البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — ابن عجيبة
عن الكتاب
فالمطلوب: إما زيادةُ ما مُنحوه من الهدى والثباتُ عليه، أو حصولُ المراتب المترتبة عليه، فإذا قال العارفُ الواصل عَنَى بقوله: أرشدنا طريق السير فيك، لتمحُوَ عنا ظلماتِ أحوالنا، وتُمِيطَ غواشِيَ أبداننا، لنستضيء بنور قدسك فنراكَ بنورك. هـ.
قلت: قوله الرابع... الخ، في عبارته قَلَقٌ واختصار، والصواب أن يقول: الرابع- أن يكشف عن قلوبهم الظُّلَمَ والأغيار، ويُشرق عليها الأنوار والأسرار، ويُريهم الأشياء كما هي بالوحي والإلهام، وباستعمال الفكرة في عظمةِ الملك العلاَّم، حتى تستولي أنوارُ المعاني على حِسِّ الأواني، ثم يقول: وهذا قسم يختصّ بنيله الأنبياء والأولياء.
وقوله: فإذا قال العارف.. الخ، الصواب أن يقول: فإذا قاله المريد السائر لأن الواصل انمحت عنه الظلماتُ كلها والغواشي وسائرُ الأكدار لأن الله تعالى غطَّى وصفه بوصفه ونعته بنعته، فلم يَبْقَ له وصفٌ ظُلماني. وأيضاً قوله: [أرشدنا إلى طريق السير] إنما يناسب السائر دون الواصل لأن الواصل ما بَقِيَ له إلا الترقي، ولا يُسمى في اصطلاح الصوفية [السير] إلا قبلَ الوصول. والله تعالى أعلم.
ثم فسرّ الطريق المستقيم، فقال:
قلت: (صراط) بدل من الأول- بدل الكل من الكل- وهو في حكم تكرير العامل من حيث إنه المقصود بالنسبة، وفائدته: التوكيد والتنصيص على أن طريق المسلمين هو المشهود عليه بالاستقامة، على آكد وجه وأبلغه لأنه جعله كالتفسير والبيان له، فكأنه من البيِّن الذي لا خفاء فيه، وأن الصراط المستقيم ما يكون طريق المؤمنين، وغَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ بدل من (الذين) على معنى أن المنعم عليهم هم الذين سَلِمُوا من الغضب والضلال.
أو صفة له مُبيَّنة أو مقيدة على معنى أنهم جمعوا بين النعمة المطلقة، وهي نعمة الإيمان، وبين السلامة من الغضب والضلال، وذلك إنما يصح بأحد تأويلين: إجراء الموصول مجرى النكرة، إذ لم يُقصد به معهود كالمعرَّف في قوله:
ولَقَد أَمُرُ علُى اللئيم يَسُبنّي «١»...
أو يُجعل (غير) مَعْرِفةً لأنه أُضيف إلى مآلَهُ ضدٍّ واحد، وهو المنعمُ عليه، فيتعينُ تَعيُّن الحركة غير السكون، وإلا لزِم عليه نعت المعرفة بالنكرة. فتأملْهُ.
قلت: قوله الرابع... الخ، في عبارته قَلَقٌ واختصار، والصواب أن يقول: الرابع- أن يكشف عن قلوبهم الظُّلَمَ والأغيار، ويُشرق عليها الأنوار والأسرار، ويُريهم الأشياء كما هي بالوحي والإلهام، وباستعمال الفكرة في عظمةِ الملك العلاَّم، حتى تستولي أنوارُ المعاني على حِسِّ الأواني، ثم يقول: وهذا قسم يختصّ بنيله الأنبياء والأولياء.
وقوله: فإذا قال العارف.. الخ، الصواب أن يقول: فإذا قاله المريد السائر لأن الواصل انمحت عنه الظلماتُ كلها والغواشي وسائرُ الأكدار لأن الله تعالى غطَّى وصفه بوصفه ونعته بنعته، فلم يَبْقَ له وصفٌ ظُلماني. وأيضاً قوله: [أرشدنا إلى طريق السير] إنما يناسب السائر دون الواصل لأن الواصل ما بَقِيَ له إلا الترقي، ولا يُسمى في اصطلاح الصوفية [السير] إلا قبلَ الوصول. والله تعالى أعلم.
ثم فسرّ الطريق المستقيم، فقال:
[سورة الفاتحة (١) : آية ٧]
صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ (٧)قلت: (صراط) بدل من الأول- بدل الكل من الكل- وهو في حكم تكرير العامل من حيث إنه المقصود بالنسبة، وفائدته: التوكيد والتنصيص على أن طريق المسلمين هو المشهود عليه بالاستقامة، على آكد وجه وأبلغه لأنه جعله كالتفسير والبيان له، فكأنه من البيِّن الذي لا خفاء فيه، وأن الصراط المستقيم ما يكون طريق المؤمنين، وغَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ بدل من (الذين) على معنى أن المنعم عليهم هم الذين سَلِمُوا من الغضب والضلال.
أو صفة له مُبيَّنة أو مقيدة على معنى أنهم جمعوا بين النعمة المطلقة، وهي نعمة الإيمان، وبين السلامة من الغضب والضلال، وذلك إنما يصح بأحد تأويلين: إجراء الموصول مجرى النكرة، إذ لم يُقصد به معهود كالمعرَّف في قوله:
ولَقَد أَمُرُ علُى اللئيم يَسُبنّي «١»...
أو يُجعل (غير) مَعْرِفةً لأنه أُضيف إلى مآلَهُ ضدٍّ واحد، وهو المنعمُ عليه، فيتعينُ تَعيُّن الحركة غير السكون، وإلا لزِم عليه نعت المعرفة بالنكرة. فتأملْهُ.
(١) هذا شطر بيت، وتمامه: (فمضيت ثمة قلت لا يعنينى).
والغضبُ: ثَوَرانُ النفس إرادةَ الانتقام، فإذا أسند إلى الله تعالى أريد غايته وهو العقوبة، و (عليهم) نائب فاعل، و (لا) مَزيدة لتأكيد ما في (غير) من معنى النفي، فكأنه قال: ولا المغضوب عَلَيْهِم وَلاَ الضآلين، وقرأ عمر رضي الله عنه (وغير الضالين) والضلال: العدول عن الطريق السوي عمداً أو خطأً، وله عرض عَريضٌ والتفاوت بين أدناه وأقصاه كبير. قاله البيضاوي.
وإنما أَسند النعمة إلى الله والغضبَ إلى المجهول تعليماً للأدب، مَّآ أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ... الآية.
يقول الحق جلّ جلاله في تفسير الطريق المستقيم: هو طريق الذين أنعمتُ عليهم بالهداية والاستقامة، والمعرفة العامة والخاصة، من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، والمُنعَم عليهم في الآية مطلق، يصدق بكل منعَم عليه بالمعرفة والاستقامة في دينه، كالصحابة وأضرابِهِمْ. وقيل: المراد بهم أصحاب سيدنا موسى عليه السلام قبل التحريف. وقيل: أصحاب سيدنا عيسى قبل التغيير. والتحقيق أنه عام.
قال البيضاوي: ونِعَمُ الله وإن كانت لا تُحصى كما قال الله: وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها تنحصر في جنسين: دنيوي وأخروي.
فالأول: وهو الدنيوي- قسمان: موهبي وكَسْبِي، والموهبي قسمان: رُوحاني، كنفخ الروح فيه وإشراقه بالعقل وما يتبعه من القوي، كالفهم والفكر والنطق، وجسماني: كتخليق البدن بالقوة الحالة فيه والهيئات العارضة له من الصحة وكمال الأعضاء. والكسبي: كتزكية النفس عن الرذائل، وتحليتها بالأخلاق الحسنة والملكات الفاضلة، وتزيين البدن بالهيئات المطبوعة والحُلي المستحسنة، وحصول الجاه والمال.
والثاني: وهو الأُخروي-: أن يغفر له ما فَرَطَ منه ويرضى عنه ويبوئه في أعلى علِّيين، مع الملائكة المقربين أبد الآبدين، والمراد القسمُ الأخير، وما يكون وُصْلة إلى نيله من القسم الأول، وأما ما عدا ذلك فيشترك فيه المؤمن والكافر. هـ.
قال ابن جُزَيّ: النعم التي يقع عليها الشكر ثلاثة أقسام، دنيوية: كالصحة والعافية والمال الحلال. ودينية:
كالعلم والتقوى والمعرفة. وأخرويةٌ: كالثواب على العمل القليل بالعطاء الجزيل. وقال أيضاً: والناس في الشكر على مقامين: منهم مَن يشكر على النعم الواصلة إليه، الخاصة به، ومنهم مَن يشكر الله عن جميع خلقه على النعم الواصلة إلى جميعهم. والشكر على ثلاث درجات: فدرجة العوام: الشكر على النِّعم، ودرجة الخواص: الشكر على النِّعم والنقم وعلى كل حال، ودرجة خواص الخواص: أن يغيب عن رؤية النعمة بمشاهدة المُنعم. قال رجل
وإنما أَسند النعمة إلى الله والغضبَ إلى المجهول تعليماً للأدب، مَّآ أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ... الآية.
يقول الحق جلّ جلاله في تفسير الطريق المستقيم: هو طريق الذين أنعمتُ عليهم بالهداية والاستقامة، والمعرفة العامة والخاصة، من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، والمُنعَم عليهم في الآية مطلق، يصدق بكل منعَم عليه بالمعرفة والاستقامة في دينه، كالصحابة وأضرابِهِمْ. وقيل: المراد بهم أصحاب سيدنا موسى عليه السلام قبل التحريف. وقيل: أصحاب سيدنا عيسى قبل التغيير. والتحقيق أنه عام.
قال البيضاوي: ونِعَمُ الله وإن كانت لا تُحصى كما قال الله: وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها تنحصر في جنسين: دنيوي وأخروي.
فالأول: وهو الدنيوي- قسمان: موهبي وكَسْبِي، والموهبي قسمان: رُوحاني، كنفخ الروح فيه وإشراقه بالعقل وما يتبعه من القوي، كالفهم والفكر والنطق، وجسماني: كتخليق البدن بالقوة الحالة فيه والهيئات العارضة له من الصحة وكمال الأعضاء. والكسبي: كتزكية النفس عن الرذائل، وتحليتها بالأخلاق الحسنة والملكات الفاضلة، وتزيين البدن بالهيئات المطبوعة والحُلي المستحسنة، وحصول الجاه والمال.
والثاني: وهو الأُخروي-: أن يغفر له ما فَرَطَ منه ويرضى عنه ويبوئه في أعلى علِّيين، مع الملائكة المقربين أبد الآبدين، والمراد القسمُ الأخير، وما يكون وُصْلة إلى نيله من القسم الأول، وأما ما عدا ذلك فيشترك فيه المؤمن والكافر. هـ.
قال ابن جُزَيّ: النعم التي يقع عليها الشكر ثلاثة أقسام، دنيوية: كالصحة والعافية والمال الحلال. ودينية:
كالعلم والتقوى والمعرفة. وأخرويةٌ: كالثواب على العمل القليل بالعطاء الجزيل. وقال أيضاً: والناس في الشكر على مقامين: منهم مَن يشكر على النعم الواصلة إليه، الخاصة به، ومنهم مَن يشكر الله عن جميع خلقه على النعم الواصلة إلى جميعهم. والشكر على ثلاث درجات: فدرجة العوام: الشكر على النِّعم، ودرجة الخواص: الشكر على النِّعم والنقم وعلى كل حال، ودرجة خواص الخواص: أن يغيب عن رؤية النعمة بمشاهدة المُنعم. قال رجل
لإبراهيم بن أدهم رضى الله عنه: الفقراء إذا أُعْطُوا شَكَرُوا وإذا مُنعوا صبروا، فقال إبراهيم: هذه أخلاقُ الكلاب، ولكن القومَ إذا مُنِعوا شكروا وإذا أُعْطُوا آثروا. هـ.
ثم احترس من الطريق غير المستقيمة، فقال: غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ أي: غير طريق الذين غضبت عليهم، فلا تهدنا إليها ولا تسلك بنا سبيلها، بل سلَّمنَا من مواردها. والمراد بهم: اليهود، كذا فسرها النبي صلى الله عليه وسلّم، ويَصْدُقُ بحسب العموم على كل من غضب الله عليهم، وَلَا الضَّالِّينَ أي: ولا طريق الضالين، أي: التالفين عن الحق، وهم النصارى كما قال صلى الله عليه وسلّم. والتفسيران مأخوذان من كتاب الله تعالى. قال تعالى في شأن اليهود:
فَباؤُ بِغَضَبٍ عَلى غَضَبٍ، وقال في حق النصارى: قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيراً وَضَلُّوا عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ.
واعلم أن الحق- سبحانه- قسم خلقه على ثلاثة أقسام: قسم أعدَّهم للكرم والإحسان، ليظهر فيهم اسمه الكريم أو الرحيم، وهم المنعم عليهم بالإيمان والاستقامة. وقسم أعدَّهم للانتقام والغضب، ليُظهر فيهم اسمه المنتقم أو القهار، وهم المغضوب عليهم والضالون عن طريق الحق عقلاً أو عملاً، وهم الكفار، وقسم أعدَّهم الله للحِلْم والعفو، ليُظهر فيهم اسمه تعالى الحليم والعفو، وهم أهل العصيان من المؤمنين.
فمن رَامَ أن يكونَ الوجودُ خالياً من هذه الأقسام الثلاثة، وأن يكون الناس كلهم سواء في الهداية أو ضدها، فهو جاهل بالله وبأسمائه إذ لا بد من ظهور آثار أسمائه في هذا الآدمي، من كرم وقهرية وحِلْم وغير ذلك. والله تعالى أعلم.
الإشارة: الطريق المستقيم التي أمرنا الحق بطلبها هي: طريق الوصول إلى الحضرة، التي هي العلم بالله على نعت الشهود والعيان، وهو مقام التوحيد الخاص، الذي هو أعلى درجات أهل التوحيد، وليس فوقه إلا مقامُ توحيد الأنبياء والرسل، ولا بد فيه من تربية على يد شيخ كامل عارف بطريق السير، قد سلك المقامات ذوقاً وكشفاً، وحاز مقام الفناء والبقاء، وجمع بين الجذب والسلوك لأن الطريق عويص، قليلٌ خُطَّارُهُ، كثيرٌ قُطَّاعُه، وشيطان هذه الطريق فَقِيهٌ بمقاماته ونوازِله، فلا بد فيه من دليل، وإلا ضلّ سالكها عن سواء السبيل، وإلى هذا المعنى أشار ابن البنا، حيث قال:
ثم احترس من الطريق غير المستقيمة، فقال: غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ أي: غير طريق الذين غضبت عليهم، فلا تهدنا إليها ولا تسلك بنا سبيلها، بل سلَّمنَا من مواردها. والمراد بهم: اليهود، كذا فسرها النبي صلى الله عليه وسلّم، ويَصْدُقُ بحسب العموم على كل من غضب الله عليهم، وَلَا الضَّالِّينَ أي: ولا طريق الضالين، أي: التالفين عن الحق، وهم النصارى كما قال صلى الله عليه وسلّم. والتفسيران مأخوذان من كتاب الله تعالى. قال تعالى في شأن اليهود:
فَباؤُ بِغَضَبٍ عَلى غَضَبٍ، وقال في حق النصارى: قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيراً وَضَلُّوا عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ.
واعلم أن الحق- سبحانه- قسم خلقه على ثلاثة أقسام: قسم أعدَّهم للكرم والإحسان، ليظهر فيهم اسمه الكريم أو الرحيم، وهم المنعم عليهم بالإيمان والاستقامة. وقسم أعدَّهم للانتقام والغضب، ليُظهر فيهم اسمه المنتقم أو القهار، وهم المغضوب عليهم والضالون عن طريق الحق عقلاً أو عملاً، وهم الكفار، وقسم أعدَّهم الله للحِلْم والعفو، ليُظهر فيهم اسمه تعالى الحليم والعفو، وهم أهل العصيان من المؤمنين.
فمن رَامَ أن يكونَ الوجودُ خالياً من هذه الأقسام الثلاثة، وأن يكون الناس كلهم سواء في الهداية أو ضدها، فهو جاهل بالله وبأسمائه إذ لا بد من ظهور آثار أسمائه في هذا الآدمي، من كرم وقهرية وحِلْم وغير ذلك. والله تعالى أعلم.
الإشارة: الطريق المستقيم التي أمرنا الحق بطلبها هي: طريق الوصول إلى الحضرة، التي هي العلم بالله على نعت الشهود والعيان، وهو مقام التوحيد الخاص، الذي هو أعلى درجات أهل التوحيد، وليس فوقه إلا مقامُ توحيد الأنبياء والرسل، ولا بد فيه من تربية على يد شيخ كامل عارف بطريق السير، قد سلك المقامات ذوقاً وكشفاً، وحاز مقام الفناء والبقاء، وجمع بين الجذب والسلوك لأن الطريق عويص، قليلٌ خُطَّارُهُ، كثيرٌ قُطَّاعُه، وشيطان هذه الطريق فَقِيهٌ بمقاماته ونوازِله، فلا بد فيه من دليل، وإلا ضلّ سالكها عن سواء السبيل، وإلى هذا المعنى أشار ابن البنا، حيث قال:
| وَإِنَّمَا القَوْمُ مُسَافِرُونَ | لِحَضْرَةِ الْحَقِّ وَظَاعِنُونَ |
| فَافْتَقَرُوا فِيهِ إلَى دَلِيل | ذِي بَصَرٍ بالسَّيْرِ وَالْمَقِيلِ |
| قَدْ سَلَكَ الطَّرِيقَ ثُمَّ عَادَ | لِيُخْبِرَ الْقَوْمَ بِمَا اسْتَفَادَ |
وقال في لطائف المنن: (مَن لم يكن له أستاذ يصله بسلسلة الأتباع، ويكشف له عن قلبه القناع، فهو في هذا الشأن لَقيطٌ لا أب له، دعي لا نسب له، فإن يكن له نور فالغالب غلبة الحال عليه، والغالب عليه وقوفه مع ما يرد من الله إليه، لم تَرْضْهُ سياسةُ التأديب والتهذيب، ولم يقده زمام التربية والتدريب)، فهذا الطريق الذي ذكرنا هو الذي يستشعره القارئ للفاتحة عند قوله: اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ مع الترقي الذي ذكره الشيخ أبو العباس المرسي رضى الله عنه المتقدم، وإذا قرأ صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ استشعر، أَيْ: أنعمتَ عليهم بالوصول والتمكين في معرفتك.
وقال الورتجبي: اهدنا مُرَادَك مِنَّا لأن الصراط المستقيم ما أراد الحق من الخلق، من الصدق والإخلاص في عبوديته وخدمته. ثم، قال: وقيل: اهدنا هُدَى العِيَانِ بعد البيان، لنستقيم لك حسب إرادتِك. وقيل: اهدنا هُدَى مَنْ يكون منك مبدؤه ليكون إليك منتهاه. ثم قال: وقال بعضهم: اهدنا، أي: ثبِّتْنا على الطريق الذي لا اعوجاج فيه، وهو الإسلام، وهو الطريق المستقيم والمنهاج القويم صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ أي: منازل الذين أنعمت عليهم بالمعرفة والمحبة وحسن الأدب في الخدمة. ثم قال: غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ يعني: المطرودين عن باب العبودية، وَلَا الضَّالِّينَ يعني المُفْلِسين عن نفائس المعرفة هـ.
قلت: والأحسن أن يقال: غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ هم الذين أَوْقَفَهُمْ عن السير اتباعُ الحظوظ والشهوات، فأوقعهم في مَهَاوِي العصيان والمخالفات، وَلَا الضَّالِّينَ هم الذين حبسهم الجهل والتقليد، فلم تنفُذْ بصائرهم إلى خالص التوحيد، فنكصوا عن توحيد العيان إلى توحيد الدليل والبرهان، وهو ضلال عند أهل الشهود والعِيان، ولو بلغ في الصلاح غايةَ الإمكان.
وقال في الإحياء: إذا قلت بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ فافْهَمْ أن الأمور كلها بالله، وأن المراد هاهنا المُسمَّى، وإذا كانت الأمورُ كلها بالله فلا جرَم أنَّ الحمد كله لله، ثم قال: وإذا قلت: الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ فأحضرْ في قلبك أنواعَ لطفه لتتفتحَ لك رحمتُه فينبعث به رجاؤُك، ثم استشعر من قلبك التعظيم والخوف من قولك: يَوْمِ الدِّينِ. ثم قال: ثم جَدَّد الإخلاص بقولك: إِيَّاكَ نَعْبُدُ. وجدَّد العجز والاحتياج والتبرِّيَ من الحوْل والقوة بقولك: وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ، ثم اطلب اسم حاجتك، وقل: اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ الذي يسوقنا إلى جوارك ويُفضي بنا إلى مرضاتك، وزِدْهُ شرحاً وتفصيلاً وتأكيداً، واستشهد بالذين أفاض عليهم نعم الهداية من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، دون الذين غضب عليهم من الكفار والزائغين واليهود والنصارى والصابئين.
هـ. ملخصاً.
وقال الورتجبي: اهدنا مُرَادَك مِنَّا لأن الصراط المستقيم ما أراد الحق من الخلق، من الصدق والإخلاص في عبوديته وخدمته. ثم، قال: وقيل: اهدنا هُدَى العِيَانِ بعد البيان، لنستقيم لك حسب إرادتِك. وقيل: اهدنا هُدَى مَنْ يكون منك مبدؤه ليكون إليك منتهاه. ثم قال: وقال بعضهم: اهدنا، أي: ثبِّتْنا على الطريق الذي لا اعوجاج فيه، وهو الإسلام، وهو الطريق المستقيم والمنهاج القويم صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ أي: منازل الذين أنعمت عليهم بالمعرفة والمحبة وحسن الأدب في الخدمة. ثم قال: غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ يعني: المطرودين عن باب العبودية، وَلَا الضَّالِّينَ يعني المُفْلِسين عن نفائس المعرفة هـ.
قلت: والأحسن أن يقال: غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ هم الذين أَوْقَفَهُمْ عن السير اتباعُ الحظوظ والشهوات، فأوقعهم في مَهَاوِي العصيان والمخالفات، وَلَا الضَّالِّينَ هم الذين حبسهم الجهل والتقليد، فلم تنفُذْ بصائرهم إلى خالص التوحيد، فنكصوا عن توحيد العيان إلى توحيد الدليل والبرهان، وهو ضلال عند أهل الشهود والعِيان، ولو بلغ في الصلاح غايةَ الإمكان.
وقال في الإحياء: إذا قلت بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ فافْهَمْ أن الأمور كلها بالله، وأن المراد هاهنا المُسمَّى، وإذا كانت الأمورُ كلها بالله فلا جرَم أنَّ الحمد كله لله، ثم قال: وإذا قلت: الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ فأحضرْ في قلبك أنواعَ لطفه لتتفتحَ لك رحمتُه فينبعث به رجاؤُك، ثم استشعر من قلبك التعظيم والخوف من قولك: يَوْمِ الدِّينِ. ثم قال: ثم جَدَّد الإخلاص بقولك: إِيَّاكَ نَعْبُدُ. وجدَّد العجز والاحتياج والتبرِّيَ من الحوْل والقوة بقولك: وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ، ثم اطلب اسم حاجتك، وقل: اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ الذي يسوقنا إلى جوارك ويُفضي بنا إلى مرضاتك، وزِدْهُ شرحاً وتفصيلاً وتأكيداً، واستشهد بالذين أفاض عليهم نعم الهداية من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، دون الذين غضب عليهم من الكفار والزائغين واليهود والنصارى والصابئين.
هـ. ملخصاً.
وقال القشيري: قوله تعالى: اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ الأمر في هذه الآية مضمر، أي: قولوا: اهدنا.
والصراط المستقيم: طريق الحق، وهو ما عليه أهل التوحيد، أي: أرشدْنا إلى الحق لئلا نتكل على وسائط المعاملات، فيقعَ على وجه التوحيد غُبَارُ الظنون والحسابات لتكون دليلنا عليك. ثم قال: صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ أي: الواصلين بك إليك، ثم قال: غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ بنسيان التوفيق والتَّعامِي عن رؤية التأييد، وَلَا الضَّالِّينَ عن شهودِ سابقِ الاختيار، وجريان تصاريف الأقدار. هـ.
تتمات:
الأولى: هذه السورة جمعت معانى القرآن كلّها، فكأنها نسخة مختصرة منه، ولذلك سميت أمّ القرآن، فالإلهيات حاصلة من قوله: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ. الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ، والدار الآخرة من قوله: مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ، والعبادات كلّها من الاعتقادات والأحكام الظاهرة التي تقتضيها الأوامر والنواهي، من قوله: إِيَّاكَ نَعْبُدُ والمقامات وأسرار المعاملات الباطنة- تخلية وتحلية- من قوله: اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ والأنبياء وغيرهم من قوله: الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ وذكر طوائف الكفار من قوله: غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ.
وقال الشيخ ابن أبي جمرة رضى الله عنه فى بيان تضمنها لكتاب الله: إن لفظ (الحمد) يتضمن كل ما في كتاب الله من الحمد والشكر لأن الحمد أعمّ من الشكر، وأتى بالعام ليدل على الصفتين. ولفظة (الله) تدل على ما فى الكتاب العزيز من أسماء الترفيع والتعظيم لأنه قيل: أنه اسم الله الأعظم، ولفظ: رَبِّ الْعالَمِينَ يدل على ما فيه من أسماء الله، سبحانه، وعلى العوالم وعلى اختلافها وخالقها والمتصرف فيها. ولفظ: الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ يتضمن كل ما فى الكتاب من المغفرة والرحمة والإنعام والعفو والإفضال، ولفظ مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ يدل على ما فيه من ذكر الآخرة وما فيه من الأهوال، ولفظ إِيَّاكَ نَعْبُدُ يتضمن ما فيه من التعبّدات وإفراده بالألوهية، ولفظ إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ يدل على ما فيه من طلب الاستعانة وذكر الاضطرار، ولفظ اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ يتضمن ما فيه من طلب الهداية إلى سبيل الخير، ولفظ: صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ يتضمن ما فيه من ذكر الخصوص والمرضىّ عنهم والمعفوّ عنهم وأهل السعادة، ولفظ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ يتضمن ما فيه من أنواع الكفر والمخالفات ومساوئهم ومآلهم فاستحقّت أن تسمى أمّا. هـ.
والصراط المستقيم: طريق الحق، وهو ما عليه أهل التوحيد، أي: أرشدْنا إلى الحق لئلا نتكل على وسائط المعاملات، فيقعَ على وجه التوحيد غُبَارُ الظنون والحسابات لتكون دليلنا عليك. ثم قال: صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ أي: الواصلين بك إليك، ثم قال: غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ بنسيان التوفيق والتَّعامِي عن رؤية التأييد، وَلَا الضَّالِّينَ عن شهودِ سابقِ الاختيار، وجريان تصاريف الأقدار. هـ.
تتمات:
الأولى: هذه السورة جمعت معانى القرآن كلّها، فكأنها نسخة مختصرة منه، ولذلك سميت أمّ القرآن، فالإلهيات حاصلة من قوله: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ. الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ، والدار الآخرة من قوله: مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ، والعبادات كلّها من الاعتقادات والأحكام الظاهرة التي تقتضيها الأوامر والنواهي، من قوله: إِيَّاكَ نَعْبُدُ والمقامات وأسرار المعاملات الباطنة- تخلية وتحلية- من قوله: اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ والأنبياء وغيرهم من قوله: الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ وذكر طوائف الكفار من قوله: غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ.
وقال الشيخ ابن أبي جمرة رضى الله عنه فى بيان تضمنها لكتاب الله: إن لفظ (الحمد) يتضمن كل ما في كتاب الله من الحمد والشكر لأن الحمد أعمّ من الشكر، وأتى بالعام ليدل على الصفتين. ولفظة (الله) تدل على ما فى الكتاب العزيز من أسماء الترفيع والتعظيم لأنه قيل: أنه اسم الله الأعظم، ولفظ: رَبِّ الْعالَمِينَ يدل على ما فيه من أسماء الله، سبحانه، وعلى العوالم وعلى اختلافها وخالقها والمتصرف فيها. ولفظ: الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ يتضمن كل ما فى الكتاب من المغفرة والرحمة والإنعام والعفو والإفضال، ولفظ مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ يدل على ما فيه من ذكر الآخرة وما فيه من الأهوال، ولفظ إِيَّاكَ نَعْبُدُ يتضمن ما فيه من التعبّدات وإفراده بالألوهية، ولفظ إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ يدل على ما فيه من طلب الاستعانة وذكر الاضطرار، ولفظ اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ يتضمن ما فيه من طلب الهداية إلى سبيل الخير، ولفظ: صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ يتضمن ما فيه من ذكر الخصوص والمرضىّ عنهم والمعفوّ عنهم وأهل السعادة، ولفظ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ يتضمن ما فيه من أنواع الكفر والمخالفات ومساوئهم ومآلهم فاستحقّت أن تسمى أمّا. هـ.
وعن عليّ- كرّم الله وجهه- قال: (شرح موسى عليه السّلام التوراة فى سبعين سفرا، ولو أذن لى رسول الله صلى الله عليه وسلّم لأوقرت على الفاتحة سبعين بعيرا). قلت: قوله (سبعين) تقريبا، وإلا فهى قابلة لأكثر من ذلك، وتفصيل ذلك يطول، وقد ذكرنا أصول علومها فى شرحنا الكبير عليها. والله تعالى أعلم.
الثانية: قال ابن جزىّ: قولنا: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ أفضل عند المحققين من (لا إله إلا الله) لوجهين:
أحدهما: ما أخرج النّسائيّ: عن رسول الله صلى الله عليه وسلّم «أنه مَن قال: لا إله إلا الله، كتبت له عشرون حسنة، ومن قال:
الحمد لله رب العالمين، كتبت له ثلاثون حسنة». والثاني: أن التوحيد الذي تقتضيه (لا إله إلا الله)، حاصل فى قولك: (رب العالمين) وزادت بقولك: الحمد لله، وفيه من المعاني ما قدّمنا. وأما قوله صلى الله عليه وسلّم: «أفضل ما قلته أنا والنبيون من قبلى: لا إله إلا الله» فإنما ذلك للتوحيد الذي تقتضيه، وقد شاركتها (الحمد لله رب العالمين) فى ذلك وزادت عليها. وهذا لمؤمن حقّق إيمانه وطلب الثواب، وأما لمن دخل فى الإسلام فيتعيّن «لا إله إلا الله». هـ.
قلت: والتحقيق أن كل ما يدل على التوحيد من الألفاظ يكفى فى الدخول فى الإسلام، كما قال البنانىّ فى حاشيته.
الثالثة: قراءة الفاتحة فى الصلاة واجبة عند مالك والشافعي خلافاً لأبي حنيفة، وقد ذكرنا فى الشرح الكبير منشأ الخلاف.
الرابعة: التأمين عند ختم الفاتحة مطلوب للدعاء الذي فيها، قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم: «ما حسدتكم اليهود على شىء ما حسدتكم على السّلام والتّأمين». رواه ابن ماجة. وقال أيضا صلى الله عليه وسلّم: «إن الله أعطانى خصالا ثلاثة:
أعطانى صلاة الصّفوف وأعطانى التحية، وإنها لتحية أهل الجنة، وأعطانى التأمين، ولم يعطه أحدا من النبيين قبلى، إلا أن يكون الله أعطاه هارون، يدعو موسى ويؤمن هارون» رواه ابن خزيمة. وسمع عليه الصلاة والسلام رجلا يدعو ويلح فقال: «أوجب إن ختم» فقال بعض القوم: بأيّ شىء يختم؟ فقال: «يؤمن فإنه إن ختم بآمين فقد أوجب». قال أبو زهير- راوى الحديث- فإن آمين مثل الطّابع على الصحيفة. ولعلّه مرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلّم، رواه أبو داود.
ولفظ آمِّينَ بالمدّ والقصر مخففا. وتشديد الميم لغة. قيل: هو اسم من أسماء الله تعالى.. وقيل معناه: اللهم استجب، أو كذلك فافعل، أو كذلك فليكن. قاله المنذرى فى الترغيب. قال البيضاوي: بنى على الفتح كأين لالتقاء الساكنين، وجاء مدّ ألفه وقصرها. قال:
ويرحم الله عبدا قال آمينا «١»
الثانية: قال ابن جزىّ: قولنا: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ أفضل عند المحققين من (لا إله إلا الله) لوجهين:
أحدهما: ما أخرج النّسائيّ: عن رسول الله صلى الله عليه وسلّم «أنه مَن قال: لا إله إلا الله، كتبت له عشرون حسنة، ومن قال:
الحمد لله رب العالمين، كتبت له ثلاثون حسنة». والثاني: أن التوحيد الذي تقتضيه (لا إله إلا الله)، حاصل فى قولك: (رب العالمين) وزادت بقولك: الحمد لله، وفيه من المعاني ما قدّمنا. وأما قوله صلى الله عليه وسلّم: «أفضل ما قلته أنا والنبيون من قبلى: لا إله إلا الله» فإنما ذلك للتوحيد الذي تقتضيه، وقد شاركتها (الحمد لله رب العالمين) فى ذلك وزادت عليها. وهذا لمؤمن حقّق إيمانه وطلب الثواب، وأما لمن دخل فى الإسلام فيتعيّن «لا إله إلا الله». هـ.
قلت: والتحقيق أن كل ما يدل على التوحيد من الألفاظ يكفى فى الدخول فى الإسلام، كما قال البنانىّ فى حاشيته.
الثالثة: قراءة الفاتحة فى الصلاة واجبة عند مالك والشافعي خلافاً لأبي حنيفة، وقد ذكرنا فى الشرح الكبير منشأ الخلاف.
الرابعة: التأمين عند ختم الفاتحة مطلوب للدعاء الذي فيها، قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم: «ما حسدتكم اليهود على شىء ما حسدتكم على السّلام والتّأمين». رواه ابن ماجة. وقال أيضا صلى الله عليه وسلّم: «إن الله أعطانى خصالا ثلاثة:
أعطانى صلاة الصّفوف وأعطانى التحية، وإنها لتحية أهل الجنة، وأعطانى التأمين، ولم يعطه أحدا من النبيين قبلى، إلا أن يكون الله أعطاه هارون، يدعو موسى ويؤمن هارون» رواه ابن خزيمة. وسمع عليه الصلاة والسلام رجلا يدعو ويلح فقال: «أوجب إن ختم» فقال بعض القوم: بأيّ شىء يختم؟ فقال: «يؤمن فإنه إن ختم بآمين فقد أوجب». قال أبو زهير- راوى الحديث- فإن آمين مثل الطّابع على الصحيفة. ولعلّه مرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلّم، رواه أبو داود.
ولفظ آمِّينَ بالمدّ والقصر مخففا. وتشديد الميم لغة. قيل: هو اسم من أسماء الله تعالى.. وقيل معناه: اللهم استجب، أو كذلك فافعل، أو كذلك فليكن. قاله المنذرى فى الترغيب. قال البيضاوي: بنى على الفتح كأين لالتقاء الساكنين، وجاء مدّ ألفه وقصرها. قال:
ويرحم الله عبدا قال آمينا «١»
(١) هذا شطر بيت، أوله: (يا رب لا تسلبنى حبها أبدا... ) ونسبه ابن منظور فى اللسان إلى عمر بن أبى ربيعة. قلت: وقد أغفل الشيخ المفسر ذكر مثال القصر. وهو كما فى أنوار التنزيل ولسان العرب:
| تباعد منى فطحل، إذ سألته | أمين فزاد الله ما بيننا بعدا |
وليس من القرآن اتفاقا، ولكن يسنّ ختم السورة به لقوله عليه الصلاة والسلام: «علّمنى جبريل عليه السّلام آمين عند فراغى من قراءة الفاتحة». وقال: إنّه كالختم على الكتاب.
ويقوله الإمام ويجهر به فى الجهرية، لما روى عن وائل بن حجر «أنه عليه الصلاة والسلام كان إذا قرأ: وَلَا الضَّالِّينَ قال: آمين، رفع بها صوته» وعن أبى حنيفة- رحمه الله- أنه لا يقوله. والمشهور عنه أنه يخفيه كما رواه عبد الله بن مُغفل وأنس. قلت: ومشهور مذهب مالك أن الإمام لا يقوله فى الجهرية.
ثم قال: والمأموم يؤمن معه لقوله- عليه الصلاة والسلام-: «إذا قال الإمام ولا الضالين، فقولوا: آمين، فإن الملائكة تقول: آمين، فمن وافق تأمينه تأمين الملائكة غُفِر لَه ما تقدَم من ذنبه». وبالله التوفيق، وهو الهادي إلى سواء الطريق. وصلّى الله على سيدنا ومولانا محمد عين الحق والتحقيق، وعلى آله وصحبه المطهرين بعده، أعلام الطريق، وسلّم تسليما.
ويقوله الإمام ويجهر به فى الجهرية، لما روى عن وائل بن حجر «أنه عليه الصلاة والسلام كان إذا قرأ: وَلَا الضَّالِّينَ قال: آمين، رفع بها صوته» وعن أبى حنيفة- رحمه الله- أنه لا يقوله. والمشهور عنه أنه يخفيه كما رواه عبد الله بن مُغفل وأنس. قلت: ومشهور مذهب مالك أن الإمام لا يقوله فى الجهرية.
ثم قال: والمأموم يؤمن معه لقوله- عليه الصلاة والسلام-: «إذا قال الإمام ولا الضالين، فقولوا: آمين، فإن الملائكة تقول: آمين، فمن وافق تأمينه تأمين الملائكة غُفِر لَه ما تقدَم من ذنبه». وبالله التوفيق، وهو الهادي إلى سواء الطريق. وصلّى الله على سيدنا ومولانا محمد عين الحق والتحقيق، وعلى آله وصحبه المطهرين بعده، أعلام الطريق، وسلّم تسليما.