سورة الأنعام — الآية ١٦٠

عن أُمِّ هانئٍ، قالت: دخل عَلَيَّ رسول الله ﷺ، فقال: «أبشِري! فإنّ الله عز وجل قد أنزل لأمتي الخير كُلَّه، وقد أنزل: ﴿إنَّ الحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ﴾». [هود:١١٤] فقالت: بأبي أنت وأمي، ما تلك الحسنات؟ قال: «الصلوات الخمس». ثم دخل عَلَيَّ، فقال: «أبشري! فإنّه قد نزل خيرٌ لا شرَّ بعده». قلت: ما هو، بأبي أنت وأمي؟ قال: «أنزل الله -جلَّ ذِكْرُه-: ﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أمْثالِها﴾. فقلتُ: يا ربِّ، زِدْ أُمَّتي. فأنزل الله -تبارك اسمه-: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ﴾ [البقرة:٢٦١]. فقلت: يا ربِّ، زِدْ أُمَّتِي. فأنزل الله تعالى: ﴿إنَّما يُوَفّى الصّابِرُونَ أجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ [الزمر:١٠]»

سورة المؤمنون — الآية ١٠٦

عن محمد بن عبد الله: أنّ إياس بن معاوية قدم الشام، فأراد الحجَّ منها، فلَقِي في الطريق غيلان الدمشقي. فقال: أيْ إياسُ، هذا مِن القَدَر؟ فقال له إياس: إن شئتَ سألتني، وإن شئتَ سألتك. فقال له غيلان: تكلم. فقال: إن شئت أخبرتك بقول أهل الجنة، وأهل النار، والملائكة، والشيطان، وقول العرب في أشعارها، وقول العجم في أمثالها. قال له غيلان: أخبِرني بها. قال: قال أهل الجنة حين دخولها: ﴿الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله﴾ [الأعراف:٤٣]، وقال أهل النار حين دخولها: ﴿ربنا غلبت علينا شقوتنا﴾ [المؤمنون:١٠٦]، وقالت الملائكة: ﴿لا علم لنا إلا ما علمتنا﴾ [البقرة:٣٢]، وقال الشيطان: ﴿رب بما أغويتني... ﴾ [الحجر:٣٩]...

سورة الحجر — الآية ٤٠

عن محمد بن عبد الله: أنّ إياس بن معاوية قدم الشام، فالتقى غيلان [الدمشقي] في طريقهما إلى الحج، فقال غيلان: أيْ إياس، هذا مِن القَدَر؟ قال: فقال له إياس: إن شئتَ سألتَني، وإن شئتَ سألتُك. فقال له غيلان: تكلَّم. فقال: إن شئتَ أخبرتُك بقول أهل الجنة، وأهل النار، والملائكة، والشيطان، وقول العرب في أشعارها، وقول العجم في أمثالها. قال له غيلان: أخبِرني بها. قال: قال أهل الجنة حين دخولها: ﴿الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله﴾ [الأعراف:٤٣]، وقال أهل النار حين دخولها: ﴿ربنا غلبت علينا شقوتنا﴾ [المؤمنون:١٠٦]، وقالت الملائكة: ﴿لا علم لنا إلا ما علمتنا﴾ [البقرة:٣٢]، وقال الشيطان: ﴿رب بما أغويتني﴾...

ذكر ابنُ تيمية (١‏/‏٤٨٧) أنّ هناك من جعل المعنى: ادخلوا كلكم. ثم رجَّح القول بأنّ المراد: جميعًا، مستندًا إلى الدلالات العقلية، فقال: «وهذا هو الصحيح؛ فإن الإنسان لا يُؤْمَرُ بعمل غيره، وإنما يُؤْمَر بما يَقْدِر عليه. وقوله: ﴿ادخلوا﴾ خطاب لهم كلهم، فقوله: ﴿كافة﴾ إن أريد به مجتمعين؛ لَزِم أن يترك الإنسانُ الإسلام حتى يسلم غيرُه، فلا يكون الإسلام مأمورًا به إلا بشرط موافقة الغير له، كالجمعة، وهذا لا يقوله مسلم. وإن أريد بـ﴿كافة﴾ أي: ادخلوا جميعكم؛ فكلُّ أوامر القرآن كقوله: ﴿آمنوا بالله ورسوله﴾ [النساء:١٣٦]، ﴿وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة﴾ [البقرة:٤٣] كلها من هذا الباب». وبنحوه قال ابنُ كثير (٢‏/‏٢٧٣-٢٧٤)

ذكر ابنُ جرير (٧‏/‏١٥٨) أن المراد بالكتاب هنا: «كتاب الله الذي أوحاه إليهم، وذلك كصحف إبراهيم وموسى والزبور، وسائر ما آتاهم من الكتب. وأما الحكمة فما أوحى إليهم مما لم يكن كتابًا مقروءًا». ولم يورد من آثار السلف إلا قول السدي في معنى الحكمة. بينما أعاد ابن المنذر وابن أبي حاتم ذكر ما تقدم من معنى الكتاب والحكمة في قوله تعالى: ﴿رَبَّنا وابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آياتِكَ ويُعَلِّمُهُمُ الكِتابَ والحِكْمَةَ﴾ [البقرة:١٢٩]، ونحوها من الآيات الواردة في نبينا محمد ﷺ، أو في قوله تعالى عن عيسى عليه السلام: ﴿ويُعَلِّمُهُ الكِتابَ والحِكْمَةَ والتَّوْراةَ والإنْجِيلَ﴾ [آل عمران:٤٨]. وظاهرٌ أنّ بعض تلك المعاني قد يُشْكِل في سياق هذه الآية

ذكر ابنُ جرير (٨‏/‏٦٠٤) قول ابن عباس ومَن وافقه في أنّ الشاهدين هم: أمة محمد ﷺ، ثم علَّق قائلًا: «فكأنّ متأَوِّلَ هذا التأويلِ قَصَد بتأويله هذا إلى معنى قول الله -تعالى ذِكْرُه-: ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وسَطًا لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلى النّاسِ ويَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة:١٤٣]، فذهب ابنُ عباس إلى أنّ الشاهدين: هم الشهداء في قوله: ﴿لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلى النّاسِ﴾، وهم أُمَّة محمد ﷺ». ثم ذكر (٨‏/‏٦٠٤) معنى الآيةِ بناءً على هذا التأويل، فقال: «وإذا كان التأويل ذلك كان معنى الكلام: يقولون: ربَّنا، آمنّا فاكتبنا مع الشاهدين الذين يشهدون لأنبيائك يوم القيامة أنهم قد بَلَّغوا أُمَمَهم رسالاتك». وبنحوه قال ابنُ عطية (٣‏/‏٢٣٦)

قال ابنُ عطية (٣‏/‏٥٧٩-٥٨٠): «وأخذ المفسرون الخَلْق بمعنى: المخلوقات، أي: هي له كلها وملكه واختراعه، وأخذوا الأَمْرُ مصدرًا من أمر يأمر، وعلى هذا قال النقّاش وغيرُه: إنّ الآية ترُدُّ على القائلين بخلق القرآن؛ لأنّه فرق فيها بين المخلوقات وبين الكلام؛ إذ الأمر كلامه عز وجل. ويحتمل أن تؤخذ لفظة الخَلْق على المصدر مِن خلق يخلق خلقًا، أي: له هذه الصفة؛ إذ هو الموجد للأشياء بعد العدم، ويؤخذ الأَمْرُ على أنّه واحد الأمور، إلا أنّه يدل على الجنس فيكون بمنزلة قوله: ﴿وإلَيْهِ يُرْجَعُ الأَمْرُ كُلُّهُ﴾ [هود:١٢٣]، وبمنزلة قوله: ﴿وإلى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ﴾ [البقرة:٢١٠]، فإذا أُخِذَت اللفظتان هكذا خرجتا عن مسألة الكلام»

انتقد ابن كثير (١١‏/‏٣٣٨) هذا الحديث قائلًا: «والظاهر أن هذا الحديث ليس بمرفوع، بل من الإسرائيليات المنكرة، فإن موسى عليه السلام أجلُّ مِن أن يُجَوِّز على الله سبحانه وتعالى النوم، وقد أخبر الله تعالى في كتابه العزيز بأنه: ﴿الحَيُّ القَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ ولا نَوْمٌ لَهُ ما فِي السَّمَواتِ وما فِي الأرْضِ﴾ [البقرة:٢٥٥]، وثبت في الصحيحين عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «إنّ الله لا ينام، ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القسط ويرفعه، يرفع إليه عمل الليل قبل النهار، وعمل النهار قبل الليل، حجابه النور أو النار، لو كشفه لأحرقت سُبُحات وجْهه ما انتهى إليه بصره من خلقه»»

علَّق ابنُ كثير (٤‏/‏٢٦٥) على هذا الحديث بقوله: «لفظ الترمذي، ثم قال الترمذي: هذا حديث غريب لا نعلم أحدًا أسنده غير محمد بن سلمة الحراني، وروى يونس بن بكير وغير واحد، عن محمد بن إسحاق، عن عاصم بن عمر بن قتادة مرسلًا لم يذكروا فيه عن أبيه عن جده. ورواه ابن حاتم عن هاشم بن القاسم الحراني، عن محمد بن سلمة، به ببعضه. ورواه ابن المنذر في تفسيره: حدثنا محمد بن إسماعيل -يعني الصائغ -حدثنا الحسن بن أحمد ابن أبي شعيب الحراني، حدثنا محمد بن سلمة. فذكره بطوله. ورواه أبو الشيخ الأصبهاني في تفسيره عن محمد بن العباس بن أيوب والحسن بن يعقوب، كلاهما عن الحسن بن أحمد بن أبي شعيب الحراني، عن محمد بن سلمة، به. ثم قال في آخره: قال محمد بن سلمة: سمع مني هذا الحديث يحيى بن معين، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن إسرائيل. وقد روى الحاكم أبو عبد الله النيسابوري هذا الحديث في كتابه المستدرك، عن أبي العباس الأصم، عن أحمد بن عبد الجبار العطاردي، عن يونس بن بكير، عن محمد بن إسحاق بمعناه أتم منه، وفيه الشعر. ثم قال: وهذا حديث صحيح، على شرط مسلم، ولم يخرجاه»

سورة آل عمران — الآية ٧

عن عبد الله بن عباس، عن جابر بن عبد الله بن رئاب -من طريق ابن إسحاق، عن الكلبي، عن أبي صالح- قال: مَرَّ أبو ياسر بن أخْطَب، فجاء رجلٌ من يهود لرسول الله ﷺ، وهو يتلو فاتحة سورة البقرة: ﴿الم ذلك الكتاب لا ريب فيه﴾. فأتى أخاه حُيَيَّ بن أخْطَبَ في رِجالٍ من اليهود، فقال: أتعلمون، واللهِ، لقد سمعتُ محمدًا يتلو فيما أنزل عليه: ﴿الم ذلك الكتاب﴾. فقال: أنت سمعتَه؟ قال: نعم. فمشى حتى وافى أولئك النفر إلى رسول الله ﷺ، فقالوا: ألم تقل: إنّك تتلو فيما أُنزل عليك: ﴿الم ذلك الكتاب﴾؟ فقال: «بلى». فقالوا: لقد بُعث بذلك أنبياء، ما نعلمُه بُيِّن لنبيٍّ منهم ما مُدَّةُ مُلْكِه وما أجَلُ أُمَّتِهِ غيرَك! الألف واحدة، واللام ثلاثون، والميم أربعون، فهذه إحدى وسبعون سنة. ثم قال: يا محمد، هل مع هذا غيره؟ قال: «نعم، ﴿المص﴾». قال: هذه أثقلُ وأطولُ، الألف واحدة، واللام ثلاثون، والميم أربعون، والصاد تسعون، فهذه إحدى وثلاثون ومائة، هل مع هذا غيره؟ قال: «نعم، ﴿الر﴾». قال: هذه أثقل وأطول، الألف واحدة، واللام ثلاثون، والراء مائتان، هذه إحدى وثلاثون ومائتا سنة، هل مع هذا غيره؟ قال: «نعم، ﴿المر﴾». قال: هذه أثقل وأطول، هذه إحدى وسبعون ومائتان. ثُمَّ قال: لقد لُبِّس علينا أمرُك حتى ما ندري أقليلًا أُعطيتَ أم كثيرًا؟! ثم قال: قوموا عنه. ثم قال أبو ياسر لأخيه ومَن معه: ما يدريكم، لعلَّه قد جُمِع هذا كله لمحمد؟! إحدى وسبعون، وإحدى وثلاثون ومائة، وإحدى وثلاثون ومائتان، وإحدى وسبعون ومائتان، فذلك سبعمائة وأربع سنين. فقالوا: لقد تشابه علينا أمرُه. فيزعمون: أنّ هذه الآيات نزلت فيهم: ﴿هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات﴾