سورة الحجرات — الآية ١٤

عن زيد السُلَمي، قال: قال النبي ﷺ للحارث بن مالك: «كيف أصبحتَ، يا حارث بن مالك؟». قال: من المؤمنين. قال: «اعلم ما تقول». قال: مؤمن حقًّا. قال: «فإنّ لكلّ حقٍّ حقيقته؛ فما حقيقة ذلك؟». قال: أظمأتُ نهاري، وأسهرتُ ليلي، وعزفْتُ عن الدنيا، حتى كأنِّي أنظر إلى العرش حين جاء به، وكأني أنظر إلى عذاب أهل النار في النار، وتزاوُر أهل الجنة في الجنة. قال: «عرفتَ، يا حارث بن مالك؛ فالزم. عبدٌ نوَّر الله الإيمان في قلبه». قال: يا رسول الله، ادعُ الله لي بالشهادة. فدعا له، قال: فأُغير على سرح المدينة، فخرج فقاتل حتى قُتل

سورة الحشر — الآية ٨

عن أسلم، قال: سمعتُ عمر بن الخطاب يقول: اجتمِعوا لِهذا المال، فانظُروا لِمَن تَرونه. ثم قال لهم: إني أمرتكم أن تجتَمعوا لهذا المال، فتَنظُروا لِمَن تَرونه، وإنّي قرأتُ آياتٍ مِن كتاب الله، فكَفَتني؛ سمعتُ الله يقول: ﴿ما أفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِن أهْلِ القُرى فَلِلَّهِ ولِلرَّسُولِ﴾ إلى قوله: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الصّادِقُونَ﴾ واللهِ، ما هو لهؤلاء وحدهم، ﴿والَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدّارَ والإيمانَ﴾ إلى قوله: ﴿المُفْلِحُونَ﴾ واللهِ، ما هو لهؤلاء وحدهم، ﴿والَّذِينَ جاءُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنا اغْفِرْ لَنا﴾ إلى قوله: ﴿رَحِيمٌ﴾ واللهِ، ما أحد من المسلمين إلا له حقٌّ في هذا المال؛ أعُطي منه أو مُنع عنه، حتى راعٍ بعَدَن

ذكر ابنُ عطية (٣‏/‏٥٧٦) قول السدي، ثم وجَّه معنى الآية عليه قائلًا: «والمراد: هل ينتظر هؤلاء الكفارُ إلا مآل الحالِ في هذا الدين، وما دعوا إليه، وما صدُّوهم عنه، وهم يعتقدون مآله جميلًا لهم؟ فأخبر الله عز وجل أنّ مآله يوم يأتي يقع معه ندمهم، ويقولون تأسفًا على ما فاتهم من الإيمان: لقد صَدَقَت الرسلُ، وجاءوا بالحق. فالتأويل على هذا مأخوذٌ من آل يَؤُولُ». وزاد ابنُ عطية في معنى التأويل قولين آخرين، فقال: «وقال الخطابيُّ: أوَّلْتُ الشيء: رددته إلى أوله، فاللفظة مأخوذة من الأول، حكاه النقاش. وقد قيل: أوَّلْتُ، معناه: طَلَبْتُ أوَّلَ الوجوه والمعاني»

اختُلِف في معنى: ﴿وآتِ ذا القُرْبى حَقَّهُ﴾ في هذه الآية على قولين: الأول: أنه قرابة الرجل من قِبل أبيه وأمه. الثاني: أنهم قرابة الرسول ﷺ. ورجَّح ابنُ جرير (١٤‏/‏٥٦٣-٥٦٤) مستندًا إلى دلالة السياق القول الأول، وهو قول ابن عباس من طريق العوفي، وقول عكرمة، وما في معناه، وعلَّل ذلك بقوله: «أن الله عز وجل عقَّب ذلك عَقيبَ حضِّه عباده على بِرِّ الآباء والأمهات، فالواجب أن يكون ذلك حضًّا على صلة أنسابهم دون أنساب غيرهم التي لم يَجْرِ لها ذِكْر». ورجَّحه ابنُ عطية (٥‏/‏٤٦٥) أيضًا مستندًا إلى الدلالة العقلية، فقال: «والقول الأول أبْيَن، ويعضده العطف بالمسكين وابن السبيل»

اختُلف في معنى قوله: ﴿يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ﴾ على قولين: أحدهما: هربًا في الأرض مِن الفزع. والثاني: انصرافهم إلى النّار. ورجَّح ابنُ جرير (٢٠‏/‏٣٢٠) القول الأول استنادًا لموافقته ما جاء في الخبر عن النبي ﷺ، فقال: «وأولى القولين في ذلك بالصواب القول الذي روي عن رسول الله ﷺ -حديث أبي هريرة في تفسير آية: ﴿ويا قَوْمِ إنِّي أخافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنادِ﴾-، وإن كان الذي قاله قتادة في ذلك غير بعيد من الحق، وبه قال جماعة من أهل التأويل». وذكر ابنُ عطية (٧‏/‏٤٤١) أن قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ﴾ معناه على بعض الأقاويل في التنادي: «تفرّون هروبًا من الفزع، وعلى بعضها: تفرّون مدبرين إلى النار»

نقل ابنُ عطية (٨‏/‏١٠٧) في قوله تعالى: ﴿وما يَنْطِقُ عَنِ الهَوى﴾ عن بعض العلماء أن المعنى: «وما ينطق القرآن المُنزّل عن هوًى وشهوة». ثم وجَّهه بقوله: «ونسب تعالى النطق إليه من حيث يُفهم منه، كما قال تعالى: ﴿هذا كِتابُنا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالحَقِّ﴾ [الجاثية:٢٩]، وأسند الفعل إلى القرآن ولم يتقدم له ذكر لدلالة المعنى عليه». وذكر ابنُ القيم (٣‏/‏٦٦) أن الضمير في قوله تعالى: ﴿إنْ هُوَ إلاّ وحْيٌ يُوحى﴾ يعود على المصدر المفهوم من الفعل، أي: ما نطقه إلا وحي يوحى، ثم علَّق عليه بقوله: «وهذا أحسن من قول مَن جعل الضمير عائدًا إلى القرآن، فإنه يعمّ نطقه بالقرآن والسنة، وإنّ كليهما وحي يوحى»

ذكر ابنُ عطية (٨‏/‏٢١٦) في إضافة الحق إلى اليقين قولين، فقال: «فذهب بعضُ الناس إلى أنه من باب»دار الآخرة«و»مسجد الجامع«. وذهبت فرقة من الحُذّاق إلى أنه كما تقول في أمر تؤكده: هذا يقين اليقين، أو صواب الصواب، بمعنى أنه نهاية الصواب». ثم علَّق على الأخير بقوله: «وهذا أحسن ما قيل فيه، وذلك لأن»دار الآخرة«وما أشبهها يحتمل أن تقدِّر شيئًا أضفت الدار إليه، ووصفته بالآخرة، ثم حذفته، وأقمت الصفة مقامه، كأنك قلت:»دار الرجعة الآخرة«، أو»دار النشأة الآخرة«، أو»الخلقة الأخيرة«، وهنا لا يتَّجه هذا، وإنما هي عبارة مبالغة وتأكيد، معناها: أنّ هذا الخبر هو نفس اليقين وحقيقته»

وجَّه ابنُ جرير (٤‏/‏٢٥٤-٢٥٥ بتصرف) هذا القولَ الذي قال به ابنُ عباس من طريق عطاء، والحسن، ذاكرًا مستندهما من العموم والسنة، فقال: «واعتلَّ قائلو هذه المقالةِ بأنّ الله -تعالى ذِكْرُه- إنّما أمر المُتَوَفّى عنها بالتَّرَبُّص عن النكاح، وجعلوا حكمَ الآية على الخصوص. وبما حدَّثني به محمد بن إبراهيم السلمي... عن أسماء بنت عميس، قالت: لَمّا أُصِيب جعفرٌ قال لي رسول الله ﷺ: «تسلبي ثلاثًا، ثم اصنعي ما شئتِ». قالوا: فقد بَيَّن هذا الخبرُ عن النبي ﷺ أن لا إحداد على المُتَوَفّى عنها زوجُها. وأنّ القول في تأويل قوله: ﴿يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا﴾ إنّما هو يَتَرَبَّصْنَ بأنفسهنَّ عن الأزواج دون غيره». وانتَقَدَهُ (٤‏/‏٢٥٥-٢٥٦) مستندًا لمخالفته القرآنَ والسنةَ بما ملخصُه الآتي: ١- مخالفته لظاهر التنزيل؛ حيث إنّ الله أمر المُتَوَفّى عنها زوجُها بالتربص بنفسها أربعة أشهر وعشرًا، فعمَّ ذلك جميعَ معاني التربص؛ فيجبُ عليها التربصُ بنفسها عن كُلِّ شيء إلا ما أطلقته حُجَّةٌ يجب لها التسليم. ٢- مخالفته لما ثبت عن النبي ﷺ؛ إذ التربُّصُ عن الزينة والطيب ثابتٌ، وكذلك النُّقْلَة، فبان بذلك عمومُ معنى التربص للمرأة، وبُطولُ مَن خَصَّص أمورًا دون أخرى. وأمّا الخبرُ المرويُّ عن أسماء فقد وجَّهه ابنُ جرير (٤‏/‏٢٥٧) بقوله: «وأمّا الخبر الذي رُوي عن أسماء ابنة عميس [سيأتي ذكره في الآثار المتعلقة بأحكام الآية] فإنه غير دالٍّ على أن لا إحداد على المرأة، بل إنّما دلَّ على أمر النبي ﷺ إياها بالتَّسَلُّب ثلاثًا، ثُمَّ العمل بما بدا لها من لبس ما شاءت من الثياب مما يجوز للمعتدة لبسه مما لم يكن زينة ولا تطيبًا؛ لأنه قد يكون من الثياب ما ليس بزينة ولا ثياب تسلب، وذلك كالذي أذن ﷺ للمتوفى عنها أن تلبس من ثياب العصب، وبرود اليمن، فإنّ ذلك لا من ثياب زينة ولا من ثياب تسلب، وكذلك كل ثوب لم يدخل عليه صِبْغ بعد نسجه مما يصبغه الناس لتزيينه، فإنّ لها لبسه؛ لأنها تلبسه غير متزينة الزينة التي يعرفها الناس». وانتَقَد ابنُ عطية (٢‏/‏٥٧٨) أيضًا هذا القول، فقال بعد ذكره: «وهذا ضعيف». ولم يذكر مستندًا

سورة البقرة — الآية ٢٣٤

عن مجاهد بن جبر -من طريق شِبْل عن ابن أبي نجيح- ﴿والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا﴾، قال: كانت هذه العِدَّةُ، تعتدُّ عند أهل زوجها، واجبًا ذلك عليها، فأنزل الله: ﴿والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا وصية لأزواجهم متاعا إلى الحول غير إخراج فإن خرجن فلا جناح عليكم فيما فعلن في أنفسهن من معروف والله عزيز حكيم﴾ [البقرة: ٢٤٠]. قال: فجعل الله لها تمام السنة سبعة أشهر وعشرين ليلة وصِيَّةً؛ إن شاءت سكنت في وصِيَّتِها، وإن شاءت خرجت، وهو قول الله: ﴿غير إخراج فإن خرجن فلا جناح عليكم﴾. فالعِدَّةُ كما هي واجبةٌ عليها. زعم ذلك عن مجاهد، وقال عطاء: قال ابن عباس: نَسَخَتْ هذه الآيةُ عِدَّتَها في أهله، فتعتَدُّ حيث شاءت، وهو قول الله: ﴿غير إخراج﴾، قال عطاء: إن شاءتْ اعتدَّتْ عند أهله وسكنت في وصيتها، وإن شاءت خرجت؛ لقول الله: ﴿فإن خرجن فلا جناح عليكم فيما فعلن في أنفسهن﴾. قال عطاء: ثُمَّ جاء الميراث، فنَسَخَ السُّكْنى، فتعتدُّ حيث شاءت، ولا سُكْنى لها

أفادت الآثارُ الاختلافَ في تأويل قوله تعالى: ﴿فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن فريضة﴾ على قولين: أحدهما: أنّ المعنى: فإذا استمتعتم بالزوجة، ووقع الوطء ولو مَرَّةً؛ فقد وجب إعطاء الأجر، وهو المهر كله. وهذا قول ابن عباس من طريق علي بن أبي طلحة، ومجاهد، والحسن، وابن زيد، وغيرهم. والآخر: أنّ الآية في نكاح المتعة. وهذا قول ثانٍ لابن عباس من طرق، ومجاهد، وقول السديّ، وغيره. ورَجَّحَ ابنُ جرير (٦‏/‏٥٨٨) القول الأولَ استنادًا إلى السُنَّة، فقال: «أوْلى التأويلين في ذلك بالصواب تأويلُ مَن تأوله: فما نكحتموه منهن فجامعتموه فآتوهن أجورهن؛ لقيام الحجة بتحريم الله متعة النساء على غير وجه النكاح الصحيح أو الملك الصحيح على لسان رسوله ﷺ. حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز، قال: ثني الربيع بن سبرة الجهني، عن أبيه، أنّ النبي ﷺ قال: «استمتعوا من هذه النساء». والاستمتاع عندنا يومئذ التزويج»