قال مقاتل بن سليمان: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ المَسْجِدَ الحَرامَ﴾ يعني: العام المقبل ﴿إنْ شاءَ اللَّهُ﴾ يستثنى على نفسه، مثل قوله: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى إلّا ما شاءَ اللَّهُ﴾ [الأعلى:٦-٧]، ويكون ذلك تأديبًا للمؤمنين ألّا يتركوا الاستثناء في ردّ المشيئة إلى الله تعالى، ﴿آمِنِينَ﴾ مِن العدو ﴿مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ ومُقَصِّرِينَ﴾ مِن أشعاركم، ﴿لا تَخافُونَ﴾ عدوَّكم، ... فلمّا كان في العام المُقبل بعد ما رجع مِن خَيْبَر أدخله الله هو وأصحابه المسجد الحرام، فأقاموا بمكة ثلاثة أيام، فحلَقوا وقصَّروا؛ تصديق رؤيا النبي ﷺ
عن الضَّحّاك بن مُزاحِم -من طريق عبيد- في قوله: ﴿ورَهْبانِيَّةً ابْتَدَعُوها ما كَتَبْناها عَلَيْهِمْ﴾، قال: كان الله عز وجل كتب عليهم القتال قبل أن يبعَث محمدًا ﷺ، فلما استخرج أهل الإيمان، ولم يبقَ منهم إلا القليل، وكثر أهل الشّرك، وانقطعت الرسل؛ اعتزلوا الناس، فصاروا في الغِيران، فلم يزالوا كذلك حتى غيّرت طائفةٌ منهم، فتركوا دين الله وأمره وعهْده الذي عَهده إليهم، وأخذوا بالبدع، فابتدعوا النصرانية واليهودية، فقال الله عز وجل: ﴿فَما رَعَوْها حَقَّ رِعايَتِها﴾، وثبتت طائفةٌ منهم على دين عيسى، حتى بعَث الله محمدًا ﷺ، فآمنوا به
عن محمد بن السّائِب الكلبي، قال: كان هؤلاء أربعة وعشرين رجلًا، قدموا من اليمن على رسول الله ﷺ وهو بمكة، لم يكونوا يهودًا ولا نصارى، وكانوا على دين الأنبياء، فأسلموا، فقال لهم أبو جهل: بئس القوم أنتم والوفد لقومكم. فردّوا عليه: وما لنا لا نؤمن بالله وما جاءنا من الحق؟! فجعل الله سبحانه لهم ولمؤمني أهل الكتاب -عبد الله بن سلام وأصحابه- أجرين اثنين، فجعلوا يفخَرون على أصحاب رسول الله ﷺ، وقالوا: نحن أفضل منكم؛ لنا أجران، ولكم أجر واحد. فأنزل الله سبحانه: ﴿لِئَلّا يَعْلَمَ أهْلُ الكِتابِ﴾ الآية
عن عبد الله بن عمرو، قال: أتى رجلٌ رسولَ الله ﷺ، فقال: أقرِئني، يا رسول الله. قال: «اقرأ ثلاثًا مِن ذوات ﴿الر﴾». فقال الرجل: كَبر سِنّي، واشتد قلبي، وغَلُظ لساني. قال: «اقرأ ثلاثًا من ذوات ﴿حم﴾». فقال مثل مقالته الأولى، فقال: «اقرأ ثلاثًا من المسبّحات». فقال مثل مقالته، ولكن أقرِئني -يا رسول الله- سورة جامعة. فأقرَأه: ﴿إذا زُلْزِلَتِ الأَرْضُ زِلْزالَها﴾ حتى فرغ منها، قال الرجل: والذي بعثك بالحقّ، لا أزيد عليها. ثم أدبَر، فقال رسول الله ﷺ: «أفلح الرُّويجل، أفلح الرُّويجل»
عن عياض بن غنْم، أنه سمع رسول الله ﷺ تلا قوله: «﴿ألْهاكُمُ التَّكاثُرُ حَتّى زُرْتُمُ المَقابِرَ كَلّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ يقول: لو قد دخلتم القبور، ﴿ثُمَّ كَلّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ لو قد خرجتم من قبوركم، ﴿كَلّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ اليَقِينِ﴾ مَحْشَركم إلى ربّكم، ﴿لَتَرَوُنَّ الجَحِيمَ﴾ أي: في الآخرة حقّ اليقين كرأي العين، ﴿ثُمَّ لَتَرَوُنَّها عَيْنَ اليَقِينِ﴾ يوم القيامة، ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ بين يدي ربّكم؛ عن بارد الشراب، وظلال المساكن، وشِبَع البطون، واعتدال الخَلْق، ولذاذة النوم، حتى خِطبة أحدكم المرأة مع خُطّابٍ سواه فزُوِّجَها ومُنِعَها غيرُه»
وجَّه ابنُ جرير (٣/٥٢٣ بتصرف) قول عبد الرحمن بن الأسود، فقال: «وأمّا قولُ عبد الرحمن بن الأسود فإنّه يحتمل أن يكون أراد: لم أجد أحدًا يخبرني عن حَدِّ أوله ومنتهى آخره على حَقِّه وصِدْقِه؛ لأنّ حدود ذلك على صحتها حتى لا يكون فيها زيادة ولا نقصان لا يُحِيطُ بها إلا القليلُ من أهل المعرفة بها، غير أنّ ذلك وإن لم يقف على حَدِّ أوله ومنتهى آخره وقوفًا لا زيادة فيه ولا نقصان، فموضع الحاجة للوقوف لا خفاء به على أحد من سكان تلك الناحية، وكثير من غيرهم، وكذلك سائر مشاعر الحج والأماكن التي فرض الله عز وجل على عباده أن ينسكوا عندها؛ كعرفات، ومنى، والحرم»
ذكر ابنُ عطية (٣/١٣٩) أنّ معنى: ﴿يَخافُونَ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِما﴾ «أي: الله، وأنعم عليهما بالإيمان الصحيح، وربط الجأْش، والثبوت في الحق». ونقل قولًا آخر أنّ المعنى: «يخافون العدو، لكن أنعَم الله عليهما بالإيمان والثبوت مع خوفهما». ثم قوّى القول الأول مستندًا إلى القراءات، فقال: «ويُقَوِّي التأويل الأول أنّ في قراءة ابن مسعود: (قالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخافُونَ اللهَ أنْعَمَ عَلَيْهِما)». ورجَّح ابنُ القيم (١/٣١٧) أنّ المعنى: «من الذين يخافون الله، أنعم الله عليهما بطاعته والانقياد إلى أمره» قائلًا: «هذا قول الأكثرين، وهو الصحيح». ولم يذكر مستندًا
علَّقَ ابنُ كثير (ت: سلامة) ٥/٦-٧ على هذا بقوله: «وقد قال الحافظ أبو بكر البيهقي: في حديث شريك زيادة تفرد بها، على مذهب مَن زعم أنّه ﷺ رأى ربه، يعني قوله: ثم دنا الجبار رب العزة فتدلى، فكان قاب قوسين أو أدنى. قال: وقول عائشة وابن مسعود وأبي هريرة -في حملهم هذه الآيات على رؤيته جبريل- أصح. وهذا الذي قاله البيهقي هو الحق في هذه المسألة؛ فإن أبا ذر قال: يا رسول الله، هل رأيت ربك؟ قال: «نور أنى أراه». وفي رواية: «رأيت نورا». أخرجه مسلم»
ذكر ابنُ كثير (٩/١٨٤ بتصرف) هذا القول، ثم علّق مستندًا إلى دلالة العقل قائلًا: «وهذا الذي أنكره معاوية رضي الله عنه على كعب الأحبار هو الصواب، والحقُّ مع معاوية في الإنكار؛ فإن معاوية كان يقول عن كعب: إن كنا لنبلو عليه الكذب. يعني: فيما ينقله، لا أنه كان يتعمد نقل ما ليس في صحيفته، ولكن الشأن في صحيفته أنّها مِن الإسرائيليات التي غالبها مُبَدَّل مُصَحَّف مُحَرَّف مُخْتَلَق. وتأويل كعب قول الله: ﴿وآتَيْناهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا﴾ واستشهاده في ذلك على ما يجده في صحيفته مِن أنّه كان يربط خيله بالثريا غير صحيح ولا مطابِق؛ فإنه لا سبيل للبشر إلى شيء من ذلك، ولا إلى التَّرَقِّي في أسباب السموات»
اختُلِف في معنى قوله ﴿هضيم﴾ على أقوال: الأول: معناه: اليانع النضيج. الثاني: بل هو المتهشم المتفتت. الثالث: هو الرطب اللين. الرابع: هو الراكب بعضه بعضًا. وجمع ابنُ جرير (١٧/٦٢٠) بين الأقوال مستندًا للغة، فقال: «وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يُقال: الهضيم: هو المنكسر من لينه ورطوبته، وذلك من قولهم: هضم فلان حقه: إذا انتقصه وتحيّفه، فكذلك الهضم في الطلع، إنما هو التنقُّص منه مِن رطوبته ولينه؛ إما بمسِّ الأيدي، وإما بركوب بعضه بعضًا، وأصله»مفعول«صُرِف إلى»فعيل«». وانتقد ابنُ عطية (٤٩٩-٥٠٠) القول الأخير الذي قاله الضحاك بقوله: «وهذا ضعيف»