عن عبد الله بن عباس -من طريق جُوَيْبِر، عن الضَّحّاك- قال: ﴿يا قوم أرهطي أعز عليكم من الله﴾؟ قالوا: بل الله. قال: فاتَّخَذتم الله وراءكم ظِهريًا؟ يعني: تركتم أمره وكذَّبتم نبيَّه، غير أنّ علم ربي أحاط بكم، ﴿إن ربي بما تعملون محيط﴾. قال ابن عباس: وكان بعد الشِّرك أعظمُ ذنوبهم تطفيفَ المكيال والميزان، وبخسَ الناس أشياءَهم، معَ ذنوب كثيرة كانوا يأتونها، فبدأ شعيبٌ فدعاهم إلى عبادة الله، وكفِّ الظُّلم، وتركِ ما سوى ذلك
عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم-من طريق ابن وهب- في قوله: ﴿وفِي أنْفُسِكُمْ أفَلا تُبْصِرُونَ﴾، وقرأ قول الله -تبارك وتعالى-: ﴿ومِن آياتِهِ أنْ خَلَقَكُمْ مِن تُرابٍ ثُمَّ إذا أنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ﴾ [الروم:٢٠]، قال: وفينا آيات كثيرة؛ هذا السمع والبصر واللسان والقلب، لا يدري أحدٌ ما هو أسود أو أحمر، وهذا الكلام الذي يتلجلج به، وهذا القلب أيُّ شيء هو، إنما هو بِضْعَةٌ في جوفه، يجعل الله فيه العقل، أفيدري أحد ما ذاك العقل، وما صفته، وكيف هو؟
عن جابر بن عبد الله -من طريق سالم- قال: نزلت هذه الآية: ﴿ومَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا ويَرْزُقْهُ مِن حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾ في رجل مِن أشْجع كان فقيرًا، خفيف ذات اليد، كثير العيال، فأتى رسولَ الله ﷺ، فسأله، فقال: «اتّقِ الله، واصبر». فلم يلبثْ إلا يَسيرًا حتى جاء ابنٌ له بغنمٍ كان العدوُّ أصابوه، فأتى رسول الله ﷺ، فسأله عنها، وأخَبَره خبَرها، فقال: «كُلْها». فَنَزَلَتْ: ﴿ومَن يَتَّقِ اللَّهَ﴾الآية
علَّقَ ابنُ كثير (٢/٤٧٦-٤٧٧) على قول عطاء هذا بقوله: «وهذا معنى حسن، وحاصله: أنّ المتصدق إذا تصدق ابتغاء وجه الله فقد وقع أجرُه على الله، ولا عليه في نفس الأمر لمن أصاب: ألِبَرٍّ أو فاجرٍ، أو مستحق أو غيره، هو مثاب على قصده، ومستَنَدُ هذا تمام الآية: ﴿وما تُنْفِقُوا مِن خَيْرٍ يُوَفَّ إلَيْكُمْ وأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ﴾، والحديث المُخَرَّج في الصحيحين عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: «قال رجل: لأتصدقن الليلة بصدقة، فخرج بصدقته فوضعها في يد زانية...»»
علَّق ابنُ عطية (٣/٧٧) على حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنهما بقوله: «فظاهر كلام عمر رضي الله عنهما أنّ آية الصيف هي هذه... ، وقول رسول الله ﷺ: «تكفيك منها آية الصيف» بيانٌ فيه كفاية وجلاء، ولا أدري ما الذي أشكل منها على الفاروق -رضوان الله عليه- إلا أن تكون دلالة اللفظ لم تطرد له أن كان استعمال قريش لها قليلًا، ولا محالة أنّ دلالة اللفظ اضطربت على كثير من الناس، ولذلك قال بعضهم: الكلالة: الميت نفسه. وقال آخرون: الكلالة: المال. إلى غير ذلك من الخلاف»
رجَّح ابنُ تيمية (٣/٨٦) مستندًا إلى اللغة قراءة النصب، فقال: «في ﴿أنها﴾ قراءتان؛ فقراءة النصب أحسن القراءتين، وهي التي أشكلت على كثير من أهل العربية حتى قالوا: إنّ»أن«بمعنى»لعل«، وذكروا ما يشهد لذلك. وإنما دخل عليهم الغلط لأنّهم ظنوا أن قوله: ﴿ونقلب أفئدتهم﴾ جملة مبتدأة يخبر الله بها، وليس كذلك، ولكنها داخلة في خبر»أن«ومتعلقة بـ»إذا«، والمعنى: وما يشعركم إذا جاءت أنهم لا يؤمنون، وأنا نقلب أفئدتهم وأبصارهم بعد مجيئها كما لم يؤمنوا به أول مرة ونذرهم في طغيانهم»
وجَّه ابنُ كثير في البداية والنهاية (١٩/٢٥٤) ذلك بقوله: «أي: أول الآيات التي ليست مألوفة، وإن كان الدجال ونزول عيسى عليه السلام من السماء قبل ذلك، وكذلك خروج يأجوج ومأجوج، فكل ذلك أمور مألوفة؛ لأنهم بشر، مشاهدتهم وأمثالهم معروفة مألوفة، فأما خروج الدابة على شكل غير مألوف، ومخاطبتها الناس، ووسمها إياهم بالإيمان والكفر؛ فأمر خارج عن مجارى العادات، وذلك أول الآيات الأرضية، كما أنّ طلوع الشمس من مغربها أول الآيات السماوية، فإنها تطلع على خلاف عادتها المألوفة»
ساق ابنُ كثير (٧/١٠٥) أقوال المفسرين، ثم علَّق -واختارَ العمومَ لظاهر الآية ونظائرها- بقوله: «وهذا السياق -وإن كان سببُه وقعةَ بدر- ولكنه عام في حق كل كافر؛ ولهذا لم يُخَصِّصْه تعالى بأهل بدر، بل قال تعالى: ﴿ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم﴾، وفي سورة القتال مثلها، وتقدم في سورة الأنعام عند قوله: ﴿ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت والملائكة باسطو أيديهم أخرجوا أنفسكم﴾ [الأنعام:٩٣]»
انتقد ابنُ كثير (٩/٣٢٠) مستندًا إلى الدلالة العقلية ما جاء في شأن عصا موسى مِن الأمور الخارقة، فقال: «وقد تكلَّف بعضُهم لذِكْرِ شيء من تلك المآرب التي أُبْهِمَتْ، فقيل: كانت تضيء له بالليل، وتحرس له الغنم إذا نام، ويغرسها فتصير شجرة تُظِلُّه، وغير ذلك من الأمور الخارقة للعادة. والظاهر أنها لم تكن كذلك، ولو كانت كذلك لما استنكر موسى صيرورتها ثعبانًا، فما كان يَفِرُّ منها هاربًا، ولكن كل ذلك من الأخبار الإسرائيلية. وكذا قول بعضهم: إنها كانت لآدم عليه السلام. وقول الآخر: إنها هي الدابة التي تخرج قبل يوم القيامة»
ذكر ابنُ كثير (١٢/١٠٧) هذا الأثر، ثم علّق عليه: «فهو حديث المنام المشهور، ومَن جعله يقظة فقد غلط، وهو في السنن من طرق. وهذا الحديث بعينه قد رواه الترمذي من حديث جهضم بن عبد الله اليمامي به. وقال:»حسن صحيح«وليس هذا الاختصام هو الاختصام المذكور في القرآن، فإن هذا قد فُسِّر، وأما الاختصام الذي في القرآن فقد فُسِّر بعد هذا، وهو قوله تعالى: ﴿إذ قال ربك للملائكة إني خالق بشرا من طين * فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين.. ﴾ الآيات». هذا وقد أورد ال