهم التي توجد مع وجود الأفعال وتعدم مع عدمها (٢).
* * *

القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿وَلا الضَّالِّينَ﴾.


قال أبو جعفر: كان بعض أهل البصرة يزعم أن " لا " مع " الضالين " أدخلت تتميما للكلام، والمعنى إلغاؤها، يستشهد على قيله ذلك ببيت العجاج:
(١) الإثبات: مذهب أهل السنة في إثبات الصفات لله تعالى كما وصف نفسه، وإثبات القدر بلا تأويل، خلافا لأهل القدر، وهم نفاته، وللجهمية والمعطلة للصفات.
(٢) بعد هذا الموضع من نسخة دار الكتب المصرية رقم: ١٠٠ تفسير، ما نصه:
"وصلى الله على محمد النبي الأمي وعلى آله وسلم تسليما كثيرا.
-على الأصل المنقول منه-
سمعت وأحمد ومحمد والحسن بني عبد الله بن أحمد الفرغاني في يوم الخميس لسبع بقين من شهر رمضان سنة ست وأربعين وثلاثمائة. ومحمد بن محمد الطوسي".
فِي بِئْرِ لاحُورٍ سَرَى وَمَا شَعَرْ (١)
ويتأوله بمعنى: في بئر حور سرى، أي في بئر هلكة، وأن " لا " بمعنى الإلغاء والصلة. ويعتل أيضا لذلك بقول أبي النجم:
فَمَا أَلُومُ الْبِيضَ أَنْ لا تَسْخَرَالَمَّا رَأَيْنَ الشَّمْطَ الْقَفَنْدَرَا (٢)
وهو يريد: فما ألوم البيض أن تسخر وبقول الأحوص:
وَيَلْحَيْنَنِي فِي اللَّهْوِ أَنْ لا أُحِبَّهوَللَّهْوُ دَاعٍ دَائِبٌ غَيْرُ غَافِلِ (٣)
يريد: وَيلحينني في اللهو أن أحبه، وبقوله تعالى: (مَا مَنَعَكَ أَلا تَسْجُدَ) [سورة الأعراف: ١٢]، يريد أن تسجد. وحُكي عن قائل هذه المقالة أنه كان يتأول " غير " التي " مع "المغضوب عليهم "، أنها بمعنى " سوى (٤). فكأنّ معنى الكلام كانَ عنده: اهدنا الصراط المستقيمَ، صراط الذين أنعمتَ عليهم، الذين همُ سوى المغضوب والضالين.
وكان بعضُ نحويي الكوفة يستنكر ذلك من قوله (٥)، ويزعمُ أن " غير "
(١) ديوانه: ١٦، ومعاني القرآن للفراء ١: ٨، ومجاز القرآن لأبي عبيدة: ٢٥ والخزانة ٢: ٩٥، وأمالي الشجري ٢: ٢٣١، والأضداد لابن الأنباري: ١٨٦. والقائل بأنها زائدة من البصريين هو أبو عبيدة.
(٢) نسبه شارح القاموس عن الصاغاني لأبي النجم وقال: روايته: "إذا رأت ذا الشيبة القفندرا"
وضبطوا "الشمط" بفتح الميم، أي الشيب، وجائز أن يكون أبو النجم قاله "الشمط" بكسر الميم على أنه فرح، طرح ألف "أشمط"، كما فعلوا في أشعث وشعث. وأحدب وحدب، وأتعس وتعس، وأحول وحول، في الصفات المشبهة من العيوب الظاهرة والحلي. وانظر الفائق للزمخشري ٢: ٣٢٦ فقد عدد ألفاظًا غيرها. وكأن الصاغاني أبى من رواية "الشمط" بفتحتين، لأن القفندر: هو الصغير الرأس القبيح المنظر.
والبيت برواية البري في مجاز القرآن لأبي عبيدة: ٢٦، والأضداد لابن الأنباري: ١٨٥، واللسان (قفندر)، ثم انظر أمالي الشجري ٢: ٢٣١، وغيرها.
(٣) الكامل ١: ٤٩، والأضداد لابن الأنباري: ١٨٦، ولحاه يلحاه لحيًا: عذله ولامه.
(٤) هو أبو عبيدة كما أسلفنا في أول هذه الفقرة. وأشار إليه الفراء في معاني القرآن: ٨ بقوله: "وقد قال بعض من لا يعرف العربية... "، وكذلك فعل الطبري من قبل في مواضع. وانظر اللسان (غير).
(٥) يعني الفراء الكوفي في كتابه معاني القرآن: ٨، أو غيره من كتبه.
التي " مع المغضوب عليهم "، لو كانت بمعنى سوى، لكان خطأ أن يعطف عليها بـ " لا "، إذْ كانت " لا " لا يعطف بها إلا على جحد قد تقدمها. كما كان خطأ قول القائل: "عندي سِوَى أخيك ولا أبيك"، لأن سِوَى ليست من حروف النفي والجحود. ويقول: لما كان ذلك خطأ في كلام العرب، وكان القرآن بأفصحِ اللغات من لغات العرب، كان معلومًا أن الذي زَعمه القائل: أن "غير" مع "المغضوب عليهم" بمعنى: سوى المغضوب عليهم، خطأ. إذ كان قد كرّ عليه الكلامَ بـ " لا ". وكان يزعم أن " غير " هنالك إنما هي بمعنى الجحد. إذْ كان صحيحًا في كلام العرب، وفاشيًا ظاهرًا في منطقها توجيه " غير " إلى معنى النفي ومستعملا فيهم: "أخوك غير مُحسِن ولا مُجْمِل"، يراد بذلك أخوك لا محسن، ولا مجمل، ويَستنكرُ أن تأتي " لا " بمعنى الحذف في الكلام مُبتدأً، ولمَّا يتقدمها جحد. ويقول: لو جاز مجيئها بمعنى الحذف مُبتدأ، قبل دلالة تدلّ ذلك من جحد سابق، لصحَّ قول قائل قال: "أردْتُ أن لا أكرم أخاك"، بمعنى: أردت أن أكرم أخاك. وكان يقول: ففي شهادة أهل المعرفة بلسان العرب على تخطئة قائل ذلك، دلالةٌ واضحة على أنَّ " لا " تأتي مبتدأة بمعنى الحذف، ولَمَّا يتقدَّمها جحد. وكان يتأوّل في " لا " التي في بيت العجاج، الذي ذكرنا أن البصْريّ استشهد به، بقوله: إنها جَحْدٌ صحيح، وأنّ معنى البيت: سَرَى في بئر لا تُحيرُ عليه خيرًا، ولا يتبيَّن له فيها أثرُ عملٍ، وهو لا يشعُر بذلك ولا يدري به (١). من قولهم: "طحنت الطَّاحنة فما أحارت شيئًا"، أي لم يتبيَّن لها أثرُ عملٍ. ويقول في سائر الأبيات الأخر، أعني مثل بَيت أبي النجم::
فما ألُوم البيضَ أن لا تسخَرَا
إنما جاز أن تكون " لا " بمعنى الحذف، لأن الجحد قد تقدمها في أول الكلام، فكان الكلام الآخر مُواصِلا للأول، كما قال الشاعر:
(١) عبارة الفراء في معاني القرآن: "كأنك قلت: إلى غير رشد توجه وما درى".
مَا كَانَ يَرْضَى رَسُولُ اللهِ فِعْلَهُمُوَالطَّيِّبَانِ أَبُو بَكْرٍ وَلا عُمَرُ (١)
فجازَ ذلك، إذْ كان قد تقدَّم الجحدُ في أوّل الكلام.
قال أبو جعفر: وهذا القولُ الآخر أولى بالصواب من الأول، إذ كان غيرَ موجودٍ في كلام العرب ابتداءُ الكلام من غير جحد تقدَّمه بـ " لا " التي معناها الحذف، ولا جائزٍ العطفُ بها على " سوى "، ولا على حرف الاستثناء. وإنما لِـ " غير " في كلام العرب معان ثلاثة: أحدها الاستثناء، والآخر الجحد، والثالث سوى. فإذا ثبت خطأ " لا " أن يكون بمعنى الإلغاء مُبتدأ (٢)، وفسدَ أن يكون عطفًا على " غير " التي مع " المغضوب عليهم "، لو كانت بمعنى " إلا " التي هي استثناء، ولم يَجز أيضًا أن يكون عطفًا عليها لو كانت بمعنى " سوى "، وكانت " لا " موجودة عطفًا بالواو التي هي عاطفة لها على ما قَبلها -صحَّ (٣) وثبت أن لا وجهَ لـ " غير "، التي مع " المغضوب عليهم "، يجوز توجيهها إليه على صحَّة إلا بمعنى الجحد والنفي، وأن لا وَجه لقوله: " ولا الضالين "، إلا العطف على " غير المغضوب عليهم ".
فتأويلُ الكلام إذًا - إذْ كان صحيحًا ما قلنا بالذي عليه استشهدنا- اهدنا الصراط المستقيم، صراط الذين أنعمت عليهم، لا المغضوب عليهم ولا الضالين.
فإن قال لنا قائل: ومَن هؤلاء الضَّالُّون الذين أمرنا اللهُ بالاستعاذة بالله أن يَسْلُكَ بنا سبيلهم، أو نَضِلَّ ضلالهم؟
قيل: هم الذين وصَفهم الله في تنزيله فقال: (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا
(١) الشعر لجرير يهجو الأخطل، ديوانه ٢٦٣، ونقائض جرير والأخطل: ١٧٤، وأضداد ابن الأنباري: ١٨٦، ثم تفسير آية سورة البقرة: ١٥٨.
(٢) في المخطوطة: "فإذا ثبت خط أن لا يكون بمعنى الإلغاء" غير منقوطة، ولم يحسن طابعو المطبوعة قراءتها فجعلوها: "فإذا بطل حظ لا أن تكون بمعنى الإلغاء". وقد صححنا ما في المخطوطة من تقديم "لا" على "يكون".
(٣) جواب قوله "فإذا ثبت خطأ... ".
وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ) [سورة المائدة: ٧٧].
فإن قال: وما برهانك على أنهم أولاء؟
قيل:
٢٠٧- حدثنا أحمد بن الوليد الرملي، قال: حدثنا عبد الله بن جعفر، قال: حدثنا سفيان بن عيينة، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن الشَّعبي، عن عدي بن أبي حاتم، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ولا الضالين" قال: النصارى (١).
٢٠٨- حدثنا محمد بن المثنى، أنبأنا محمد بن جعفر، أنبأنا شعبة، عن سِمَاك، قال: سمعت عبّاد بن حُبيش يحدث، عن عدي بن حاتم، قال: قالَ لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الضَّالين: النَّصارى ".
٢٠٩ - حدثني علي بن الحسن، قال: حدثنا مسلم بن عبد الرحمن، قال: حدثنا محمد بن مُصْعَب، عن حماد بن سلمة، عن سماك بن حرب، عن مُرّيّ بن قَطَريّ، عن عدي بن حاتم، قال: سألت النبي ﷺ عن قول الله: "ولا الضالين"، قال: النصارى هم الضالون.
٢١٠- حدثنا حُميد بن مَسعدة السَّامي، قال: حدثنا بشر بن المفضَّل، قال: حدثنا الجريري، عن عبد الله بن شقيق: أن رجلا أتى رسول الله ﷺ وهو محاصرٌ واديَ القُرَى قال: قلت: من هؤلاء؟ قال: هؤلاء الضّالون: النصارى.
٢١١ - حدثنا يعقوب بن إبراهيم، قال: حدثنا ابنُ عُلَيَّة، عن سعيد الجُرَيري، عن عروة، يعني ابن عبد الله بن قيس، عن عبد الله بن شقيق، عن رسول الله ﷺ بنحوه (٢).
(١) هذه الأحاديث والأخبار والآثار ٢٠٧ - ٢٢٠، في تفسير (الضالين)، سبقت أوائلها في تفسير (المغضوب عليهم)، مع تخريجها، في الأرقام ١٩٣ - ٢٠٦، مع شيء من التقديم والتأخير.
(٢) الحديث ٢١١ - سبق هذا الإسناد ١٩٧ ولم ينسب فيه "عروة" هذا، وفي التعليق على الحديث ١٩٨ إشارة ابن كثير إلى رواية "عروة"، ولم يذكر نسبه أيضًا. وقد بين الطبري هنا أنه "عروة بن عبد الله بن قيس". وأنا أرجح أن كلمة "قيس" محرفة من الناسخين عن كلمة "قشير".
فإني لم أجد في التراجم قط من يسمى "عروة بن عبد الله بن قيس"، ويبعد جدا أن لا يذكروه، وهو يروي عن رجل من كبار التابعين. والذي في هذه الطبقة، هو "عروة بن عبد الله بن قشير أبو مهل الكوفي"، مترجم في التهذيب ٧: ١٨٦، والتاريخ الكبير للبخاري ٤ / ١ / ٣٤، والجرح والتعديل لابن أبي حاتم ٣ / ١ / ٣٩٧، والثقات لابن حبان: ٥٧٤، والكنى للدولابي ٢: ١٣٥. وذكر الأخيران قولا آخر في اسم جده، أنه "بشير". و "أبو مهل": بفتح الميم والهاء، كما ذكره الذهبي في المشتبه: ٥٠٨.
٢١٢ - حدثنا الحسن بن يحيى، قال: حدثنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن بُدَيْل العُقَيلي، قال: أخبرني عبد الله بن شقيق، أنه أخبره من سَمع النبي ﷺ وهو بوادي القرى وهو على فرسه وسأله رجل من بني القَين، فقال: يا رسولَ الله، من هؤلاء؟ - قال: هؤلاء الضَّالون "، يعني النصارى.
٢١٣ - حدثنا القاسم قال: حدثنا الحسين، قال: حدثنا خالد الواسطي، عن خالد الحذاء، عن عبد الله بن شقيق، أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم، وهو محاصرٌ وادي القُرى وهو على فرس: من هؤلاء؟ قال: الضالّون. يعني النصارى.
٢١٤- حدثنا محمد بن حميد، قال: حدثنا مهران، عن سفيان، عن مجاهد: "ولا الضالين" قال: النصارى.
٢١٥- حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا عثمان بن سعيد، عن بشر بن عُمارة، قال: حدثنا أبو رَوْق، عن الضحاك، عن ابن عباس: "ولا الضالين" قال: وَغير طريقِ النَّصارى الذين أضلَّهم الله بِفرْيَتهمْ عليه. قال: يقول: فألهِمنا دينك الحق، وهو لا إله إلا الله وحدَه لا شريك له، حتى لا تغضَبَ علينا كما غضبتَ على اليهود، ولا تضلَّنا كما أضللتَ النصارى فتعذّبنا بما تعذِّبهم به. يقول امنعْنا من ذلك برفْقِك ورَحمتك وقدرتك.
٢١٦- حدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثني حجاج، عن ابن جريج، قال: قال ابن عباس: الضالين النصارى.
٢١٧- حدثني موسى بن هارون الهمداني، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسباط بن نصر، عن إسماعيل السدّيّ في خبر ذكره عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس - وعن مرة الهمداني، عن ابن مسعود- وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: "ولا الضالين"، هم النصارى.
٢١٨- حدثني أحمد بن حازم الغِفاري، قال: أخبرنا عُبيد الله بن موسى، عن أبي جعفر، عن ربيع: "ولا الضالين"، النصارى.
٢١٩- حدثني يونس بن عبد الأعلى، قال أخبرنا ابن وهب، قال: قال عبد الرحمن بن زيد: "ولا الضالين"، النصارى.
٢٢٠- حدثنا يونس قال: أخبرنا ابن وهب، قال: حدثنا عبد الرحمن بن زيد، عن أبيه. قال: الضالين، النصارى.
* * *
قال أبو جعفر: فكلّ حائدٍ عن قَصْد السبيل، وسالكٍ غيرَ المنهج القويم، فضَالٌّ عند العرب، لإضلاله وَجهَ الطريق. فلذلك سمى الله جل ذكره النصارَى ضُلالا لخطئهم في الحقِّ مَنهجَ السبيل، وأخذهم من الدِّين في غير الطريق المستقيم.
فإن قال قائل: أوَ ليس ذلك أيضًا من صفة اليهود؟
قيل: بلى!
فإن قال: كيف خَصّ النصارَى بهذه الصفة، وَخصّ اليهودَ بما وصفَهم به من أنهم مغضوب عليهم؟
قيل: كلا الفريقين ضُلال مغضوبٌ عليهم، غيرَ أن الله جلّ ثناؤه وَسم كل فريق منهم من صِفَته لعباده بما يعرفونه به، إذا ذكرهُ لهم أو أخبرهم عنه. ولم يسمِّ واحدًا من الفريقين إلا بما هو له صفةٌ على حقيقته، وإن كان له من صفاتِ الذمّ زياداتٌ عليه.
فيظنُّ بعض أهل الغباء من القدريّة أن في وصف الله جلّ ثناؤه النصارى
بالضّلال، بقوله: "ولا الضالين"، وإضافته الضَّلال إليهم دون إضافة إضلالهم إلى نفسه، وتركه وصفهم بأنهم المضلَّلون، كالذي وَصف به اليهود أنهم المغضوبُ عليهم -دلالةً على صحة ما قاله إخوانُه من جهلة القدرية، جهلا منه بسَعَة كلام العرب وتصاريف وُجوهه.
ولو كان الأمر على ما ظَنّه الغبي الذي وصفنا شأنه، لوجب أن يكونَ شأنُ كلِّ موصوفٍ بصفةٍ أو مضافٍ إليه فعلٌ، لا يجوزُ أن يكون فيه سببٌ لغيره، وأنْ يكون كلُّ ما كان فيه من ذلك لغيره سببٌ، فالحقُّ فيه أن يكون مضافًا إلى مُسبِّبه، ولو وَجب ذلك، لوجبَ أن يكون خطأ قولُ القائل: " تحركت الشجرةُ "، إذْ حرَّكتها الرياح؛ و " اضطربت الأرض "، إذْ حرَّكتها الزلزلة، وما أشبهَ ذلك من الكلام الذي يطولُ بإحصائه الكتاب.
وفي قول الله جلّ ثناؤه: (حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ) [سورة يونس: ٢٢]-بإضافته الجريَ إلى الفلك، وإن كان جريها بإجراء غيرِها إيَّاها- ما دلّ على خطأ التأويل الذي تأوله من وصفنا قوله في قوله: "ولا الضالين"، وادّعائه أنّ في نسبة الله جلّ ثناؤه الضلالةَ إلى من نَسبها إليه من النصارى، تصحيحًا لما ادَّعى المنكرون: أن يكون لله جلّ ثناؤه في أفعال خلقه سببٌ من أجله وُجدت أفعالهم، مع إبانة الله عزّ ذكره نصًّا في آيٍ كثيرة من تنزيله، أنه المضلُّ الهادي، فمن ذلك قوله جل ثناؤه: (أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلا تَذَكَّرُونَ) [سورة الجاثية: ٢٣]. فأنبأ جلّ ذكره أنه المضلّ الهادي دون غيره.
ولكنّ القرآن نزلَ بلسان العرب، على ما قدَّمنا البيان عنه في أول الكتاب، ومن شأن العرب إضافة الفعل إلى من وُجد منه -وإن كان مسبِّبُه غيرَ الذي وُجِد
منه- أحيانًا، وأحيانًا إلى مسبِّبه، وإن كان الذي وجد منه الفعل غيرُه. فكيف بالفعل الذي يكتسبه العبد كسبًا، ويُوجِده الله جلّ ثناؤه عَيْنًا مُنْشَأةً؟ بل ذلك أحرى أن يُضاف إلى مكتسبِه؛ كسبًا له، بالقوة منه عليه، والاختيار منه له -وَإلى الله جلّ ثناؤه، بإيجاد عينِه وإنشائها تدبيرًا. (مسألة يَسأل عنها أهل الإلحاد الطَّاعنون في القرآن)
إن سألَنا منهم سائل فقال: إنك قد قدَّمتَ في أول كتابك هذا في وصْف البيان: بأنّ أعلاه درجة وأشرفَه مرتبة، أبلغُه في الإبانة عن حاجة المُبين به عن نفسه، وأبينُه عن مُراد قائله، وأقربُه من فهم سامعه. وقلتَ، مع ذلك: إنّ أوْلى البيان بأن يكون كذلك، كلامُ الله جل ثناؤه، لِفَضْله على سائر الكلام وبارتفاع دَرَجته على أعلى درجات البيان (١)، فما الوجه -إذ كان الأمر على ما وصفت- في إطالة الكلام بمثل سورة أم القرآن بسبع آيات؟ وقد حوت معاني جميعها منها آيتان، وذلك قوله: (مالك يوم الدين إياك نعبد وإياك نستعين)، إذْ كان لا شك أنّ من عَرف: مَلك يوم الدين، فقد عَرَفه بأسمائه الحسنى وصفاته المُثْلى. وأنّ من كان لله مطيعًا، فلا شك أنه لسبيل من أنعم الله عليه في دينه مُتَّبع، وعن سبيل من غَضِب عليه وضَلَّ مُنْعَدِل. فما في زيادة الآيات الخمس الباقية، من الحكمة التي لم تَحْوِها الآيتان اللتان ذكرنا؟
قيل له: إنّ الله تعالى ذكرُه جَمع لنبينا محمد ﷺ ولأمته -بما أنزل إليه من كتابه- معانيَ لم يجمعْهُنّ بكتاب أنزله إلى نبيّ قبله، ولا لأمَّة من الأمم قبلهم. وذلك أنّ كُلّ كتاب أنزله جلّ ذكرُه على نبيّ من أنبيائه قبله، فإنما أنزل ببعض المعاني التي يحوي جميعَها كتابُه الذي أنزله إلى نبينا محمد صلى الله عليه وسلم. كالتَّوراة التي هي مواعظ وتفصيل، والزَّبُور الذي هو تحميد وتمجيد، والإنجيل الذي هو مواعظ وتذكير -لا مُعجزةَ في واحد منها تشهد لمن أنزل إليه بالتصديق. والكتابُ الذي أنزل على نبيِّنا محمد صلى الله عليه وسلم، يحوي معاني ذلك كله، ويزيد عليه كثيرًا من المعاني التي سائرُ الكتب غيرِه منها خالٍ.
(١) انظر ما مضى: ٩ - ١١.
وقد قدَّمنا ذكرها فيما مضى من هذا الكتاب (١).
ومن أشرفِ تلك المعاني التي فَضَل بها كتابُنا سائرَ الكتب قبله، نظْمُه العجيبُ ورصْفُه الغريب (٢) وتأليفُه البديع؛ الذي عجزتْ عن نظم مثْلِ أصغرِ سورة منه الخطباء، وكلَّت عن وَصْف شكل بعضه البلغاء، وتحيَّرت في تأليفه الشُّعراء، وتبلَّدت -قصورًا عن أن تأتيَ بمثله- لديه أفهامُ الفُهماء، فلم يجدوا له إلا التسليمَ والإقرار بأنه من عند الواحد القهار. مع ما يحوي، مَع ذلك، من المعاني التي هي ترغيب وترهيب، وأمرٌ وزجرٌ، وقَصَص وجَدَل ومَثَل، وما أشبهَ ذلك من المعاني التي لم تجتمع في كتاب أنزل إلى الأرض من السماء.
فمهما يكن فيه من إطالة، على نحو مَا في أمِّ القرآن (٣)، فلِما وصفتُ قبلُ من أن الله جل ذكره أرادَ أن يجمعَ - برَصْفه العجيب ونظْمِه الغريب، المنعدِلِ عن أوزان الأشعار، وسجْع الكُهَّان وخطب الخطباء ورَسائل البلغاء، العاجز عن رَصْف مثله جميع الأنام، وعن نظم نظيره كل العباد - الدلالةَ (٤) على نبوة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم؛ وبما فيه من تحميد وتمجيد وثناء عليه، تنبيهَ (٥) العباد على عَظمته وسلطانه وقدرته وعِظم مَملكته، ليذكرُوه بآلائه، ويحمدوه على نعمائه، فيستحقوا به منه المزيدَ، ويستوجبوا عليه الثوابَ الجزيل؛ وبما فيه من نَعْتِ من أنعم عليه بمعرفته، وتفضَّل عليه بتوفيقه لطاعته، تعريفَ (٦) عباده أن كل ما بهم من نعمة، في دينهم ودنياهم، فمنه، ليصرفوا رَغبتهم إليه، ويبتغوا حاجاتهم من عنده دُون ما سواهُ من الآلهة والأنداد، وبما فيه من ذكره ما أحلّ بمن عَصَاه منْ مَثُلاته، وأنزل بمن خالف أمره من عقوباته -ترهيبَ (٧) عباده عن ركوب
(١) انظر ما مضى: ٧١
(٢) في المطبوعة "ووصفه". ورصف الشيء ضم بعضه إلى بعض ونظمه حتى يكون مستويا محكما منضدا.
(٣) في المخطوطة: "آية القرآن" غير منقوطة.
(٤) "الدلالة" مفعول "أن يجمع... "، ثم عطف عليها بعد، ما سننبه له.
(٥) هذه جميعًا معطوفة على قوله "الدلالة"، كما ذكرنا آنفًا.
(٦) هذه جميعًا معطوفة على قوله "الدلالة"، كما ذكرنا آنفًا.
(٧) هذه جميعًا معطوفة على قوله "الدلالة"، كما ذكرنا آنفًا.
معاصيه، والتعرُّضِ لما لا قِبَل لهم به من سَخَطه، فيسلكَ بهم في النكال والنَّقِمات سبيلَ من ركب ذلك من الهُلاك.
فذلك وَجْه إطالة البيان في سورة أم القرآن، وفيما كان نظيرًا لها من سائر سور الفرقان. وذلك هو الحكمة البالغة والحجة الكاملة.
* * *
٢٢١- حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا المحاربي، عن محمد بن إسحاق، قال: حدثني العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب، عن أبي السائب مولى زُهْرة، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا قال العبد: "الحمد لله ربّ العالمين"، قال الله: "حمدني عبدي". وإذا قال: "الرحمن الرحيم"، قال: "أثنى عليّ عبدي". وإذا قال: "مالكِ يوم الدين"، قال: "مجَّدني عبدي. فهذا لي". وإذا قَال: "إيّاك نَعبُد وإيّاكَ نستعين" إلى أن يختم السورة، قال: "فذاكَ لهُ (١).
٢٢٢ - حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا عبدة، عن ابن إسحاق، عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبي السائب، عن أبي هريرة، قال: إذا قال العبد: "الحمد لله"، فذكر نحوه، ولم يرفعه (٢).
٢٢٣ - حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا أبو أسامة، قال: حدثنا الوليد بن كثير، قال: حدثني العلاء بن عبد الرحمن مولى الحُرَقَة، عن أبي السائب، عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، مثله (٣).
٢٢٤- حدثني صالح بن مسمار المروزي، قال: حدثنا زيد بن الحُبَاب،
(١) الحديث ٢٢١ - المحاربي: هو عبد الرحمن بن محمد بن زياد، وهو ثقة، أخرج له الجماعة.
محمد بن إسحاق: هو ابن يسار، صاحب السيرة، ثقة معروف، تكلم فيه بعضهم بغير حجة وبغير وجه. العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب مولى الحرقة -بضم الحاء وفتح الراء-: تابعي ثقة. أبو السائب مولى زهرة: تابعي ثقة، قال ابن عبد البر: "أجمعوا على أنه ثقة مقبول النقل". والحديث رواه الطبري بعد هذا موقوفًا بإسنادين. وسنذكر تخريجه في آخرهما: ٢٢٣.
(٢) الحديث ٢٢٢ - عبدة: هو ابن سليمان الكلابي، من شيوخ أحمد وإسحاق، قال أحمد: "ثقة ثقة وزيادة، مع صلاح في بدنه".
(٣) الحديث ٢٢٣ - أبو أسامة: هو حماد بن أسامة. الوليد بن كثير المخزومي: ثقة ثبت أخرج له الجماعة.
وهذا الحديث -بإسناديه الموقوفين- مرفوع حكمًا، وإن كان في هاتين الروايتين موقوفًا لفظًا. فإن هذا مما لا يعلم بالرأي، ولا يدخل فيه مناط الاجتهاد.
ثم إن الرفع زيادة من الثقة، وهي مقبولة. وفوق هذا كله، فإنه لم ينفرد برفعه راويه في الإسناد الأول، وهو المحاربي، بل ورد بأسانيد أخر مرفوعًا.
وهو قطعة من حديث طويل، رواه مالك في الموطأ: ٨٤ - ٨٥ عن العلاء بن عبد الرحمن، بهذا الإسناد مرفوعًا. وكفى بمالك حجة في التوثق من رفعه لفظا فوق رفعه حكمًا. وكذلك رواه مسلم ١: ١٦٦ (٤: ١٠١ - ١٠٤ من شرح النووي)، من طريق مالك، ومن طريق سفيان بن عيينة، ومن طريق ابن جريج، ومن طريق أبي أويس -كلهم عن العلاء عن أبي السائب، به مرفوعًا. وزاد أبو أويس عن العلاء قال: "سمعت من أبي ومن أبي السائب، وكانا جليسي أبي هريرة... "، فذكره مرفوعا.
ونسبه السيوطي ١: ٦ لسفيان بن عيينة في تفسيره، وأبي عبيدة في فضائله، وابن أبي شيبة، وأحمد، والبخاري في جزء القراءة، وأصحاب السنن الأربعة، وابن حبان، وغيرهم. وذكر ابن كثير ١: ٢٤ - ٢٥ بعض طرقه مفصلة.
قال: حدثنا عَنْبسة بن سعيد، عن مُطَرِّف بن طَرِيف، عن سعد بن إسحاق بن كعب بن عُجْرة، عن جابر بن عبد الله الأنصاري، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قال الله عز وجلّ: "قَسَمت الصلاة بيني وبين عبدي نِصْفين، وله ما سَأل". فإذا قال العبد: "الحمدُ لله ربّ العالمين" قال الله: "حمدَني عَبدي"، وإذا قال: "الرحمن الرحيم"، قال: "أثنى عليّ عَبدي"، وإذا قال: "مالكِ يَومِ الدين" قال: "مجَّدني عَبدي" قال: "هذا لي، وما بقي" (١). "آخرُ تفسيرِ سُورَةِ فَاتِحةُ الكتابِ".
(١) الحديث ٢٢٤ - هذا إسناد جيد صحيح. صالح بن مسمار السلمي المروزي: ثقة، روى عنه مسلم في صحيحه، وقال أبو حاتم: "صدوق"، كما في كتاب ابنه ٢ / ١ / ٤١٥، وذكره ابن حبان في الثقات. عنبسة بن سعيد الضريس الرازي قاضي الري: ثقة، وثقه ابن معين وأبو زرعة وأبو داود وغيرهم، وصرح البخاري في الكبير ٤ / ١ / ٣٥ بأنه يروي عن مطرف. و "الضريس": بضم الضاد المعجمة وآخره سين مهملة، كما ضبطه الحافظ في التقريب. مطرف بن طريف: ثقة ثبت، أخرج له الجماعة. سعد بن إسحاق بن كعب بن عجرة: ثقة لا يختلف فيه، كما قال ابن عبد البر، وهو من شيوخ مالك. وروايته عن جابر متصلة، لأنه يروي عن أبيه "إسحاق بن كعب" يوم الحرة سنة ٦٣، وقد عاش جابر بعدها أكثر من عشر سنين.
والحديث ذكره السيوطي ١: ٦ ونسبه لابن جرير وابن أبي حاتم في تفسيريهما. وذكره ابن كثير ١: ٢٥ عن هذا الموضع من الطبري - ووقع في إسناده غلط مطبعي - وقال: "وهذا غريب من هذا الوجه" ّ ولعله يريد أنه لم يروه أحد من حديث جابر إلا بهذا الإسناد. وليس من ذلك باس، وقد ثبت معناه من حديث أبي هريرة، فهو شاهد قوي لصحته.

تفسير القرآن العظيم — ابن كثير

عن الكتاب
﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾
قد تقدم الحديث فيما إذا قال العبد :﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ إلى آخرها أن الله يقول :" هذا لعبدي ولعبدي ما سأل ".
وقوله :﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ مفسر للصراط المستقيم. وهو بدل منه عند النحاة، ويجوز أن يكون عطف بيان، والله أعلم.
و﴿الَّذِينَ أَنْعَمْتَ(١) عَلَيْهِمْ﴾ هم المذكورون في سورة النساء، حيث قال :﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا * ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا﴾ [النساء: ٦٩، ٧٠].
وقال الضحاك، عن ابن عباس : صراط الذين أنعمت عليهم بطاعتك وعبادتك، من ملائكتك، وأنبيائك، والصديقين، والشهداء، والصالحين ؛ وذلك نظير ما قال ربنا تعالى :﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ الآية [النساء: ٦٩].
وقال أبو جعفر، عن الربيع بن أنس :﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ قال : هم النبيون. وقال ابن جُرَيْج، عن ابن عباس : هم المؤمنون. وكذا قال مجاهد. وقال وَكِيع : هم المسلمون. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم : هم النبي ﷺ ومن معه. والتفسير المتقدم، عن ابن عباس أعم، وأشمل، والله أعلم.
وقوله تعالى :﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ [ قرأ الجمهور :" غير " بالجر على النعت، قال الزمخشري : وقرئ بالنصب على الحال، وهي قراءة رسول الله ﷺ وعمر بن الخطاب، ورويت عن ابن كثير، وذو الحال الضمير في ﴿عليهم﴾ والعامل :﴿أنعمت﴾ والمعنى ](٢) اهدنا الصراط المستقيم، صراط الذين أنعمت عليهم ممن تقدم وصفهم ونعتهم، وهم أهل الهداية والاستقامة والطاعة لله ورسله، وامتثال أوامره وترك نواهيه وزواجره، غير صراط المغضوب عليهم، [ وهم ](٣) الذين فسدت إرادتهم، فعلموا الحق وعدلوا عنه، ولا صراط الضالين وهم الذين فقدوا العلم فهم هائمون في الضلالة لا يهتدون إلى الحق، وأكد الكلام بلا ليدل على أن ثَمّ مسلكين فاسدين، وهما طريقتا اليهود والنصارى.
وقد زعم بعض النحاة أن ﴿غير﴾ هاهنا استثنائية، فيكون على هذا منقطعًا لاستثنائهم من المنعم عليهم وليسوا منهم، وما أوردناه أولى، لقول الشاعر(٤)
كأنَّك من جِمال بني أقَيشيُقَعْقَعُ عند(٥) رِجْلَيْه بشَنِّ
أي : كأنك جمل من جمال بني أقيش، فحذف الموصوف واكتفى بالصفة(٦)، وهكذا، ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ أي : غير صراط المغضوب عليهم.
اكتفى بالمضاف إليه عن ذكر المضاف، وقد دل عليه سياق الكلام، وهو قوله تعالى :﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ ثم قال تعالى :﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ ومنهم من زعم أن( لا ) في قوله :﴿ولا الضالين﴾ زائدة، وأن تقدير الكلام عنده : غير المغضوب عليهم والضالين، واستشهد ببيت العجاج :
في بئْر لا حُورٍسرى(٧) وما شَعَر(٨)
أي في بئر حور.
والصحيح ما قدمناه. ولهذا روى أبو عبيد القاسم بن سلام في كتاب فضائل القرآن، عن أبي معاوية، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عمر بن الخطاب، رضي الله عنه : أنه كان يقرأ :" غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَغَيْر الضَّالّين ". وهذا إسناد صحيح(٩)، [ وكذا حكي عن أبي بن كعب أنه قرأ كذلك ](١٠) وهو محمول على أنه صدر منه على وجه التفسير، فيدل على ما قلناه من أنه إنما جيء بها لتأكيد النفي، [ لئلا يتوهم أنه معطوف على ﴿الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ ](١١)، وللفرق بين الطريقتين، لتجتنب كل منهما ؛ فإن طريقة أهل الإيمان مشتملة على العلم بالحق والعمل به، واليهود فقدوا العمل، والنصارى فقدوا العلم ؛ ولهذا كان الغضب لليهود، والضلال للنصارى، لأن من علم وترك استحق الغضب، بخلاف من لم يعلم. والنصارى لما كانوا قاصدين شيئًا لكنهم لا يهتدون إلى طريقه، لأنهم لم يأتوا الأمر من بابه، وهو اتباع الرسول الحق، ضلوا، وكل من اليهود والنصارى ضال مغضوب عليه، لكن أخص أوصاف اليهود الغضب [ كما قال فيهم :﴿مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ﴾ ](١٢) [المائدة: ٦٠] وأخص أوصاف النصارى الضلال [ كما قال :﴿قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيل " ](١٣) [المائدة: ٧٧]، وبهذا جاءت الأحاديث والآثار. [ وذلك واضح بين ](١٤). قال الإمام أحمد : حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، قال : سمعت سِماك بن حرب، يقول : سمعت عبَّاد بن حُبَيش، يحدث عن عدي بن حاتم، قال : جاءت خيل رسول الله ﷺ، فأخذوا عمتي وناسًا، فلما أتوا بهم إلى رسول الله ﷺ صُفُّوا له، فقالت : يا رسول الله، ناء الوافد وانقطع الولد، وأنا عجوز كبيرة، ما بي من خدمة، فمُنّ علي مَنّ الله عليك، قال :«من وافدك ؟ » قالت : عدي بن حاتم، قال :«الذي فر من الله ورسوله ! » قالت : فمنَّ علي، فلما رجع، ورجل إلى جنبه(١٥)، ترى أنه علي، قال : سليه حُمْلانا، فسألته، فأمر لها، قال : فأتتني فقالت : لقد فعل فعلة ما كان أبوك يفعلها، فإنه قد أتاه فلان فأصاب منه، وأتاه فلان فأصاب منه، فأتيته فإذا عنده امرأة وصبيان أو صبي، وذكر قربهم من النبي ﷺ، قال : فعرفت أنه ليس بملك كسرى ولا قيصر، فقال :
«يا عدي، ما أفرك(١٦) أن يقال(١٧) لا إله إلا الله ؟ فهل من إله إلا الله ؟ قال : ما أفرك(١٨) أن يقال : الله أكبر، فهل شيء أكبر(١٩) من الله، عز وجل ؟ ». قال : فأسلمت، فرأيت وجهه استبشر، وقال :«المغضوب(٢٠) عليهم اليهود، وإن الضالين النصارى »(٢١). وذكر الحديث، ورواه الترمذي، من حديث سماك بن حرب(٢٢)، وقال : حسن غريب لا نعرفه إلا من حديثه. قلت : وقد رواه حماد بن سلمة، عن سماك، عن مُرِّيّ بن قَطَريّ، عن عدي بن حاتم، قال : سألت رسول الله ﷺ عن قول الله :﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ قال :«هم اليهود » ﴿ولا الضالين﴾ قال :«النصارى هم الضالون ». وهكذا رواه سفيان بن عيينة، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن الشعبي، عن عدي بن حاتم به(٢٣). وقد روي حديث عدي هذا من طرق، وله ألفاظ كثيرة يطول ذكرها.
وقال عبد الرزاق : أخبرنا مَعْمَر، عن بُدَيْل العُقَيْلي، أخبرني عبد الله بن شَقِيق، أنه أخبره من سمع النبي ﷺ وهو بوادي القُرَى، وهو على فرسه، وسأله رجل من بني القين، فقال : يا رسول الله، من هؤلاء ؟ قال :«المغضوب عليهم - وأشار إلى اليهود - والضالون هم النصارى »(٢٤). وقد رواه الجُرَيري وعروة، وخالد الحَذَّاء، عن عبد الله بن شقيق، فأرسلوه(٢٥)، ولم يذكروا من سمع النبي ﷺ. ووقع في رواية عروة تسمية عبد الله بن عمر، فالله أعلم.
وقد روى ابن مَرْدُويه، من حديث إبراهيم بن طَهْمان، عن بديل بن ميسرة، عن عبد الله بن شقيق، عن أبي ذر قال : سألت رسول الله ﷺ عن المغضوب عليهم قال :«اليهود »، [ قال ](٢٦) قلت : الضالين، قال :«النصارى »(٢٧). وقال السُّدِّي، عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس، وعن مرة الهمداني، عن ابن مسعود، وعن أناس من أصحاب النبي ﷺ :﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ هم اليهود، ﴿ولا الضالين﴾ هم النصارى.
وقال الضحاك، وابن جُرَيْج، عن ابن عباس :﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ اليهود، ﴿ولا الضالين﴾ [ هم ](٢٨) النصارى.
وكذلك قال الربيع بن أنس، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وغير واحد، وقال ابن أبي حاتم : ولا أعلم بين المفسرين في هذا اختلافًا.
وشاهد ما قاله هؤلاء الأئمة من أن اليهود مغضوب عليهم، والنصارى ضالون، الحديث المتقدم، وقوله تعالى في خطابه مع بني إسرائيل في سورة البقرة :﴿بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنزلَ اللَّهُ بَغْيًا أَنْ يُنزلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ [البقرة: ٩٠]، وقال في المائدة(٢٩) ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ [المائدة: ٦٠]، وقال تعالى :﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ * كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [المائدة: ٧٨، ٧٩].
وفي السيرة(٣٠) (٣١)عن زيد بن عمرو بن نفيل ؛ أنه لما خرج هو وجماعة من أصحابه إلى الشام يطلبون الدين الحنيف، قالت له اليهود : إنك لن تستطيع الدخول معنا حتى تأخذ بنصيبك من غضب الله. فقال : أنا من غضب الله أفر. وقالت له النصارى : إنك لن تستطيع الدخول معنا حتى تأخذ بنصيبك من سَخَط الله فقال : لا أستطيعه. فاستمر على فطرته، وجانب عبادة الأوثان ودين المشركين، ولم يدخل مع أحد من اليهود ولا النصارى، وأما أصحابه فتنصروا ودخلوا في دين النصرانية ؛ لأنهم وجدوه أقرب من دين اليهود إذ ذاك، وكان منهم ورقة بن نوفل، حتى هداه الله بنبيه لما بعثه آمن بما وجد من الوحي، رضي الله عنه.
( مسألة ) : والصحيح من مذاهب العلماء أنه يغتفر الإخلال بتحرير ما بين الضاد والظاء لقرب مخرجيهما ؛ وذلك أن الضاد مخرجها من أول حافة اللسان وما يليها من الأضراس، ومخرج الظاء من طرف اللسان وأطراف الثنايا العليا، ولأن كلا من الحرفين من الحروف المجهورة ومن الحروف الرخوة ومن الحروف المطبقة، فلهذا كله اغتفر استعمال أحدهما مكان الآخر لمن لا يميز ذلك والله أعلم. وأما حديث :" أنا أفصح من نطق بالضاد " فلا أصل له والله أعلم.
١ في جـ، ط، ب: "أنعم"..
٢ زيادة منجـ، ط، ب، أ، و..
٣ زيادة منجـ، ط، ب، أ، و..
٤ هو النابغة الذبياني، والبيت في تفسير الطبري(١/١٧٩)..
٥ في جـ: "بين"..
٦ في طـ،: "واكتفى بالمضاف إليه"..
٧ في جـ، ط: "سعى"..
٨ البيت في تفسير الطبري(١/١٩٠)..
٩ فضائل القرآن(ص١٦٢)..
١٠ زيادة من جـ، ط، ب، أ، و..
١١ زيادة من جـ، ط، ب، أ، و..
١٢ زيادة من جـ، ط، ب، أ، و..
١٣ زيادة من جـ، ط..
١٤ زيادة من جـ، ط، ب، أ، و..
١٥ في جـ: "فلما رجع ودخل إلى ختنه"..
١٦ في أ: "ما أمرك"..
١٧ في جـ: "تقول"..
١٨ في أ: "ما أمرك"..
١٩ في جـ: "فهل من شيء هو أكبر"..
٢٠ في جـ، ط، ب: "إن المغضوب"..
٢١ المسند(٤/٣٧٨)..
٢٢ سنن الترمذي برقم(٢٩٥٤، ٢٩٥٣) ورواه ابن حبان في صحيحه برقم(٢٢٧٩)"موارد" من طريق محمد بن بشار عن غندر به..
٢٣ رواه الحميدي في مسنده(٢/٤٠٦) عن سفيان به..
٢٤ تفسير عبد الرزاق(١/٦١)..
٢٥ رواه الطبري في تفسيره(١/١٨٧، ١٨٦)..
٢٦ زيادة من ط، ب، أ، و..
٢٧ قال الحافظ ابن حجر في الفتح(٨/١٥٩): "أخرجه ابن مردويه بإسناد حسن عن أبي ذر".
٢٨ زيادة من جـ..
٢٩ في جـ: " وقال تعالى"..
٣٠ في ط: "وفي السنن"..
٣١ انظر: السيرة النبوية لابن هشام(١/٢٢٤)..
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ (٧)﴾
قَدْ تَقَدَّمَ الْحَدِيثُ فِيمَا إِذَا قَالَ الْعَبْدُ: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ إِلَى آخِرِهَا أَنَّ اللَّهَ يَقُولُ: "هَذَا لِعَبْدِي وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ". وَقَوْلُهُ: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ مُفَسِّرٌ لِلصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ. وَهُوَ بَدَلٌ مِنْهُ عِنْدَ النُّحَاةِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عَطْفَ بَيَانٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَ ﴿الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ (١) هُمُ الْمَذْكُورُونَ فِي سُورَةِ النِّسَاءِ، حَيْثُ قَالَ: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا * ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا﴾ [النِّسَاءِ: ٦٩، ٧٠].
وَقَالَ الضَّحَّاكُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ بِطَاعَتِكَ وَعِبَادَتِكَ، مِنْ مَلَائِكَتِكَ، وَأَنْبِيَائِكَ، وَالصِّدِّيقِينَ، وَالشُّهَدَاءِ، وَالصَّالِحِينَ؛ وَذَلِكَ نَظِيرُ مَا قَالَ رَبُّنَا تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ الْآيَةَ [النِّسَاءِ: ٦٩].
وَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ قَالَ: هُمُ النَّبِيُّونَ. وَقَالَ ابْنُ جُرَيْج، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: هُمُ الْمُؤْمِنُونَ. وَكَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ. وَقَالَ وَكِيع: هُمُ الْمُسْلِمُونَ. وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ: هُمُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَنْ مَعَهُ. وَالتَّفْسِيرُ الْمُتَقَدِّمُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَعَمُّ، وَأَشْمَلُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ [قَرَأَ الْجُمْهُورُ: "غَيْرِ" بِالْجَرِّ عَلَى النَّعْتِ، قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وَقُرِئَ بِالنَّصْبِ عَلَى الْحَالِ، وَهِيَ قِرَاءَةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، وَرُوِيَتْ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ، وَذُو الْحَالِ الضَّمِيرُ فِي ﴿عَلَيْهِمْ﴾ وَالْعَامِلُ: ﴿أَنْعَمْتَ﴾ وَالْمَعْنَى] (٢) اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ، صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ مِمَّنْ تَقَدَّمَ وَصْفُهُمْ وَنَعْتُهُمْ، وَهُمْ أَهْلُ الْهِدَايَةِ وَالِاسْتِقَامَةِ وَالطَّاعَةِ لِلَّهِ وَرُسُلِهِ، وَامْتِثَالِ أَوَامِرِهِ وَتَرْكِ نَوَاهِيهِ وَزَوَاجِرِهِ، غَيْرِ صِرَاطِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ، [وَهُمُ] (٣) الَّذِينَ فَسَدَتْ إِرَادَتُهُمْ، فَعَلِمُوا الْحَقَّ وَعَدَلُوا عَنْهُ، وَلَا صِرَاطِ الضَّالِّينَ وَهُمُ الَّذِينَ فَقَدُوا الْعِلْمَ فَهُمْ هَائِمُونَ فِي الضَّلَالَةِ لَا يَهْتَدُونَ إِلَى الْحَقِّ، وأكد الكلام بلا لِيَدُلَّ عَلَى أَنَّ ثَمّ مَسْلَكَيْنِ فَاسِدَيْنِ، وَهُمَا طَرِيقَتَا الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى.
وَقَدْ زَعَمَ بَعْضُ النُّحَاةِ أَنَّ ﴿غَيْرَ﴾ هَاهُنَا اسْتِثْنَائِيَّةٌ، فَيَكُونُ عَلَى هَذَا مُنْقَطِعًا لِاسْتِثْنَائِهِمْ مِنَ الْمُنْعَمِ عَلَيْهِمْ وَلَيْسُوا مِنْهُمْ، وَمَا أَوْرَدْنَاهُ أَوْلَى، لِقَوْلِ الشَّاعِرِ (٤) كأنَّك مِنْ جِمال بَنِي أقَيش... يُقَعْقَعُ عِنْدَ (٥) رِجْلَيْه بشَنِّ
أَيْ: كَأَنَّكَ جَمَلٌ مِنْ جِمَالِ بَنِي أُقَيْشٍ، فَحَذَفَ الْمَوْصُوفَ وَاكْتَفَى بِالصِّفَةِ (٦)، وَهَكَذَا، ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾
(١) في جـ، ط، ب: "أنعم".
(٢) زيادة من جـ، ط، ب، أ، و.
(٣) زيادة من جـ، ط، ب، أ، و.
(٤) هو النابغة الذبياني، والبيت في تفسير الطبري (١/١٧٩).
(٥) في جـ: "بين".
(٦) في ط: "واكتفى بالمضاف إليه".
أَيْ: غَيْرِ صِرَاطِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ.
اكْتَفَى بِالْمُضَافِ إِلَيْهِ عَنْ ذِكْرِ الْمُضَافِ، وَقَدْ دَلَّ عَلَيْهِ سِيَاقُ الْكَلَامِ، وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ وَمِنْهُمْ مَنْ زَعَمَ أَنَّ (لَا) فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ زَائِدَةٌ، وَأَنْ تَقْدِيرَ الْكَلَامِ عِنْدَهُ: غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَالضَّالِّينَ، وَاسْتَشْهَدَ بِبَيْتِ الْعَجَّاجِ: فِي بئْر لَا حُورٍ سَرَى (١) وَمَا شَعَر (٢)
أَيْ فِي بِئْرِ حُورٍ. وَالصَّحِيحُ مَا قَدَّمْنَاهُ. وَلِهَذَا رَوَى أَبُو عُبَيْدٍ الْقَاسِمُ بْنُ سَلَّامٍ فِي كِتَابِ فَضَائِلِ الْقُرْآنِ، عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الْأَسْوَدِ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ: " غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَغَيْر الضَّالّين". وَهَذَا إِسْنَادٌ صَحِيحٌ (٣)، [وَكَذَا حُكِيَ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ أَنَّهُ قَرَأَ كَذَلِكَ] (٤) وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ صَدَرَ مِنْهُ عَلَى وَجْهِ التَّفْسِيرِ، فَيَدُلُّ عَلَى مَا قُلْنَاهُ مِنْ أَنَّهُ إِنَّمَا جِيءَ بِهَا لِتَأْكِيدِ النَّفْيِ، [لِئَلَّا يُتَوَهَّمَ أَنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلَى ﴿الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ ] (٥)، وَلِلْفَرْقِ بَيْنَ الطَّرِيقَتَيْنِ، لِتُجْتَنَبَ كُلٌّ مِنْهُمَا؛ فَإِنَّ طَرِيقَةَ أَهْلِ الْإِيمَانِ مُشْتَمِلَةٌ عَلَى الْعِلْمِ بِالْحَقِّ وَالْعَمَلِ بِهِ، وَالْيَهُودُ فَقَدُوا الْعَمَلَ، وَالنَّصَارَى فَقَدُوا الْعِلْمَ؛ وَلِهَذَا كَانَ الْغَضَبُ لِلْيَهُودِ، وَالضَّلَالُ لِلنَّصَارَى، لِأَنَّ مَنْ عَلِمَ وَتَرَكَ اسْتَحَقَّ الْغَضَبَ، بِخِلَافِ مَنْ لَمْ يَعْلَمْ. وَالنَّصَارَى لَمَّا كَانُوا قَاصِدِينَ شَيْئًا لَكِنَّهُمْ لَا يَهْتَدُونَ إِلَى طَرِيقِهِ، لِأَنَّهُمْ لَمْ يَأْتُوا الْأَمْرَ مِنْ بَابِهِ، وَهُوَ اتِّبَاعُ الرَّسُولِ الْحَقِّ، ضَلُّوا، وَكُلٌّ مِنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى ضَالٌّ مَغْضُوبٌ عَلَيْهِ، لَكِنَّ أَخَصَّ أَوْصَافِ الْيَهُودِ الْغَضَبُ [كَمَا قَالَ فِيهِمْ: ﴿مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ﴾ ] (٦) [الْمَائِدَةِ: ٦٠] وَأَخَصُّ أَوْصَافِ النَّصَارَى الضَّلَالُ [كَمَا قَالَ: ﴿قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيل﴾ ] (٧) [الْمَائِدَةِ: ٧٧]، وَبِهَذَا جَاءَتِ الْأَحَادِيثُ وَالْآثَارُ. [وَذَلِكَ وَاضِحٌ بَيِّنٌ] (٨). قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: سَمِعْتُ سِماك بْنَ حَرْبٍ، يَقُولُ: سَمِعْتُ عبَّاد بْنَ حُبَيش، يُحَدِّثُ عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ، قَالَ: جَاءَتْ خَيْلُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَخَذُوا عَمَّتِي وَنَاسًا، فَلَمَّا أَتَوْا بِهِمْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صُفُّوا لَهُ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، نَاءَ الْوَافِدُ وَانْقَطَعَ الْوَلَدُ، وَأَنَا عَجُوزٌ كَبِيرَةٌ، مَا بِي مِنْ خِدْمَةٍ، فمُنّ عَلَيَّ مَنّ اللَّهُ عَلَيْكَ، قَالَ: "مَنْ وَافِدُكِ؟ " قَالَتْ: عَدِيُّ بْنُ حَاتِمٍ، قَالَ: "الَّذِي فَرَّ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ! " قَالَتْ: فمنَّ عَلَيَّ، فَلَمَّا رَجَعَ، وَرَجُلٌ إِلَى جَنْبِهِ (٩)، تَرَى أَنَّهُ عَلِيٌّ، قَالَ: سَلِيهِ حُمْلانا، فَسَأَلَتْهُ، فَأَمَرَ لَهَا، قَالَ: فَأَتَتْنِي فَقَالَتْ: لَقَدْ فَعَلَ فَعْلَةً مَا كَانَ أَبُوكَ يَفْعَلُهَا، فَإِنَّهُ قَدْ أَتَاهُ فُلَانٌ فَأَصَابَ مِنْهُ، وَأَتَاهُ فُلَانٌ فَأَصَابَ مِنْهُ، فَأَتَيْتُهُ فَإِذَا عِنْدَهُ امْرَأَةٌ وَصِبْيَانٌ أَوْ صَبِيٌّ، وَذَكَرَ قُرْبَهُمْ مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: فَعَرَفْتُ أَنَّهُ لَيْسَ بِمُلْكِ كسرى ولا قيصر، فقال:
(١) في جـ، ط: "سعى".
(٢) البيت في تفسير الطبري (١/١٩٠).
(٣) فضائل القرآن (ص ١٦٢).
(٤) زيادة من جـ، ط، ب، أ، و.
(٥) زيادة من جـ، ط، ب، أ، و.
(٦) زيادة من جـ، ط، ب، أ، و.
(٧) زيادة من جـ، ط
(٨) زيادة من جـ، ط، أ، و.
(٩) في جـ، "فلما رجع ودخل إلى ختنه".
"يَا عَدِيُّ، مَا أَفَرَّكَ (١) أَنْ يُقَالَ (٢) لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ؟ فَهَلْ مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ؟ قَالَ: مَا أَفَرَّكَ (٣) أَنْ يُقَالَ: اللَّهُ أَكْبَرُ، فَهَلْ شَيْءٌ أَكْبَرُ (٤) مِنَ اللَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ؟ ". قَالَ: فَأَسْلَمْتُ، فَرَأَيْتُ وَجْهَهُ اسْتَبْشَرَ، وَقَالَ: "الْمَغْضُوبُ (٥) عَلَيْهِمُ الْيَهُودُ، وَإِنَّ الضَّالِّينَ النَّصَارَى" (٦). وَذَكَرَ الْحَدِيثَ، وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، مِنْ حَدِيثِ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ (٧)، وَقَالَ: حَسَنٌ غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِهِ. قُلْتُ: وَقَدْ رَوَاهُ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ سِمَاكٍ، عَنْ مُرِّيّ بْنِ قَطَريّ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ، قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ قَالَ: "هُمُ الْيَهُودُ" ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ قَالَ: "النَّصَارَى هُمُ الضَّالُّونَ". وَهَكَذَا رَوَاهُ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ بِهِ (٨). وَقَدْ رُوِيَ حَدِيثُ عَدِيٍّ هَذَا مِنْ طُرُقٍ، وَلَهُ أَلْفَاظٌ كَثِيرَةٌ يَطُولُ ذِكْرُهَا.
وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: أَخْبَرَنَا مَعْمَر، عَنْ بُدَيْل العُقَيْلي، أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَقِيق، أَنَّهُ أَخْبَرَهُ مَنْ سَمِعَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ بِوَادِي القُرَى، وَهُوَ عَلَى فَرَسِهِ، وَسَأَلَهُ رَجُلٌ مِنْ بَنِي الْقَيْنِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَنْ هَؤُلَاءِ؟ قَالَ: " الْمَغْضُوبُ عَلَيْهِمْ -وَأَشَارَ إِلَى الْيَهُودِ-وَالضَّالُّونَ هُمُ النَّصَارَى" (٩). وَقَدْ رَوَاهُ الجُرَيري وَعُرْوَةُ، وَخَالِدٌ الحَذَّاء، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ، فَأَرْسَلُوهُ (١٠)، وَلَمْ يَذْكُرُوا مَنْ سَمِعَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ عُرْوَةَ تَسْمِيَةُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، فَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَدْ رَوَى ابْنُ مَرْدُويه، مِنْ حَدِيثِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ طَهْمان، عَنْ بُدَيْلِ بْنِ مَيْسَرَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: سَأَلَتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ قَالَ: "الْيَهُودُ"، [قَالَ] (١١) قُلْتُ: الضَّالِّينَ، قَالَ: "النَّصَارَى" (١٢). وَقَالَ السُّدِّي، عَنْ أَبِي مَالِكٍ، وَعَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَعَنْ مُرَّةَ الْهَمْدَانِيِّ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَعَنْ أُنَاسٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ هُمُ الْيَهُودُ، ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ هُمُ النَّصَارَى.
وَقَالَ الضَّحَّاكُ، وَابْنُ جُرَيْج، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ اليهود، ﴿ولا الضالين﴾
(١) في أ: "ما أمرك".
(٢) في جـ: "تقول".
(٣) في أ: "ما أمرك".
(٤) في جـ، "فهل من شيء هو أكبر".
(٥) في جـ، ط، ب: "إن المغضوب".
(٦) المسند (٤/٣٧٨).
(٧) سنن الترمذي برقم (٢٩٥٣، ٢٩٥٤) ورواه ابن حبان في صحيحه برقم (٢٢٧٩) "موارد" من طريق محمد بن بشار عن غندر به.
(٨) رواه الحميدي في مسنده (٢/٤٠٦) عن سفيان به.
(٩) تفسير عبد الرزاق (١/٦١).
(١٠) رواه الطبري في تفسيره (١/١٨٦، ١٨٧).
(١١) زيادة من ط، ب، أ، و.
(١٢) قال الحافظ ابن حجر في الفتح (٨/١٥٩) :"أخرجه ابن مردويه بإسناد حسن عن أبي ذر".
[هُمُ] (١) النَّصَارَى.
وَكَذَلِكَ قَالَ الرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ، وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: وَلَا أَعْلَمُ بَيْنَ الْمُفَسِّرِينَ فِي هَذَا اخْتِلَافًا.
وَشَاهِدُ مَا قَالَهُ هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّةُ مِنْ أَنَّ الْيَهُودَ مَغْضُوبٌ عَلَيْهِمْ، وَالنَّصَارَى ضَالُّونَ، الْحَدِيثُ الْمُتَقَدِّمُ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى فِي خِطَابِهِ مَعَ بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ: ﴿بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنزلَ اللَّهُ بَغْيًا أَنْ يُنزلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ [الْبَقَرَةِ: ٩٠]، وَقَالَ فِي الْمَائِدَةِ (٢) ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ [الْمَائِدَةِ: ٦٠]، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ * كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [الْمَائِدَةِ: ٧٨، ٧٩].
وَفِي السِّيرَةِ (٣) (٤) عَنْ زَيْدِ بْنِ عَمْرِوِ بْنِ نُفَيْلٍ؛ أَنَّهُ لَمَّا خَرَجَ هُوَ وَجَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ إِلَى الشَّامِ يَطْلُبُونَ الدِّينَ الْحَنِيفَ، قَالَتْ لَهُ الْيَهُودُ: إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ الدُّخُولَ مَعَنَا حَتَّى تَأْخُذَ بِنَصِيبِكَ مِنْ غَضَبِ اللَّهِ. فَقَالَ: أَنَا مِنْ غَضَبِ اللَّهِ أَفِرُّ. وَقَالَتْ لَهُ النَّصَارَى: إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ الدُّخُولَ مَعَنَا حَتَّى تَأْخُذَ بِنَصِيبِكَ مِنْ سَخَط اللَّهِ فَقَالَ: لَا أَسْتَطِيعُهُ. فَاسْتَمَرَّ عَلَى فِطْرَتِهِ، وَجَانَبَ عِبَادَةَ الْأَوْثَانِ وَدِينَ الْمُشْرِكِينَ، وَلَمْ يَدْخُلْ مَعَ أَحَدٍ مِنَ الْيَهُودِ وَلَا النَّصَارَى، وَأَمَّا أَصْحَابُهُ فَتَنَصَّرُوا وَدَخَلُوا فِي دِينِ النَّصْرَانِيَّةِ؛ لِأَنَّهُمْ وَجَدُوهُ أَقْرَبَ مِنْ دِينِ الْيَهُودِ إِذْ ذَاكَ، وَكَانَ مِنْهُمْ وَرَقَةُ بْنُ نَوْفَلٍ، حَتَّى هَدَاهُ اللَّهُ بِنَبِيِّهِ لَمَّا بَعَثَهُ آمَنَ بِمَا وَجَدَ مِنَ الْوَحْيِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
(مَسْأَلَةٌ) : وَالصَّحِيحُ مِنْ مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ أَنَّهُ يُغْتَفَرُ الْإِخْلَالُ بِتَحْرِيرِ مَا بَيْنَ الضَّادِ وَالظَّاءِ لِقُرْبِ مَخْرَجَيْهِمَا؛ وَذَلِكَ أَنَّ الضَّادَ مَخْرَجُهَا مِنْ أَوَّلِ حَافَّةِ اللِّسَانِ وَمَا يَلِيهَا مِنَ الْأَضْرَاسِ، وَمَخْرَجُ الظَّاءِ مِنْ طَرَفِ اللِّسَانِ وَأَطْرَافِ الثَّنَايَا الْعُلْيَا، وَلِأَنَّ كُلًّا مِنَ الْحَرْفَيْنِ مِنَ الْحُرُوفِ الْمَجْهُورَةِ وَمِنَ الْحُرُوفِ الرِّخْوَةِ وَمِنَ الْحُرُوفِ الْمُطْبَقَةِ، فَلِهَذَا كُلِّهِ اغْتُفِرَ اسْتِعْمَالُ أَحَدِهِمَا مَكَانَ الْآخَرِ لِمَنْ لَا يُمَيِّزُ ذَلِكَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَأَمَّا حَدِيثُ: "أَنَا أَفْصَحُ مَنْ نَطَقَ بِالضَّادِ" فَلَا أَصْلَ لَهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. فَصْلٌ
اشْتَمَلَتْ هَذِهِ السورة الكريمة وهي سبع آيات، عَلَى حَمْدِ اللَّهِ وَتَمْجِيدِهِ وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِ، بِذِكْرِ أَسْمَائِهِ الْحُسْنَى الْمُسْتَلْزِمَةِ لِصِفَاتِهِ الْعُلْيَا (٥)، وَعَلَى ذِكْرِ الْمَعَادِ وَهُوَ يَوْمُ الدِّينِ، وَعَلَى إِرْشَادِهِ عَبِيدَهُ (٦) إِلَى سُؤَالِهِ وَالتَّضَرُّعِ إِلَيْهِ، وَالتَّبَرُّؤِ مِنْ حَوْلِهِمْ وَقُوَّتِهِمْ، وَإِلَى إِخْلَاصِ الْعِبَادَةِ لَهُ وَتَوْحِيدِهِ بِالْأُلُوهِيَّةِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى، وَتَنْزِيهِهِ أَنْ يَكُونَ لَهُ شَرِيكٌ أَوْ نَظِيرٌ أَوْ مُمَاثِلٌ، وَإِلَى سُؤَالِهِمْ إِيَّاهُ الْهِدَايَةَ إِلَى الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ، وَهُوَ الدِّينُ الْقَوِيمُ، وَتَثْبِيتَهُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يُفضي بِهِمْ ذَلِكَ إِلَى جَوَازِ الصِّرَاطِ الْحِسِّيِّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، الْمُفْضِي بِهِمْ إِلَى جَنَّاتِ النَّعِيمِ فِي جِوَارِ النَّبِيِّينَ، وَالصِّدِّيقِينَ، وَالشُّهَدَاءِ، وَالصَّالِحِينَ.
وَاشْتَمَلَتْ عَلَى التَّرْغِيبِ فِي الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ، لِيَكُونُوا مَعَ أَهْلِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَالتَّحْذِيرِ مِنْ مَسَالِكَ الْبَاطِلِ؛ لِئَلَّا يُحْشَرُوا مَعَ سَالِكِيهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَهُمُ الْمَغْضُوبُ عَلَيْهِمْ وَالضَّالُّونَ. وَمَا أَحْسَنَ مَا جَاءَ إِسْنَادُ الْإِنْعَامِ إِلَيْهِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ وَحَذْفُ الْفَاعِلِ فِي الْغَضَبِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ وَإِنْ كَانَ هُوَ الْفَاعِلَ لِذَلِكَ فِي الْحَقِيقَةِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ الآية [المجادلة: ١٤]،
(١) زيادة من جـ.
(٢) في جـ: "وقال تعالى".
(٣) في ط: "وفي السنن".
(٤) انظر: السيرة النبوية لابن هشام (١/٢٢٤).
(٥) في جـ، ط، ب، أ، و: "العلا".
(٦) في جـ: "إرشاد عبده"، وفي ط، ب: "إرشاد عبيده".
وَكَذَلِكَ إِسْنَادُ الضَّلَالِ إِلَى مَنْ قَامَ بِهِ، وَإِنْ كَانَ هُوَ الَّذِي أَضَلَّهُمْ بقدَره، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا﴾ [الْكَهْفِ: ١٧]. وَقَالَ: ﴿مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلا هَادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الْأَعْرَافِ: ١٨٦]. إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ الدَّالَّةِ عَلَى أَنَّهُ سُبْحَانَهُ هُوَ الْمُنْفَرِدُ بِالْهِدَايَةِ وَالْإِضْلَالِ، لَا كَمَا تَقُولُهُ الْفِرْقَةُ الْقَدَرِيَّةُ وَمَنْ حَذَا حَذْوَهُمْ، مِنْ أَنَّ الْعِبَادَ هُمُ الَّذِينَ يَخْتَارُونَ ذَلِكَ وَيَفْعَلُونَهُ (١)، وَيَحْتَجُّونَ عَلَى بِدْعَتِهِمْ (٢) بِمُتَشَابِهٍ مِنَ الْقُرْآنِ، وَيَتْرُكُونَ ما يكون فيه صريحا فِي الرَّدِّ عَلَيْهِمْ، وَهَذَا حَالُ أَهْلِ الضَّلَالِ وَالْغَيِّ، وَقَدْ وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: "إِذَا رَأَيْتُمُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ، فَأُولَئِكَ الَّذِينَ سَمَّى اللَّهُ فَاحْذَرُوهُمْ" (٣). يَعْنِي فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ﴾ [آلِ عِمْرَانَ: ٧]، فَلَيْسَ -بِحَمْدِ اللَّهِ-لِمُبْتَدِعٍ فِي الْقُرْآنِ حُجَّةٌ صَحِيحَةٌ؛ لِأَنَّ الْقُرْآنَ جَاءَ لِيَفْصِلَ الْحَقَّ مِنَ الْبَاطِلِ مُفَرِّقًا بَيْنَ الْهُدَى وَالضَّلَالِ، وَلَيْسَ فِيهِ تَنَاقُضٌ وَلَا اخْتِلَافٌ؛ لِأَنَّهُ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (٤).
فَصْلٌ
يُسْتَحَبُّ لِمَنْ قَرَأَ الْفَاتِحَةَ أَنْ يَقُولَ بَعْدَهَا: آمِينَ [مِثْلَ: يس] (٥)، وَيُقَالُ: أَمِينَ. بِالْقَصْرِ أَيْضًا [مِثْلَ: يَمِينٍ] (٦)، وَمَعْنَاهُ: اللَّهُمَّ اسْتَجِبْ، وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ (٧) مَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، عَنْ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ، قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَرَأَ: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ فَقَالَ: "آمِينَ"، مَدَّ (٨) بِهَا صَوْتَهُ، وَلِأَبِي دَاوُدَ: رَفَعَ بِهَا صَوْتَهُ (٩)، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ. وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ، وَابْنِ مَسْعُودٍ وَغَيْرِهِمْ.
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا تَلَا ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ قَالَ: "آمِينَ" حَتَّى يُسْمِعَ مَنْ يَلِيهِ مِنَ الصَّفِّ الْأَوَّلِ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَزَادَ: يَرْتَجُّ (١٠) بِهَا الْمَسْجِدُ (١١)، وَالدَّارَقُطْنِيُّ وَقَالَ: هَذَا إِسْنَادٌ حَسَنٌ.
وَعَنْ بِلَالٍ أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَا تسبقني بآمين. رواه أبو داود (١٢).
(١) في ب: "يفعلون ذلك ويختارونه".
(٢) في جـ، ط، ب: "على بدعهم".
(٣) رواه البخاري في صحيحه برقم (٤٥٤٧) ومسلم في صحيحه برقم (٢٦٦٥) من حديث عائشة رضي الله عنها.
(٤) في جـ، ط، ب: "خبير".
(٥) زيادة من جـ، ط.
(٦) زيادة من جـ، ط.
(٧) في جـ، ط: "على استحباب التأمين".
(٨) في جـ: "يمد".
(٩) المسند (٤/٣١٦) وسنن أبي داود برقم (٩٣٢) وسنن الترمذي برقم (٢٤٨).
(١٠) في جـ، ط، ب: "فيرتج".
(١١) سنن أبي داود برقم (٩٣٤) وسنن ابن ماجة برقم (٨٥٣).
(١٢) سنن أبي داود برقم (٩٣٧).
وَنَقَلَ أَبُو نَصْرٍ الْقُشَيْرِيُّ (١) عَنِ الْحَسَنِ وَجَعْفَرٍ الصَّادِقِ أَنَّهُمَا شَدَّدَا الْمِيمَ مِنْ آمِينَ مِثْلَ: ﴿آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ﴾ [الْمَائِدَةِ: ٢].
قَالَ أَصْحَابُنَا وَغَيْرُهُمْ: وَيُسْتَحَبُّ ذَلِكَ لِمَنْ هُوَ خَارِجُ الصَّلَاةِ، وَيَتَأَكَّدُ فِي حَقِّ الْمُصَلِّي، وَسَوَاءٌ كَانَ مُنْفَرِدًا أَوْ إِمَامًا أَوْ مَأْمُومًا، وَفِي جَمِيعِ الْأَحْوَالِ، لِمَا جَاءَ فِي الصَّحِيحَيْنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "إِذَا أَمَّنَ الْإِمَامُ فَأَمِّنُوا، فَإِنَّهُ مَنْ وَافَقَ تَأْمِينُهُ تَأْمِينَ الْمَلَائِكَةِ، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ" وَلِمُسْلِمٍ: أَنَّ رسول الله ﷺ قال: "إِذَا قَالَ أَحَدُكُمْ فِي الصَّلَاةِ: آمِينَ، وَالْمَلَائِكَةُ (٢) فِي السَّمَاءِ: آمِينَ، فَوَافَقَتْ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ" (٣). [قِيلَ: بِمَعْنَى مَنْ وَافَقَ تَأْمِينُهُ تَأْمِينَ الْمَلَائِكَةِ فِي الزَّمَانِ، وَقِيلَ: فِي الْإِجَابَةِ، وَقِيلَ: فِي صِفَةِ الْإِخْلَاصِ] (٤). وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي مُوسَى مَرْفُوعًا: "إِذَا (٥) قَالَ، يَعْنِي الْإِمَامَ: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾، فَقُولُوا: آمِينَ. يُجِبْكُمُ اللَّهُ" (٦). وَقَالَ جُوَيبر، عَنِ الضَّحَّاكِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا مَعْنَى آمِينَ؟ قَالَ: "رَبِّ افْعَلْ" (٧). وَقَالَ الْجَوْهَرِيُّ: مَعْنَى آمِينَ: كَذَلِكَ فَلْيَكُنْ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: مَعْنَاهُ: لَا تُخَيِّبْ رَجَاءَنَا، وَقَالَ الْأَكْثَرُونَ: مَعْنَاهُ: اللَّهُمَّ اسْتَجِبْ لَنَا، وَحَكَى الْقُرْطُبِيُّ عَنْ مُجَاهِدٍ وَجَعْفَرٍ الصَّادِقِ وَهِلَالِ بْنِ كَيْسَانَ: أَنَّ آمِينَ اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا وَلَا يَصِحُّ، قَالَهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ الْمَالِكِيُّ (٨). وَقَالَ أَصْحَابُ مَالِكٍ: لَا يُؤَمِّنُ الْإِمَامُ وَيُؤَمِّنُ الْمَأْمُومُ، لِمَا رَوَاهُ مَالِكٌ عَنْ سُمَيّ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "وَإِذَا قَالَ، يَعْنِي الْإِمَامَ: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾، فَقُولُوا: آمِينَ". الْحَدِيثَ (٩). وَاسْتَأْنَسُوا -أَيْضًا-بِحَدِيثِ أَبِي مُوسَى: "وَإِذَا قَرَأَ: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾، فَقُولُوا: "آمِينَ".
وَقَدْ قَدَّمْنَا فِي الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ: "إِذَا أَمَّنَ الْإِمَامُ فَأَمِّنُوا" وَأَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ كَانَ يُؤَمِّنُ إِذَا قَرَأَ (١٠) ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾
(١) في أ: "التستري".
(٢) في جـ، "وقالت الملائكة".
(٣) صحيح البخاري برقم (٧٨٠) وصحيح مسلم برقم (٤١٠).
(٤) زيادة من جـ، ط، أ، و.
(٥) في جـ، ط: "وإذا".
(٦) صحيح مسلم برقم (٤٠٤).
(٧) ورواه الثعلبي في تفسيره كما في الدر المنثور (١/٤٥) من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس مثله، وكلا الإسنادين ضعيفان.
(٨) تفسير القرطبي (١/١٢٨).
(٩) الموطأ (١/٨٧) ورواه البخاري في صحيحه برقم (٧٩٦) ومسلم في صحيحه برقم (٤٠٩) من طريق مالك به.
(١٠) في جـ: "كانوا يؤمنوا خلفه إذا قرأ".
وَقَدِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي الْجَهْرِ بِالتَّأْمِينِ لِلْمَأْمُومِ في الجهرية، وَحَاصِلُ الْخِلَافِ أَنَّ الْإِمَامَ إِنْ نَسِيَ التَّأْمِينَ جَهَرَ الْمَأْمُومُ بِهِ قَوْلًا وَاحِدًا، وَإِنْ أمَّن الْإِمَامُ جَهْرًا فَالْجَدِيدُ أَنَّهُ لَا يَجْهَرُ الْمَأْمُومُ وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَرِوَايَةٌ عَنْ مَالِكٍ؛ لِأَنَّهُ ذِكْرٌ مِنَ الْأَذْكَارِ فَلَا يَجْهَرُ بِهِ كَسَائِرِ أَذْكَارِ الصَّلَاةِ. وَالْقَدِيمُ أَنَّهُ يَجْهَرُ بِهِ، وَهُوَ مَذْهَبُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، وَالرِّوَايَةُ الأخرى عن مالك، لما (١) تَقَدَّمَ: "حَتَّى يَرْتَجَّ الْمَسْجِدُ".
وَلَنَا قَوْلٌ آخَرُ ثَالِثٌ: إِنَّهُ إِنْ كَانَ الْمَسْجِدُ صَغِيرًا لَمْ يَجْهَرِ الْمَأْمُومُ (٢)، لِأَنَّهُمْ يَسْمَعُونَ قِرَاءَةَ الْإِمَامِ، وَإِنْ كَانَ كَبِيرًا جَهَرَ لِيُبَلِّغَ التَّأْمِينَ مَنْ فِي أَرْجَاءِ الْمَسْجِدِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَدْ رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ، عَنْ عَائِشَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذُكِرَتْ عِنْدَهُ الْيَهُودُ، فَقَالَ: "إِنَّهُمْ لَنْ يَحْسُدُونَا (٣) عَلَى شَيْءٍ كَمَا يَحْسُدُونَا (٤) عَلَى الْجُمُعَةِ التي هدانا الله لها وضلوا عنها، وعلى القبلة التي هدانا الله لها وضلوا عنها، وَعَلَى قَوْلِنَا خَلْفَ الْإِمَامِ: آمِينَ" (٥)، وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَلَفْظُهُ: "مَا حَسَدَتْكُمُ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ مَا حَسَدَتْكُمْ عَلَى السَّلَامِ وَالتَّأْمِينِ" (٦)، وَلَهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "مَا حَسَدَتْكُمُ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ مَا حَسَدَتْكُمْ عَلَى قَوْلِ: آمِينَ، فَأَكْثِرُوا مِنْ قَوْلِ: "آمِينَ" (٧) وَفِي إِسْنَادِهِ طَلْحَةُ بْنُ عَمْرٍو، وَهُوَ ضَعِيفٌ.
وَرَوَى ابْنُ مَرْدُويه، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "آمِينَ: خَاتَمُ رَبِّ الْعَالَمِينَ عَلَى عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ" (٨). وَعَنْ أَنَسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "أُعْطِيتُ آمِينَ فِي الصَّلَاةِ وَعِنْدَ الدُّعَاءِ، لَمْ يُعْطَ أَحَدٌ قَبْلِي إِلَّا أَنْ يَكُونَ مُوسَى، كَانَ مُوسَى يَدْعُو، وَهَارُونُ يُؤَمِّنُ، فَاخْتِمُوا الدُّعَاءَ بِآمِينَ، فَإِنَّ اللَّهَ يَسْتَجِيبُهُ لَكُمْ" (٩).
قُلْتُ: وَمِنْ هُنَا نَزَعَ بَعْضُهُمْ فِي الدَّلَالَةِ بِهَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ، وَهِيَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلأهُ زِينَةً وَأَمْوَالا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الألِيمَ * قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا وَلا تَتَّبِعَانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [يُونُسَ: ٨٨، ٨٩]، فَذَكَرَ الدُّعَاءَ عَنْ مُوسَى وَحْدَهُ، وَمِنْ سِيَاقِ الْكَلَامِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ
(١) في جـ: "كما".
(٢) في جـ: "الإمام".
(٣) في جـ: "لم يحسدوننا"، وفي ط، ب، أ، و: "لم يحسدونا".
(٤) في أ: "يحسدوننا".
(٥) المسند (٦/١٣٥).
(٦) سنن ابن ماجة برقم (٨٥٦) من طريق حماد بن سلمة، عن سهيل، عن أبي صالح، عن أبيه، عن عائشة مرفوعا، وقال البوصيري في الزوائد (١/٢٩٧) :"هذا إسناد صحيح احتج مسلم بجميع رواته".
(٧) سنن ابن ماجة برقم (٨٥٧) من طريق يزيد بن صبيح، عن طلحة بن عمرو، عن عطاء، عن ابن عباس مرفوعا.
(٨) ورواه ابن عدي في الكامل (٦/٤٤٠) من طريق مؤمل عن أبي أمية بن يعلى عن المقبري عن أبي هريرة به، وقال ابن عدي: "لا يرويه عن أبي أمية بن يعلى -وإن كان ضعيفا- غير مؤمل هذا".
(٩) ورواه الحارث بن أبي أسامة برقم (١٦٧) "بغية الباحث" من طريق -مولى خالد- عن أنس بن مالك به، وزربي بن عبد الرحمن ضعيف.
هَارُونَ أمَّن، فَنَزَلَ مَنْزِلَةَ مَنْ دَعَا، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا﴾ [يُونُسَ: ٨٩]، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ مَنْ أمَّن عَلَى دُعَاءٍ فَكَأَنَّمَا قَالَهُ؛ فَلِهَذَا قَالَ مَنْ قَالَ: إِنَّ الْمَأْمُومَ لَا يَقْرَأُ لِأَنَّ تَأْمِينَهُ عَلَى قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ بِمَنْزِلَةِ قِرَاءَتِهَا؛ وَلِهَذَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ: "مَنْ كَانَ لَهُ إِمَامٌ فَقِرَاءَةُ الْإِمَامِ لَهُ قِرَاءَةٌ"، وَكَانَ بِلَالٌ يَقُولُ: لَا تَسْبِقْنِي بِآمِينَ. فَدَلَّ هَذَا الْمَنْزَعُ عَلَى أَنَّ الْمَأْمُومَ لَا قِرَاءَةَ عَلَيْهِ فِي الْجَهْرِيَّةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَلِهَذَا قَالَ ابْنُ مَرْدُويه: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سَلَّامٍ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ لَيْثِ بْنِ أَبِي سُلَيْمٍ، عَنْ كَعْبٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إِذَا قَالَ الْإِمَامُ: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ فَقَالَ: آمِينَ، فَتُوَافِقُ (١) آمِينَ أَهْلِ الْأَرْضِ آمِينَ أَهْلِ السَّمَاءِ، غَفَرَ اللَّهُ لِلْعَبْدِ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ، وَمَثَلُ مَنْ لَا يَقُولُ: آمِينَ، كَمَثَلِ رَجُلٍ غَزَا مَعَ قَوْمٍ، فَاقْتَرَعُوا، فَخَرَجَتْ سِهَامُهُمْ، وَلَمْ يَخْرُجْ سَهْمُهُ، فَقَالَ: لِمَ لَمْ يَخْرُجْ سَهْمِي؟ فَقِيلَ: إِنَّكَ لم تقل: آمين" (٢).
(١) في جـ، ط، ب، و، أ: "فوافق".
(٢) ورواه أبو يعلى في مسنده (١١/٢٩٦) عن أبي خيثمة عن جرير به، وليث بن أبي سليم ضعيف.
[بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ] (١)
تَفْسِيرُ سُورَةِ الْبَقَرَةِ
خَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ أَلْفًا وَخَمْسُمِائَةِ حَرْفٍ، وَسِتَّةُ آلَافٍ وَمِائَةٌ وَعِشْرُونَ كَلِمَةً، وَمِائَتَانِ وَسِتَّةٌ وَثَمَانُونَ آيَةً فِي عَدَدِ الْكُوفِيِّ وَعَدَدِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
ذِكْرُ مَا وَرَدَ فِي فَضْلِهَا
قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَارِمٌ، حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ رَجُلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " الْبَقَرَةُ سَنَام الْقُرْآنِ وَذُرْوَتُهُ، نَزَلَ مَعَ كُلِّ آيَةٍ مِنْهَا ثَمَانُونَ مَلَكًا، وَاسْتُخْرِجَتْ: "اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ" [الْبَقَرَةِ: ٢٥٥] مِنْ تَحْتِ الْعَرْشِ، فَوُصِلَتْ بِهَا، أَوْ فَوُصِلَتْ بِسُورَةِ الْبَقَرَةِ، وَيس: قَلْبُ الْقُرْآنِ، لَا يَقْرَؤُهَا رَجُلٌ يُرِيدُ اللَّهَ، وَالدَّارَ الْآخِرَةَ إِلَّا غُفِرَ له، واقرؤوها عَلَى مَوْتَاكُمْ " انْفَرَدَ بِهِ أَحْمَدُ (٢).
وَقَدْ رَوَاهُ أَحْمَدُ -أَيْضًا-عَنْ عَارِمٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ، عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ (٣) عَنْ أَبِي عُثْمَانَ -وَلَيْسَ بالنَّهْدي-عَنْ أَبِيهِ، عَنْ مَعْقِل بْنِ يَسَار، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم: " اقرؤوها عَلَى مَوْتَاكُمْ " يَعْنِي: يس (٤).
فَقَدْ بَيَّنَّا بِهَذَا الْإِسْنَادِ مَعْرِفَةَ الْمُبْهَمِ فِي الرِّوَايَةِ الْأُولَى. وَقَدْ أَخْرَجَ هَذَا الْحَدِيثَ عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ فِي الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ (٥).
وَقَدْ رَوَى التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ حَكِيمِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَفِيهِ ضَعْفٌ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " لِكُلِّ شَيْءٍ سَنَامٌ، وَإِنَّ سَنَام الْقُرْآنِ الْبَقَرَةُ، وَفِيهَا آيَةٌ هِيَ سَيِّدَةُ آيِ الْقُرْآنِ: آيَةُ الْكُرْسِيِّ " (٦).
وَفِي مُسْنَدِ أَحْمَدَ وَصَحِيحِ مُسْلِمٍ وَالتِّرْمِذِيِّ وَالنَّسَائِيِّ، مِنْ حَدِيثِ سُهَيْلِ (٧) بْنِ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " لَا تَجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قُبُورًا، فَإِنَّ الْبَيْتَ الَّذِي يُقْرَأُ فِيهِ سُورَةُ الْبَقَرَةِ لَا يدخله الشيطان " (٨) وقال الترمذي: حسن صحيح.
(١) زيادة من جـ، ط.
(٢) المسند (٥/٢٦).
(٣) في جـ: "التميمي".
(٤) المسند (٥/٢٦) وأبو عثمان لم يوثقه سوى ابن حبان وأبوه لا يعرف، وقد اتضح أن الحديث مضطرب، اختلف فيه على سليمان التميمي.
(٥) سنن أبي داود برقم (٣١٢١) وسنن النسائي الكبرى برقم (١٠٩١٣) وسنن ابن ماجة برقم (١٤٤٨).
(٦) سنن الترمذي برقم (٢٨٧٨) ورواه الحاكم في المستدرك (٢/٢٥٩) من طريق حكيم بن جبير به.
(٧) في أ: "سهل".
(٨) المسند (٢/٢٨٤) وصحيح مسلم برقم (٧٨٠) وسنن الترمذي برقم (٢٨٧٧) وسنن النسائي الكبرى برقم (٨٠١٥).
وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ الْقَاسِمُ بْنُ سَلَّامٍ: حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ، عَنِ ابْنِ (١) لَهِيعَةَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ سِنان بْنِ سَعْدٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إِنَّ الشَّيْطَانَ يَخْرُجُ مِنَ الْبَيْتِ إِذَا سَمِعَ سُورَةَ الْبَقَرَةِ تُقْرَأُ فِيهِ " (٢).
سِنَانُ بْنُ سَعْدٍ، وَيُقَالُ بِالْعَكْسِ، وَثَّقَهُ ابْنُ مَعِينٍ وَاسْتَنْكَرَ حَدِيثَهُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَغَيْرُهُ.
وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْل، عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، يَعْنِي ابْنَ مَسْعُودٍ، قَالَ: إِنَّ الشَّيْطَانَ يَفِرُّ مِنَ الْبَيْتِ الَّذِي يُسْمَعُ فِيهِ سُورَةُ الْبَقَرَةِ. وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ، وَأَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ مِنْ حَدِيثِ شُعْبَةَ (٣) ثُمَّ قَالَ الْحَاكِمُ: صَحِيحُ الْإِسْنَادِ، وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ.
وَقَالَ ابْنُ مَرْدُويه: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ كَامِلٍ، حَدَّثَنَا أَبُو إِسْمَاعِيلَ التِّرْمِذِيُّ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ بْنُ سُلَيْمَانَ بْنِ بِلَالٍ، حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بِلَالٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَجْلَانَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " لَا ألْفَيَنَّ أحَدَكم، يَضَع إِحْدَى رِجْلَيْهِ عَلَى الْأُخْرَى يَتَغَنَّى، وَيَدَعُ سُورَةَ الْبَقَرَةِ يَقْرَؤُهَا، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَفِرُّ مِنَ الْبَيْتِ تُقْرَأُ فِيهِ سُورَةُ الْبَقَرَةِ، وَإِنَّ أصفْرَ الْبُيُوتِ، الجَوْفُ الصِّفْر مِنْ كِتَابِ اللَّهِ ".
وَهَكَذَا رَوَاهُ النَّسَائِيُّ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ نَصْرٍ، عَنْ أَيُّوبَ بْنِ سُلَيْمَانَ، بِهِ (٤).
وَرَوَى الدَّارِمِيُّ فِي مُسْنَدِهِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: مَا مِنْ بَيْتٍ تُقْرَأُ فِيهِ سُورَةُ الْبَقَرَةِ إِلَّا خَرَجَ مِنْهُ الشَّيْطَانُ وَلَهُ ضُرَاطٌ (٥). وَقَالَ: إِنَّ لِكُلِّ شَيْءٍ سَنَامًا، وَإِنَّ سَنَامَ الْقُرْآنِ سُورَةُ الْبَقَرَةِ، وَإِنَّ لِكُلِّ شَيْءٍ لُبَابًا، وَإِنَّ لُبَابَ الْقُرْآنِ الْمُفَصَّلُ (٦). وَرَوَى -أَيْضًا-مِنْ طَرِيقِ الشَّعْبِيِّ قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ: مَنْ قَرَأَ عَشْرَ آيَاتٍ مِنْ سُورَةِ الْبَقَرَةِ فِي لَيْلَةٍ لَمْ يَدْخُلْ ذَلِكَ الْبَيْتَ شَيْطَانٌ تِلْكَ اللَّيْلَةَ أَرْبَعٌ مِنْ أَوَّلِهَا وَآيَةُ الْكُرْسِيِّ وَآيَتَانِ بَعْدَهَا وَثَلَاثُ آيَاتٍ مِنْ آخِرِهَا (٧) وَفِي رِوَايَةٍ: لَمْ يَقْرَبْهُ وَلَا أَهْلَهُ يَوْمَئِذٍ شَيْطَانٌ وَلَا شَيْءٌ يَكْرَهُهُ وَلَا يُقْرَآنِ عَلَى مَجْنُونٍ إِلَّا أَفَاقَ.
وَعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إِنَّ لِكُلِّ شَيْءٍ سَنَامًا، وَإِنَّ سَنَامَ الْقُرْآنِ الْبَقَرَةُ، مَنْ قَرَأَهَا فِي بَيْتِهِ لَيْلَةً (٨) لَمْ يَدْخُلْهُ الشَّيْطَانُ (٩) ثَلَاثَ لَيَالٍ، وَمَنْ قَرَأَهَا فِي بَيْتِهِ نَهَارًا لَمْ يدخله
(١) في جـ: "أبي".
(٢) فضائل القرآن (ص١٢١).
(٣) فضائل القرآن لأبي عبيد (ص١٢١) وسنن النسائي الكبرى برقم (١٠٨٠٠) والمستدرك (٢/٢٦٠).
(٤) سنن النسائي الكبرى برقم (١٠٧٩٩) ورواه الطبراني في المعجم الأوسط برقم (٣٢٩٢) "مجمع البحرين" من طريق حلو بن السري، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ، عَنْ عبد الله به مرفوعا وخالفهما -أي ابن عجلان وحلو بن السري- شعبة، فرواه عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ، عَنْ عبد الله فوقفه، أخرجه ابن الضريس في فضائل القرآن برقم (١٧٦) وشعبة أوثق الناس في أبي إسحاق، ورواه ابن الضريس في فضائل القرآن برقم (١٦٥) من طريق إبراهيم، عن أبي الأحوص، عن عبد الله موقوفا.
(٥) سنن الدارمي برقم (٣٣٧٥).
(٦) سنن الدارمي برقم (٣٣٧٧).
(٧) سنن الدارمي برقم (٣٣٨٣).
(٨) في أ: "ليلا".
(٩) في ط، ب: "شيطان".
الشَّيْطَانُ (١) ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ".
رَوَاهُ أَبُو الْقَاسِمِ الطَّبَرَانِيُّ، وَأَبُو حَاتِمٍ، وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ (٢).
وَقَدْ رَوَى التِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ جَعْفَرٍ، عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ عَطَاءٍ مَوْلَى أَبِي أَحْمَدَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْثًا وَهُمْ ذَوُو عَدَدٍ، فَاسْتَقْرَأَهُمْ فَاسْتَقْرَأَ كُلّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ، يَعْنِي مَا مَعَهُ مِنَ الْقُرْآنِ، فَأَتَى عَلَى رَجُلٍ مِنْ أَحْدَثِهِمْ سِنًّا، فَقَالَ: " مَا مَعَكَ يَا فُلَانُ؟ " قَالَ: مَعِي كَذَا وَكَذَا وَسُورَةُ الْبَقَرَةِ، فَقَالَ: " أَمَعَكَ سُورَةُ الْبَقَرَةِ؟ " قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: " اذْهَبْ فَأَنْتَ أَمِيرُهُمْ " فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ أَشْرَافِهِمْ: وَاللَّهِ مَا مَنَعَنِي أَنْ أَتَعَلَّمَ الْبَقَرَةَ (٣) إِلَّا أَنِّي خَشِيتُ أَلَّا أَقُومَ بِهَا. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " تعلموا القرآن واقرؤوه، فإن مثل القرآن لمن تعلمه فقرأ وَقَامَ بِهِ كَمَثَلِ جِرَابٍ مَحْشُوٍّ مسْكًا يَفُوحُ رِيحُهُ فِي كُلِّ مَكَانٍ، وَمَثَلَ مَنْ تَعَلَّمَهُ، فَيَرْقُدُ وَهُوَ فِي جَوْفِهِ، كَمَثَلِ جِرَابٍ أوكِي عَلَى مِسْكٍ " (٤).
هَذَا لَفْظُ رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ، ثُمَّ قَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ. ثُمَّ رَوَاهُ مِنْ حَدِيثِ اللَّيْثِ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ عَطَاءٍ مَوْلَى أَبِي أَحْمَدَ مُرْسَلًا فَاللَّهُ أَعْلَمُ (٥).
قَالَ (٦) الْبُخَارِيُّ: وَقَالَ اللَّيْثُ: حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ الْهَادِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أسَيد بْنِ حُضَير (٧) قَالَ: بَيْنَمَا هُوَ يَقْرَأُ مِنَ اللَّيْلِ (٨) سُورَةَ الْبَقَرَةِ، وَفَرَسُهُ مَرْبُوطَةٌ عِنْدَهُ، إِذْ جَالَتِ الْفَرَسُ، فَسَكَتَ، فسكَنتْ، فَقَرَأَ (٩) فَجَالَتِ الْفَرَسُ، فَسَكَتَ، فَسَكَنَتْ، ثُمَّ قَرَأَ فَجَالَتِ الْفَرَسُ، فَانْصَرَفَ، وَكَانَ ابْنُهُ يَحْيَى قَرِيبًا مِنْهَا. فَأَشْفَقَ أَنْ تُصِيبَهُ، فَلَمَّا أَخَذَهُ رَفْعَ رَأْسَهُ إِلَى السَّمَاءِ حَتَّى مَا يَرَاهَا، فَلَمَّا أَصْبَحَ حَدَّثَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: " اقْرَأْ يَا ابْنَ حُضَير (١٠) ". قَالَ: فَأَشْفَقْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنْ تَطَأَ يَحْيَى، وَكَانَ مِنْهَا قَرِيبًا، فَرَفَعْتُ رَأْسِي وَانْصَرَفْتُ إِلَيْهِ، فَرَفَعْتُ رَأْسِي إِلَى السَّمَاءِ، فَإِذَا مِثْلُ الظُّلَّة فِيهَا أَمْثَالُ الْمَصَابِيحِ، فَخَرَجْتُ حَتَّى لَا أَرَاهَا، قَالَ: " وَتَدْرِي مَا ذَاكَ؟ ". قَالَ: لَا. قَالَ: " تِلْكَ الْمَلَائِكَةُ دَنَتْ لِصَوْتِكَ وَلَوْ قَرَأْتَ لَأَصْبَحَتْ (١١) يَنْظُرُ النَّاسُ إِلَيْهَا لَا تَتَوَارَى مِنْهُمْ (١٢).
وَهَكَذَا رَوَاهُ الْإِمَامُ العَالم أَبُو عُبَيْدٍ الْقَاسِمُ بْنُ سَلَّامٍ، فِي كِتَابِ فَضَائِلِ الْقُرْآنِ، عَنْ عبد الله بن صالح، ويحيى بن بكير، عَنِ اللَّيْثِ بِهِ (١٣).
وَقَدْ رُوِيَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ (١٤) عَنْ أُسَيْدِ بْنِ حُضَيْرٍ، كَمَا تَقَدَّمَ (١٥)، والله أعلم.
(١) في ط، ب: "شيطان".
(٢) المعجم الكبير (٦/١٦٣) وصحيح ابن حبان برقم (١٧٢٧) "موارد".
(٣) في أ: "سورة البقرة".
(٤) سنن الترمذي برقم (٢٨٧٦) وسنن النسائي الكبرى برقم (٨٧٤٩).
(٥) في جـ: "فالله تبارك وتعالى أعلم".
(٦) في ب: "وقال".
(٧) في جـ، ط، ب، أ، و: "الحضير".
(٨) في جـ، ط: "في".
(٩) في ط: "ثم قرأ".
(١٠) في جـ، أ: "الحضير".
(١١) في أ: "لأصبح".
(١٢) صحيح البخاري برقم (٥٠١٨).
(١٣) فضائل القرآن (ص٢٦).
(١٤) في جـ، ط، ب، أ، و: "وجوه أخر".
(١٥) سبق تخريجه في فضائل القرآن.
وَقَدْ وَقَعَ نَحْوٌ مِنْ هَذَا لِثَابِتِ بْنِ قَيْسِ بْنِ شَمَّاسٍ، (١) رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَذَلِكَ فِيمَا رَوَاهُ أَبُو عُبَيْدٍ [الْقَاسِمُ] (٢) : حَدَّثَنَا عَبَّادُ بْنُ عَبَّادٍ، عَنْ جَرِيرِ بْنِ حَازِمٍ، عَنْ جَرِيرِ (٣) بْنِ يَزِيدَ: أَنَّ أَشْيَاخَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ حَدَّثُوهُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قِيلَ لَهُ: أَلَمْ تَرَ ثَابِتَ بْنَ قَيْسِ بْنِ شَمَّاسٍ؟ لَمْ تَزَلْ دَارُهُ الْبَارِحَةَ تُزْهِرُ مَصَابِيحَ، قَالَ: " فَلَعَلَّهُ قَرَأَ سُورَةَ الْبَقَرَةِ ". قَالَ: فَسُئِلَ ثَابِتٌ، فَقَالَ: قَرَأْتُ سُورَةَ الْبَقَرَةِ (٤).
وَهَذَا إِسْنَادٌ جَيِّدٌ، إِلَّا أَنَّ فِيهِ إِبْهَامًا، ثُمَّ هُوَ مُرْسَلٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. [ذِكْرُ] (٥) مَا وَرَدَ فِي فَضْلِهَا مَعَ آلِ عِمْرَانَ
قَالَ (٦) الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا بَشِيرُ بْنُ مُهَاجِرٍ (٧) حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: كُنْتُ جَالِسًا عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: " تَعَلَّمُوا سُورَةَ الْبَقَرَةِ، فَإِنَّ أَخْذَهَا بَرَكَةٌ، وَتَرْكَهَا حَسْرَةٌ، وَلَا تَسْتَطِيعُهَا الْبَطَلَةُ ". قَالَ: ثُمَّ سَكَتَ سَاعَةً، ثُمَّ قَالَ: " تَعَلَّمُوا سُورَةَ الْبَقَرَةِ، وَآلَ عِمْرَانَ، فَإِنَّهُمَا الزَّهْرَاوَانِ، يُظلان صَاحِبَهُمَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، كَأَنَّهُمَا غَمَامَتَانِ أَوْ غَيَايَتَانِ، أَوْ فرْقان مِنْ طَيْرٍ صَوافّ، وَإِنَّ الْقُرْآنَ يَلْقَى صَاحِبَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِينَ يَنْشَقُّ عَنْهُ قَبْرُهُ كَالرَّجُلِ الشَّاحِبِ، فَيَقُولُ لَهُ: هَلْ تَعْرِفُنِي؟ فَيَقُولُ: مَا أَعْرِفُكَ. فَيَقُولُ: أَنَا صَاحِبُكَ الْقُرْآنُ الَّذِي أَظْمَأْتُكَ فِي الْهَوَاجِرِ، وَأَسْهَرْتُ لَيْلَكَ، وَإِنَّ كُلَّ تَاجِرٍ مِنْ وَرَاءِ تِجَارَتِهِ، وَإِنَّكَ الْيَوْمَ مِنْ وَرَاءِ كُلِّ تِجَارَةٍ. فَيُعْطَى الْمُلْكَ بِيَمِينِهِ وَالْخُلْدَ بِشِمَالِهِ، وَيُوضَعُ عَلَى رَأْسِهِ تَاجُ الْوَقَارِ، وَيُكْسَى وَالِدَاهُ حُلَّتَيْنِ، لَا يَقُومُ لَهُمَا (٨) أَهْلُ الدُّنْيَا، فَيَقُولَانِ: بِمَ كُسِينَا هَذَا؟ فَيُقَالُ: بِأَخْذِ وَلَدِكُمَا الْقُرْآنَ، ثُمَّ يُقَالُ: اقْرَأْ وَاصْعَدْ فِي دَرَج الْجَنَّةِ وَغُرَفِهَا، فَهُوَ فِي صُعُودٍ مَا دَامَ يَقْرَأُ هَذًّا كَانَ أَوْ تَرْتِيلًا ".
وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ بَشِيرِ بْنِ الْمُهَاجِرِ (٩) بَعْضَهُ (١٠)، وَهَذَا إِسْنَادٌ حَسَنٌ (١١) عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ، فَإِنَّ بَشِيرًا هَذَا أَخْرَجَ لَهُ مُسْلِمٌ، وَوَثَّقَهُ ابْنُ مَعِينٍ، وَقَالَ النَّسَائِيُّ: لَيْسَ بِهِ بَأْسٌ، إِلَّا أَنَّ الْإِمَامَ أَحْمَدَ قَالَ فِيهِ: هُوَ مُنْكَرُ الْحَدِيثِ، قَدِ اعْتُبِرَتْ أَحَادِيثُهُ فَإِذَا هِيَ تَجِيءُ بِالْعَجَبِ. وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: يُخَالِفُ فِي بَعْضِ حَدِيثِهِ. وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ الرَّازِيُّ: يُكْتَبُ حَدِيثُهُ وَلَا يُحْتَجُّ بِهِ. وَقَالَ ابْنُ عَدِيٍّ: رَوَى مَا لَا يُتَابَعُ عَلَيْهِ. وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ: لَيْسَ بِالْقَوِيِّ.
قُلْتُ: وَلَكِنْ لِبَعْضِهِ شَوَاهِدُ؛ فَمِنْ ذَلِكَ حَدِيثُ أَبِي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيِّ؛ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عَمْرٍو حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي سَلَّامٍ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم يقول: " اقرؤوا القرآن فإنه شافع لأهله يوم القيامة، اقرؤوا الزَّهْرَاوَيْنِ: الْبَقَرَةَ وَآلَ عِمْرَانَ، فَإِنَّهُمَا يَأْتِيَانِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَأَنَّهُمَا غَمَامَتَانِ، أَوْ كَأَنَّهُمَا غَيَايَتَانِ، أَوْ كأنهما فِرْقان من طير صواف يحاجان عن أهلهما " (١٢) ثم قال: " اقرؤوا البقرة فإن أخذها بركة (١٣)، وتركها حسرة، ولا تستطيعها
(١) في ط، ب: "الشماس".
(٢) زيادة من ط.
(٣) في جـ، ب: "عن عمه جرير".
(٤) فضائل القرآن لأبي عبيد (ص٢٧) وتقدم تخريجه في فضائل القرآن أيضا.
(٥) زيادة من أ، و.
(٦) في جـ، ط: "وقال".
(٧) في ط، ب: "المهاجر".
(٨) في أ، و: "عليهما".
(٩) في جـ: "المهاجر به".
(١٠) المسند (٥/٣٤٨) وسنن ابن ماجة برقم (٣٧٨١).
(١١) في جـ: "جيد".
(١٢) في جـ: "عن أهلهما يوم القيامة".
(١٣) في أ: "حسنة".
الْبَطَلَةُ " (١).
وَقَدْ رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي الصَّلَاةِ مِنْ حَدِيثِ مُعَاوِيَةَ بْنِ سَلَّامٍ، عَنْ أَخِيهِ زَيْدِ بْنِ سَلَّامٍ، عَنْ جَدِّهِ أَبِي سَلَّامٍ مَمْطور الحَبَشِيّ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ صُدَيّ بْنِ عَجْلَانَ [الْبَاهِلِيِّ] (٢)، بِهِ (٣).
الزَّهْرَاوَانِ: الْمُنِيرَانِ، وَالْغَيَايَةُ: مَا أَظَلَّكَ مِنْ فَوْقِكَ. والفِرْقُ: الْقِطْعَةُ مِنَ الشَّيْءِ، وَالصَّوَافُّ: الْمُصْطَفَّةُ الْمُتَضَامَّةُ (٤). وَالْبَطَلَةُ السَّحَرَةُ، وَمَعْنَى " لَا تَسْتَطِيعُهَا " أَيْ: لَا يُمْكِنُهُمْ حِفْظُهَا، وَقِيلَ: لَا تَسْتَطِيعُ النُّفُوذَ فِي قَارِئِهَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَمِنْ ذَلِكَ حَدِيثُ النَّوّاس (٥) بْنِ سِمْعان. قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ رَبِّهِ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُهَاجِرٍ، عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الجُرَشي، عَنْ جُبَير بْنِ نُفَير، قَالَ: سَمِعْتُ النَّوَّاسَ بْنَ سَمْعَانَ الْكِلَابِيَّ، يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: " يُؤْتَى بِالْقُرْآنِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَأَهْلُهُ الَّذِينَ كَانُوا يَعْمَلُونَ بِهِ، تَقْدُمُهُمْ سُورَةُ الْبَقَرَةِ وَآلُ عِمْرَانَ ". وَضَرَبَ لَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثَلَاثَةَ أَمْثَالٍ مَا نَسِيتُهُنَّ بَعْدُ، قَالَ: " كَأَنَّهُمَا غَمَامَتَانِ أَوْ ظُلَّتَانِ سَوْدَاوَانِ بَيْنَهُمَا شَرْق، أَوْ كَأَنَّهُمَا فرْقَان مِنْ طَيْرٍ صَوَاف (٦) يُحَاجَّان عَنْ صَاحِبِهِمَا " (٧).
وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ مَنْصُورٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ رَبِّهِ، بِهِ (٨).
وَالتِّرْمِذِيُّ، مِنْ حَدِيثِ الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْجُرَشِيِّ، بِهِ (٩). وَقَالَ: حَسَنٌ غَرِيبٌ.
وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ، قَالَ: قَالَ حَمَّادٌ: أَحْسِبُهُ عَنْ أَبِي مُنِيبٍ، عَنْ عَمِّهِ؛ أَنَّ رَجُلًا قَرَأَ الْبَقَرَةَ وَآلَ عِمْرَانَ، فَلَمَّا قَضَى صَلَاتَهُ قَالَ لَهُ كَعْبٌ: أَقَرَأْتَ الْبَقَرَةَ وَآلَ عِمْرَانَ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، إِنَّ فِيهِمَا اسْمَ اللَّهِ الَّذِي إِذَا دُعِيَ بِهِ اسْتَجَابَ (١٠). قَالَ: فَأَخْبِرْنِي بِهِ. قَالَ: لَا وَاللَّهِ لَا أُخْبِرُكَ، وَلَوْ أَخْبَرْتُكَ لَأَوْشَكْتَ أَنْ تَدْعُوَهُ بِدَعْوَةٍ أَهْلَكُ فِيهَا أَنَا وَأَنْتَ (١١).
[قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ] (١٢) : وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ صَالِحٍ، عَنْ سَلِيمِ بْنِ عَامِرٍ: أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا أُمَامَةَ يَقُولُ: إِنَّ أَخًا لَكُمْ (١٣) أرِي فِي الْمَنَامِ أَنَّ النَّاسَ يَسْلُكُونَ فِي صَدْعِ جَبَلٍ وَعْرٍ طَوِيلٍ، وَعَلَى رَأْسِ الْجَبَلِ شَجَرَتَانِ خَضْرَاوَانِ تَهْتِفَانِ: هَلْ فِيكُمْ مَنْ يَقْرَأُ سُورَةَ الْبَقَرَةِ؟ وَهَلْ فِيكُمْ مَنْ يَقْرَأُ سُورَةَ آلِ عِمْرَانَ؟ قَالَ: فَإِذَا قَالَ الرَّجُلُ: نَعَمْ. دَنَتَا مِنْهُ بِأَعْذَاقِهِمَا، حَتَّى يَتَعَلَّقَ بِهِمَا فتُخطران بِهِ
(١) المسند (٥/٢٤٩).
(٢) زيادة من جـ، ب، أ، و.
(٣) صحيح مسلم برقم (٨٠٤).
(٤) في جـ: "المتصلة".
(٥) في جـ: "نواس".
(٦) في جـ، ط: "من طير صاف".
(٧) في أ: "صاحب لهما".
(٨) المسند (٤/١٨٣) وصحيح مسلم برقم (٨٠٥).
(٩) سنن الترمذي برقم (٢٨٨٣).
(١٠) في ط: "أجاب".
(١١) فضائل القرآن (ص١٢٦).
(١٢) زيادة من ب.
(١٣) في جـ: "أخاكم".
الْجَبَلَ (١).
[قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ] (٢) وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ صَالِحٍ، عَنْ أَبِي عِمْرَانَ: أَنَّهُ سَمِعَ أُمَّ الدَّرْدَاءِ تَقُولُ: إِنَّ رَجُلًا مِمَّنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ أَغَارَ عَلَى جَارٍ لَهُ، فَقَتَلَهُ، وَإِنَّهُ أقيدَ بِهِ (٣)، فَقُتِلَ، فَمَا زَالَ الْقُرْآنُ يَنْسَلُّ مِنْهُ سُورَةً سُورَةً، حَتَّى بَقِيَتِ الْبَقَرَةُ وَآلُ عِمْرَانَ جُمُعَةً، ثُمَّ إِنَّ آلَ عِمْرَانَ انْسَلَّتْ مِنْهُ، وَأَقَامَتِ الْبَقَرَةُ جُمُعَةً، فَقِيلَ لَهَا: ﴿مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [ق: ٢٩] قَالَ: فَخَرَجَتْ كَأَنَّهَا السَّحَابَةُ الْعَظِيمَةُ (٤).
قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: أُرَاهُ، يَعْنِي: أَنَّهُمَا كَانَتَا مَعَهُ فِي قَبْرِهِ تَدْفَعَانِ عَنْهُ وَتُؤْنِسَانِهِ، فَكَانَتَا مِنْ آخَرِ مَا بَقِيَ مَعَهُ مِنَ الْقُرْآنِ.
وَقَالَ -أَيْضًا-: حَدَّثَنَا أَبُو مُسْهِر الْغَسَّانِيُّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ التَّنُوخِيِّ: أَنَّ يَزِيدَ بْنَ الْأَسْوَدِ الجُرَشي كَانَ يُحَدِّثُ (٥) : أَنَّهُ مَنْ قَرَأَ الْبَقَرَةَ وَآلَ عِمْرَانَ فِي يَوْمٍ، بَرِئَ مِنَ النِّفَاقِ حَتَّى يُمْسِيَ، وَمَنْ قَرَأَهُمَا مِنْ لَيْلَةٍ بَرِئَ مِنَ النِّفَاقِ حَتَّى يُصْبِحَ، قَالَ: فَكَانَ يَقْرَؤُهُمَا كُلَّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ سِوَى جُزْئِهِ (٦).
[قَالَ أَيْضًا] (٧) : وَحَدَّثَنَا يَزِيدُ، عن وقاء (٨) بْنِ إِيَاسٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قَالَ: قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: مَنْ قَرَأَ الْبَقَرَةَ وَآلَ عِمْرَانَ فِي لَيْلَةٍ كَانَ -أَوْ كُتِبَ-مِنَ الْقَانِتِينَ (٩).
فِيهِ انْقِطَاعٌ، وَلَكِنْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ (١٠) : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَرَأَ بِهِمَا (١١) فِي رَكْعَةٍ وَاحِدَةٍ (١٢). [ذِكْرُ] (١٣) مَا وَرَدَ فِي فَضْلِ السَّبْعِ الطِّوَلِ
قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الدِّمَشْقِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ بَشِيرٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَبِي الْمَلِيحِ، عَنْ وَاثِلَةَ بْنِ الْأَسْقَعِ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: " أُعْطِيتُ السَّبْعَ الطُّوال مَكَانَ التَّوْرَاةِ، وَأُعْطِيتُ الْمِئِينَ مَكَانَ الْإِنْجِيلِ، وَأُعْطِيتُ الْمَثَانِيَ (١٤) مَكَانَ الزَّبُورِ، وَفُضِّلْتُ بِالْمُفَصَّلِ " (١٥).
هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ، وَسَعِيدُ بْنُ بَشِيرٍ، فِيهِ لِينٌ.
وَقَدْ رَوَاهُ أَبُو عُبَيْدٍ [أَيْضًا] (١٦)، عَنْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ، عَنِ اللَّيْثِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِلَالٍ، قَالَ: بَلَغَنَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم قال... فَذَكَرَهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ثُمَّ قَالَ (١٧) حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ عَمْرِو (١٨) بْنِ أَبِي عَمْرٍو، مَوْلَى الْمُطَّلِبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَنْطَبٍ، عَنْ حبيب بن هند الأسلمي،
(١) فضائل القرآن (ص١٢٦).
(٢) زيادة من و.
(٣) في جـ، ط، ب: "منه".
(٤) فضائل القرآن (ص١٢٦، ١٢٧].
(٥) في جـ: "يحدثه".
(٦) فضائل القرآن (١٢٧).
(٧) زيادة من ب، و.
(٨) في هـ: "ورقاء".
(٩) فضائل القرآن (ص١٢٧).
(١٠) في جـ، ط، ب، أ، و: "والصحيح".
(١١) في جـ، ط، ب، و: "قرأ بهن"، وفي أ: "قرأهن".
(١٢) الحديث وقع لي في سنن النسائي (٢/١٧٧) من حديث حذيفة، رضي الله عنه.
(١٣) زيادة من أ، و.
(١٤) في أ: "وأعطيت السبع المثاني".
(١٥) فضائل القرآن (ص١٢٠) ورواه الطبري في تفسيره (١/١٠٠) من طريق رواد بن الجراح عن سعيد بن بشير به، ورواه الطبري في تفسيره (١/١٠٠) من طريق الطيالسي عن عمران -أبي العوام- عن قتادة به، ورواه الطبري في تفسيره (١/١٠١) مِنْ طَرِيقِ لَيْثِ بْنِ أَبِي سُلَيْمٍ عَنْ أبي بردة عن أبي المليح به نحوه.
(١٦) زيادة من ب.
(١٧) في ب: "قال أيضا".
(١٨) في جـ: "عمر".
عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " مَنْ أَخَذَ السَّبْعَ فَهُوَ حَبْر" (١).
وَهَذَا أَيْضًا غَرِيبٌ، وَحَبِيبُ بْنُ هِنْدِ بْنِ أَسْمَاءَ بْنِ هِنْدِ بْنِ حَارِثَةَ الْأَسْلَمِيُّ، رَوَى عَنْهُ عَمْرُو بْنُ أَبِي عَمْرٍو وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرَةَ، وَذَكَرَهُ أَبُو حَاتِمٍ الرَّازِيُّ وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ جَرْحًا، فَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَدْ رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ، وَحُسَيْنٍ، كِلَاهُمَا عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ، بِهِ (٢).
وَرَوَاهُ -أَيْضًا-عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بِلَالٍ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ هِنْدٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم قال: " من أَخَذَ السَّبْعَ الأوَل مِنَ الْقُرْآنِ فَهُوَ حَبْر " (٣).
قَالَ أَحْمَدُ: وَحَدَّثَنَا حُسَيْنٌ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِثْلَهُ (٤).
قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ: وَهَذَا أَرَى فِيهِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الْأَعْرَجِ، وَلَكِنْ كَذَا كَانَ فِي الْكِتَابِ بِلَا " أَبِي " (٥)، أَغْفَلَهُ أَبِي، أَوْ كَذَا هُوَ مُرْسَلٌ، ثُمَّ قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: حَدَّثَنَا هُشَيْم، أَخْبَرَنَا أَبُو بِشْرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي﴾ [الْحِجْرِ: ٨٧]، قَالَ: هِيَ السَّبْعُ الطُّوَلُ: الْبَقَرَةُ، وَآلُ عِمْرَانَ، وَالنِّسَاءُ، وَالْمَائِدَةُ، وَالْأَنْعَامُ، وَالْأَعْرَافُ، وَيُونُسُ. قَالَ: وَقَالَ مُجَاهِدٌ: هِيَ السَّبْعُ الطُّوَلُ. وَهَكَذَا قَالَ مَكْحُولٌ، وَعَطِيَّةُ بْنُ قَيْسٍ، وَأَبُو مُحَمَّدٍ الْفَارِسِيُّ (٦)، وشَداد بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ، وَيَحْيَى بْنُ الْحَارِثِ الذِّمَارِيُّ فِي تَفْسِيرِ الْآيَةِ بِذَلِكَ، وَفِي تَعْدَادِهَا، وَأَنَّ يُونُسَ هِيَ السَّابِعَةُ. فَصَلٌ
وَالْبَقَرَةُ جَمِيعُهَا مَدَنِيَّةٌ بِلَا خِلَافٍ، قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: وَهِيَ مُشْتَمِلَةٌ عَلَى أَلْفِ خَبَرٍ، وَأَلْفِ أَمْرٍ، وَأَلْفِ نَهْيٍ.
وَقَالَ الْعَادُّونَ: آيَاتُهَا مِائَتَانِ وَثَمَانُونَ وَسَبْعُ آيَاتِ، وَكَلِمَاتُهَا سِتَّةُ آلَافِ كَلِمَةٍ وَمِائَةٌ وَإِحْدَى وَعِشْرُونَ كَلِمَةً، وَحُرُوفُهَا خَمْسَةٌ (٧) وَعِشْرُونَ أَلْفًا وَخَمْسُمِائَةِ حَرْفٍ، فَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَالَ ابْنِ جُرَيْج، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أُنْزِلَ بِالْمَدِينَةِ سُورَةُ الْبَقَرَةِ.
وَقَالَ خَصيف: عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، قَالَ: أُنْزِلَ بِالْمَدِينَةِ سُورَةُ الْبَقَرَةِ.
وَقَالَ الْوَاقِدِيُّ: حَدَّثَنِي الضَّحَّاكُ بْنُ عُثْمَانَ، عَنْ أَبِي الزِّناد، عَنْ خَارِجَةَ بْنِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: نَزَلَتِ الْبَقَرَةُ بِالْمَدِينَةِ.
وَهَكَذَا قَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الْأَئِمَّةِ وَالْعُلَمَاءِ، وَالْمُفَسِّرِينَ، وَلَا خِلَافَ فيه.
(١) فضائل القرآن (ص١٢٠).
(٢) المسند (٦/٧٣).
(٣) المسند (٦/٨٢).
(٤) المسند (٦/٧٣).
(٥) في جـ، ط، ب، أ، و: "فلا أدري".
(٦) في جـ، ط، ب: "القارئ".
(٧) في جـ: "خمس".

تيسير الكريم الرحمن — السعدي

عن الكتاب
وهذا الصراط المستقيم هو :﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين. ﴿غَيْرِ﴾ صراط ﴿الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ الذين عرفوا الحق وتركوه كاليهود ونحوهم. وغير صراط ﴿الضَّالِّينَ﴾ الذين تركوا الحق على جهل وضلال، كالنصارى ونحوهم.
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
{١ - ٧} ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ * إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ * اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾.
﴿بِسْمِ اللَّهِ﴾ أي: أبتدئ بكل اسم لله تعالى، لأن لفظ ﴿اسم﴾ مفرد مضاف، فيعم جميع الأسماء [الحسنى]. ﴿اللَّهِ﴾ هو المألوه المعبود، المستحق لإفراده بالعبادة، لما اتصف به من صفات الألوهية وهي صفات الكمال. ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ اسمان دالان على أنه تعالى ذو الرحمة الواسعة العظيمة التي وسعت كل شيء، وعمت كل حي، وكتبها للمتقين المتبعين لأنبيائه ورسله. فهؤلاء لهم الرحمة المطلقة، ومن عداهم فلهم (١) نصيب منها.
واعلم أن من القواعد المتفق عليها بين سلف الأمة وأئمتها، الإيمان بأسماء الله وصفاته، وأحكام الصفات.
فيؤمنون مثلا بأنه رحمن رحيم، ذو الرحمة التي اتصف بها، المتعلقة بالمرحوم. فالنعم كلها، أثر من آثار رحمته، وهكذا في سائر الأسماء. يقال في العليم: إنه عليم ذو علم، يعلم [به] كل شيء، قدير، ذو قدرة يقدر على كل شيء.
﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ [هو] الثناء على الله بصفات الكمال، وبأفعاله الدائرة بين الفضل والعدل، فله الحمد الكامل، بجميع الوجوه. ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ الرب، هو المربي جميع العالمين -وهم من سوى الله- بخلقه إياهم، وإعداده لهم الآلات، وإنعامه عليهم بالنعم العظيمة، التي لو فقدوها، لم يمكن لهم البقاء. فما بهم من نعمة، فمنه تعالى.
وتربيته تعالى لخلقه نوعان: عامة وخاصة.
فالعامة: هي خلقه للمخلوقين، ورزقهم، وهدايتهم لما فيه مصالحهم، التي فيها بقاؤهم في الدنيا.
والخاصة: تربيته لأوليائه، فيربيهم بالإيمان، ويوفقهم له، ويكمله لهم، ويدفع عنهم الصوارف، والعوائق الحائلة بينهم وبينه، وحقيقتها: تربية التوفيق لكل خير، والعصمة عن كل شر. ولعل هذا [المعنى] هو السر في كون أكثر أدعية الأنبياء بلفظ الرب. فإن مطالبهم كلها داخلة تحت ربوبيته الخاصة.
فدل قوله ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ على انفراده بالخلق والتدبير، والنعم، وكمال غناه، وتمام فقر العالمين إليه، بكل وجه واعتبار.
﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ المالك: هو من اتصف بصفة الملك التي من آثارها أنه يأمر وينهى، ويثيب ويعاقب، ويتصرف بمماليكه بجميع أنواع التصرفات، وأضاف الملك ليوم الدين، وهو يوم القيامة، يوم يدان الناس فيه بأعمالهم، خيرها وشرها، لأن في ذلك اليوم، يظهر للخلق تمام الظهور، كمال ملكه وعدله وحكمته، وانقطاع أملاك الخلائق. حتى [إنه] يستوي في ذلك اليوم، الملوك والرعايا والعبيد والأحرار.
كلهم مذعنون لعظمته، خاضعون لعزته، منتظرون لمجازاته، راجون ثوابه، خائفون من عقابه، فلذلك خصه بالذكر، وإلا فهو المالك ليوم الدين ولغيره من الأيام.
وقوله ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ أي: نخصك وحدك بالعبادة
والاستعانة، لأن تقديم المعمول يفيد الحصر، وهو إثبات الحكم للمذكور، ونفيه عما عداه. فكأنه يقول: نعبدك، ولا نعبد غيرك، ونستعين بك، ولا نستعين بغيرك.
وقدم (٢) العبادة على الاستعانة، من باب تقديم العام على الخاص، واهتماما بتقديم حقه تعالى على حق عبده.
و ﴿العبادة﴾ اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأعمال، والأقوال الظاهرة والباطنة. و ﴿الاستعانة﴾ هي الاعتماد على الله تعالى في جلب المنافع، ودفع المضار، مع الثقة به في تحصيل ذلك.
والقيام بعبادة الله والاستعانة به هو الوسيلة للسعادة الأبدية، والنجاة من جميع الشرور، فلا سبيل إلى النجاة إلا بالقيام بهما. وإنما تكون العبادة عبادة، إذا كانت مأخوذة عن رسول الله ﷺ مقصودا بها وجه الله. فبهذين الأمرين تكون عبادة، وذكر ﴿الاستعانة﴾ بعد ﴿العبادة﴾ مع دخولها فيها، لاحتياج العبد في جميع عباداته إلى الاستعانة بالله تعالى. فإنه إن لم يعنه الله، لم يحصل له ما يريده من فعل الأوامر، واجتناب النواهي.
ثم قال تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ أي: دلنا وأرشدنا، ووفقنا للصراط المستقيم، وهو الطريق الواضح الموصل إلى الله، وإلى جنته، وهو معرفة الحق والعمل به، فاهدنا إلى الصراط واهدنا في الصراط. فالهداية إلى الصراط: لزوم دين الإسلام، وترك ما سواه من الأديان، والهداية في الصراط، تشمل الهداية لجميع التفاصيل الدينية علما وعملا. فهذا الدعاء من أجمع الأدعية وأنفعها للعبد ولهذا وجب على الإنسان أن يدعو الله به في كل ركعة من صلاته، لضرورته إلى ذلك.
وهذا الصراط المستقيم هو: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين. ﴿غَيْرِ﴾ صراط ﴿الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ الذين عرفوا الحق وتركوه كاليهود ونحوهم. وغير صراط ﴿الضَّالِّينَ﴾ الذين تركوا الحق على جهل وضلال، كالنصارى ونحوهم.
فهذه السورة على إيجازها، قد -[٤٠]- احتوت على ما لم تحتو عليه سورة من سور القرآن، فتضمنت أنواع التوحيد الثلاثة: توحيد الربوبية يؤخذ من قوله: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.
وتوحيد الإلهية وهو إفراد الله بالعبادة، يؤخذ من لفظ: ﴿اللَّهِ﴾ ومن قوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ وتوحيد الأسماء والصفات، وهو إثبات صفات الكمال لله تعالى، التي أثبتها لنفسه، وأثبتها له رسوله من غير تعطيل ولا تمثيل ولا تشبيه، وقد دل على ذلك لفظ ﴿الْحَمْدُ﴾ كما تقدم. وتضمنت إثبات النبوة في قوله: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ لأن ذلك ممتنع بدون الرسالة.
وإثبات الجزاء على الأعمال في قوله: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ وأن الجزاء يكون بالعدل، لأن الدين معناه الجزاء بالعدل.
وتضمنت إثبات القدر، وأن العبد فاعل حقيقة، خلافا للقدرية والجبرية. بل تضمنت الرد على جميع أهل البدع [والضلال] في قوله: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ لأنه معرفة الحق والعمل به. وكل مبتدع [وضال] فهو مخالف لذلك.
وتضمنت إخلاص الدين لله تعالى، عبادة واستعانة في قوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ فالحمد لله رب العالمين.
(١) في ب: فله.
(٢) في ب: وتقديم.
تفسير سورة البقرة
وهي مدنية
جميع كتب التفسير لهذه الآية (١٢١ كتابًا)
جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري تفسير القرآن العظيم — ابن كثير تفسير القرآن العظيم — ابن كثير تيسير الكريم الرحمن — السعدي أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — الشنقيطي - أضواء البيان تيسير العلي القدير لاختصار تفسير ابن كثير — محمد نسيب الرفاعي أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير — أبو بكر الجزائري التفسير الميسر — مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور — حكمت بشير ياسين المختصر في تفسير القرآن الكريم — مركز تفسير للدراسات القرآنية غريب القرآن — زيد بن علي تفسير مقاتل بن سليمان — مقاتل بن سليمان تفسير الإمام مالك — مالك بن أنس معاني القرآن — الفراء معاني القرآن للفراء — الفراء مجاز القرآن — أبو عبيدة معمر بن المثنى مجاز القرآن — أبو عبيدة تفسير القرآن — الصنعاني معاني القرآن — الأخفش غريب القرآن — ابن قتيبة الدِّينَوري تفسير النسائي — النسائي معاني القرآن وإعرابه للزجاج — الزجاج تفسير ابن أبي حاتم — ابن أبي حاتم الرازي تأويلات أهل السنة — أبو منصور المَاتُرِيدي بحر العلوم — أبو الليث السمرقندي تفسير القرآن العزيز — ابن أبي زَمَنِين الكشف والبيان عن تفسير القرآن — الثعلبي الهداية الى بلوغ النهاية — مكي بن أبي طالب النكت والعيون — الماوردي النكت والعيون — الماوردي تفسير القشيري — القشيري لطائف الإشارات — القشيري التفسير البسيط — الواحدي الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — الواحدي تفسير السمعاني — أبو المظفر السمعاني تفسير الراغب الأصفهاني — الراغب الأصفهاني جهود الإمام الغزالي في التفسير — أبو حامد الغزالي معالم التنزيل — البغوي معالم التنزيل — البغوي الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — الزمخشري المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز — ابن عطية إيجاز البيان عن معاني القرآن — بيان الحق النيسابوري زاد المسير في علم التفسير — ابن الجوزي مفاتيح الغيب — فخر الدين الرازي تفسير العز بن عبد السلام — عز الدين بن عبد السلام جهود القرافي في التفسير — القرافي أنوار التنزيل وأسرار التأويل — البيضاوي مدارك التنزيل وحقائق التأويل — أبو البركات النسفي التسهيل لعلوم التنزيل — ابن جُزَيِّ لباب التأويل في معاني التنزيل — الخازن البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي النهر الماد من البحر المحيط — أبو حيان الأندلسي التفسير القيم من كلام ابن القيم — ابن القيم الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحداد اليمني كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحداد اليمني تفسير ابن عرفة — ابن عرفة تفسير ابن عرفة — ابن عرفة التبيان في تفسير غريب القرآن — ابن الهائم تنوير المقباس من تفسير ابن عباس — الفيروزآبادي غرائب القرآن ورغائب الفرقان — نظام الدين القمي النيسابوري تفسير الجلالين — المَحَلِّي الجواهر الحسان في تفسير القرآن — الثعالبي نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — برهان الدين البقاعي جامع البيان في تفسير القرآن — الإيجي محيي الدين الدر المنثور في التأويل بالمأثور — السُّيوطي الدر المنثور في التأويل بالمأثور — السُّيوطي الصراط المستقيم في تبيان القرآن الكريم — الكَازَرُوني فتح الرحمن بكشف ما يلتبس في القرآن — زكريا الأنصاري السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير — الشربيني إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم — أبو السعود روح البيان — إسماعيل حقي التفسير المظهري — المظهري البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — ابن عجيبة البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — ابن عجيبة حاشية الصاوي على تفسير الجلالين — الصاوي فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني فتح البيان في مقاصد القرآن — صديق حسن خان محاسن التأويل — جمال الدين القاسمي روح المعاني — الألوسي تفسير المنار — محمد رشيد رضا تفسير المنار — رشيد رضا تفسير المراغي — أحمد بن مصطفى المراغي تفسير المراغي — المراغي التفسير القرآني للقرآن — عبد الكريم يونس الخطيب تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد — ابن عاشور زهرة التفاسير — محمد أبو زهرة زهرة التفاسير — أبو زهرة بيان المعاني — ملا حويش أوضح التفاسير — محمد عبد اللطيف الخطيب إعراب القرآن وبيانه — محيي الدين الدرويش التفسير الحديث — محمد عزة دروزة تيسير التفسير — إبراهيم القطان تيسير التفسير — إبراهيم القطان صفوة البيان لمعاني القرآن — حسنين مخلوف الموسوعة القرآنية — إبراهيم الإبياري التيسير في أحاديث التفسير — المكي الناصري تفسير الشعراوي — الشعراوي تفسير الشعراوي — الشعراوي تفسير القرآن الكريم — ابن عثيمين تفسير القرآن الكريم — عبد الله محمود شحاتة التفسير الوسيط — محمد سيد طنطاوي التفسير المنير — وهبة الزحيلي التفسير الوسيط — وهبة الزحيلي حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن — محمد الأمين الهرري فتح الرحمن في تفسير القرآن — تعيلب التفسير الشامل — أمير عبد العزيز الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور — بشير ياسين التفسير الميسر — التفسير الميسر المنتخب في تفسير القرآن الكريم — المنتخب أيسر التفاسير — أسعد حومد التفسير الميسر — مجموعة من المؤلفين التفسير الواضح — محمد محمود حجازي المنتخب في تفسير القرآن الكريم — مجموعة من المؤلفين تفسير غريب القرآن - الكواري — كَامِلَة بنت محمد الكَوارِي صفوة التفاسير — محمد علي الصابوني كتاب نزهة القلوب — أبى بكر السجستاني كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحدادي اليمني مختصر تفسير ابن كثير — محمد علي الصابوني معاني الكلمات من كتاب السراج في بيان غريب القرآن — محمد الخضيري

غريب الكلمات ومعانيها

معاني الكلمات الغريبة في الآية

السراج في بيان غريب القرآن
غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ
الْيَهُودِ، وَمَنْ شَابَهَهُمْ فِي تَرْكِ الْعَمَلِ بِالْعِلْمِ.
الضَّالِّينَ
النَّصَارَى، وَمَنْ شَابَهَهُمْ فِي الْعَمَلِ بِغَيْرِ عِلْمٍ.

إعراب الآية ٧ من سورة الفاتحة

من كتاب: إعراب القرآن

وسيبويه إيّا، والكاف موضع خفض وعند الكوفيين إيّاك اسم بكمالها، وزعم الخليل رحمه الله أنه اسم مضمر. قال أبو العباس: هذا خطأ لا يضاف المضمر ولكنه مبهم مثل «كلّ» أضيف إلى ما بعده. نَعْبُدُ فعل مستقبل وهو مرفوع عند الخليل وعند سيبويه لمضارعته الأسماء، وقال الكسائي: الفعل المستقبل مرفوع بالزوائد التي في أوله، وقال الفراء: هو مرفوع بسلامته من الجوازم والنواصب. وإِيَّاكَ منصوب بنستعين عطف جملة على جملة، وقرأ يحيى بن وثّاب «١» والأعمش نَسْتَعِينُ «٢» بكسر النون وهذه لغة تميم وأسد وقيس وربيعة، فعل ذلك ليدلّ على أنه من استعون يستعين والأصل في «نستعين» نستعون قلبت حركة الواو على العين فلما انكسر ما قبل الواو صارت ياء والمصدر استعانة والأصل استعوان قلبت حركة الواو على العين فلما انفتح ما قبل الواو صارت ألفا، ولا يلتقي ساكنان فحذفت الألف الثانية لأنها زائدة وقيل الأولى لأن الثانية لمعنى ولزمت الهاء عوضا.

[سورة الفاتحة (١) : آية ٦]

اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦)
إِنَّا هُدْنا دعاء وطلب في موضع جزم عند الفراء «٣» ووقف عند البصريين ولذلك حذفت الياء والألف ألف وصل لأنّ أول المستقبل مفتوح، وكسرتها لأنه من يهدي، والنون والألف مفعول أول. والصِّراطَ مفعول ثان. وجمعه في القليل أصرطة وفي الكثير صرط قال الأخفش: أهل الحجاز يؤنثون الصراط وقرأ ابن عباس «٤» السراط «٥» بالسين وبعض قيس يقولها بين الصاد والزاي ولا يجوز أن يجعل زايا إلّا أن تكون ساكنة قال قطرب «٦» : إذا كان بعد السين في نفس الكلمة طاء أو قاف أو خاء أو غين فلك أن تقلبها صادا. الْمُسْتَقِيمَ نعت للصراط.

[سورة الفاتحة (١) : آية ٧]

صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ (٧)
صِراطَ الَّذِينَ بدل. والَّذِينَ في موضع خفض بالإضافة وهو مبنيّ لئلا
(١) يحيى بن وثّاب الأسدي الكوفي، تابعي ثقة، روى عن ابن عباس وابن عمر (ت ١٠٣ هـ). ترجمته في غاية النهاية ٢/ ٣٨٠.
(٢) وهذه قراءة عبيد بن عمير الليثي وزرّ بن جيش والنخعي أيضا، انظر البحر المحيط ١/ ١٤١.
(٣) انظر معاني القرآن للفراء ٢/ ٤٠٣، والإنصاف مسألة ٢١٤.
(٤) ابن عباس: عبد الله بن عباس بن عبد المطلب، روى عن النبي صلّى الله عليه وسلّم والصحابة. قرأ عليه مجاهد وسعيد ابن جبير (ت ٩٨ هـ). ترجمته في غاية النهاية ١/ ٤٢٥. [.....]
(٥) انظر الحجة لابن خالويه ٣٨، والبحر المحيط ١/ ١٤٣.
(٦) قطرب: محمد بن المستنير، أخذ عن سيبويه وعيسى بن عمر (ت ٢٠٦ هـ). ترجمته في تاريخ بغداد ٣/ ٢٩٨، وطبقات النحويين ١٠٦.
يعرب الاسم من وسطه. أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ داخل في الصلة والهاء والميم يعود على الذين. وفي «عليهم» خمس لغات قرئ بها كلّها. قرأ ابن أبي إسحاق «١» أنعمت عليهمو «٢» بضم الهاء وإثبات الواو، وهذا هو الأصل أن تثبت الواو كما تثبت الألف في التثنية. وقرأ الحسن أنعمت عليهمي «٣» بكسر الهاء وإثبات الياء وكسر الهاء لأنه كره أن يجمع بين ياء وضمة، والهاء ليس بحاجز حصين وأبدل من الواو ياء لما كسر ما قبلها، وقرأ أهل المدينة عَلَيْهِمْ «٤» بكسر الهاء وإسكان الميم، وهي لغة أهل نجد، وقرأ حمزة «٥» وأهل الكوفة عَلَيْهِمْ بضم الهاء وإسكان الميم فحذفوا الواو لثقلها وإنّ المعنى لا يشكل إذ كان يقال في التثنية: عليهما، واللغة الخامسة قرأ بها الأعرج عليهمو بكسر الهاء والواو، وحكي لغتنا شاذّتان وهما ضمّ الهاء والميم بغير واو وكسرهما بغير ياء. وقال محمد بن يزيد: وهذا لا يجوز لأنه مستقبل فإن قيل: فلم قيل: منه فضمّت الهاء؟ فالجواب أن النون في «منه» ساكنة. قال أبو العباس: وناس من بني بكر بن وائل يقولون: عليكم فيكسرون الكاف كما يكسرون الهاء لأنها مهموسة مثلها وهي إضمار كما أنّ الهاء إضمار، وهذا غلط فاحش لأنها ليست مثلها في الخفاء. غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ خفض على البدل من الذين وإن شئت نعتا. قال ابن كيسان: ويجوز أن يكون بدلا من الهاء والميم في عليهم، وروى الخليل رحمه الله عن عبد الله بن كثير «٦» غَيْرِ الْمَغْضُوبِ «٧» بالنصب قال الأخفش: هو نصب على الحال، وإن شئت على الاستثناء قال أبو العباس: هو استثناء ليس من الأول. قال الكوفيون: لا يكون استثناء لأن بعده «ولا»، ولا تزاد «لا» في الاستثناء. قال أبو جعفر: وذا لا يلزم لأن فيه معنى النفي، وقال: «غير المغضوب عليهم» ولم يقل:
المغضوبين لأنه لا ضمير فيه. قال ابن كيسان: هو موحّد في معنى جمع وكذلك كل فعل المفعول إذا لم يكن فيه خفض مرفوع، نحو المنظور إليهم والمرغوب فيهم، والْمَغْضُوبِ بإضافة غير إليه وعَلَيْهِمْ في موضع رفع لأنه اسم ما لم يسمّ فاعله.
(١) ابن أبي إسحاق: عبد الله بن زيد بن الحارث الحضرمي البصري، أحد الأئمة في القراءات والعربية.
أخذ القراءة عن يحيى بن يعمر ونصر بن عاصم. (ت ١٢٧ هـ). ترجمته في: (بغية الوعاة ٢/ ٤٢، وغاية النهاية ١/ ٤١٠).
(٢) انظر مختصر في شواذ القرآن ١، والمحتسب ١/ ٤٤. والبحر المحيط ١/ ١٤٦.
(٣) انظر الحجة لابن خالويه ٣٩، والحجة للفارسي ١/ ٤٢.
(٤) حمزة بن حبيب أبو عمارة الكوفي، أحد القرّاء السبعة (ت ١٥٦ هـ). ترجمته في (غاية النهاية ١/ ٢٦١).
(٥) انظر معاني الفراء ١/ ٥.
(٦) عبد الله بن كثير: أبو معبد عبد الله المكي الداري، إمام أهل مكة في القراءات وأحد السبعة (ت ١٢٠ هـ) ترجمته في غاية النهاية ١/ ٤٤٣.
(٧) انظر الحجة للفارسي ١/ ١٠٥.
وَلَا زائدة عند البصريين وبمعنى غير عند الكوفيين «١». والضَّالِّينَ عطف على «المغضوب عليهم» والكوفيون يقولون: نسق «٢»، وسيبويه «٣» يقول: إشراك. والأصل في الضّالين: الضاللين ثم أدغمت اللام في اللام فاجتمع ساكنان وجاز ذلك لأن في الألف مدّة والثاني مدغم، إلّا أنّ أيّوب السّختياني «٤» همز فقرأ وَلَا الضَّالِّينَ «٥».
(١) انظر معاني الفراء ١/ ٨.
(٢) النّسق: العطف.
(٣) انظر الكتاب ٣/ ٤١.
(٤) أيوب السختياني: هو فقيه أهل البصرة (ت ١٣١ هـ). ترجمته في شذرات الذهب ١/ ١٨١.
(٥) انظر مختصر ابن خالويه ١، والمحتسب ١/ ٤٦، والبحر المحيط ١/ ١٥١. [.....]
الإعراب الكامل من جميع الكتب مع تحليل الكلمات ←

سبب نزول الآية ٧ من سورة الفاتحة

من كتاب: أسباب نزول القرآن - الواحدي

القولُ في آية التسمية وبيان نزولها
أخبرنا أحمد بن محمد بن إبراهيم المقري، أخبرنا أبو الحسين علي بن محمد الجرجاني، أخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الرحمن الجوهري، حدَّثنا محمد بن يحيى بن مَنْدَه، حدَّثنا أبو كُرَيْب، حدَّثنا عثمان بن سعيد، حدَّثنا بشر بن عمارة عن أبي رَوْق، عن الضحاك عن ابن عباس، أنه قال:
أول ما نزلَ به جبريل على النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: يا محمد استعذ ثم قل: ﴿بسم ٱلله الرَّحْمٰنِ الرَّحِيـمِ﴾.
أخبرنا أبو عبد الله بن [أبي] إسحاق، حدَّثنا إسماعيل بن أحمد الخلاَّلي، أخبرنا أبو محمد عبد الله بن زيد البجلي، حدَّثنا أبو كُرَيب. حدَّثنا سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن سعيد بن جُبَيْر، عن ابن عباس قال:
كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا يعرف ختم السورة حتى ينزل عليه ﴿بسم ٱلله الرَّحْمٰنِ الرَّحِيـمِ﴾.
أخبرنا عبد القاهر بن طاهر البغدادي، أخبرنا محمد بن جعفر بن مطر، أخبرنا إبراهيم بن علي الذُّهلي، حدثنا يحيى بن يحيى، أخبرنا عمرو بن الحجاج العبدي، عن عبد الله بن أبي حسين، ذكر عن عبد الله بن مسعود قال:
كنا لا نعلم فصل ما بين السورتين حتى تنزل ﴿بسم ٱلله الرَّحْمٰنِ الرَّحِيـمِ﴾.
أخبرنا سعيد بن محمد بن أحمد بن جعفر، أخبرنا جدي، أخبرنا أبو عمرو أحمد بن محمد الْحَرشِيّ، حدَّثنا محمد بن يحيى، حدَّثنا محمد بن عيسى بن أبي فُدَيْك، عن عبد الله بن نافع، عن أبيه، عن ابن عمر قال:
نزلت ﴿بسم ٱلله الرَّحْمٰنِ الرَّحِيـمِ﴾. في كل سورة.
القول في سورة الفاتحة
اختلفوا فيها: فعند الأكثرين: هي مكية من أوائل ما نزل من القرآن.
أخبرنا أبو عثمان سعيد بن محمد بن أحمد الزاهد، أخبرنا جدي، أخبرنا أبو عمرو الحِيرِي؛ حدَّثنا إبراهيم بن الحارث وعلي بن سهل بن المغيرة قالا: حدَّثنا يحيى بن [أبي] بكير، حدَّثنا إسرائيل عن أبي إسحاق عن أبي مَيْسَرَة:
أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا برز سمع منادياً يناديه: يا محمد، فإذا سمع الصوت انطلق هارباً، فقال له ورقة بن نوفل: إذا سمعت النداء فاثبت حتى تسمع ما يقول لك. قال: فلما برز سمع النداء: يا محمد، فقال: لبيك، قال: قل: أشهد أن لا إله إلاَّ الله أشهد وأن محمداً رسول الله، ثم قال: قل: ﴿ٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ ٱلرَّحْمـٰنِ ٱلرَّحِيمِ مَـٰلِكِ يَوْمِ ٱلدِّينِ﴾ حتى فرغ من فاتحة الكتاب.
وهذا قول علي بن أبي طالب.
أخبرنا أبو إسحاق أحمد بن محمد المفسر، أخبرنا الحسن بن جعفر المفسر، قال: أخبرنا أبو الحسن بن محمد بن محمود المَرْوَزِيّ، حدَّثنا عبد الله بن محمود السعدي، حدَّثنا أبو يحيى القَصْرِي، حدَّثنا مروان بن معاوية عن العلاء بن المسيب، عن الفضيل بن عمرو، عن علي بن أبي طالب قال:
نزلت فاتحة الكتاب بمكة من كنز تحت العرش.
وبهذا الإسناد عن السعدي: حدَّثنا عمرو بن صالح، حدثنا أبي، عن الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس قال:
قام النبي صلى الله عليه وسلم بمكة فقال: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين. فقالت قريش: دَقَّ الله فاك أو نحو هذا، قاله الحسن وقتادة.
وعند مجاهد: أن الفاتحة مدنية. قال الحسين بن الفضل: لكل عالم هفوة، وهذه بادرة من مجاهد؛ لأنه تفرد بهذا القول، والعلماء على خلافه. ومما يقطع به على أنها مكيه قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعاً مِّنَ ٱلْمَثَانِي وَٱلْقُرْآنَ ٱلْعَظِيمَ﴾ يعني الفاتحة.
أخبرنا محمد بن عبد الرحمن النحوي، أخبرنا محمد بن أحمد بن علي الحيري، أخبرنا أحمد بن علي بن المثنى، حدَّثنا يحيى بن أيوب، حدَّثنا إسماعيل بن جعفر، أخبرني العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة قال:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقرأ عليه أبيّ بن كعب أُمَّ القرآن فقال: والذي نفسي بيده، ما أنزل الله في التوراة ولا في الإنجيل ولا في الزبور ولا في القرآن مثلَها، إنها لَهِيَ السبعُ المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيته.
وسورة "الحجر" مكية بلا اختلاف، ولم يكن الله ليمتن على رسوله بإيتائه فاتحة الكتاب وهو بمكة ثم ينزلها بالمدينة. ولا يسعنا القول: بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قام بمكة بضع عشرة سنة يصلي بلا فاتحة الكتاب. هذا مما لا تقبله العقول.

القراءات في الآية ٧ من سورة الفاتحة

اختلاف القراء العشرة في كلمات الآية

صِرَاطَ

(صِراط) بالصاد

قالون عن نافع الدوري عن الكسائي أبو الحارث عن الكسائي ابن وردان عن أبي جعفر خلاد عن حمزة ابن جمّاز عن أبي جعفر حفص عن عاصم شعبة عن عاصم ابن ذكوان عن ابن عامر هشام عن ابن عامر روح عن يعقوب السوسي عن أبي عمرو الدوري عن أبي عمرو إسحاق عن خلف البزي عن ابن كثير إدريس عن خلف ورش عن نافع

سراط (بالسين)

رويس عن يعقوب قنبل عن ابن كثير

صراط (باشمام الصاد زاياً)

خلف عن حمزة

عَلَيْهِمْ

عليهُمْ

روح عن يعقوب رويس عن يعقوب خلاد عن حمزة خلف عن حمزة

عليهِمُ

ابن جمّاز عن أبي جعفر ابن وردان عن أبي جعفر قنبل عن ابن كثير البزي عن ابن كثير قالون عن نافع

عليهِمْ

إسحاق عن خلف الدوري عن الكسائي إدريس عن خلف أبو الحارث عن الكسائي حفص عن عاصم شعبة عن عاصم ابن ذكوان عن ابن عامر هشام عن ابن عامر السوسي عن أبي عمرو الدوري عن أبي عمرو ورش عن نافع
صفحة القراءات الكاملة لهذه الآية ←

عدّ الآي — ترقيم الآية عند مذاهب العدّ

كيف رقّمت مذاهب العدّ الستة هذه الآية

عَدُّ هذه الآية في مذاهبِ العدِّ الستَّة

سورة الفاتحة، الآيةُ ٧ في العدِّ الكوفيّ

رقمُ الآية في كلِّ عدّ

٧ المكِّيّ والكوفيّ المرجِع
٦–٧ المدَنيَّان والبصريّ والدِمَشقيّ

مواضعُ الخلافِ في هذه الآية

في أثنائها ﴿ عليهم

يَعُدُّه رأسَ آية

المدَنيّ الأوَّل المدَنيّ الأخير البصريّ الدِمَشقيّ

لا يَعُدُّه رأسَ آية

المكِّيّ الكوفيّ

﴿عليهم﴾ في أثناءِ هذه الآية: يَعُدُّه المدَنيَّان والبصريّ والدِمَشقيّ رأسَ آية، فتكونُ عندَه آيتَين، ولا يَعُدُّه المكِّيّ والكوفيّ، فهي عندَه آيةٌ واحدة.

مصادرُ التوثيق "البيان في عدّ آي القرآن" (ص 139) "نفائس البيان — شرح الفرائد الحسان" (ص 27) "الفرائد الحسان في عدّ آي القرآن" (ص 27)
ما مذاهبُ العدِّ الستَّة؟

مذاهبُ العدِّ الستَّةُ أوجُهٌ مرويَّةٌ في عدِّ آي القرآن الكريم عن أهلِ المدينةِ ومكَّةَ والكوفةِ والبصرةِ والشام، والخلافُ بينها إنَّما هو في مواضعِ الفواصلِ ورؤوسِ الآي، لا في شيءٍ من حروفِ القرآن ولا كلماتِه.

القراءاتُ التي تأخُذُ بكلِّ عدّ

  • الكوفيّ: عاصم (شعبة وحفص) وحمزة (خلف وخلّاد) والكسائي (أبو الحارث والدوري الكسائي) وخلف العاشر (إسحاق وإدريس)
  • المدَنيّ الأخير: نافع (قالون وورش)
  • المدَنيّ الأوَّل: أبو جعفر (عيسى بن وردان وابن جمّاز)
  • المكِّيّ: ابن كثير (البزي وقنبل)
  • البصريّ: أبو عمرو (الدوري والسوسي) ويعقوب (رويس وروح)
  • الدِمَشقيّ: ابن عامر (هشام وابن ذكوان)

والرقمُ المعتمَدُ في الموسوعة هو رقمُ العدِّ الكوفيّ؛ وهو عدُّ مصحفِ المدينةِ النبويَّةِ برواية حَفصٍ عن عاصم.

الموضوعات القرآنية للآية ٧ من سورة الفاتحة

موضوع واحد تتناولها هذه الآية

أقوال المفسرين في الآية — التفسير بالمأثور

٣٩ قولًا من موسوعة التفسير بالمأثور

قراءات

٨ أقوال
١
عن عمر بن الخطاب -من طريق الأسود بن يزيد- أنّه كان يقرأ: (سِراطَ مَن أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وغَيْرِ الضَّآلِّينَ)١٢
التخريج
  1. ١أخرجه أبو عبيد ص ١٦٢، وسعيد بن منصور (١٧٦، ١٧٧)، وابن أبي داود في المصاحف ص ٥١، من طرقٍ، وعندهم ﴿صراط﴾ بالصاد. وعزاه السيوطي إلى وكيع، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن الأنباري. و(سِراطَ مَن أنْعَمْتَ) قراءة شاذة، وتروى أيضًا عن ابن مسعود وغيره. انظر: مختصر ابن خالويه ص ٩. و(وغَيْرِ الضَّآلِينَ) كذلك قراءة شاذة، تروى أيضًا عن أُبَي وغيره. انظر: البحر المحيط ١/ ١٥٠.
تعليقات المحققين
  1. ٢وجَّه ابنُ كثير (١/ ٢٢٤) هذه القراءة بقوله: «وهو محمول على أنه صَدَرَ منه على وجْهِ التفسير».
٢
عن عبد الله بن الزبير -من طريق محمد بن عقبة اليَشْكُرِيّ، عن أبيه- أنّه قرأ: (صِراطَ مَن أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وغَيْرِ الضَّآلِّينَ) فيالصلاة١
التخريج
  1. ١أخرجه أبو عبيد في فضائل القرآن ص ١٦٢، وابن أبي داود في المصاحف ص ٨٣. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد، وابن الأنباري.
٣
عن إبراهيم، قال: كان علقمة بن قيس، والأسود بن يزيد يقرآنها: (صِراطَ مَن أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وغَيْرِ الضَّآلِّينَ)١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي داود في المصاحف ص ٩٠. وفي الدر: عكرمة، بدل: علقمة.
٤
عن الحسن البصري أنه كان يقرأ: (عَلَيْهِمِي) بكسر الهاء والميم، وإثبات الياء١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى ابن الأنباري. والقراءة شاذة. انظر: مختصر ابن خالويه ص ٩، والمحتسب ١/ ٤٤.
٥
عن عبد الله بن كثير أنّه كان يقرأ: «أنْعَمْتَ عَلَيْهِمُو» بكسر الهاء، وضم الميم، مع إلحاق الواو١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى ابن الأنباري. «عَلَيْهِمُو» بإلحاق واو في اللفظ وصلًا قراءة متواترة، قرأ بها ابن كثير، وأبو جعفر، وهي وجه عن قالون، وقرأ حمزة ويعقوب «عَلَيْهُمْ» بضم الهاء وإسكان الميم، وقرأ بقية العشرة ﴿عَلَيْهِمْ﴾ بكسر الهاء وإسكان الميم، وهي الوجه الثاني لقالون. انظر: الإتحاف ص ١٦٤.
٦
عن أبي إسحاق [السبيعي] أنّه قرأ: (عَلَيْهُمُ) بضم الهاء والميم، من غير إلحاق واو١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى ابن الأنباري. والقراءة شاذة. انظر: مختصر ابن خالويه ص ٩، والمحتسب ١/ ٤٤.
٧
عن [حُمَيْد] الأعرج أنه كان يقرأ: (عَلَيْهُمُو) بضم الهاء والميم، وإلحاق الواو١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى ابن الأنباري. والقراءة شاذة، تروى أيضًا عن الأعرج. انظر: مختصر ابن خالويه ص ٩، والمحتسب ١/ ٤٤.
٨
عن إسماعيل بن مسلم، قال: في حرف أبي بن كعب: (غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وغَيْرِ الضَّآلِّينَ. آمين. بِسْمِ اللهِ)١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى ابن شاهين في السنة. والقراءة شاذة لمخالفتها رسم المصاحف.

عدُّ الآية

قول واحد
١
عن أبي هريرة، قال: ﴿أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ الآية السادسة١
التخريج
  1. ١تفسير الثعلبي ١/ ١٠١.

تفسير الآية

٣٠ قولًا
١
عن عبد الله بن عباس -من طريق أبي رَوْق، عن الضحاك- في قوله: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾، يقول: طريق من أنعمتَ عليهم من الملائكة والنبيين والصديقين والشهداء والصالحين، الذين أطاعوك وعبدوك١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١/ ١٧٧، وابن أبي حاتم ١/ ٣١ (٣٨) بنحوه.
٢
عن عبد الله بن عباس -من طريق ابن جُرَيْج- في قوله: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾، قال: المؤمنين١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١/ ١٧٨.
٣
عن عبد الله بن عباس أنّه قال: هم قوم موسى وعيسى؟ قبل أن يُغَيِّرُوا دينهم١
التخريج
  1. ١تفسير الثعلبي ١/ ١٣٢ وفيه: قبل أن يغيروا نعم الله عليهم، وتفسير البغوي ١/ ٥٤.
٤
عن أبي العالية رفيع بن مهران قوله: هم الرسول - ﷺ -، وأبو بكر وعمر - رضي الله عنهما -١
التخريج
  1. ١تفسير البغوي (ط: إحياء التراث) ١/ ٧٦.
٥
عن مجاهد بن جبر -من طريق ابن أبي نجيح- ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾، قال: هم المؤمنون١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ١/ ٣١ (٣٩).
٦
وقال عكرمة مولى ابن عباس: ﴿أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ بالثبات على الإيمان، والاستقامة١
التخريج
  1. ١تفسير الثعلبي ١/ ١٢٢، وتفسير البغوي ١/ ٥٤.
٧
عن شهر بن حَوْشَب، قال: هم أصحاب النبي - ﷺ -، وأهل بيته١
التخريج
  1. ١تفسير الثعلبي ١/ ١٢٢.
٨
عن الربيع بن أنس -من طريق أبي جعفر الرازي- في قوله: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾، قال: النبيون١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى عبد بن حميد.
٩
قال مقاتل بن سليمان: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾، يعني: دُلَّنا على طريق الذين أنعمت عليهم، يعني: النبيين الذين أنعم الله عليهم بالنبوة، كقوله سبحانه: ﴿أولئك الذين أنعم الله عليهم من النبيين﴾ [النساء: ٦٩]١
التخريج
  1. ١تفسير البغوي ١/ ٥٢.
١٠
عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم -من طريق ابن وهب- في قوله: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾، قال: النبي - ﷺ -، ومَن معه١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١/ ١٧٨.
١١
عن وكيع -من طريق الحسين- قال: ﴿أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾: المسلمين١٢
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١/ ١٧٨.
تعليقات المحققين
  1. ٢بيَّن ابنُ جرير (١/ ١٧٦ - ١٧٧)، وابنُ عطية (١/ ٨٧)، وابنُ تيمية (١/ ١١٦ - ١١٧)، وابنُ كثير (١/ ٢٢٣) أنّ المراد بالمُنْعَم عليهم: هم المذكورون في قوله تعالى: ﴿ومَن يُطِعِ اللَّهَ والرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ والصِّدِّيقِينَ والشُّهَداءِ والصّالِحِينَ وحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء: ٦٩]؛ لعموم ذلك القول وشموله.
١٢
عن عدي بن حاتم، قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إنّ المغضوب عليهم: اليهود، وإنّ الضّالِّين: النصارى»١
التخريج
  1. ١أخرجه أحمد ٣٢/ ١٢٣ (١٩٣٨١)، والترمذي ٥/ ٢١٥ (٣١٨٦)، وابن جرير ١/ ١٩٤، وابن أبي حاتم ١/ ٣١ (٤٠)، وابن حبان ٥/ ٢١٧ (٣١٨٧) ١٦/ ١٨٣ (٧٢٠٦). قال الترمذي: «حديث غريب، لا نعرفه إلا من حديث سماك بن حرب، عن عدي بن حاتم». وقال الهيثمي في المجمع ٥/ ٣٣٥ (٩٧١٩): «رواه أحمد، ورجاله رجال الصحيح غير عباد بن حبيش، وهو ثقة».
١٣
عن عبد الله بن شَقِيقٍ العُقَيْلِي، قال: أخبرني مَن سَمِع النبيَّ - ﷺ - وهو بوادي القرى على فرسٍ له، وسأله رجل من بني بَلْقَيْن، فقال: مَن المغضوب عليهم، يا رسول الله؟ قال: «اليهود». قال: فمن الضالون؟ قال: «النصارى»١
التخريج
  1. ١أخرجه أحمد ٣٣/ ٤٦٠ (٢٠٣٥١)، ٣٤/ ٣٣٩ (٢٠٧٣٦)، وأبو يعلى (٧١٧٩)، وابن جرير ١/ ١٨٧. قال البوصيري في إتحاف الخيرة (١/ ٩٧): «رجاله ثقات». وقال الهيثمي في المجمع ٦/ ٣١٣: «رجال الجميع رجال الصحيح». وصححه الألباني في الصحيحة (٦٢٦٣).
١٤
عن عبد الله بن شَقِيقٍ، عن أبي ذرٍّ، قال: سألتُ رسول الله - ﷺ - عنالمغضوب عليهم؟ قال: «اليهود». قلتُ: الضالين؟ قال: «النصارى»١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن مردويه -كما في تفسير ابن كثير ١/ ١٤٢ -. وحسَّنه الحافظ ابن حجر في الفتح ٨/ ١٥٩.
١٥
عن إسماعيل بن أبي خالد، أنّ النبي - ﷺ - قال: «المغضوب عليهم: اليهود. والضالون: هم النصارى»١
التخريج
  1. ١أخرجه سعيد بن منصور في سننه ٢/ ٥٣٧ (١٧٩)، وتَمّام في فوائده ١/ ١٧٧ (٤١٨) مرسلًا. وقد جاء موصولًا من وجه آخر عن عدي بن حاتم، وله شواهد صحيحة؛ فالحديث بها حسن.
١٦
عن الشَّرِيد، قال: مرَّ بي رسول الله - ﷺ - وأنا جالس هكذا، وقد وضعت يدي اليسرى خلف ظهري، واتكأت على ألْيةِ١ يدي، قال: «أتَقْعُد قِعْدَة المغضوب عليهم؟!»٢
التخريج
  1. ١ألْية اليد: اللحمة التي في أصل الإبهام. لسان العرب (ألا).
  2. ٢أخرجه أحمد ٣٢/ ٢٠٤ (١٩٤٥٤)، وأبو داود ٧/ ٢١٦ (٤٨٤٨)، وابن حبان ١٢/ ٤٨٨ (٥٦٧٤)، والحاكم ٤/ ٢٩٩ (٧٧٠٣). قال الحاكم: «هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يُخرجاه». وقال الذهبي في التلخيص: «صحيح». وقال الألباني في صحيح أبي داود ٤/ ٢٦٣ (٤٨٤٨): «صحيح».
١٧
عن عبد الله بن مسعود، وناس من أصحاب النبي - ﷺ - -من طريق السدي، عن مرة الهمداني-
١٨
وعبد الله بن عباس -من طريق السدي، عن أبي مالك وأبي صالح-: المغضوب عليهم: اليهود. والضالين: النصارى١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١/ ١٨٨، ١٩٦.
١٩
عن عبد الله بن عباس -من طريق أبي رَوْق، عن الضحاك- ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ يعني: اليهود الذين غضب الله عليهم، ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ قال: وغير طريق النصارى الذين أضلَّهم الله بفِرْيَتِهم عليه. قال: يقول: فأَلْهِمْنا دينَك الحقَّ، وهو لا إله إلا الله وحده لا شريك له، حتى لا تغضب علينا، كما غضبت على اليهود، ولا تُضِلَّنا كما أضللت النصارى، فتعذبنا بما تعذبهم به. يقول: امنعنا من ذلك برفقك ورحمتك وقدرتك١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١/ ١٨٨، ١٩٦.
٢٠
عن عبد الله بن عباس -من طرق- قال: ﴿المغضوب عليهم﴾: اليهود، ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾: النصارى١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١/ ١٨٨، ١٨٩، ١٩٦ من طريق الضحاك وابن جريج والسدي.
٢١
عن سعيد بن جبير: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾، قال: اليهود، والنصارى١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى عبد بن حميد.
٢٢
عن مجاهد بن جبر -من طريق سفيان-، مثله١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١/ ١٨٩، ١٩٥، ١٩٦.
٢٣
عن مجاهد بن جبر: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ قال: اليهود، ﴿وَلَا الْضَّالِّينَ﴾ قال: النصارى١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى عبد بن حميد.
٢٤
عن عكرمة مولى ابن عباس، قال: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ قال: اليهود، ﴿الْضَّالِّينَ﴾ قال: النصارى١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى عبد بن حميد.
٢٥
عن الربيع بن أنس -من طريق أبي جعفر الرازي- في قوله: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ قال: اليهود، ﴿وَلَا الْضَّالِّينَ﴾ قال: النصارى١. ١/ ٨٣)
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١/ ١٩٦. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد.
٢٦
عن زيد بن أسلم -من طريق ابنه عبد الرحمن- قال: ﴿المغضوب عليهم﴾: اليهود، ﴿الضالين﴾: النصارى١
التخريج
  1. ١أخرجه عبد الله بن وهب في الجامع - تفسير القرآن ١/ ٥٤ (١١٨)، وابن جرير ١/ ١٨٩، ١٩٦، ١٩٧ من طريقه.
٢٧
قال مقاتل بن سليمان: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ يعني: دُلَّنا على دين غير اليهود الذين غضب الله عليهم فجعل منهم القردة والخنازير، ﴿وَلَا الْضَّالِّينَ﴾ يقول: ولا دين المشركين، يعني: النصارى١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ١/ ٣٦.
٢٨
عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم -من طريق ابن وهب- قال: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾: اليهود، ﴿وَلَا الْضَّالِّينَ﴾: النصارى١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١/ ١٨٩، ١٩٦، ١٩٧.
٢٩
قال الحسن البصري: المغضوب عليهم: اليهود، والضالون: النصارى١٢
التخريج
  1. ١ذكره يحيى بن سلام -كما في تفسير ابن أبي زمنين ١/ ١١٩ - وجاء عقبه: وهذا دعاء أمر الله رسوله أن يدعو به، وجعله سنة له وللمؤمنين.
تعليقات المحققين
  1. ٢وجَّهَ ابنُ عطية (١/ ٩١ - ٩٢)، وابنُ تيمية (١/ ١١٩ - ١٢٠)، وابنُ القيم (١/ ٧٩ - ٨٠)، وابنُ كثير (١/ ٢٢٤ - ٢٢٧) تفسير ﴿المغضوب عليهم﴾ باليهود، وتفسير ﴿الضالين﴾ بالنصارى بأنّه الوصف الغالب عليهما في القرآن؛ فاليهود يعرفون الحق ولا يعملون به، والنصارى يعبدون بلا علم.
٣٠
قال إسماعيل بن مسلم: كان الحسن البصري إذا سُئِل عن «آمين»: ما تفسيرها؟ قال: هو: اللهم استجب١٢
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى ابن شاهين في السنة. وقد عقد السيوطي ١/ ٨٧ - ٩٣ مبحثًا في (ذكر آمين) وما ورد في معناها وفضائلها.
تعليقات المحققين
  1. ٢قال ابنُ عطية (١/ ٩٧): «فمقتضى هذه الآثار: أنّ كلّ داعٍ ينبغي له في آخر دعائه أن يقول: آمين. وكذلك كل قارئ للحمد في غير صلاة، لكن ليس بجهر الترتيل، وأما في الصلاة فهناك خلاف في الإمام، ولم يُختلَف في الفَذِّ، ولا في المأموم».
التفسير بالمأثور لسورة الفاتحة كاملة ←

وقفات تدبرية في الآية ٧ من سورة الفاتحة

٤٦ وقفةً في هذه الآية

  • " صراط الذين أنعمت عليهم " مع أنهم أنبياء وصديقون وشهداء وصالحون, فالمنة كلها لله والنعمة منه, فلولاه ما بلغوا هذه المقامات !

    — بلال الفارس

  • " صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين " من أسباب الثبات تأمل أحوال الصالحين للاقتداء , ودركات الضالين للحذر !

    — بلال الفارس

  • {صراط الذين أنعمت عليهم } وصف الله هنا الصراط وأضافه إلى سالكيه لأن ذكر الرفيق يرغب في السير ويقطع الوحشة

    — نوال العيد

  • " صراط الذين أنعمت عليهم " إذا قال الناس : فلان في نعمة , ويقصدون الثراء , فالتفت عنهم , والتمس النعمة الحقة

    — بلال الفارس

  • لن يتعلق بالدنيا من عمر قلبه القرآن. "ولقد آتيناك سبعا من المثاني والقرآن العظيم" "لا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم".

    — نوال العيد

  • " صراط الذين أنعمت عليهم " مع أنهم أنبياء وصديقون وشهداء وصالحون, فالمنة كلها لله والنعمة منه, فلولاه ما بلغوا هذه المقامات

    — بلال الفارس

  • { سبعا من المثاني }{ غير المغضوب عليهم ولا الضالين} فيها مثاني بذكر الفريقين المغضوب عليهم : علموا ولم يعملوا الضالين : عملوا بلا علم

    — محمد الربيعة

  • { سبعا من المثاني }{ صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الظالين} فيها مثاني بذكر صراط المؤمنين وصراط المخالفين . وهما متضادان

    — محمد الربيعة

  • { صراط الذين أنعمت عليهم } يقول سفيان الثوري :عليك بكثرة المعروف يؤنسك الله في قبرك , واجتنب المحارم تجد حلاوة الإيمان

    — سفيان الثوري

  • صراط الذين أنعمتَ عليهم " فيها انكسار واستعطاف, فكما أنعمت على غيرنا ممن اصطفيتهم, فأنعم علينا نحن المساكين, وهذا مقام عزيز

    — بلال الفارس

  • " المغضوب عليهم " : كل من علم فلم يعمل كاليهود, وما أشبه الروافض بهم " الضالين " : كل من عمل بلا علم كالنصارى, وما أشبه غلاة الصوفية بهم

    — بلال الفارس

  • " غير المغضوب عليهم ولا الضالين " يا لشناعة حالهم , فقد فرض الله علينا أن نعتصم به من مشابهتهم ومقاربتهم في كل ركعة !

    — بلال الفارس

و٣٤ وقفةً أخرى لهذه الآية في الوقفات التدبرية.

فتاوى متعلقة بالآية ٧ من سورة الفاتحة

فتوى واحدة تتعلق بهذه الآية

ترجمات معاني الآية ٧ من سورة الفاتحة

ترجمة معاني الآية إلى ٦٠ لغةً

(7) The path of those upon whom You have bestowed favor, not of those who have earned [Your] anger or of those who are astray.
— الترجمة الإنجليزية - صحيح انترناشونال