سورة المزمل — الآية ٦

عن ابن أبي مُلَيْكَة، قال: سُئِل ابنُ عباس عن قوله: ﴿ناشِئَةَ اللَّيْلِ﴾. قال: أيَّ الليل قمتَ فقد أنشأتَ

للسلف في تفسير قوله تعالى: ﴿وآتيناهم ملكا عظيما﴾ أقوال أربعة: الأول: أنّه النبوة. الثاني: أنّه تحليل النساء. الثالث: أنّه ملك سليمان وداود. الرابع: أنّهم أُيِّدوا بالملائكة. وقد رجّح ابنُ جرير (٧‏/‏١٦٠) مستندًا إلى اللغة القول الثالث، فقال: ""وأولى هذه الأقوال بتأويل الآي -وهي قوله: ﴿وآتيناهم ملكا عظيما﴾- القولُ الذي رُوي عن ابن عباس أنّه قال: يعني: ملك سليمان؛ لأن ذلك هو المعروف في كلام العرب، دون الذي قال: إنه ملك النبوة. ودون قول من قال: إنه تحليل النساء والملك عليهن. لأن كلام الله الذي خوطب به العرب غير جائز توجيهه إلا إلى المعروف المستعمل فيهم من معانيه، إلا أن تأتي دلالة أو تقوم حجة على أن ذلك بخلاف ذلك يجب التسليم لها». وذكر ابنُ عطية (٢‏/‏٥٨٣) اختلاف السلف، ثم رَجَّح، وقال: «والأصوب: أنّه ملك سليمان، أو أمر النساء»

نَقَل ابنُ عطية (٥‏/‏٢٨٧) قول ابن عباس من طريق ابن أبي طلحة: أنّ المسنون: الرطب. ثم علَّق عليه بقوله: «وهذا تفسير لا يخص اللفظة». ووجَّه القول الثاني، ثم انتقده، فقال: «وهو مِن: أسِن الماءُ، إذا تغيّر، والتصريف يرُدُّ هذا القول». ثم ذكر (٥‏/‏٢٨٧-٢٨٨) احتمالين لمعنى ﴿مسنون﴾، فقال: «والذي يترتب في ﴿مَسنون﴾ إما أن يكون بمعنى: محكوك مُحْكَم العمل أملس السطح، فيكون مِن معنى: المسنّ والسنان، وقولهم: سننت السكين، وسننت الحجر: إذا أحكمت مَلْسه، ... وإما أن يكون بمعنى: المصبوب، تقول: سنَنتُ التراب والماء، إذا صبَبْتَه شيئًا بعد شيءٍ، ... ومِن هذا: سنُّ الغارة، وقال الزجاج: هو مأخوذ من كونه على سُنَّة الطريق؛ لأنّه إنّما يتغير إذا فارق الماء». ثم وجَّه هذا المعنى بقوله: «فمعنى الآية على هذا: مِن حمأٍ مصبوب يوضع بعضه فوق بعض على مثال وصورة»

أفادت الآثار اختلاف السلف في تفسير قوله: ﴿وألقيت عليك محبة مني﴾ على قولين: الأول: أنه حببه إلى عباده، ورَزَقه القبول بينهم. الثاني: أنه حسّن خَلْقَه. وقد رجّح ابنُ جرير (١٦‏/‏٥٨) القول الأول لظاهر اللفظ، فقال: «والذي هو أولى بالصواب من القول في ذلك أن يقال: إن الله ألقى محبته على موسى، كما قال -جل ثناؤه-: ﴿وألقيت عليك محبة مني﴾، فحببه إلى آسية امرأة فرعون حتى تبنته وغذته وربته، وإلى فرعون حتى كفَّ عنه عاديته وشرَّه. وقد قيل: إنما قيل: ﴿وألقيت عليك محبة مني﴾ لأنه حببه إلى كل من رآه. ومعنى ﴿وألقيت عليك محبة مني﴾: حببتك إليهم، يقول الرجل لآخر إذا أحبه: ألقيت عليك رحمتي، أي: محبتي». ووافق ابنُ عطية (٦‏/‏٩٥) ابنَ جرير، فقال: «وأقوى الأقوال: أنّه القبول»

اختلف السلف في تفسير قوله: ﴿أذن الله أن ترفع﴾؛ فقال بعضهم: أذن الله أن تبنى. وقال آخرون: أذن الله أن تعظَّم. وقد رجّح ابنُ جرير (١٧‏/‏٣١٨) مستندًا إلى النظائر والأغلب في لغة العرب القول الأول، فقال: «وأولى القولين في ذلك عندي بالصواب القولُ الذي قاله مجاهد، وهو أن معناه: أذن الله أن ترفع بناء، كما قال -جلَّ ثناؤه-: ﴿وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت﴾ [البقرة:١٢٧]، وذلك أنّ ذلك هو الأغلب مِن معنى الرفع في البيوت والأبنية». ووجّه ابنُ عطية (٦‏/‏٣٩٠-٣٩١) القولَ الأول، فقال: «و﴿تُرْفَعَ﴾ قيل: معناه: تبنى وتعلى. قاله مجاهد وغيره، فذلك كنحو قوله تعالى: ﴿وإذْ يَرْفَعُ إبْراهِيمُ القَواعِدَ﴾ [البقرة:١٢٧]، وقال رسول الله ﷺ: «مَن بنى مسجدًا مِن ماله بنى الله له بيتًا في الجنة». وفي هذا المعنى أحاديث»

اختُلِف في معنى قوله: ﴿إنما أنت من المسحرين﴾؛ فقال قوم: من المسحورين. وقال آخرون: من المخلوقين. وذكر ابنُ عطية (٦‏/‏٥٠٠) أنّ القول الأول مأخوذ من السِّحر، أي: قد سُحرت؛ فأنت لذلك مخبول، لا تنطق بقويم. والثاني مأخوذ من السَّحر، وهي الرئة. ورجَّح ابنُ جرير (١٧‏/‏٦٢٥-٦٢٦) مستندًا إلى اللغة القولَ الثاني الذي قاله ابن عباس، فقال: «والصواب من القول في ذلك عندي القول الذي ذكرته عن ابن عباس، أنّ معناه: إنما أنت من المخلوقين الذين يُعَلَّلون بالطعام والشراب مثلنا، ولست ربًّا ولا ملَكًا فنطيعك، ونعلم أنّك صادق فيما تقول. والمسحَّر: المفعَّل من السحرة، وهو الذي له سحْرَة». ورجَّح ابنُ عطية (٦‏/‏٥٠٠) مستندًا إلى السياق القول الثاني، فقال: «وقيل: السَّحر: قصبة الرئة وما يتعلق بها من كبد وغيره، أي: أنت ابن آدم، لا يصح أن تكون رسولًا عن الله. وما بعده في الآية يُقَوِّي هذا التأويل». ورجَّح ابنُ كثير (١٠‏/‏٣٦٤) القول الأول، فقال: «والأظهر في هذا قول مجاهد وقتادة: أنهم يقولون: إنما أنت في قولك هذا مسحور لا عقل لك». ولم يذكر مستندًا

انتقد ابنُ جرير (٨‏/‏٣٣٢) قول مجاهد هذا، فقال: «هذا قول وجدته عن مجاهد، وأخشى أن يكون غلطًا؛ لأنّ الصحيح من الرواية عنه ما قد ذكرنا قبل» أي: الرواية السابقة، ثم ساق هذه الرواية. وعلَّق ابنُ عطية (٣‏/‏١٤٦) على هذا القول، فقال: «إذ هو في العداء وإرادة القتل آثم، ولو لم ينفذ القتل». وكذا علَّق ابنُ كثير (٥‏/‏١٧٢ بتصرف)، فقال: «قد يتوهم كثير من الناس هذا القول، ويذكرون في ذلك حديثًا لا أصل له: «ما ترك القاتل على المقتول من ذنب». وقد روى الحافظ أبو بكر البزار حديثًا يشبه هذا، ولكن ليس به، فقال: حدثنا عمرو بن علي، ... عن عائشة، قالت: قال رسول الله ﷺ: «قتل الصبر لا يمر بذنب إلا محاه». وهذا بهذا لا يصح، ولو صح فمعناه: أنّ الله يكفر عن المقتول بألم القتل ذنوبه، فأما أن تحمل على القاتل فلا. ولكن قد يتفق هذا في بعض الأشخاص، وهو الغالب، فإنّ المقتول يطالب القاتل في العرصات، فيؤخذ له من حسناته بقدر مظلمته، فإن نفدت ولم يستوفِ حقه أخذ من سيئات المقتول، فطُرِحت على القاتل، فربما لا يبقى على المقتول خطيئة إلا وضعت على القاتل، وقد صح الحديث بذلك عن رسول الله ﷺ في المظالم كلها، والقتل من أعظمها وأشدها»

أجمع السلف على أنّ الشجر: ما قام على ساق. واختلفوا في معنى النّجم على قولين: الأول: النبات الذي لا ساق له مثل البقْل ونحوه. الثاني: نجم السماء. ووجّه ابنُ عطية (٥‏/‏٢٢٤ ط: دار الكتب العلمية) القول الأول، فقال: «وسُمّي نجمًا لأنه نَجَم، أي: ظهر وطلع، وهو مناسب للشّجر نسبة بيّنة». وعلّق على القول الثاني، فقال: «وقال مجاهد، وقتادة، والحسن: النّجم: اسم الجنس من نجوم السماء، والنسبة التي لها من السماء هي التي للشجر من الأرض؛ لأنهما في ظاهرهما». وقد رجّح ابنُ جرير (٢٢‏/‏١٧٥) -مستندًا إلى دلالة السياق- القول الأول، فقال: «وأولى القولين في ذلك بالصواب قول مَن قال: عنى بالنجم: ما نجم من الأرض مِن نَبتٍ. لعطف الشّجر عليه، فكان بأن يكون معناه لذلك: ما قام على ساق وما لا يقوم على ساق يسجدان لله، بمعنى: أنه تسجد له الأشياء كلّها المختلفة الهيئات من خَلقِه؛ أشبه وأولى بمعنى الكلام من غيره». ورجّح ابنُ كثير (١٣‏/‏٣١٤) -مستندًا إلى النظائر- القول الثاني، فقال: «وهذا القول هو الأظهر -والله أعلم-؛ لقوله تعالى: ﴿ألم تر أن الله يسجد له من في السموات ومن في الأرض والشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب وكثير من الناس﴾ الآية [الحج: ١٨]»

سورة آل عمران — الآية ١٦١

عن عبد الله بن عمرو -من طريق عبد الله بن بريدة- قال: لو كنت مُسْتَحِلًّا مِن الغلول القليلَ لاستحللت منه الكثير، ما مِن أحد يَغُلُّ غلولًا إلّا كُلِّف أن يأتي به من أسفل دَرْكِ جهنم

انتَقَدَ ابن تيمية (١‏/‏٣٠٠) قراءةَ (نَنساها)؛ لعدم ورودها، ولعدم جواز معناها، فقال: «لم يقرأ أحد (نَنساها)، فمن ظنَّ أنّ معنى ‹نَنسَأْها› بمعنى ننساها؛ فهو جاهل بالعربية والتفسير، قال موسى عليه السلام: ﴿عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي فِي كِتابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي ولا يَنْسى﴾ [طه:٥٢]، والنسيان مضاف إلى العبد كما في قوله: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى* إلّا ما شاءَ اللَّهُ﴾ [الأعلى:٦، ٧]، ولهذا قرأها بعض الصحابة: (أوْ تَنساها)، أي: تنساها يا محمد، وهذا واضح لا يخفى إلا على جاهل لا يفرق بين ‹نَنسَأْها› بالهمز وبين (نَنساها) بلا همز»