سورة المدثر — الآية ٣١

عن محمد بن إسحاق -من طريق سلمة-: قال أبو جهل يومًا وهو يهزأُ برسول الله ﷺ، وبما جاء به من الحق: يا معشر قريش، يزعم محمدٌ أنّ جنود الله الذين يعذبونكم في النار ويحبسونكم فيها تسعة عشر، وأنتم أكثر الناس عددًا وكثرة، أفيعجزكم مائةُ رجل منكم عن رجل منهم؟! فأنزل الله عز وجل في ذلك من قوله: ﴿وما جعلنا أصحاب النار إلا ملائكة وما جعلنا عدتهم إلا فتنة للذين كفروا﴾

رَجَّح ابنُ جرير (١٠‏/‏٥٠٠) مستندًا إلى دلالة العموم عمومَ معنى الكلمات، فقال: بـ«أنّ الله -تعالى ذِكْرُه- أمَرَ عباده أن يُصَدِّقوا بنُبُوَّة النبيِّ الأمِّيِّ الذي يؤمن بالله وكلماته، ولم يَخْصُص الخبرَ -جلَّ ثناؤه- عن إيمانه من كلمات الله ببعضٍ دون بعض، بل أخبرهم فعَمَّ الخبر عن جميع الكلمات، فالحقُّ في ذلك أن يُعَمَّ القول، فإنّ رسول الله ﷺ كان يؤمن بكلمات الله كُلِّها على ما جاء به ظاهرُ كتاب الله»

نقل ابنُ جرير (١٩‏/‏٢٩٧) عن بعضهم أنّ معنى قوله تعالى: ﴿وما أمْوالُكُمْ ولا أوْلادَكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنا زُلْفى إلا مَن آمَنَ وعَمِلَ صالِحًا﴾: «وما أموالكم ولا أولادكم بالتي تقرِّبكم عندنا زُلفى، إلا من آمن وعمل صالحًا، فإنه تُقَرِّبهم أموالهم وأولادهم -بطاعتهم الله في ذلك، وأدائهم فيه حقَّه إلى الله- زُلفى، دون أهل الكفر بالله». وذكر قول ابن زيد، ثم وجَّه هذا المعنى بقوله: «فـ﴿من﴾ على هذا التأويل نصبٌ بوقوع»تقرب«عليه»

سورة هود — الآية ٤٠

عن مسلم بن يسار -من طريق عبد الله بن مسلم- قال: أُمِر نوح عليه السلام أن يحمل معه مِن كل زوجين اثنين ومَلَك معه، فجعل يقبض زَوْجًا زَوْجًا، وبقي العِنَب، فجاء إبليس، فقال: هذا كلُّه لي. فنظر نوح عليه السلام إلى المَلَك، فقال: إنّه شريكك، فأَحْسِن شِرْكتَه. فقال: نعم، لي الثلثان، وله الثلث. قال: إنّه شريكك، فأَحْسِن شركته. فقال: لي النصف، وله النصف. فقال إبليس: هذا كله لي. فنظر إلى المَلَك، فقال: إنّه شريكك، فأحسن شركته. قال: نعم، لي الثلث، وله الثلثان. قال: أحسنت، وأنت مِحْسانٌ، أنت تأكُلُه عِنَبًا، وتأكُلُه زبيبًا، وتشربه عصيرًا ثلاثة أيام. قال مسلم: وكان يرون أنّه إذا شربه كذلك فليس للشيطان فيه نصيب

سورة يوسف — الآية ٣٦

عن مجاهد بن جبر -من طريق ابن أبي نجيح-: أنّ يوسف قال لهما حين قالا له ذلك: أنشُدُكما اللهَ ألّا تُحِبّاني، فواللهِ، ما أحَبَّني أحدٌ قطُّ إلا دخل عَلَيَّ مِن حُبِّه بلاءٌ؛ لقد أحَبَّتني عَمَّتي فدخل عَلَيَّ مِن حُبِّها بلاءٌ، ثم أحبني أبي فدخل عَلَيَّ بحبِّه بلاءٌ، ثم أحبَّتني زوجةُ صاحبي هذا فدخل عليَّ بحُبِّها إيّاي بلاءٌ، فلا تُحِبّاني، بارك الله فيكما. فأبيا إلا حُبَّه وإلْفَه حيث كان، وجعلا يعجبهما ما يريان مِن فهمه وعقله، وقد كانا رأيا حين أُدخلا السجن رؤيا؛ فرأى مجلث أنّه يحمل فوق رأسه خبزًا تأكل الطير منه، ورأى نبو أنه يعصِرُ خمرًا، فاسْتَفْتَياه فيهما، وقالا له: ﴿نبئنا بتأويله إنا نراك من المحسنين﴾

سورة المجادلة — الآية ١

عن عبد الله بن عباس -من طريق مجاهد- قال: كان ظِهار الجاهلية طلاقًا، فأول مَن ظاهَر في الإسلام أوْس بن الصّامت أخو عبادة بن الصّامت مِن امرأته الخَزْرَجيّة، وهي خَوْلَة بنت ثَعْلَبة بن مالك، فلما ظاهَر منها حَسِبتْ أن يكون ذلك طلاقًا، فأتَت به نبيَّ الله ﷺ، فقالتْ: يا رسول الله، إنّ أوْسًا ظاهَر منِّي، وإنّا إنِ افتَرقنا هَلكنا، وقد نَثَرَتْ بطني منه، وقَدُمَتْ صُحبته. فهي تشكو ذلك وتبكي، ولم يكن جاء في ذلك شيء، فأنزل الله عز وجل: ﴿قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها﴾ إلى قوله: ﴿وللكافرين عذاب أليم﴾. فدعاه رسول الله ﷺ، فقال: «أتقدر على رقبةٍ تُعْتِقها؟». فقال: لا، واللهِ، يا رسول الله، ما أقدر عليها. فجمع له رسول الله ﷺ حتى أعْتَق عنه، ثم راجع أهله

سورة الممتحنة — الآية ١١

عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: لَحِق بالمشركين من نساء المؤمنين والمهاجرين ستُّ نسوة: أُمّ الحكم بنت أبي سُفيان وكانت تحت عِياض بن شدّاد الفهريّ، وفاطمة بنت أبي أُميّة بن المُغيرة أُخت أُمّ سلمة كانت تحت عمر بن الخطاب، فلما أراد عمر أن يُهاجر أبَتْ وارتدتْ، وبَرْوَعُ بنت عُقبة كانت تحت شمّاس بن عثمان، وعزة بنت عبد العُزّى بن نَضلة وزوجها عمرو بن عبد ود، وهند بنت أبي جهل بن هشام كانت تحت هشام بن العاص بن وائل، وأُمّ كُلثوم بنت جَرول كانت تحت عمر بن الخطاب، فكلّهن رَجعنَ عن الإسلام، فأَعطى رسول الله ﷺ أزواجهنّ مهور نسائهم من الغنيمة

علَّق ابنُ عطية (٨‏/‏٩٢) على هذا القول الذي قاله ابن عباس من طريق سعيد بن جُبَير، بقوله: «وكذلك وردت أحاديث تقتضي أنّ الله تعالى يرحم الآباء رعيًا للأبناء الصالحين». ثم قال: «وذهب بعض الناس إلى إخراج هذا المعنى من هذه الآية، وذلك لا يترتب إلا بأن يجعل اسم الذرية بمثابة نوعهم على نحو قوله تعالى: ﴿أنّا حَمَلْنا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الفُلْكِ المَشْحُونِ﴾ [يس:٤١]، وفي هذا نظر». وعلَّق ابنُ القيم (٣‏/‏٦٠) على هذا القول بقوله: «وعلى هذا فيكون المعنى: أنّ الله سبحانه يجمع ذُرّية المؤمن إليه إذا أتوا من الإيمان بمثل إيمانه؛ إذ هذا حقيقة التبعية، وإن كانوا دونه في الإيمان رفعهم الله إلى درجته إقرارًا لعينه وتكميلًا لنعيمه، وهذا كما أن زوجات النبي ﷺ معه في الدرجة تبعًا، وإن لم يبلغوا تلك الدرجة بأعمالهنّ»

ذَهَبَ ابنُ جرير (٤‏/‏٧٠٨-٧٠٩) أنّ الآية في الزكاة المفروضة، فقال: «والذي هو أولى بتأويل ذلك عندنا أن يقال: إنّ الله عز وجل حثَّ عباده على الصدقة وأداء الزكاة من أموالهم، وفرضها عليهم فيها، فصار ما فَرَض من ذلك في أموالهم حقًّا لأهل سُهْمانِ الصدقة، ثم أمرهم -تعالى ذكره- أن يُخْرِجُوا من الطيب دون الخبيث، وهو الجيد من أموالهم الطيب، وذلك أنّ أهل السُّهْمانِ شُرَكاءُ أرْبابِ الأموال في أموالهم بما وجب لهم فيها من الصدقة بعد وجوبها، فلا شك أن كل شريكين في مال فلكل واحد منهما بقدر مِلْكِهِ، وأن ليس لأحدهما منع شريكه من حقه من المال الذي هو فيه شريكه بإعطائه بمقدار حقه منه من غيره، مما هو أرْدَأُ وأَخَسُّ منه، فكذلك المُزَكِّي مالَه حَرَّم الله عليه أن يُعْطي أهل السُّهْمانِ مما وجب لهم في ماله من الطيب الجيد من الحق، فصاروا فيه شركاء به، من الخبيث الرديء غيرِه، ويمنعهم ما هو لهم من حقوقهم في الطَّيِّبِ من ماله الجيد، كما لو كان مالُ ربِّ المال رديئًا كله غير جيد، فوجبت فيه الزكاة، وصارَ أهل سُهْمانِ الصدقة شركاء فيه بما أوْجَبَ الله لهم فيه، لم يكن عليه أن يعطيهم الطيب الجيد من غير ماله الذي منه حَقُّهُم، فقال -تبارك وتعالى- لِأَرْبابِ الأموال: زكُّوا من جيد أموالكم الجيدَ، ولا تَيَمَّمُوا الخبيث الرَّديء تُعْطُونَه أهل سُهْمانِ الصدقة، وتمنعونهم الواجب لهم من الجيد الطيب في أموالكم، ولستم بآخذي الرَّدِيءِ لأنفسكم مكان الجيد الواجب لكم قِبَلَ مَن وجَبَ لكم عليه ذلك من شركائكم وغُرَمائِكُم وغيرهم إلا عن إغْماضٍ منكم وهَضْمٍ لهم وكراهة منكم لأخذه. يقول: فلا تَأْتُوا مِن الفعل إلى مَن وجَبَ له في أموالكم حقٌّ ما لا تَرْضَوْنَ من غيركم أن يأتيه إليكم في حُقُوقِكُم الواجبة لكم في أموالهم، فأما إذا تَطَوَّعَ الرجل بصدقة غير مفروضة -فإني وإنْ كَرِهْتُ له أن يُعْطِيَ فيها إلا أجْوَدَ مالِه وأطيبَه؛ لأنّ الله تعالى ذِكْرُه أحَقُّ مَن تُقُرِّبَ إليه بِأَكْرَمِ الأموال وأطيبها، والصدقة قُرْبانُ المؤمن إليه- فلست أُحَرِّمُ عليه أن يُعْطِيَ فيها غير الجيد؛ لأن ما دون الجيد ربما كان أعَمَّ نفعًا لكثرته، أو لعِظَمِ خَطَرِهِ، وأَحْسَنَ مَوْقِعًا من المسكين، وممن أُعْطِيهُ قُرْبَةً إلى الله -جَلّ وعزّ- مِنَ الجيد، لقلته، أو لِصِغَرِ خَطَرِهِ، وقِلَّةِ جَدْوى نفعه على مَن أُعْطِيَهُ، وبمثل ما قلنا في ذلك قال جماعةُ أهلِ العلم». ثم استشهد بقول عَبيدة، وابن سيرين

سورة الأنفال — الآية ٣١

قال مقاتل بن سليمان: ﴿وإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا﴾ يعني: القرآن، ﴿قالُوا قَدْ سَمِعْنا لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هَذا﴾ القرآن، قال ذلك النضر بن الحارث بن علقمة، من بني عبد الدار بن قُصَيّ، ﴿إنْ هَذا إلّا أساطِيرُ الأَوَّلِينَ﴾ يعني: أحاديث الأولين، يعني: محمدًا ﷺ يحدّث عن الأمم الخالية، وأنا أُحَدِّثكم عن رُسْتُم، وإسْفِندِيارَ، كما يُحَدِّث محمد. فقال عثمان بن مظعون الجُمَحِيّ: اتق الله، يا نضر؛ فإنّ محمدًا يقول الحق. قال: وأنا أقول الحق. قال عثمان: فإنّ محمدًا يقول: لا إله إلا الله. قال: وأنا أقول: لا إله إلا الله، ولكنَّ الملائكة بنات الرحمن. فأنزل الله عز وجل في حم الزخرف [٨١] فقال: ﴿قُلْ﴾ يا محمد: ﴿إنْ كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ فَأَنا أوَّلُ العابِدِينَ﴾ أول الموحدين من أهل مكة، فقال عند ذلك: ألا ترون، قَدْ صَدَّقَنِي ﴿إن كان للرحمن ولد﴾. قال الوليد بن المغيرة: لا والله ما صَدَّقَك، ولكنه قال: ما كان للرحمن ولد. ففَطِنَ لها النضر