غرائب القرآن ورغائب الفرقان — نظام الدين القمي النيسابوري
عن الكتاب
القراءات :﴿مالك﴾ : بالألف سهل ويعقوب وعاصم وعلي وخلف، والباقون ملك :﴿الرحيم مالك﴾ مدغماً : أبو عمرو، كذلك يدغم كل حرفين التقيا من كلمتين إذا كانا من جنس واحد مثل ﴿قال لهم﴾ [البقرة: ٢٤٩] أو مخرج واحد مثل ﴿ولتأت طائفة﴾ [النساء: ١٠٢] أو قريبي المخرج مثل ﴿خلقكم﴾ [لقمان: ٢٨] و﴿لقد جاءكم﴾ [البقرة: ٩٢] سواء كان الحرف المدغم ساكناً مثل ﴿أنبتت سبع سنابل﴾ [البقرة: ٢٦١] ويسمى بالإدغام الصغير، أو متحركاً فأسكن للإدغام مثل ﴿قيل لهم﴾ [البقرة: ١١] و﴿لذهب بسمعهم﴾ [البقرة: ٢٠] ويسمى بالإدغام الكبير إلا أن يكون مضاعفاً نحو ﴿أحل لكم﴾
[البقرة: ١٨٧] و﴿مس سقر﴾ [القمر: ٤٨] أو منقوصاً مثل ﴿وما كنت ترجو﴾ [القصص: ٨٦] و﴿كنت تراباً﴾ [النبأ: ٤٠] ونعني بالمنقوص الأجوف المحذوف العين أو مفتوحاً قبله ساكن مثل ﴿البحر لتأكلوا﴾ [النحل: ١٤] و﴿الحمير لتركبوها﴾ [النحل: ٨] إلا في مواضع أربعة ﴿كاد تزيغ﴾ [التوبة: ١١٧] و﴿قال رب﴾ [المؤمنون: ٢٦] في كل القرآن و﴿الصلاة طرفي النهار﴾ [هود: ١١٤] و﴿بعد توكيدها﴾ [النحل: ٩١] أو يكون الإظهار أخف من الإدغام نحو ﴿أفأنت تهدي﴾ [يونس: ٤٣] ﴿أفأنت تسمع﴾ [الزخرف: ٤٠] وعن يعقوب إدغام الجنسين في جميع القرآن إذا التقيا من كلمتين. " الصراط " بإشمام الراء ههنا وفي جميع القرآن : حمزة. وعن يعقوب بالسين في كل القرآن، وعن الكسائي بإشمام السين كل القرآن، والباقون بالصاد. " عليهم " : وإليهم ولديهم بضم الهاآت كل القرآن : حمزة وسهل ويعقوب. ضم كل ميم جمع يزيد وابن كثير غير ورش، بضم الميم عند ألف القطع فقط نحو ﴿أأنذرتهم أم﴾ [يس: ١٠].
الوقوف : العالمين ( لا ) لاتصال الصفة بالموصوف. الرحيم ( لا ) لذلك. الدين ( ط ) للعدول عن الغائب إلى المخاطب. نستعين ( ط ) لابتداء الدعاء. المستقيم ( لا ) لاتصال البدل بالمبدل. أنعمت عليهم ( لا ) لاتصال البدل أو الصفة. الضالين ( ٥ ).
و﴿صراط الذين أنعمت عليهم﴾ بدل الكل من ﴿الصراط المستقيم﴾ وفائدته التوكيد كقولك : هل أدلك على أكرم الناس وأفضلهم فلان ؟ ويكون ذلك أبلغ في وصفه بالكرم والفضل من قولك : هل أدلك على فلان الأكرم الأفضل، لأنك بينت ذكره مجملاً أوّلاً ومفصلاً ثانياً. وقراءة ابن مسعود ﴿صراط من أنعمت عليهم وغير المغضوب﴾ بدل من " الذين " أو صفة. وإنما جاز وقوعه صفة للمعرفة لأنه تعريف الذين كلاً تعريف كقوله :" ولقد أمر على اللئيم يسبني ". أو لأن المغضوب عليهم والضالين خلاف المنعم عليهم فهو كقولك : عليك بالحركة غير السكون ويجوز أن يكون بدلاً وإن كان نكرة من معرفة ولا نعت للإفادة. والفرق بين عليهم الأولى والثانية، أن الأولى محلها النصب على المفعولية، والثانية محلها الرفع على أنها مفعول أقيم مقام الفاعل.
وأصل النعمة المبالغة والزيادة يقال : دققت الدواء فأنعمت دقه أي بالغت في دقه. وكل ما في القرآن من ذكر النعمة بكسر النون فهي المنة والعطية. والنعمة بفتح النون التنعم وسعة العيش ﴿ونعمة كانوا فيها فاكهين﴾ [الدخان: ٢٧] والغضب في اللغة الشدة وقد عرفت معناه بحسب إطلاقه على الخلق وعلى الخالق. وأصل الضلال الغيبوبة ضل الماء في اللبن إذا غاب فيه، وضل الكافر غاب عن الحق. قال تعالى :﴿أئذا ضللنا في الأرض﴾ [السجدة: ١٠] و " غير " ههنا بمعنى " لا " و " لا " بمعنى " غير " ولذلك جاز عطف أحدهما على الآخر. تقول : أنا زيداً غير ضارب كما تقول : أنا زيداً لا ضارب. ويعضده ما قرئ وغير الضالين وقرأ أيوب السختياني ولا الضألين بالهمزة كما قرأ عمرو بن عبيد ﴿ولا جأنّ﴾.
في فوائد قوله ﴿صراط الذين أنعمت عليهم﴾ :
الأولى : حد النعمة بأنها المنفعة المفعولة على جهة الإحسان إلى الغير، لأنه لو قصد الفاعل منفعة نفسه أولاً على جهة الإحسان لم يكن نعمة فلا يستحق الشكر. ثم نقول : كل ما يصل إلى الخلق من نفع أو دفع ضر فهو من الله تعالى لقوله ﴿وما بكم من نعمة فمن الله﴾ [النحل: ٥٣] ولأن الواصل من جهة غير الله ينتهي إليه أيضاً لأنه الخالق لتلك النعمة، وكذلك للمنعم ولداعية ذلك الإنعام فيه. والنعم الواصلة إلينا بطاعاتنا هي أيضاً من الله تعالى لأنها بتوفيقه وإعانته بأن أتاح الأسباب وأزاح الأعذار. وأول نعمة من الله تعالى على عبيده نعمة الحياة التي بها يمكن الانتفاع بالمنافع والاحتراز عن المضارّ قال تعالى :﴿كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتاً فأحياكم﴾
[البقرة: ٢٨] ثم عقب ذلك بقوله ﴿هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعاً﴾ [البقرة: ٢٩].
الثانية : هل لله تعالى على الكافر نعمة أم لا ؟ أنكر ذلك بعض أصحابنا لوجوه منها : قوله ﴿صراط الذين أنعمت عليهم﴾ فإنه لو كان له على الكفار نعمة لزم طلب صراط الكفار لأن المبدل منه وهو الصراط المستقيم في حكم المنحى. والجواب أن قوله ﴿غير المغضوب عليهم ولا الضالين﴾ يدفع ذلك، ومنها قوله ﴿ولا يحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم خير لأنفسهم إنما نملي لهم ليزدادوا إثماً﴾ [آل عمران: ١٧٨] والجواب أنه لا يلزم من أن لا يكون الإملاء خيراً ونعمة لهم أن لا يكون أصل الحياة وسائر أسباب الانتفاع نعمة، فإن الإملاء تأخير النقمة بعد ثبوت استحقاقها، فما قبل هذه الحالة لا يكون كذلك. على أن نفس الإملاء أيضاً تمتيع حالي ﴿قال ومن كفر فأمتعه قليلاً ثم أضطره إلى عذاب النار﴾ [البقرة: ١٢٦] وليس هذا كمن جعل السم في الحلواء على ما ظن، وإنما هو كمن ناول شخصاً حلواء لذيذة غير مسمومة ولكن ذلك الشخص لفساد مزاجه أو لاستعماله الحلواء لا كما ينبغي أفسد مزاج الحلواء أيضاً وصيره كالسم القاتل بالنسبة إليه، ولهذا قال ﷺ :" نعم المال الصالح للرجل الصالح " وكيف لا تعم نعم الله تعالى وقد قال على العموم :﴿يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون. الذي جعل لكم الأرض فراشاً والسماء بناء وأنزل من السماء ماء﴾ [البقرة: ٢١، ٢٢] وقال :﴿وكنتم أمواتاً فأحياكم﴾ [البقرة: ٢٨] كل ذلك في معرض الامتنان وشرح النعم. وقال :﴿وقليل من عبادي الشكور﴾ [سبأ: ١٣] ﴿ولا تجد أكثرهم شاكرين﴾ [الأعراف: ١٧] والشكر لا يكون إلا بعد النعمة.
الثالثة : ما المراد بالنعمة المذكورة في قوله " ﴿أنعمت عليهم﴾ ؟ قلنا : يتناول كل من كان لله عليه نعمة دينية ودنيوية. ثم إنه يخرج بقوله ﴿غير المغضوب عليهم ولا الضالين﴾ كل من عليه نعمة دنيوية فقط ويبقى الذين أنعم الله عليهم في الدنيا والآخرة من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين. وكما أن أصل النعم الدنيوية هي الحياة المستتبعة لكل المنافع، فكذلك أصل النعم الدينية هو الإيمان المستلزم لجميع الخيرات والسعادات. وكما أن كمال البدن بالحياة فكمال النفس بالإيمان وموتها بفقده
﴿إنك لا تسمع الموتى﴾ [النمل: ٨٠] ﴿وما أنت بمسمع من في القبور﴾ [فاطر: ٢٢] وكما أن حياة البدن من الله فكذا الإيمان منه وبتوفيقه. وإضافة الإيمان إلى العبد إضافة الأثر إلى القابل وبذلك القبول يستأهل الثواب. والمؤمن لا يبقى مخلداً في النار، فإن من شرفه الله تعالى بأعظم الأنعام لن يعاقبه بأشد الآلام، فما الإنعام إلا بالإتمام. قيل : لو كان رعاية الأصلح على الله واجباً لم يكن ذلك إنعاماً لأن أداء الواجب لا يسمى إنعاماً. قلت : النزاع لفظي لأن الأصلح لابد أن يصدر عنه، ولا يليق بحكمته وكماله خلاف ذلك ثم ما شئت فسمه.
الثاني عشر في فوائد قوله ﴿غير المغضوب عليهم ولا الضالين﴾.
الأولى : من المغضوب عليهم ومن الضالون ؟ قلت : المغضوب عليهم هم المائلون في كل خلق أو اعتقاد إلى طرف التفريط ومنهم اليهود، والضالون هم المائلون إلى طرف الإفراط ومنهم النصارى. وإنما خص الأولون بالغضب عليهم لأن الغضب يلزمه البعد والطرد، والمفرّط في شيء هو المعرض عنه غير مجد بطائل فهو بعيد عن ذلك. وأما المفرط فقد أقبل عليه وجاوز حد الاعتدال، فغاب عن المقصود ومني بالحرمان ﴿كالذي استهوته الشياطين في الأرض حيران﴾ [الأنعام: ٧١] فاليهود فرطوا في شأن نبي الله ولم يطيعوه وآذوه حتى قالوا بعد أن نجاهم الله من عدوّهم
﴿يا موسى اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة﴾ [الأعراف: ١٣٨] ﴿لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة﴾ [البقرة: ٥٥] ولهذا قال عز من قائل ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين آذوا موسى فبرأه الله مما قالوا﴾ [الأحزاب: ٦٩] والنصارى أفرطوا وقالوا ﴿المسيح ابن الله﴾ [التوبة: ٣٠] ﴿إن الله ثالث ثلاثة﴾ [المائدة: ٧٣] روي عن عدي بن حاتم أن رسول الله ﷺ قال :﴿غير المغضوب عليهم اليهود والضالون النصارى﴾ وتصديق ذلك من كتاب الله حيث قال في اليهود ﴿وباءوا بغضب من الله﴾
[آل عمران: ١١٢] وفي النصارى ﴿وضلوا عن سواء السبيل﴾ [المائدة: ٧٧] هذا شأن الفريقين. وأما المؤمنون فطلبوا الوسط بين المنحرفين وذلك من لطف الله تعالى بهم وفضله عليهم ﴿وكذلك جعلناكم أمة وسطاً﴾ [البقرة: ١٤٣]﴿كنتم خير أمة أخرجت للناس﴾ [آل عمران: ١١٠] وخير الأمور أوسطها.
الثانية : الآية تدل على أن أحداً من الملائكة والأنبياء ما أقدم على عمل أو اعتقاد يخالف الحق وإلا لكان ضالاً لقوله تعالى ﴿فماذا بعد الحق إلا الضلال﴾ [يونس: ٣٢] يصلح للاقتداء به والاهتداء بطريقه.
الثالثة : ما الفائدة في أن عدل من أن يقول اهدنا صراط الذين أنعمت عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين إلى ما عدل ؟ قلت : الإيمان إنما يكمل بالرجاء والخوف كما قال ﷺ :﴿لو وزن خوف المؤمن ورجاؤه لاعتدلا﴾ فقوله ﴿صراط الذين أنعمت عليهم﴾ يدل على الرجاء، وباقي الآية يدل على الخوف، فيكمل الإيمان بطرفيه وركنيه.
[البقرة: ١٨٧] و﴿مس سقر﴾ [القمر: ٤٨] أو منقوصاً مثل ﴿وما كنت ترجو﴾ [القصص: ٨٦] و﴿كنت تراباً﴾ [النبأ: ٤٠] ونعني بالمنقوص الأجوف المحذوف العين أو مفتوحاً قبله ساكن مثل ﴿البحر لتأكلوا﴾ [النحل: ١٤] و﴿الحمير لتركبوها﴾ [النحل: ٨] إلا في مواضع أربعة ﴿كاد تزيغ﴾ [التوبة: ١١٧] و﴿قال رب﴾ [المؤمنون: ٢٦] في كل القرآن و﴿الصلاة طرفي النهار﴾ [هود: ١١٤] و﴿بعد توكيدها﴾ [النحل: ٩١] أو يكون الإظهار أخف من الإدغام نحو ﴿أفأنت تهدي﴾ [يونس: ٤٣] ﴿أفأنت تسمع﴾ [الزخرف: ٤٠] وعن يعقوب إدغام الجنسين في جميع القرآن إذا التقيا من كلمتين. " الصراط " بإشمام الراء ههنا وفي جميع القرآن : حمزة. وعن يعقوب بالسين في كل القرآن، وعن الكسائي بإشمام السين كل القرآن، والباقون بالصاد. " عليهم " : وإليهم ولديهم بضم الهاآت كل القرآن : حمزة وسهل ويعقوب. ضم كل ميم جمع يزيد وابن كثير غير ورش، بضم الميم عند ألف القطع فقط نحو ﴿أأنذرتهم أم﴾ [يس: ١٠].
الوقوف : العالمين ( لا ) لاتصال الصفة بالموصوف. الرحيم ( لا ) لذلك. الدين ( ط ) للعدول عن الغائب إلى المخاطب. نستعين ( ط ) لابتداء الدعاء. المستقيم ( لا ) لاتصال البدل بالمبدل. أنعمت عليهم ( لا ) لاتصال البدل أو الصفة. الضالين ( ٥ ).
و﴿صراط الذين أنعمت عليهم﴾ بدل الكل من ﴿الصراط المستقيم﴾ وفائدته التوكيد كقولك : هل أدلك على أكرم الناس وأفضلهم فلان ؟ ويكون ذلك أبلغ في وصفه بالكرم والفضل من قولك : هل أدلك على فلان الأكرم الأفضل، لأنك بينت ذكره مجملاً أوّلاً ومفصلاً ثانياً. وقراءة ابن مسعود ﴿صراط من أنعمت عليهم وغير المغضوب﴾ بدل من " الذين " أو صفة. وإنما جاز وقوعه صفة للمعرفة لأنه تعريف الذين كلاً تعريف كقوله :" ولقد أمر على اللئيم يسبني ". أو لأن المغضوب عليهم والضالين خلاف المنعم عليهم فهو كقولك : عليك بالحركة غير السكون ويجوز أن يكون بدلاً وإن كان نكرة من معرفة ولا نعت للإفادة. والفرق بين عليهم الأولى والثانية، أن الأولى محلها النصب على المفعولية، والثانية محلها الرفع على أنها مفعول أقيم مقام الفاعل.
وأصل النعمة المبالغة والزيادة يقال : دققت الدواء فأنعمت دقه أي بالغت في دقه. وكل ما في القرآن من ذكر النعمة بكسر النون فهي المنة والعطية. والنعمة بفتح النون التنعم وسعة العيش ﴿ونعمة كانوا فيها فاكهين﴾ [الدخان: ٢٧] والغضب في اللغة الشدة وقد عرفت معناه بحسب إطلاقه على الخلق وعلى الخالق. وأصل الضلال الغيبوبة ضل الماء في اللبن إذا غاب فيه، وضل الكافر غاب عن الحق. قال تعالى :﴿أئذا ضللنا في الأرض﴾ [السجدة: ١٠] و " غير " ههنا بمعنى " لا " و " لا " بمعنى " غير " ولذلك جاز عطف أحدهما على الآخر. تقول : أنا زيداً غير ضارب كما تقول : أنا زيداً لا ضارب. ويعضده ما قرئ وغير الضالين وقرأ أيوب السختياني ولا الضألين بالهمزة كما قرأ عمرو بن عبيد ﴿ولا جأنّ﴾.
في فوائد قوله ﴿صراط الذين أنعمت عليهم﴾ :
الأولى : حد النعمة بأنها المنفعة المفعولة على جهة الإحسان إلى الغير، لأنه لو قصد الفاعل منفعة نفسه أولاً على جهة الإحسان لم يكن نعمة فلا يستحق الشكر. ثم نقول : كل ما يصل إلى الخلق من نفع أو دفع ضر فهو من الله تعالى لقوله ﴿وما بكم من نعمة فمن الله﴾ [النحل: ٥٣] ولأن الواصل من جهة غير الله ينتهي إليه أيضاً لأنه الخالق لتلك النعمة، وكذلك للمنعم ولداعية ذلك الإنعام فيه. والنعم الواصلة إلينا بطاعاتنا هي أيضاً من الله تعالى لأنها بتوفيقه وإعانته بأن أتاح الأسباب وأزاح الأعذار. وأول نعمة من الله تعالى على عبيده نعمة الحياة التي بها يمكن الانتفاع بالمنافع والاحتراز عن المضارّ قال تعالى :﴿كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتاً فأحياكم﴾
[البقرة: ٢٨] ثم عقب ذلك بقوله ﴿هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعاً﴾ [البقرة: ٢٩].
الثانية : هل لله تعالى على الكافر نعمة أم لا ؟ أنكر ذلك بعض أصحابنا لوجوه منها : قوله ﴿صراط الذين أنعمت عليهم﴾ فإنه لو كان له على الكفار نعمة لزم طلب صراط الكفار لأن المبدل منه وهو الصراط المستقيم في حكم المنحى. والجواب أن قوله ﴿غير المغضوب عليهم ولا الضالين﴾ يدفع ذلك، ومنها قوله ﴿ولا يحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم خير لأنفسهم إنما نملي لهم ليزدادوا إثماً﴾ [آل عمران: ١٧٨] والجواب أنه لا يلزم من أن لا يكون الإملاء خيراً ونعمة لهم أن لا يكون أصل الحياة وسائر أسباب الانتفاع نعمة، فإن الإملاء تأخير النقمة بعد ثبوت استحقاقها، فما قبل هذه الحالة لا يكون كذلك. على أن نفس الإملاء أيضاً تمتيع حالي ﴿قال ومن كفر فأمتعه قليلاً ثم أضطره إلى عذاب النار﴾ [البقرة: ١٢٦] وليس هذا كمن جعل السم في الحلواء على ما ظن، وإنما هو كمن ناول شخصاً حلواء لذيذة غير مسمومة ولكن ذلك الشخص لفساد مزاجه أو لاستعماله الحلواء لا كما ينبغي أفسد مزاج الحلواء أيضاً وصيره كالسم القاتل بالنسبة إليه، ولهذا قال ﷺ :" نعم المال الصالح للرجل الصالح " وكيف لا تعم نعم الله تعالى وقد قال على العموم :﴿يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون. الذي جعل لكم الأرض فراشاً والسماء بناء وأنزل من السماء ماء﴾ [البقرة: ٢١، ٢٢] وقال :﴿وكنتم أمواتاً فأحياكم﴾ [البقرة: ٢٨] كل ذلك في معرض الامتنان وشرح النعم. وقال :﴿وقليل من عبادي الشكور﴾ [سبأ: ١٣] ﴿ولا تجد أكثرهم شاكرين﴾ [الأعراف: ١٧] والشكر لا يكون إلا بعد النعمة.
الثالثة : ما المراد بالنعمة المذكورة في قوله " ﴿أنعمت عليهم﴾ ؟ قلنا : يتناول كل من كان لله عليه نعمة دينية ودنيوية. ثم إنه يخرج بقوله ﴿غير المغضوب عليهم ولا الضالين﴾ كل من عليه نعمة دنيوية فقط ويبقى الذين أنعم الله عليهم في الدنيا والآخرة من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين. وكما أن أصل النعم الدنيوية هي الحياة المستتبعة لكل المنافع، فكذلك أصل النعم الدينية هو الإيمان المستلزم لجميع الخيرات والسعادات. وكما أن كمال البدن بالحياة فكمال النفس بالإيمان وموتها بفقده
﴿إنك لا تسمع الموتى﴾ [النمل: ٨٠] ﴿وما أنت بمسمع من في القبور﴾ [فاطر: ٢٢] وكما أن حياة البدن من الله فكذا الإيمان منه وبتوفيقه. وإضافة الإيمان إلى العبد إضافة الأثر إلى القابل وبذلك القبول يستأهل الثواب. والمؤمن لا يبقى مخلداً في النار، فإن من شرفه الله تعالى بأعظم الأنعام لن يعاقبه بأشد الآلام، فما الإنعام إلا بالإتمام. قيل : لو كان رعاية الأصلح على الله واجباً لم يكن ذلك إنعاماً لأن أداء الواجب لا يسمى إنعاماً. قلت : النزاع لفظي لأن الأصلح لابد أن يصدر عنه، ولا يليق بحكمته وكماله خلاف ذلك ثم ما شئت فسمه.
الثاني عشر في فوائد قوله ﴿غير المغضوب عليهم ولا الضالين﴾.
الأولى : من المغضوب عليهم ومن الضالون ؟ قلت : المغضوب عليهم هم المائلون في كل خلق أو اعتقاد إلى طرف التفريط ومنهم اليهود، والضالون هم المائلون إلى طرف الإفراط ومنهم النصارى. وإنما خص الأولون بالغضب عليهم لأن الغضب يلزمه البعد والطرد، والمفرّط في شيء هو المعرض عنه غير مجد بطائل فهو بعيد عن ذلك. وأما المفرط فقد أقبل عليه وجاوز حد الاعتدال، فغاب عن المقصود ومني بالحرمان ﴿كالذي استهوته الشياطين في الأرض حيران﴾ [الأنعام: ٧١] فاليهود فرطوا في شأن نبي الله ولم يطيعوه وآذوه حتى قالوا بعد أن نجاهم الله من عدوّهم
﴿يا موسى اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة﴾ [الأعراف: ١٣٨] ﴿لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة﴾ [البقرة: ٥٥] ولهذا قال عز من قائل ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين آذوا موسى فبرأه الله مما قالوا﴾ [الأحزاب: ٦٩] والنصارى أفرطوا وقالوا ﴿المسيح ابن الله﴾ [التوبة: ٣٠] ﴿إن الله ثالث ثلاثة﴾ [المائدة: ٧٣] روي عن عدي بن حاتم أن رسول الله ﷺ قال :﴿غير المغضوب عليهم اليهود والضالون النصارى﴾ وتصديق ذلك من كتاب الله حيث قال في اليهود ﴿وباءوا بغضب من الله﴾
[آل عمران: ١١٢] وفي النصارى ﴿وضلوا عن سواء السبيل﴾ [المائدة: ٧٧] هذا شأن الفريقين. وأما المؤمنون فطلبوا الوسط بين المنحرفين وذلك من لطف الله تعالى بهم وفضله عليهم ﴿وكذلك جعلناكم أمة وسطاً﴾ [البقرة: ١٤٣]﴿كنتم خير أمة أخرجت للناس﴾ [آل عمران: ١١٠] وخير الأمور أوسطها.
الثانية : الآية تدل على أن أحداً من الملائكة والأنبياء ما أقدم على عمل أو اعتقاد يخالف الحق وإلا لكان ضالاً لقوله تعالى ﴿فماذا بعد الحق إلا الضلال﴾ [يونس: ٣٢] يصلح للاقتداء به والاهتداء بطريقه.
الثالثة : ما الفائدة في أن عدل من أن يقول اهدنا صراط الذين أنعمت عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين إلى ما عدل ؟ قلت : الإيمان إنما يكمل بالرجاء والخوف كما قال ﷺ :﴿لو وزن خوف المؤمن ورجاؤه لاعتدلا﴾ فقوله ﴿صراط الذين أنعمت عليهم﴾ يدل على الرجاء، وباقي الآية يدل على الخوف، فيكمل الإيمان بطرفيه وركنيه.