الهداية الى بلوغ النهاية — مكي بن أبي طالب

عن الكتاب
قوله :( صِرَاطَ الذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ ) [ ٦ ].
صراط بدل(١) من الأول(٢).
والذين أنعم عليهم هم الأنبياء صلوات الله عليهم والصدِّيقون والصالحون بدلالة قوله :( فَأُوْلَئِكَ مَعَ الذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيئينَ(٣) وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ )(٤)(٥).
وقيل : هم أصحاب النبي [ عليه السلام ](٦)، قاله الحسن.
وقيل(٧) : هم المؤمنون من بني إسرائيل الذين لم يغيروا ولا بدلوا، بدليل قوله :( يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ التِّي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ )(٨). فلذلك قال هنا :( صِرَاطَ الذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ ).
وقيل : هم المسلمون(٩).
وقال أبو العالية : " هم محمد [ عليه السلام ](١٠) وأبو بكر وعمر(١١) ".
وقال قتادة(١٢) : " هم الأنبياء خاصة(١٣) ".
وقال ابن عباس : " هم أصحاب موسى قبل أن يبدلوا(١٤) ".
وهذا دعاء أمر الله عز وجل رسول الله ﷺ أن يدعوا به وألا يكونوا(١٥) مثل المغضوب/ عليهم –وهم اليهود-، ولا مثل الضالين –وهم النصارى-، ولا على صراطهم(١٦).
ودخلت " لا " في قوله :( وَلاَ الضَّالِّينَ ) لئلا يتوهم أن ( الضَّالِّينَ ) عطف على ( الذِينَ ) في قوله :( صِرَاطَ الذِينَ )(١٧). فبدخول " لا " (١٨) امتنع أن يتوهم متوهم ذلك إذ لا تقع " لا " إلا بعد نفي أو ما هو في معنى النفي.
وقيل : " لا " زائدة(١٩).
وقيل : هي تأكيد بمعنى(٢٠) : " غير(٢١) ".
ولم يجمع ( الْمَغْضُوبِ )، لأنه في معنى الذين غضب عليهم/ فلا ضمير فيه إذ لا يتعدى(٢٢) إلا بحرف جر. فلو قدرت فيه ضميراً، كنت قد عديته إلى مفعولين أحدهما بحرف جر/ وهذا ليس يحسن فيه. إنما تقول : " غضبت على زيد " و " غضب على زيد ". فالمخفوض يقوم مقام الفاعل. وكذلك ( عَلَيْهِمْ )، في موضع رفع يقوم مقام المفعول الذي لم يسم فاعله. والهاء والميم(٢٣) يعودان(٢٤) على الألف واللام.
والغضب من الله البعد من رحمته. والضلال الحيرة.
" و( غَيْرِ المَغْضُوبِ ) " خفض على النعت " للذين " (٢٥) من قوله ( صِرَاطَ الذِينَ )، وحَسَنٌ ذلك لأنه شائع لا يراد به جمع بعينه فصار كالنكرة، فجاز نعته " بغير "، و " غير " نكرة وإن أضيفت(٢٦) إلى معرفة. ويجوز أن تخفض " غير " على البدل(٢٧) من [ الذين. وقد قرئ ](٢٨) بالنصب على الحال أو على الاستثناء، وقد شرحت هذا في كتاب : " مشكل الإعراب(٢٩) " بأشبع من هذا.
ويقول المأموم إذا سمع ( وَلاَ الضَّالِّينَ ) : آمين. ويقولها(٣٠) وحده. واختلف في قول الإمام إياها عن مالك(٣١).
و( آمين )، قيل : هو اسم من أسماء الله تعالى(٣٢).
وقيل : هو دعاء بمعنى : " اللّهم استجب(٣٣) ".
وقال ابن عباس والحسن : " معنى " آمين " : كذلك يكون ". وهي تمد وتقصر(٣٤) لغتان(٣٥).
والمؤمن داع. فقد قال الله لموسى وهارون :( قَدُ اجِيبَت دَّعْوَتُكُمَا )(٣٦). وموسى كان(٣٧) هو الداعي، وهارون يؤمن، والمؤمن إذا قال : " اللهم استجب " فهو داع بالإجابة، وهو مبني(٣٨) لوقوع موقع الدعاء/ وبني على حركة لالتقاء الساكنين وكان/ الفتح أولى به(٣٩) لأن قبل آخره ياء(٤٠).
وروى أبو هريرة(٤١) عن النبي [ عليه السلام ](٤٢) قال : " إِذَا قَالَ الإمَامُ ( غَيْرِ(٤٣) المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ(٤٤) وَلاَ الضَّالِّينَ )، فَقُولُوا : آمِينَ، فإنَّهُ مَنْ وَافَقَ قَوْلُهُ قَوْلَ الْمَلاَئِكَةِ غُفِرَ لَهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ " (٤٥)، أي من وافقه في الإجابة.
١ - في ق: يدل وهو تصحيف..
٢ - انظر: المصدر السابق. وفي ع٣: الأولى..
٣ - في ق: النبيين. وهي قراءة حفص عن عاصم..
٤ - النساء آية ٦٨..
٥ - وهو قول ابن عباس في جامع البيان ١/١٧٨، وتفسير القرطبي ١/١٤٨..
٦ - في ع٢: صلى الله عليه وسلم..
٧ - أورد ابن عطية هذا القول في تفسيره ١/٨٢ وعزاه إلى مكي بن أبي طالب..
٨ - البقرة آية ٣٩..
٩ - انظر: الدر المنثور ١/٤١..
١٠ - في ع٣: صلى الله عليه وسلم. وفي ع٢: عليهم السلام..
١١ - انظر: هذا الأثر في الصفحة السابقة..
١٢ - هو قتادة بن دعامة بن قتادة السدوسي تابعي، مفسر، من القدرية. حدث عن أنس بن مالك وابن المسيب، وحدث عنه حماد بن سلمة. (ت١٧هـ). انظر: طبقات ابن خياط ٢١٣، وطبقات ابن سعد ٧/٢٢٩، وتذكرة الحفاظ ١/١٢٢..
١٣ - انظر: المحرر الوجيز ١/٨٢..
١٤ - المصدر السابق..
١٥ - في ع٢: يكون..
١٦ - وهذا قول ابن مسعود في تفسيره ٢/١٢، ولقوله تعالى في اليهود (وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ) [آل عمران: ١١٢]. وفي النصارى (قَد ضَّلُّوا مِن قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيراً وَضَلُّوا عَن سَوَاءِ السَّبِيلِ) [المائدة: ٧٩]..
١٧ - أورده القرطبي في تفسيره (١/١٥١) وابن عطية في المحرر ١/٨٧..
١٨ - في ق: إلا. وهو تحريف..
١٩ - وهو قول البصريين..
٢٠ - في ع٣: معنى. وهو تحريف..
٢١ - هو قول الكوفيين. انظر: مجاز القرآن ١/٢٥ وإعراب القرآن ١/١٢٥ ومشكل الإعراب ١/٧٢ والبيان ١/٤١..
٢٢ - في ق، ع٣: يتعد. وهو خطأ..
٢٣ - في ق: الجيم. وهو تحريف..
٢٤ - في ع٢: يعودون..
٢٥ - في ق: للدين. وهو تحريف..
٢٦ - سقط من ع٢..
٢٧ - في ع٢: بلد. وهو تحريف..
٢٨ - في ق: "الدين وقد قرأ"..
٢٩ - انظر: منه ١/٧٢ وانظر: كذلك القطع والإئتناف ١٠٨، وكتاب السبعة ١١٢ والبيان ١/٤٠..
٣٠ - في ع٢: ويقول لها. وهو تحريف..
٣١ - هو أبو عبد الله مالك بن أنس بن أبي عامر الأصبحي، إمام دار الهجرة. حدث عن نافع والزهري وغيرهما، وحدث عنه ابن وهب والقاسم (ت١٧٩هـ).
انظر: طبقات ابن سعد ٥/٦٣، وطبقات ابن خياط ٢٥٤، وتذكرة الحفاظ ١/٢٠٧..

٣٢ - انظر: المحرر الوجيز ١/٩١. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/٤٥ إلى مجاهد..
٣٣ - انظر: الإملاء ١/٨ وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/٤٥ إلى الحسن البصري..
٣٤ - في ق: تقصير. وهو تحريف..
٣٥ - انظر: المحرر الوجيز ١/٩٢، والبيان ١/٤١-٤٢..
٣٦ - يونس آية ٨٩..
٣٧ - سقط من ع٢..
٣٨ - قوله: "وهو مبني" ساقط من ع٢..
٣٩ - سقط من ع٢، ع٣..
٤٠ - انظر: هذا التوجيه في الإملاء ١/٨..
٤١ - قوله: "أبو هريرة" ساقط من ق..
٤٢ - في ع٣: صلى الله عليه وسلم..
٤٣ - في ع٣: غيره. وهو خطأ..
٤٤ - سقط من ع٣..
٤٥ - انظر: صحيح البخاري ٥/١٤٦ وسنن ابن ماجه ١/٢٧٧، وسنن النسائي ٢/١٤٤، وسنن الترمذي ٢/٣٠..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى