الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي
عن الكتاب
قوله تعالى :﴿صِرَاطَ الَّذِينَ﴾ : بدلٌ منه بدلُ كلٍ من كل، وهو بدلُ معرفةٍ من معرفة، والبدلُ سبعة أقسام، على خلافٍ في بعضها، بدلُ كلٍ من كل، بدلُ بعض من كل، بدلُ اشتمال، بدل غلط، بدل نسيان، بدل بَداء، بدل كل من بعض. أمّا الأقسامُ الثلاثة الأُوَلُ فلا خلافَ فيها، وأمّا بَدَلُ البَدَاء فأثبته بعضهم مستدلاً بقوله عليه السلام :" إنَّ الرجل ليصلي الصلاةَ، وما كُتب له نصفُها ثلثُها ربعُها إلى العُشْر "، ولا يَرِدُ هذا في القرآن، وأمّا الغَلطُ والنِّسيانُ فأثبتهما بعضُهم مستدلاً بقول ذي الرمة :
قال : لأنَّ الحُوَّة السوادُ الخالص، واللَّعَسُ سوادٌ يَشُوبه حمرة. ولا يَرِدُ هذان البدلان في كلامٍ فصيحٍ، وأمَّا بدلُ الكلِّ من البعضِ فأثبته بعضُهم مستدلاً بظاهر قوله :
وفي روايةِ مَنْ نَصَبَ " طلحة " قال : لأن الأعظُمَ بعضُ طلحة، وطلحة كلٌ، وقد أُبْدِل منها، واستدلَّ على ذلك أيضاً بقول امرئ القيس :
فغذاةَ بعضُ اليوم، وقَد أبدل " اليومَ " منها. ولا حُجَّة في البيتين، أمَّا الأولُ : فإن الأصل : أعظُماً دفنُوها أعظمَ طلحة، ثم حُذِفَ المضافُ وأُقيم المضاف إليه مُقامه، ويَدُلُّ على ذلك الروايةُ المشهورة وهي جر " طلحة "، على أن الأصل : أعظُمَ طلحة، ولم يُقِم المضافَ إليه مُقامَ المضاف، وأمَّا الثاني فإن اليوم يُطلق على القطعة من الزمان كما تقدَّم. ولكلِّ مذهبٍ من هذه المذاهب دلائلُ وإيرادات وأجوبةٌ، موضوعُها كتب النحو.
وقيل : إن الصراطَ الثاني غيرُ الأول والمرادُ به العِلْمُ بالله تعالى، قاله جعفر بن محمد، وعلى هذا فتخريجُه أن يكونَ معطوفاً حُذِف منه حرفُ العطفِ وبالجملةِ فهو مُشْكِلٌ.
والبدلُ ينقسِمُ أيضاً إلى بدلِ معرفةٍ من معرفة ونكرةٍ من نكرة ومعرفةٍ من نكرة ونكرة من معرفة، وينقسم أيضاً إلى بدلِ ظاهرٍ من ظاهرٍ ومضمرٍ من مضمرٍ وظاهرٍ من مضمر ومضمرٍ من ظاهر. وفائدةُ البدلِ : الإِيضاحُ بعد الإِبهام، ولأنه يُفيد تأكيداً من حيث المعنى إذ هو على نيَّةِ تكرارِ العاملِ.
و " الذين " في محلِّ جرٍّ بالإِضافة، وهو اسمٌ موصولٌ لافتقارِه إلى صلةٍ وعائدٍ وهو جمع " الذي " في المعنى، والمشهورُ فيه أن يكون بالياء رفعاً ونصباً وجراً، وبعضهم يرفعه بالواو جَرْياً له مَجْرى جمعِ المذكر السالم ومنه :
وقد تُحْذف نونه استطالةً بصلتِه، كقوله :
ولا يقع إلا على أولي العلم جَرْياً به مَجْرى جمعِ المذكرِ السالمِ، بخلاف مفرده، فإنه يقع على أولي العلمِ وغيرهم.
وأَنْعَمْتَ : فعلٌ وفاعلٌ صلةُ الموصول، والتاءُ في " أنعمتَ " ضميرُ المخاطبِ ضميرٌ مرفوعٌ متصلٌ. و " عليهم " جارٌّ ومجرور متعلقٌ بأَنْعمت، والضميرُ هوالعائد وهو ضميرُ جمعِ المذكَّرِين العقلاءِ، ويستوي لفظُ متصلهِ ومنفصلهِ.
والهمزة في " أَنْعمت " لجَعْلِ الشيء صاحبَ ما صيغ منه فحقُّه أن يتعدَّى بنفسه ولكنه ضُمِّن معنى تفضَّل فتعدَّى تعديَتَه. ولأفعل أربعةٌ وعشرون معنى، تقدَّم واحدٌ، والباقي : التعديةُ نحو : أخرجته، والكثرة نحو : أَظْبى المكان أي كَثُر ظِباؤه، والصيرورة نحو : أَغَدَّ البعير صار ذا غُدَّة، والإِعانة نحو : أَحْلَبْتُ فلاناً أي أَعَنْتُه على الحَلْب، والسَّلْب نحو : أَشْكَيْتُه أي : أَزَلْتُ شِكايته، والتعريض نحو : أَبَعْتُ المتاعَ أي : عَرَضْتُه للبيع، وإصابة الشيء بمعنى ما صيغ منه نحو : أَحْمدته أي وجدتُه محموداً، وبلوغُ عدد نحو : أَعْشَرَتِ الدراهم، أي : بَلَغَتْ عشرةً، أو بلوغُ زمانٍ نحو أَصْبح، أو مكان نحو : أَشْأَمَ، وموافقهُ الثلاثي نحو : أَحَزْتُ المكانِ بمعنى حُزْته، أو أغنى عن الثلاثي نحو : أَرْقَلَ البعير، ومطاوعة فَعَل نحو : قَشَع الريحُ فَأقْشع السحابُ، ومطاوعة فَعَّل نحو : قَطَّرْته فَأَقْطَرَ، ونفي الغزيرة نحو : أَسْرع، والتسمية نحو : أخْطَأْتُه أي سَمَّيْتُه مخطئاً، والدعاء نحو : أَسْقيته أي قلت له : سَقاك الله، والاستحقاق نحو : أَحْصَدَ الزرعُ أي استحق الحصاد، والوصولُ نحو : أَعْقَلْته، أي : وَصَّلْتُ عَقْلِي إليه، والاستقبال نحو/ : أفَفْتُه أي استقبلته بقولي أُفّ، والمجيء بالشيء نحو : أكثرتُ أي جئتُ بالكثير، والفرقُ بين أَفْعَل وفَعَل نحو : أشرقت الشمس أضاءت، وشَرَقَتْ : طَلَعت، والهجومُ نحو : أَطْلَعْتُ على القوم أي : اطَّلَعْتُ عليهم.
و " على " حرف استعلاء حقيقةً أو مجَازاً، نحو : عليه دَيْنٌ، ولها معانٍ أُخَرُ، منها : المجاوزة كقوله :
أي : عني، وبمعنى الباء :﴿حَقِيقٌ عَلَى أَنْ لاَّ أَقُولَ﴾ [الأعراف: ١٠٥] أي بأَنْ، وبمعنى في :﴿مَا تَتْلُواْ الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ﴾ [البقرة: ١٠٢] أي : في ملك، والمصاحبة نحو :﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى﴾ [البقرة: ١٧٧] والتعليل نحو :﴿وَلِتُكَبِّرُواْ اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٥]، أي : لأجل هدايته إياكم، وبمعنى مِنْ :﴿حَافِظُونَ * إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ﴾ [المؤمنون: ٥ - ٦] أي : إلا من أزواجهم، والزيادة كقوله :
لأن " تروق " يتعدَّى بنفسه، ولكلِّ موضعٍ من هذه المواضع مجالٌ للنظر.
وهي مترددةٌ بين الحرفية والاسمية، فتكونُ اسماً في موضعين، أحدُهما : أَنْ يدخلَ عليها حرفُ الجر كقوله :
ومعناها معنى فوق، أي من فوقه، والثاني : أن يُؤَدِّيَ جَعْلُها حرفاً إلى تعدِّي فعلِ المضمرِ المنفصل إلى ضميرِه المتصلِ في غيرِ المواضعِ الجائزِ فيها ذلك كقوله :
ومثلُها في هذين الحكمين : عَنْ، وستأتي إن شاء الله تعالى.
وزعم بعضُهم أنَّ " على " مترددة بين الاسم والفعل والحرف : أمَّا الاسمُ والحرفُ فقد تقدَّما، وأمَّا الفعلُ قال : فإنك تقول :" علا زيدٌ " أي ارتفع وفي هذا نظرٌ، لأنَّ " على " إذا كان فعلاً مشتقٌ من العلوِّ، وإذا كان اسماً أو حرفاً فلا اشتقاقَ له فليس هو ذاك، إلا أنَّ هذا القائلَ يَرُدُّ هذا النظرَ بقولهم : إن خَلاَ وعدا مترددان بين الفعلية والحرفية، ولم يلتفتوا إلى هذا النظر.
والأصل في هاء الكناية الضمُّ، فإنْ تقدَّمها ياءٌ ساكنة أو كسرة كسرها غيرُ الحجازيين، نحو : عَلَيْهِم وفيهم وبهم، والمشهورُ في ميمها السكونُ قبل متحرك والكسرُ قبل ساكنٍ، هذا إذا كَسَرْتَ الهاءَ، أمّا إذا ضَمَمْتَ فالكسرُ ممتنعٌ إلا في ضرورة كقوله :" وفيهُمِ الحكام " بكسر الميم.
وفي " عليهم " عشر لغات قُرئ ببعضها : عليهِمْ الهاء وضمِّها مع سكون الميم، عليهِمي، عَلَيْهُمُ، عليهِمُو : بكسر الهاء وضم الميم بزيادة الواو، عليهُمي بضم الهاء وزيادة ياء بعد الميم أو بالكسر فقط، عليِهِمُ بكسر الهاء وضم الميم، ذكر ذلك أبو بكر ابن الأنباري.
و " غيرِ " بدلٌ من " الذين " بدلُ نكرة من معرفة، وقيل : نعتٌ للذين وهو مشكلٌ لأن " غير " نكرةٌ و " الذين " معرفةٌ، وأجابوا عنه بجوابين : أحدهما : أن " غير " إنما يكون نكرةً إذا لم يقع بين ضدين، فأمَّا إذا وقع بين ضدين فقد انحصرت الغَيْريَّةُ فيتعرَّفُ " غير " حينئذٍ بالإِضافة، تقول : مررتُ بالحركة غير " السكون " والآيةُ من هذا القبيل، وهذا إنما يتمشَّى على مذهب ابن السراج وهو مرجوح. والثاني : أن الموصولَ أَشْبَهَ النكرات في الإِبهام الذي فيه فعومل معاملةَ النكراتِ، وقيل : إنَّ " غير " بدلٌ من الضمير المجرور في " عليهم "، وهذا يُشْكِلُ على قول مَنْ يرى أن البدلَ يَحُلُّ محلَّ المبدل منه، ويُنوَى بالأول الطرحُ، إذ يلزم منه خَلوُّ الصلة من العائدِ، ألا ترى أنَّ التقديرَ يصير : صراطَ الذين أنعمت على غيرِ المغضوبِ عليهم.
و " المغضوب " : خفضٌ بالإِضافةِ، وهو اسمُ مفعول، والقائمُ مقامَ الفاعلِ الجارُّ والمجرور، ف " عَليهم " الأولى منصوبةُ المحلِّ والثانيةُ مرفوعتُه، وأَلْ فيه موصولةٌ والتقديرُ : غيرِ الذين غُضِبَ عليهم. والصحيحُ في ألْ الموصولة أنها اسمٌ لا حرفٌ.
واعلَمْ أنَّ لفظَ " غير " مفردٌ مذكرٌ أبداً، إلا أنه إنْ أريد به مؤنثٌ جاز تأنيثُ فعلِه المسندِ إليه، تقول : قامت غيرُك، وأنت تعني امرأة، وهي في الأصل صفةٌ بمعنى اسم الفاعل وهو مغايرٌ، ولذلك لا يتعرَّف بالإِضافة، وكذلك أخواتُها، أعني نحوَ : مثل وشِبْه وشبيه وخِدْن وتِرْب، وقد يُستثنى بها حَمْلاً على " إلاّ "، كما يوصف بإلاّ حَمْلاً عليها، وقد يُرَاد بها النفيُ ك لا، فيجوز تقديمُ معمولِ معمولها عليها كما يجوز في " لا " تقول : أنا زيداً غيرُ ضاربٍ، أي غير ضاربٍ زيداً، ومنه قول الشاعر :
تقديرُه : لغيرُ مكفورٍ عندي، ولا يجوز ذلك فيها إذا كَانَتْ لغير النفي، لو قلت : جاء القومُ زيداً غيرَ ضاربٍ، تريد : غيرَ ضاربٍ زيداً لم يَجُزْ، لأنها ليست بمعنى " لا " التي يجوز فيها ذلك على الصحيح من الأقوالِ في " لا ". وفيها قولٌ ثانٍ يمنعُ ذلك مطلقاً، وقولٌ ثالثٌ : مفصِّلٌ بين أن تكونَ جوابَ قَسَمٍ فيمتنعَ فيها ذلك وبين أن لا تكونَ فيجوزَ.
وهي من الألفاظ الملازمة للإِضافة لفظاً أو تقديراً، فإدخالُ الألفِ واللامِ عليها خطأٌ.
وقرئ " غيرَ " نصباً، فقيل : حالٌ من " الذين " وهو ضعيفٌ لمجيئهِ من المضافِ إليه في غير المواضعِ الجائزِ فيها ذلك، كما ستعرِفُه إن شاء الله تعالى، وقيل : من الضمير في " عليهم " وقيل : على الاستثناءِ المنقطعِ، ومنعه الفراء قال : لأن " لا " لا تُزاد إلا إذا تقدَّمها نفيٌ، كقوله :
وأجابوا بأنَّ " لا " صلةٌ زائدةٌ، مِثْلُها في قوله تعالى :﴿مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ﴾ [الأعراف: ١٢] وقول الشاعر :
وما ألومُ البيضَ ألاَّ تَسْخَرا. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وقول الآخر :
وقول الآخر :
| لَمْياءُ في شفَتْيها حُوَّةٌ لَعَسٌ | وفي اللِّثاثِ وفي أَنْيابِها شَنَبُ |
| رَحِم اللهُ أَعْظُماً دَفَنُوها | بسجِسْتَان طَلْحَةَ الطَّلَحاتِ |
| كأني غداةَ البَيْنِ يومَ تَحَمَّلوا | لدى سَمُراتِ الحَيِّ ناقِفُ حَنْظَلِ |
وقيل : إن الصراطَ الثاني غيرُ الأول والمرادُ به العِلْمُ بالله تعالى، قاله جعفر بن محمد، وعلى هذا فتخريجُه أن يكونَ معطوفاً حُذِف منه حرفُ العطفِ وبالجملةِ فهو مُشْكِلٌ.
والبدلُ ينقسِمُ أيضاً إلى بدلِ معرفةٍ من معرفة ونكرةٍ من نكرة ومعرفةٍ من نكرة ونكرة من معرفة، وينقسم أيضاً إلى بدلِ ظاهرٍ من ظاهرٍ ومضمرٍ من مضمرٍ وظاهرٍ من مضمر ومضمرٍ من ظاهر. وفائدةُ البدلِ : الإِيضاحُ بعد الإِبهام، ولأنه يُفيد تأكيداً من حيث المعنى إذ هو على نيَّةِ تكرارِ العاملِ.
و " الذين " في محلِّ جرٍّ بالإِضافة، وهو اسمٌ موصولٌ لافتقارِه إلى صلةٍ وعائدٍ وهو جمع " الذي " في المعنى، والمشهورُ فيه أن يكون بالياء رفعاً ونصباً وجراً، وبعضهم يرفعه بالواو جَرْياً له مَجْرى جمعِ المذكر السالم ومنه :
| نحن اللذونَ صَبَّحوا الصَّباحا | يومَ النُّخَيْلِ غَارةً مِلْحاحَا |
| وإنَّ الذي حَانَتْ بفَلْجٍ دماؤُهُمْ | هم القومُ كلُّ القومِ يا أمَّ خالدِ |
وأَنْعَمْتَ : فعلٌ وفاعلٌ صلةُ الموصول، والتاءُ في " أنعمتَ " ضميرُ المخاطبِ ضميرٌ مرفوعٌ متصلٌ. و " عليهم " جارٌّ ومجرور متعلقٌ بأَنْعمت، والضميرُ هوالعائد وهو ضميرُ جمعِ المذكَّرِين العقلاءِ، ويستوي لفظُ متصلهِ ومنفصلهِ.
والهمزة في " أَنْعمت " لجَعْلِ الشيء صاحبَ ما صيغ منه فحقُّه أن يتعدَّى بنفسه ولكنه ضُمِّن معنى تفضَّل فتعدَّى تعديَتَه. ولأفعل أربعةٌ وعشرون معنى، تقدَّم واحدٌ، والباقي : التعديةُ نحو : أخرجته، والكثرة نحو : أَظْبى المكان أي كَثُر ظِباؤه، والصيرورة نحو : أَغَدَّ البعير صار ذا غُدَّة، والإِعانة نحو : أَحْلَبْتُ فلاناً أي أَعَنْتُه على الحَلْب، والسَّلْب نحو : أَشْكَيْتُه أي : أَزَلْتُ شِكايته، والتعريض نحو : أَبَعْتُ المتاعَ أي : عَرَضْتُه للبيع، وإصابة الشيء بمعنى ما صيغ منه نحو : أَحْمدته أي وجدتُه محموداً، وبلوغُ عدد نحو : أَعْشَرَتِ الدراهم، أي : بَلَغَتْ عشرةً، أو بلوغُ زمانٍ نحو أَصْبح، أو مكان نحو : أَشْأَمَ، وموافقهُ الثلاثي نحو : أَحَزْتُ المكانِ بمعنى حُزْته، أو أغنى عن الثلاثي نحو : أَرْقَلَ البعير، ومطاوعة فَعَل نحو : قَشَع الريحُ فَأقْشع السحابُ، ومطاوعة فَعَّل نحو : قَطَّرْته فَأَقْطَرَ، ونفي الغزيرة نحو : أَسْرع، والتسمية نحو : أخْطَأْتُه أي سَمَّيْتُه مخطئاً، والدعاء نحو : أَسْقيته أي قلت له : سَقاك الله، والاستحقاق نحو : أَحْصَدَ الزرعُ أي استحق الحصاد، والوصولُ نحو : أَعْقَلْته، أي : وَصَّلْتُ عَقْلِي إليه، والاستقبال نحو/ : أفَفْتُه أي استقبلته بقولي أُفّ، والمجيء بالشيء نحو : أكثرتُ أي جئتُ بالكثير، والفرقُ بين أَفْعَل وفَعَل نحو : أشرقت الشمس أضاءت، وشَرَقَتْ : طَلَعت، والهجومُ نحو : أَطْلَعْتُ على القوم أي : اطَّلَعْتُ عليهم.
و " على " حرف استعلاء حقيقةً أو مجَازاً، نحو : عليه دَيْنٌ، ولها معانٍ أُخَرُ، منها : المجاوزة كقوله :
| إذا رَضِيَتْ عليَّ بنو قُشَيْر | لَعَمْرُ الله أعجبني رضاها |
| أبى الله إلاَّ أنَّ سَرْحَةَ مالكٍ | على كلِّ أَفْنانِ العِضاهِ تَرُوقُ |
وهي مترددةٌ بين الحرفية والاسمية، فتكونُ اسماً في موضعين، أحدُهما : أَنْ يدخلَ عليها حرفُ الجر كقوله :
| غَدَتْ مِنْ عليه بعد ما تَمَّ ظِمْؤُها | تَصِلُ وعن قَيْضٍ بزَيْزَاءَ مَجْهَلِ |
| هَوِّنْ عليكَ فإنَّ الأمورَ | بكفِّ الإِلهِ مقاديرُها |
وزعم بعضُهم أنَّ " على " مترددة بين الاسم والفعل والحرف : أمَّا الاسمُ والحرفُ فقد تقدَّما، وأمَّا الفعلُ قال : فإنك تقول :" علا زيدٌ " أي ارتفع وفي هذا نظرٌ، لأنَّ " على " إذا كان فعلاً مشتقٌ من العلوِّ، وإذا كان اسماً أو حرفاً فلا اشتقاقَ له فليس هو ذاك، إلا أنَّ هذا القائلَ يَرُدُّ هذا النظرَ بقولهم : إن خَلاَ وعدا مترددان بين الفعلية والحرفية، ولم يلتفتوا إلى هذا النظر.
والأصل في هاء الكناية الضمُّ، فإنْ تقدَّمها ياءٌ ساكنة أو كسرة كسرها غيرُ الحجازيين، نحو : عَلَيْهِم وفيهم وبهم، والمشهورُ في ميمها السكونُ قبل متحرك والكسرُ قبل ساكنٍ، هذا إذا كَسَرْتَ الهاءَ، أمّا إذا ضَمَمْتَ فالكسرُ ممتنعٌ إلا في ضرورة كقوله :" وفيهُمِ الحكام " بكسر الميم.
وفي " عليهم " عشر لغات قُرئ ببعضها : عليهِمْ الهاء وضمِّها مع سكون الميم، عليهِمي، عَلَيْهُمُ، عليهِمُو : بكسر الهاء وضم الميم بزيادة الواو، عليهُمي بضم الهاء وزيادة ياء بعد الميم أو بالكسر فقط، عليِهِمُ بكسر الهاء وضم الميم، ذكر ذلك أبو بكر ابن الأنباري.
و " غيرِ " بدلٌ من " الذين " بدلُ نكرة من معرفة، وقيل : نعتٌ للذين وهو مشكلٌ لأن " غير " نكرةٌ و " الذين " معرفةٌ، وأجابوا عنه بجوابين : أحدهما : أن " غير " إنما يكون نكرةً إذا لم يقع بين ضدين، فأمَّا إذا وقع بين ضدين فقد انحصرت الغَيْريَّةُ فيتعرَّفُ " غير " حينئذٍ بالإِضافة، تقول : مررتُ بالحركة غير " السكون " والآيةُ من هذا القبيل، وهذا إنما يتمشَّى على مذهب ابن السراج وهو مرجوح. والثاني : أن الموصولَ أَشْبَهَ النكرات في الإِبهام الذي فيه فعومل معاملةَ النكراتِ، وقيل : إنَّ " غير " بدلٌ من الضمير المجرور في " عليهم "، وهذا يُشْكِلُ على قول مَنْ يرى أن البدلَ يَحُلُّ محلَّ المبدل منه، ويُنوَى بالأول الطرحُ، إذ يلزم منه خَلوُّ الصلة من العائدِ، ألا ترى أنَّ التقديرَ يصير : صراطَ الذين أنعمت على غيرِ المغضوبِ عليهم.
و " المغضوب " : خفضٌ بالإِضافةِ، وهو اسمُ مفعول، والقائمُ مقامَ الفاعلِ الجارُّ والمجرور، ف " عَليهم " الأولى منصوبةُ المحلِّ والثانيةُ مرفوعتُه، وأَلْ فيه موصولةٌ والتقديرُ : غيرِ الذين غُضِبَ عليهم. والصحيحُ في ألْ الموصولة أنها اسمٌ لا حرفٌ.
واعلَمْ أنَّ لفظَ " غير " مفردٌ مذكرٌ أبداً، إلا أنه إنْ أريد به مؤنثٌ جاز تأنيثُ فعلِه المسندِ إليه، تقول : قامت غيرُك، وأنت تعني امرأة، وهي في الأصل صفةٌ بمعنى اسم الفاعل وهو مغايرٌ، ولذلك لا يتعرَّف بالإِضافة، وكذلك أخواتُها، أعني نحوَ : مثل وشِبْه وشبيه وخِدْن وتِرْب، وقد يُستثنى بها حَمْلاً على " إلاّ "، كما يوصف بإلاّ حَمْلاً عليها، وقد يُرَاد بها النفيُ ك لا، فيجوز تقديمُ معمولِ معمولها عليها كما يجوز في " لا " تقول : أنا زيداً غيرُ ضاربٍ، أي غير ضاربٍ زيداً، ومنه قول الشاعر :
| إنَّ امرأً خَصَّني عَمْداً مودَّتَه | على التنائي لَعِنْدي غيرُ مَكْفورِ |
وهي من الألفاظ الملازمة للإِضافة لفظاً أو تقديراً، فإدخالُ الألفِ واللامِ عليها خطأٌ.
وقرئ " غيرَ " نصباً، فقيل : حالٌ من " الذين " وهو ضعيفٌ لمجيئهِ من المضافِ إليه في غير المواضعِ الجائزِ فيها ذلك، كما ستعرِفُه إن شاء الله تعالى، وقيل : من الضمير في " عليهم " وقيل : على الاستثناءِ المنقطعِ، ومنعه الفراء قال : لأن " لا " لا تُزاد إلا إذا تقدَّمها نفيٌ، كقوله :
| ما كان يَرْضَى رسولُ الله فِعْلَهما | والطيبان أبو بكرٍ ولا عُمَرُ |
وما ألومُ البيضَ ألاَّ تَسْخَرا. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وقول الآخر :
| وَيلْحَيْنَني في اللهو ألاَّ أُحِبُّه | وللَّهوِ داعٍ دائبٌ غيرُ غافلِ |
| أَبَى جودُه لا البخلَ واستعجلتْ نَعَمْ | به مِنْ فتىً لا يمنعُ |