محتويات صفحة تفسير الآية

تجد في هذه الصفحة تفسير الآية ٢٣٤ من سورة البقرة في ١٣١ كتابًا من كتب التفسير، ومعاني غريب كلماتها، وإعرابها، و٣٧ قولًا من التفسير بالمأثور، وما يتصل بها من الموضوعات والوقفات والترجمات.

تفسير الآية ٢٣٤ من سورة البقرة

١٣١ كتابًا من كتب التفسير

جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري

عن الكتاب

القول في تأويل قوله تعالى :


﴿وَالّذِينَ يُتَوَفّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً يَتَرَبّصْنَ بِأَنْفُسِهِنّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنّ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِيَ أَنْفُسِهِنّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾
يعني تعالى ذكره بذلك : والذين يتوفون منكم من الرجال أيها الناس، فيموتون ويذرون أزواجا يتربص أزواجهن بأنفسهن.
فإن قال قائل : فأين الخبر عن الذين يتوفون ؟ قيل : متروك لأنه لم يقصد قصد الخبر عنهم، وإنما قصد قصد الخبر عن الواجب على المعتدات من العدة في وفاة أزواجهنّ، فصرف الخبر عن الذين ابتدأ بذكرهم من الأموات إلى الخبر عن أزواجهم والواجب عليهن من العدة، إذ كان معروفا مفهوما معنى ما أريد بالكلام، وهو نظير قول القائل في الكلام : بعض جبّتك متخرقة، في ترك الخبر عما ابتدئ به الكلام إلى الخبر عن بعض أسبابه. وكذلك الأزواج اللواتي عليهنّ التربص لما كان إنما ألزمهنّ التربص بأسباب أزواجهن صرف الكلام عن خبر من ابتدىء بذكره إلى الخبر عمن قصد قصد الخبر عنه، كما قال الشاعر :
لَعلّيَ إنْ مالَتْ بِيَ الرّيحُ مَيْلَةًعلى ابْنِ أبي ذِبّانَ أنْ يَتَنَدّمَا
فقال «لعلّي »، ثم قال «أن يتندما »، لأن معنى الكلام : لعلّ ابن أبي ذبّان أن يتندم إن مالت بي الريح ميلة عليه. فرجع بالخبر إلى الذي أراد به، وإن كان قد ابتدأ بذكر غيره. ومنه قول الشاعر :
ألمْ تَعْلَمُوا أنّ ابْنَ قَيْسٍ وقَتْلَهُبغيرِ دَمٍ دَارُ المَذَلّةِ حُلّتِ
فألغى «ابن قيس » وقد ابتدأ بذكره، وأخبر عن قتله أنه ذُلّ.
وقد زعم بعض أهل العربية أن خبر الذين يتوفون متروك، وأن معنى الكلام : والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا ينبغي لهنّ أن يتربصن بعد موتهم وزعم أنه لم يذكر موتهم كما يحذف بعض الكلام، وأنّ «يتربصن » رفع إذ وقع موقع ينبغي، وينبغي رفع. وقد دللنا على فساد قول من قال في رفع يتربصن بوقوعه موقع ينبغي فيما مضى، فأغنى عن إعادته.
وقال آخرون منهم : إنما لم يذكر «الذين » بشيء، لأنه صار الذين في خبرهم مثل تأويل الجزاء : مَنْ يلقك منا تُصِبْ خيرا، الذي يلقاك منا تصيب خيرا. قال : ولا يجوز هذا إلا على معنى الجزاء، وفي البيتين اللذين ذكرناهما الدلالة الواضحة على القول في ذلك بخلاف ما قالا.
وأما قوله : يَتَرَبصْنَ بأنْفُسِهِنّ فإنه يعني به : يحتبسن بأنفسهن معتدّات عن الأزواج والطيب والزينة والنقلة عن المسكن الذي كن يسكنه في حياة أزواجهن أربعة أشهر وعشرا إلا أن يكن حوامل، فيكون عليهن من التربص كذلك إلى حين وضع حملهن، فإذا وضعن حملهن انقضت عددهن حينئذٍ.
وقد اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك، فقال بعضهم مثل ما قلنا فيه.
حدثني المثنى، قال : حدثنا أبو صالح، قال : ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس : وَالّذينَ يُتَوَفّونَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أزْوَاجا يَترَبّصْنَ بأنْفُسَهِنّ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ وعَشْرا فهذه عدة المتوفى عنها زوجها إلا أن تكون حاملاً، فعدتها أن تضع ما في بطنها.
حدثني المثنى، قال : حدثنا عبد الله بن صالح، قال : ثني الليث، قال : ثني عقيل، عن ابن شهاب، في قول الله : وَالّذِينَ يُتَوَفّونَ مِنْكُمْ وَيَذرُونَ أزْوَاجا يَتَرَبّصْنَ بأنْفُسِهِنّ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ وَعَشْرا قال ابن شهاب : جعل الله هذه العدة للمتوفى عنها زوجها، فإن كانت حاملاً فيحلها من عدتها أن تضع حملها، وإن استأخر فوق الأربعة الأشهر والعشر فما استأخر، لا يحلها إلا أن تضع حملها.
وإنما قلنا : عنى بالتربص ما وصفنا لتظاهر الأخبار عن رسول الله ﷺ بما :
حدثنا أبو كريب، قال : حدثنا وكيع وأبو أسامة، عن شعبة، وحدثنا ابن المثنى، قال : حدثنا محمد بن جعفر، عن شعبة، عن حميد بن نافع، قال : سمعت زينب ابنة أم سلمة تحدّث قال أبو كريب : قال أبو أسامة، عن أم سلمة أن امرأة توفي عنها زوجها، واشتكت عينها، فأتت النبيّ ﷺ تستفتيه في الكحل، فقال :«لَقَدْ كانَتْ إحْدَاكُنّ تَكُونَ فِي الجاهِلِيّةِ فِي شَرّ أحْلاسِها، فَتَمْكُثُ فِي بَيْتِها حَوْلاً إذَا تُوُفي عَنْها زَوْجُها، فَيَمُرّ عَلَيْها الكَلبُ فَترْمِيهِ بالبَعْرَةِ أفَلا أرْبَعَةَ أشْهُرٍ وَعَشْرا ».
حدثنا محمد بن بشار، قال : حدثنا عبد الوهاب، قال : سمعت يحيى بن سعيد، قال : سمعت نافعا، عن صفية ابنة أبي عبيد أنها سمعت حفصة ابنة عمر زوج النبيّ ﷺ تحدّث عن النبيّ ﷺ قال :«لاَ يَحِلّ لامْرأةٍ تُؤْمِنُ باللّهِ وَاليَوْمِ الآخر أنْ تُحِدّ فَوْقَ ثَلاثٍ إلاّ على زَوْجٍ فإنها تُحِدّ عَلَيْهِ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ وَعَشْرا ».
قال يحيى : والإحداد عندنا أن لا تطيب ولا تلبس ثوبا مصبوغا بورس ولا زعفران، ولا تكتحل ولا تزّيّن.
حدثنا ابن بشار، قال : حدثنا يزيد، قال : أخبرنا يحيى، عن نافع، عن صفية ابنة أبي عبيد، عن حفصة بنة عمر، أن النبيّ ﷺ قال :«لا يَحِلّ لاِمْرأةٍ تُؤْمِنُ باللّهِ وَاليَوْم الاَخِر أنْ تُحِدّ على مَيتٍ فَوْقَ ثَلاثٍ إلا على زَوْج ».
حدثنا ابن بشار، قال : حدثنا عبد الوهاب، قال : سمعت يحيى بن سعيد يقول : أخبرني حميد بن نافع أن زينب ابنة أم سلمة أخبرته عن أم سلمة، أو أم حبيبة زوج النبيّ ﷺ : أن امرأة أتت النبيّ ﷺ، فذكرت أن ابنتها توفي عنها زوجها، وأنها قد خافت على عينها. فزعم حميد عن زينب أن رسول الله ﷺ قال :«قَدْ كانَتْ إحْدَاكُنّ تَرْمي بالبَعْرَةِ على رأسِ الحَوْلِ، وإنّمَا هِيَ أرْبَعَةُ أشْهُرٍ وَعَشْرٌ ».
حدثنا ابن بشار، قال : حدثنا يزيد بن هارون، قال : أخبرنا يحيى بن سعيد، عن حميد بن نافع : أنه سمع زينب ابنة أم سلمة تحدّث عن أم حبيبة أو أمّ سلمة أنها ذكرت أن امرأة أتت النبيّ ﷺ قد توفي عنها زوجها وقد اشتكت عينها وهي تريد أن تكحل عينها، فقال رسول الله ﷺ :«قَدْ كانَتْ إحْدَاكُنّ تَرْمي بالبَعْرَةِ بَعْدَ الحَوْلِ، وإنّمَا هِيَ أرْبَعَةُ أشْهُرٍ وَعَشْرٌ » قال ابن بشار : قال يزيد، قال يحيى : فسألت حميدا عن رميها بالبعرة، قال : كانت المرأة في الجاهلية إذا توفي عنها زوجها عمدت إلى شرّ بيتها، فقعدت فيه حولاً، فإذا مرّت بها سنة ألقت بعرة وراءها.
حدثنا ابن بشار، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا شعبة، عن يحيى، عن حميد بن نافع بهذا الإسناد، مثله.
حدثنا أبو كريب، قال : حدثنا ابن إدريس، قال : حدثنا ابن عيينة، عن أيوب بن موسى ويحيى بن سعيد، عن حميد بن نافع، عن زينب ابنة أم سلمة، عن أم سلمة : أن امرأة أتت النبيّ ﷺ فقالت : إن ابنتي مات زوجها فاشتكت عينها، أفتكتحل ؟ فقال :«قَدْ كانَتْ إحْداكُنّ تَرْمي بالبَعْرَةِ على رأسِ الحَوْلِ، وإنمَا هِيَ الآن أرْبَعَةُ أشْهُرٍ وَعَشْرٌ ». قال : قلت : وما ترمي بالبعرة على رأس الحول ؟ قال : كان نساء الجاهلية إذا مات زوج إحداهنّ لبست أطمار ثيابها، وجلست في أخسّ بيوتها، فإذا حال عليها الحول أخذت بعرة فدحرجتها على ظهر حمار، وقالت : قد حللت.
حدثنا أبو كريب، قال : حدثنا أحمد بن يونس، قال : حدثنا زهير بن معاوية، قال : حدثنا يحيى بن سعيد، عن حميد بن نافع عن زينب ابنة أم سلمة، عن أمها أم سلمة، وأم حبيبة زوجي النبيّ ﷺ : أن امرأة من قريش جاءت إلى رسول الله ﷺ فقالت : إن ابنتي توفي عنها زوجها، وقد خفت على عينها، وهي تريد الكحل. قال :«قَدْ كانَتْ إحْدَاكُنّ تَرْمي بالبَعْرَةِ على رأسِ الحَوْلِ وإنّمَا هِيَ أرْبَعَةُ أشْهُرٍ وَعَشْرٌ »، قال حميد : فقلت لزينب : وما رأس الحول ؟ قالت زينب : كانت المرأة في الجاهلية إذا هلك زوجها عمدت إلى أشرّ بيت لها فجلست فيه، حتى إذا مرّت بها سنة خرجت، ثم رمت ببعرة وراءها.
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا ابن المبارك، عن معمر، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة : أنها كانت تفتي المتوفى عنها زوجها أن تحد على زوجها حتى تنقضي عدتها، ولا تلبس ثوبا مصبوغا، ولا معصفرا، ولا تكتحل بالإثمد، ولا بكحل فيه طيب وإن وجعت عينها، ولكن تكتحل بالصبر وما بدا لها من الأكحال سوى الإثمد مما ليس فيه طيب، ولا تلبس حليا وتلبس البياض ولا تلبس السواد.
حدثنا ابن بشار، قال : حدثنا مؤمل، قال : حدثنا سفيان، عن موسى بن عقبة، عن نافع، عن ابن عمر في المتوفى عنها زوجها : لا تكتحل، ولا تطّيّب، ولا تبيت عن بيتها، ولا تلبس ثوبا مصبوغا إلا ثوب عصب تَجلبَبُ به.
حدثنا حميد بن مسعدة، قال : حدثنا سفيان، قال : حدثنا ابن جريج، عن عطاء، قال : بلغني عن ابن عباس، قال : تنهى المتوفى عنها زوجها أن تزيّن وتطيب.
٤حدثنا نصر بن علي، قال : حدثنا عبد الأعلى، قال : حدثنا عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر، قال : إن المتوفى عنها زوجها لا تلبس ثوبا مصبوغا، ولا تمسّ طيبا، ولا تكتحل، ولا تمتشط. وكان لا يرى بأسا أن تلبس البرد.
وقال آخرون : إنما أمرت المتوفى عنها زوجها أن تربص بنفسها عن الأزواج خاصة، فأما عن الطيب والزينة والمبيت عن المنزل فلم تنه عن ذلك، ولم تؤمر بالتربص بنفسها عنه. ذكر من قال ذلك :
حدثنا يعقوب بن إبراهيم، قال : حدثنا ابن علية، عن يونس، عن الحسن : أنه كان يرخص في التزين والتصنع، ولا يرى الإحداد شيئا.
٤حدثنا حميد بن مسعدة، قال : حدثنا سفيان، عن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس : وَالّذِينَ يُتَوَفّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أزْوَاجا يَتَرَبّصْنَ بأنْفُسِهِنّ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ وَعَشْرا لم يقل تعتدّ في بيتها، تعتدّ حيث شاءت.
حدثنا أبو كريب، قال : حدثنا إسماعيل، قال : حدثنا ابن جريج، عن عطاء، قال : قال ابن عباس : إنما قال الله : وَالّذِينَ يُتَوَفّونَ مِنْكُم وَيَذْرَوُنَ أزْوَاجا يَتَرَبّصْنَ بأنْفُسِهِنّ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ وعَشْرا ولم يقل تعتدّ في بيتها، فلتعتد حيث شاءت.
واعتلّ قائلو هذه المقالة بأن الله تعالى ذكره إنما أمر المتوفى عنها بالتربص عن النكاح، وجعلوا حكم الآية على الخصوص. وبما :
٤حدثني به محمد بن إبراهيم السلمي، قال : حدثنا أبو عاصم، وحدثني محمد بن معمر البحراني، قال : حدثنا أبو عامر، قالا جميعا : حدثنا محمد بن طلحة، عن الحكم بن عتيبة، عن عبد الله بن شداد بن الهاد، عن أسماء بنت عميس، قالت : لما أصيب جعفر قال لي رسول الله ﷺ «تَسَلّبِي ثَلاثا ثُم اصْنَعِي ما شِئْتِ ».
حدثنا أبو كريب، قال : حدثنا أبو نعيم وابن الصلت، عن محمد بن طلحة، عن الحكم بن عتيبة، عن عبد الله بن شداد، عن أسماء، عن النبيّ ﷺ بمثله.
قالوا :
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾


قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بذلك: والذين يتوفون منكم، من الرجال، أيها الناس، فيموتون، ويذرون أزواجا، يتربص أزواجهن بأنفسهن. (١)
* * *
فإن قال قائل: فأين الخبر عن"الذين يتوفون"؟
قيل: متروك، لأنه لم يقصد قصد الخبر عنهم، وإنما قصد قصد الخبر عن الواجب على المعتدات من العدة في وفاة أزواجهن، فصرف الخبر عن الذين ابتدأ بذكرهم من الأموات، إلى الخبر عن أزواجهم والواجب عليهن من العدة، إذ كان معروفا مفهوما معنى ما أريد بالكلام. وهو نظير قول القائل في الكلام: (٢) "بعض جبتك متخرقة"، (٣) في ترك الخبر عما ابتدئ به الكلام، إلى الخبر عن بعض أسبابه. وكذلك الأزواج اللواتي عليهن التربص، لما كان إنما ألزمهن التربص بأسباب أزواجهن، صرف الكلام عن خبر من ابتدئ بذكره، إلى الخبر عمن قصد قصد الخبر عنه، كما قال الشاعر: (٤)
لعلي إن مالت بي الرٌيح ميلةعلى ابن أبي ذبان أن يتندما (٥)
(١) في المخطوطة والمطبوعة: "يتربصن"، وهو في المخطوطة غير منقوط، والذي أثبته هو الصواب.
(٢) في المخطوطة والمطبوعة: "هو نظير" بإسقاط الواو، والواجب إثباتها.
(٣) يعني أن حق الكلام كان أن يقول: "بعض جبنك متخرق"، بالتذكير خبرا عن"بعض"، فصرفه إلى"جبتك".
(٤) هو ثابت قطنة العتكي، واسمه" ثابت بن كعب".. ذهبت عينه في الحرب، فكان يحشوها بقطنة، وهو شاعر فارسي من شعراء خراسان في عهد الدولة الأموية، قال فيه حاجب الفيل:(٥) تاريخ الطبري ٨: ١٦٠، ومعاني القرآن للفراء ١: ١٥٠، والصاحبي: ١٨٥، وهو من قصيدة له يرثى بها يزيد بن المهلب، لما قتل في سنة ١٠٢ في خروجه على يزيد بن عبد الملك بن مروان، وهو"ابن أبي ذبان". و"أبو ذبان" كنية أبيه عبد الملك بن مروان، لأنهم زعموا أنه كان أبخر، فإذا دنت الذبان من فيه، ماتت لشدة بخره. ورواية الطبري في التاريخ: "فعلى"، ويقول قبله:
لا يعرف الناس منه غير قطنتهوما سواها من الأنساب مجهول
أرقت ولم تأرق معي أم خالدوقد أرقت عيناي حولا مجرما
على هالك هد العشيرة فقده،دعته المنايا فاستجاب وسلما
على ملك، يا صاح، بالعقر جبنتكتائبه، واستورد الموت معلما
أصيب ولم أشهد، ولو كنت شاهداتسليت أن لم يجمع الحي مأتما
وفي غير الأيام يا هند، فاعلمي،لطالب وتر نظرة إن تلوما
فعلي، إن مالت...............................
وكان في المطبوعة والمخطوطة: "ابن أبي زبان" وهو خطأ كما ترى.
فقال"لعلي"، ثم قال:"أن يتندما"، لأن معنى الكلام: لعل ابن أبي ذبان أن يتندم، (١) إن مالت بي الريح ميلة عليه= فرجع بالخبر إلى الذي أراد به، وإن كان قد ابتدأ بذكر غيره. ومنه قول الشاعر:
ألم تعلموا أن ابن قيس وقتلهبغير دم، دار المذلة حلت (٢)
فألغى"ابن قيس" وقد ابتدأ بذكره، وأخبر عن قتله أنه ذل. (٣)
* * *
وقد زعم بعض أهل العربية أن خبر"الذين يتوفون" متروك، وأن معنى الكلام: والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا، ينبغي لهن أن يتربصن بعد موتهم. وزعم أنه لم يذكر"موتهم"، كما يحذف بعض الكلام- وأن"يتربصن" رفع، إذ وقع موقع"ينبغي"، و"ينبغي" رفع. وقد دللنا على فساد قول من قال في رفع"يتربصن"
(١) في والمخطوطة والمطبوعة: "ابن أبي زبان" وهو خطأ.
(٢) لم أعرف قائله، والبيت في معاني القرآن للفراء ١: ١٥٠، والصاحبي: ١٨٥، وروايتهما بني أسد إن ابن قيس وقتله
(٣) هذا الذي سلف أكثره نص الفراء في معاني القرآن ١: ١٥٠-١٥١، وفي معاني القرآن"فألقى ابن قيس"، والصواب ما في الطبري.
بوقوعه موقع"ينبغي" فيما مضى، فأغنى عن إعادته. (١)
* * *
وقال آخر منهم: (٢) إنما لم يذكر"الذين" بشيء، لأنه صار الذين في خبرهم مثل تأويل الجزاء:"من يلقك منا تصب خيرا"= الذي يلقاك منا تصيب خيرا. (٣) قال: ولا يجوز هذا إلا على معنى الجزاء.
* * *
قال أبو جعفر: وفي البيتين اللذين ذكرناهما الدلالة الواضحة على القول في ذلك بخلاف ما قالا. (٤)
* * *
قال أبو جعفر: وأما قوله:"يتربصن بأنفسهن"، فإنه يعني به: يحتبسن بأنفسهن (٥) معتدات عن الأزواج، والطيب، والزينة، والنقلة عن المسكن الذي كن يسكنه في حياة أزواجهن- أربعة أشهر وعشرا، إلا أن يكن حوامل، فيكون عليهن من التربص كذلك إلى حين وضع حملهن. فإذا وضعن حملهن، انقضت عددهن حينئذ.
* * *
وقد اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك:
فقال بعضهم مثل ما قلنا فيه:
٥٠٧١- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس:"والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا"، فهذه عدة المتوفى عنها زوجها، إلا أن تكون حاملا فعدتها أن تضع ما في بطنها.
(١) انظر ما سلف في الجزء ٥: ٤٧، ٤٨.
(٢) في المطبوعة: "وقال آخرون منهم"، والصواب ما في المخطوطة.
(٣) في المطبوعة: "من يلقك منا يصيب خيرا"، ثم"يصيب خيرا"، والصواب ما أثبته"تصب" في الجملة الأولى مجزومة، وبالتاء في أوله، ثم"تصيب" بالتاء في الثانية.
(٤) في المطبوعة: "الدلالة الواضحة" وأثبت ما في المخطوطة.
(٥) انظر فيما سلف تفسير"التربص" ٤: ٤٥٦، ٥١٥.
٥٠٧٢- حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني الليث قال، حدثني عقيل، عن ابن شهاب في قول الله: (١) "والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا"، قال ابن شهاب: جعل الله هذه العدة للمتوفى عنها زوجها، فإن كانت حاملا فيحلها من عدتها أن تضع حملها، وإن استأخر فوق الأربعة الأشهر والعشرة فما استأخر، لا يحلها إلا أن تضع حملها.
* * *
قال أبو جعفر: وإنما قلنا: عنى ب"التربص" ما وصفنا، لتظاهر الأخبار عن رسول الله صلي الله عليه وسلم بما: -
٥٠٧٣- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا وكيع وأبو أسامة، عن شعبة= وحدثنا ابن المثنى قال، حدثنا محمد بن جعفر، عن شعبة=، عن حميد بن نافع قال: سمعت زينب ابنة أم سلمة تحدث= قال أبو كريب: قال أبو أسامة: عن أم سلمة= أن امرأة توفى عنها زوجها واشتكت عينها، فأتت النبي صلي الله عليه وسلم تستفتيه في الكحل، فقال: لقد كانت إحداكن تكون في الجاهلية في شر أحلاسها، (٢) فتمكث في بيتها حولا إذا توفي عنها زوجها، فيمر عليها الكلب فترميه بالبعرة! أفلا أربعة أشهر وعشرا"! (٣)
(١) في المخطوطة والمطبوعة: "عن قول الله"، والصواب ما أثبته.
(٢) الأحلاس جمع حلس: وهو كساء رقيق يكون تحت البرذعة، وكل ما يبسط تحت حر المتاع ليقيه فهو حلس. وعنى به هنا: المرذول من ثيابها.
(٣) الحديث ٥٠٧٣-"حميد بن نافع الأنصاري المدني": تابعي ثقة. روى عن أبي أيوب، وعبد الله بن عمر، وروى عن زينب بنت أم سلمة. وهو والد"أفلح بن حميد". ويقال له"حميد صفيراء". ففرق البخاري في الكبير ١ / ٢ / ٣٤٥ بين"حميد صفيراء، والد أفلح"، الراوي عن أبي أيوب وابن عمر، وبين"حميد" الراوي عن زينب، جعلهما اثنين تبعا لشيخه علي بن المديني، وروى هو عن شعبة أنهما واحد. وهو الصحيح الذي جزم به الإمام أحمد. فقد روى في المسند ٦: ٣٢٥ - ٣٢٦ (حلبي) حديث حميد بن نافع، عن زينب بنت أم سلمة، عن أم حبيبة أم المؤمنين، ثم قال عقب الحديث"حميد بن نافع: أبو أفلح، وهو حميد صفيراء"، وهو الذي اقتصر عليه ابن سعد ٥: ٢٢٤، وابن أبي حاتم ١ / ٢ / ٢٢٩-٢٣٠. و"صفيراء": لقب حميد. وهكذا رسم على الصواب في المسند، والتهذيب في ترجمة"أفلح"، والبخاري في ترجمة"حميد". ورسم في التهذيب في ترجمة"حميد": "صفير"، وهو تصحيف. ووقع في التهذيب أيضًا في ترجمة"حميد" أنه يروي عن"عبد الله بن عمرو" -وهو خطأ، صوابه - كما قلنا-"عبد الله بن عمر". والحديث سيأتي: ٥٠٧٩، بإسناد آخر، من حديث أم سلمة وحدها. وسيأتي بأسانيد أخر، في بعضها: "عن أم سلمة وأم حبيبة" وفي سائرها: "عن أم سلمة أو أم حبيبة" ٥٠٧٦- ٥٠٧٨، ٥٠٨٠. وسنذكرها في مواضعها، إن شاء الله. أما من الوجه الذي هنا -رواية شعبة عن حميد-: فرواه الطيالسي: ١٥٩٦، عن شعبة، بهذا الإسناد، نحوه. وكذلك رواه أحمد في المسند ٦: ٢٩١-٢٩٢ (حلبي)، عن يحيى بن سعيد -وهو القطان- ثم رواه ٦: ٣١١، عن محمد بن جعفر، وعن حجاج -وهو ابن محمد المصيصي- ثلاثتهم عن شعبة، به، نحوه. ورواه البخاري ٩: ٤٣٢، و ١٠: ١٣١، مطولا ومختصرا، من طريقين عن شعبة. وكذلك رواه مسلم ١: ٤٣٤، من طريق محمد بن جعفر، عن شعبة. وكذلك رواه ابن الجارود في المنتقى، ص: ٣٥٣-٣٥٤، من طريق يحيى وهو القطان، عن شعبة. وكذلك رواه البيهقي في السنن الكبرى ٧: ٤٣٩، من طريق الطيالسي ويحيى بن أبي بكير - كلاهما عن شعبة. ورواه مالك في الموطأ، ص: ٥٩٦ - ٥٩٨، عن عبد الله بن أبي بكر بن حزم، عن حميد بن نافع، عن زينب بنت أم سلمة، عن أمها -ثالث أحاديث ثلاثة حدثت زينب بها حميد بن نافع- بمعناه ومن طريق مالك هذه، رواه الأئمة: فرواه عبد الرزاق في المصنف ٤: ٦٦-٦٧ (مخطوط مصور) والبخاري ٩: ٤٢٧-٤٢٨، ومسلم ١: ٤٣٣ - ٤٣٤، وأبو داود: ٢٢٩٩، والترمذي ٢: ٢٢٠، والنسائي ٢: ١١٤، وابن حبان في صحيحه (٢: ٩١-٩٢ مخطوطة التقاسيم، و ٦: ٤٥٧-٤٥٨ مخطوطة الإحسان). وهو في المنتقى للمجد بن تيمية، برقم: ٣٨١١.
٥٠٧٤- حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا عبد الوهاب قال، سمعت يحيى بن سعيد قال، سمعت نافعا، عن صفية ابنة أبي عبيد: أنها سمعت حفصة ابنة عمر زوج النبي صلي الله عليه وسلم تحدث، عن النبي صلي الله عليه وسلم قال: لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد فوق ثلاث، إلا على زوج، فإنها تحد عليه أربعة أشهر وعشرا"= قال يحيى: والإحداد عندنا أن لا تطيب ولا تلبس ثوبا مصبوغا بورس ولا زعفران، (١) ولا تكتحل، ولا تزين. (٢)
(١) الورس: نبت أصفر، يتخذ منه صبغ أصفر تصبغ به الثياب، ومنه ما يكون للزينة، كالزعفران.
(٢) الحديثان: ٥٠٧٤، ٥٠٧٥ - هما حديث واحد، مطول ومختصر، بإسنادين. عبد الوهاب في الإسناد الأول: هو ابن عبد المجيد الثقفي. ويزيد -في الإسناد الثاني: هو ابن هرون. يحيى بن سعيد- في الإسنادين: هو الأنصاري. ونافع: هو مولى ابن عمر. صفية بنت أبي عبيد بن مسعود، الثقفية: وهي تابعية ثقة، من فضليات النساء، وذكرها بعضهم في الصحابة، ولا يصح، وهي زوج عبد الله بن عمر. وهي أخت المختار بن أبي عبيد الثقفي الكذاب. وشتان بين الأخوين. ووقع في ترجمتها في التهذيب ١٢: ٤٣٠ أنه يروي عنها"نافع مولى ابن عباس". وهو سهو أو خطأ ناسخ. بل الذي يروي عنها هو"نافع مولى ابن عمر". ولها ترجمة في ابن سعد ٨: ٣٤٦ - ٣٤٧، والإصابة ٨: ١٣١. والحديث رواه مسلم ١: ٤٣٥، من طريق عبد الوهاب، عن يحيى. وهو الطريق الأول هنا. ولم يذكر لفظه كله. وكذلك رواه البيهقي ٧: ٤٣٨، من طريق عبد الوهاب، وذكر لفظه. ورواه أحمد في المسند ٦: ٢٨٦، عن يزيد بن هارون، وهو الطريق الثاني هنا.
٥٠٧٥- حدثنا ابن بشار قال، حدثنا يزيد قال، أخبرنا يحيى، عن نافع، عن صفية ابنة أبي عبيد، عن حفصة ابنة عمر: أن النبي صلي الله عليه وسلم قال: لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاث، إلا على زوج.
٥٠٧٦- حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الوهاب قال، سمعت يحيى بن سعيد يقول، أخبرني حميد بن نافع: أن زينب ابنة أم سلمة أخبرته، عن أم سلمة -أو أم حبيبة- زوج النبي صلي الله عليه وسلم: أن امرأة أتت النبي صلي الله عليه وسلم، فذكرت أن ابنتها توفي عنها زوجها، وأنها قد خافت على عينها= فزعم حميد عن زينب: أن رسول الله صلي الله عليه وسلم قال: قد كانت إحداكن ترمي بالبعرة على رأس الحول، وإنما هي أربعة أشهر وعشر. (١).
(١) الحديث: ٥٠٧٦- هو الحديث الماضي: ٥٠٧٣، إلا أنه هنا"عن أم سلمة أو أم حبيبة"، على الشك. وكذلك في الإسناد بعده: ٥٠٧٧، وسيأتي في الإسناد: ٥٠٨٠، أنه"عن أم سلمة وأم حبيبة" معا، دون شك فيه.
أما روايته بالشك، بحرف"أو" - فلم أجدها قط. وأخشى أن يكون تحريفا من الناسخين. نعم روى الدارمي ٢: ١٦٧، قصة أخرى لأم حبيبة، في آخرها حديث"لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد فوق ثلاثة... " إلخ - رواه عن هاشم بن القاسم، عن شعبة، عن حميد بن نافع، عن زينب بنت أبي سلمة، عن أم حبيبة. ثم رواه عقبه، بالإسناد نفسه إلى زينب"تحدث عن أمها، أو امرأة من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم، نحوه". ولكنه حديث آخر غير هذا الحديث، ولعل زينب شكت أيضًا في الرواية التي هنا، كما شكت في الرواية التي عند الدارمي.
وكذلك رواه مسلم ١: ٤٣٤، عن ابن المثنى، عن ابن جعفر، عن شعبة، - في قصة أم حبيبة فقط، ثم قال حميد: "وحدث تنيه زينب عن أمها، وعن زينب زوج النبي صلى الله عليه وسلم، أو عن امرأة عن بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم".
ثم روي عن عبيد الله بن معاذ، عن أبيه، عن شعبة: "عن حميد بن نافع بالحديثين جميعا، حديث أم سلمة في الكحل، وحديث أم سلمة وأخرى من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم. غير أنه لم تسمها زينب - نحو حديث محمد بن جعفر". وأيا ما كان، فإن هذا الشك لا يؤثر في صحة الحديث. والروايات الثابتة تدل على أنها روته عن أمها وأم حبيبة، كما سيأتي.
٥٠٧٧- حدثنا ابن بشار قال، حدثنا يزيد بن هارون قال، أخبرنا يحيى بن سعيد، عن حميد بن نافع: أنه سمع زينب ابنة أم سلمة، تحدث عن أم حبيبة أو أم سلمة أنها ذكرت: أن امرأة أتت النبي صلي الله عليه وسلم قد توفي عنها زوجها، وقد اشتكت عينها، وهي تريد أن تكحل عينها، فقال رسول الله صلي الله عليه وسلم: قد كانت إحداكن ترمي بالبعرة بعد الحول، وإنما هي أربعة أشهر وعشر= قال ابن بشار، قال يزيد، قال يحيى: فسألت حميدا عن رميها بالبعرة، قال: كانت المرأة في الجاهلية إذا توفي عنها زوجها، عمدت إلى شر بيتها فقعدت فيه حولا فإذا مرت بها سنة ألقت بعرة وراءها. (١)
٥٠٧٨- حدثنا ابن بشار قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا شعبة، عن يحيى، عن حميد بن نافع بهذا الإسناد مثله (٢)
(١) الحديث: ٥٠٧٧- هو الحديث السابق أيضًا، بإسناد آخر. ووقع في المطبوعة هنا"أو أم سلمة" على الشك، كالرواية السابقة. ولكني أوقن -هنا- أنه خطأ من ابن بشار، شيخ الطبري.
فالحديث رواه مسلم ١: ٤٣٤، عن أبي بكر بن أبي شيبة، وعمرو الناقد -كلاهما عن يزيد بن هارون. بهذا الإسناد. وفيه: "أنه سمع زينب بنت أبي سلمة تحدث عن أم سلمة وأم حبيبة، تذكران: أن امرأة... "- إلخ. فهذا صريح في الرواية عنهما معا، لا رواية عن إحداهما. وكذلك رواه ابن ماجه: ٢٠٨٤، عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن يزيد بن هارون، نحو رواية مسلم. ويؤيده: أن النسائي رواه ٢: ١١٥، من طريق حماد، عن يحيى الأنصاري، عن حميد، عن زينب: "أن امرأة سألت أم سلمة وأم حبيبة... فقالتا: أتت امرأة إلى النبي صلى الله عليه وسلم.. "
(٢) الحديث: ٥٠٧٨- هو تكرار للحديث قبله، لم يذكر لفظه، وهو من رواية يزيد بن هارون، عن شعبة، عن يحيى الأنصاري، عن حميد.
وأنا أخشى أن يكون في الإسناد تحريف من الناسخين، وأن يكون صوابه: "حدثنا شعبة، ويحيى". لأن الإسناد قبله، هو من رواية يزيد بن هارون عن يحيى مباشرة. فقد تكون الفائدة في تكرار هذا الإسناد: أن يكون ابن بشار سمعه من يزيد مرتين: مرة عن يحيى وحده، ومرة عن يحيى وشعبة. وإذا كان ما ثبت في المطبوعة صحيحا، كان ابن بشار سمعه هكذا، ويكون من المزيد في متصل الأسانيد.
٥٠٧٩- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا ابن إدريس قال، حدثنا ابن عيينة، عن أيوب بن موسى ويحيى بن سعيد، عن حميد بن نافع، عن زينب ابنة أم سلمة، عن أم سلمة: أن امرأة أتت النبي صلي الله عليه وسلم فقالت: إن ابنتي مات زوجها فاشتكت عينها، أفتكتحل؟ (١) فقال، قد كانت إحداكن ترمي بالبعرة على رأس الحول، وإنما هي الآن أربعة أشهر وعشر! = قال، قلت: وما"ترمي بالبعرة على رأس الحول"؟ قال: كان نساء الجاهلية إذا مات زوج إحداهن، لبست أطمار ثيابها، (٢) وجلست في أخس بيوتها، فإذا حال عليها الحول أخذت بعرة فدحرجتها على ظهر حمار وقالت: قد حللت! (٣)
٥٠٨٠- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا أحمد بن يونس قال، حدثنا زهير بن معاوية قال، حدثنا يحيى بن سعيد، عن حميد بن نافع، عن زينب ابنة أم سلمة، عن أمها أم سلمة وأم حبيبة زوجي النبي صلي الله عليه وسلم: أن امرأة من قريش جاءت إلى رسول الله صلي الله عليه وسلم فقالت: إن ابنتي توفي عنها زوجها، وقد خفت على عينها، وهي تريد الكحل؟ قال: قد كانت إحداكن ترمي بالبعرة على رأس الحول! وإنما هي أربعة أشهر وعشر! = قال حميد: فقلت لزينب: وما رأس الحول؟ قالت زينب: كانت المرأة في الجاهلية إذا هلك زوجها، عمدت إلى أشر بيت لها
(١) في المخطوطة: "أفتكحل".
(٢) الأطمار جمع طمر (بكسر فسكون) : وهو الثوب الخلق، والكساء البالي.
(٣) الحديث: ٥٠٧٩- أيوب بن موسى بن عمرو بن سعيد بن العاص بن سعيد بن العاص: قرشي مكي ثقة حافظ فقيه. مذكور في نسب قريش للمصعب، ص: ١٨٣.
وهذا الحديث تكرار للحديث: ٥٠٧٣، بأنه عن أم سلمة وحدها - كما قلنا هناك.
وقد رواه النسائي ٢: ١١٥ - من طريق الليث بن سعد، عن أيوب بن موسى. ثم من طريق سفيان ابن عيينة، عن يحيى الأنصاري، به، نحوه، مطولا، ومختصرا.
فجلست فيه، (١) حتى إذا مرت بها سنة خرجت، ثم رمت ببعرة وراءها. (٢)
٥٠٨١- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا ابن المبارك، عن معمر، عن الزهري، عن عروة عن عائشة: أنها كانت تفتي المتوفى عنها زوجها، أن تحد على زوجها حتى تنقضي عدتها، ولا تلبس ثوبا مصبوغا ولا معصفرا، ولا تكتحل بالإثمد، ولا بكحل فيه طيب وإن وجعت عينها، ولكن تكتحل بالصبر وما بدا لها من الأكحال سوى الإثمد مما ليس فيه طيب، ولا تلبس حليا، وتلبس البياض ولا تلبس السواد. (٣)
٥٠٨٢- حدثنا ابن بشار قال، حدثنا مؤمل قال، حدثنا سفيان، عن موسى بن عقبة، عن نافع، عن ابن عمر في المتوفى عنها زوجها: لا تكتحل، ولا تطيب، ولا تبيت عن بيتها، ولا تلبس ثوبا مصبوغا، إلا ثوب عصب تجلبب به. (٤)
(١) قوله: "أشر" على وزن"أفعل"، هكذا جاء هنا. وقال أهل اللغة: إنه لغة قليلة أو رديئة. وقد جاء في كثير من أمثالهم وكلامهم"أشر" و"شرى"، كأفضل وفضلى. ومنه قول امرأة من العرب: "أعيذك بالله من نفس حرى، وعين شرى" أي خبيثة، وفي المثل: "شراهن مراهن". وفي خبر العبادي قيل له: "أي حماريك أشر؟ " قال: "هذا ثم هذا".
(٢) الحديث: ٥٠٨٠- أحمد بن يونس: هو أحمد بن عبد الله بن يونس، مضى في: ٢١٤٤. وهذا الحديث تكرار -في المعنى- للحديث: ٥٠٧٣، وللأحاديث: ٥٠٧٦-٥٠٧٩. وقد رواه هنا أحمد بن يونس عن زهير بن معاوية عن يحيى الأنصاري، وذكر فيه أنه"عن أم سلمة وأم حبيبة" معا.
ولكن رواه النسائي ٢: ١١٥ -بنحوه- من طريق ابن أعين، وهو الحسن بن محمد بن أعين، عن زهير بن معاوية، بهذا الإسناد، من حديث"أم سلمة"، ولم يذكر فيه أم حبيبة.
(٣) الخبر: ٥٠٨١- هذا أثر من فتوى عائشة وكلامها. ولكن تدل على صحة فتواها الأحاديث الصحاح. وهذا إسناده إليها صحيح. ولم أجده في شيء من المراجع غير هذا الموضع.
المعصفر: هو الثوب المصبوغ بالعصفر. والإثمد: هو الكحل، أو حجر يتخذ منه الكحل، وهو أسود إلى الحمرة. والصبر (بفتح الصاد وكسر الباء) : عصارة شجر، وهو مر، يتخذ منه الدواء.
(٤) قوله: "تبيت عن بيتها" أي تبيت بعيدة عن بيتها وتنتقل إلى غيره. والعصب: برود من اليمن، يعصب غزلها -أي يجمع ويشد- ثم يصبغ وينسج، فيأتي موشيا، لبقاء ما عصب منه أبيض لم يأخذه صبغ. تجلببت المرأة: لبست جلبابها، وهو ملاءتها التي تشتمل بها.
٥٠٨٣- حدثنا حميد بن مسعدة قال، حدثنا سفيان قال، حدثنا ابن جريج، عن عطاء قال: بلغني عن ابن عباس قال: تنهى المتوفى عنها زوجها أن تزين وتطيب.
٥٠٨٤- حدثنا نصر بن علي قال، حدثنا عبد الأعلى قال، حدثنا عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر قال: إن المتوفى عنها زوجها لا تلبس ثوبا مصبوغا، ولا تمس طيبا، ولا تكتحل، ولا تمتشط= وكان لا يرى بأسا أن تلبس البرد.
* * *
وقال آخرون: إنما أمرت المتوفى عنها زوجها أن تربص بنفسها عن الأزواج خاصة، فأما عن الطيب والزينة والمبيت عن المنزل، فلم تنه عن ذلك، ولم تؤمر بالتربص بنفسها عنه.
* ذكر من قال ذلك:
٥٠٨٥- حدثنا يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا ابن علية، عن يونس، عن الحسن: أنه كان يرخص في التزين والتصنع، ولا يرى الإحداد شيئا. (١)
٥٠٨٦- حدثنا حميد بن مسعدة قال، حدثنا سفيان، عن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس:"والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا"، لم يقل تعتد في بيتها، تعتد حيث شاءت.
٥٠٨٧- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا إسماعيل قال، حدثنا ابن جريج، عن عطاء قال، قال ابن عباس: إنما قال الله:"والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا"، ولم يقل تعتد في بيتها، فلتعتد حيث شاءت.
* * *
واعتل قائلو هذه المقالة بأن الله تعالى ذكره، إنما أمر المتوفى عنها بالتربص عن النكاح، وجعلوا حكم الآية على الخصوص= وبما: -
(١) تصنعت المرأة تصنعا: تزينت وتجملت وعالجت وجهها وغيره حتى يحسن.
٥٠٨٨- حدثني به محمد بن إبراهيم السلمي قال، حدثنا أبو عاصم، وحدثني محمد بن معمر البحراني قال، حدثنا أبو عامر = قالا جميعا، حدثنا محمد بن طلحة، عن الحكم بن عتيبة، عن عبد الله بن شداد بن الهاد، عن أسماء بنت عميس قالت: لما أصيب جعفر قال لي رسول الله صلي الله عليه وسلم: تسلبي ثلاثا، ثم اصنعي ما شئت. (١)
(١) الحديث: ٥٠٨٨- محمد بن إبراهيم بن صدران الأزدي السلمي: ثقة، وثقه أبو داود وغيره. وقد ينسب إلى جده، ولذلك ترجمه ابن أبي حاتم ٣ / ٢ / ١٩٠ في اسم"محمد بن صدران". "السلمي": هكذا ثبت هنا، وكذلك في التقريب، وضبطه بفتح السين، وكذلك ثبت في نسخة بهامش التهذيب، وفي التهذيب والخلاصة"السليمي"، ونص صاحب الخلاصة على أنه بإثبات الياء. ولكني لا أطمئن إلى ضبطه.
وشيخه أبو عاصم: هو النبيل، الضحاك بن مخلد.
وأبو عامر -في الإسناد الثاني: هو العقدي، عبد الملك بن عمرو.
محمد بن طلحة بن مصرف -بفتح الصاد وتشديد الراء المكسورة- اليامي: ثقة، أخرج له الشيخان. وبعضهم تكلم فيه بما لا يجرحه.
عبد الله بن شداد بن الهاد: نسب أبوه إلى جده، فهو"شداد بن أسامة بن عمرو"، و"عمرو": هو الهاد. قال ابن سعد: "وإنما سمي الهادي، لأنه كان توقد ناره ليلا للأضياف، ولمن سلك الطريق". وعبد الله بن شداد: من كبار التابعين القدماء الثقات، ولد في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى ذكره بعضهم في الصحابة. وله ترجمتان في ابن سعد ٥: ٤٣-٤٤، و ٦: ٨٦-٨٧، وفي الإصابة ٥: ٦٠-٦١، ١٤٥. وأمه"سلمى بنت عميس"، أخت أسماء بنت عميس، فهو يروي هذا الحديث عن خالته.
وأسماء بنت عميس: صحابية جليلة. وهي أخت ميمونة بنت الحارث -أم المؤمنين- لأمها. تزوجت أسماء جعفر بن أبي طالب، فقتل عنها، ثم تزوجت أبا بكر الصديق، ثم علي بن أبي طالب. وولدت لهم جميعا. وهي أم محمد بن أبي بكر الصديق.
والحديث رواه ابن سعد في الطبقات ٨: ٢٠٦، في ترجمة أسماء -رواه عن عفان بن مسلم، وإسحاق بن منصور، كلاهما عن محمد بن طلحة. ووقع فيه "تسلمي" بالميم بدل الباء. وأنا أرجح أنه خطأ من الناسخين لا من الرواة، وسيأتي أن هذا الخطأ وقع لابن حبان، لكن من الرواة.
ورواه أحمد في المسند، بمعناه، ٦: ٣٦٩، ٤٣٨، عن يزيد بن هارون، عن أبي كامل ويزيد بن هارون وعفان - ثلاثتهم عن محمد بن طلحة.
ورواه الطحاوي في معاني الآثار ٢: ٤٤ بخمسة أسانيد إلى محمد بن طلحة.
ورواه البيهقي ٧: ٤٣٨، من طريق مالك بن إسماعيل، عن محمد بن طلحة، بهذا الإسناد. ثم قال: "لم يثبت سماع عبد الله من أسماء، وقد قيل فيه: عن أسماء. فهو مرسل. ومحمد بن طلحة ليس بالقوى"!! وهو تعليل ضئيل متهافت. تعقبه فيه ابن التركماني في الجوهر النقي.
ورواه ابن حزم في المحلى ١٠: ٢٨٠، من وجهين آخرين، عن عبد الله بن شداد، مرسلا، ورده بعلة الإرسال. ولكن ثبت وصله عن غير روايته.
وذكره المجد في المنتقى: ٣٨١٩، ٣٨٢٠، من روايتي المسند. ولم ينسبه إلى غيره.
ولم يرو في واحد من الكتب الستة، على اليقين من ذلك. فهو من الزوائد عليها. ولكني لم أجده في مجمع الزوائد، بعد طول البحث، في أقرب المظان من أبوابه وأبعدها.
وذكره الحافظ في الفتح ٩: ٤٢٩، ووصفه بأنه"قوي الإسناد". وقال: "أخرجه أحمد، وصححه ابن حبان". ونسبه أيضًا للطحاوي. ثم قال: "قال شيخنا في شرح الترمذي: ظاهره أنه لا يجب الإحداد على المتوفى عنها بعد اليوم الثالث، لأن أسماء بنت عميس كانت زوج جعفر بن أبي طالب بالاتفاق، وهي والدة أولاده: عبد الله، ومحمد، وعون، وغيرهم. قال: بل ظاهر النهي أن الإحداد لا يجوز". وأجاب بأن هذا الحديث شاذ مخالف للأحاديث الصحيحة، وقد أجمعوا على خلافه، ثم ذهب يجمع بينه وبين الأحاديث التي يعارضها، بآراء بعضها قد يقبل، وبعضها فيه تكلف غير مستساغ. وأجود ما قال العلماء في ذلك -عندنا- ما ذهب إليه الطبري هنا في الفقرة الثالثة بعد الحديث: ٥٠٩٠. وقريب منه ما قال المجد بن تيمية في المنتقى: "وهو متأول على المبالغة في الإحداد والجلوس للتعزية".
وقال الحافظ، في آخر كلامه، في شأن رواية ابن حبان: "وأغرب ابن حبان، فساق الحديث بلفظ: تسملي، بالميم بدل الموحدة! وفسره بأنه أمرها بالتسليم لأمر الله!! ولا مفهوم لتقييدها بالثلاث، بل الحكمة فيه كون القلق يكون في ابتداء الأمر أشد، فلذلك قيدها بالثلاث! هذا معنى كلامه، فصحف الكلمة وتكلف لتأويلها! وقد وقع في رواية البيهقي وغيره: فأمرني رسول الله ﷺ أن أتسلب ثلاثا. فتبين خطؤه".
تسلبت المرأة: لبست السلاب (بكسر السين) : وهي ثياب الحداد السود، تلبسها في المأتم.
٥٠٨٩- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا أبو نعيم وابن الصلت، عن محمد بن طلحة، عن الحكم بن عتيبة، عن عبد الله بن شداد، عن أسماء عن النبي صلي الله عليه وسلم بمثله.
* * *
قالوا: فقد بين هذا الخبر عن النبي صلي الله عليه وسلم: أن لا إحداد على المتوفى عنها زوحها، وأن القول في تأويل قوله:"يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا"، إنما هو يتربصن بأنفسهن عن الأزواج دون غيره.
* * *
قال أبو جعفر: وأما الذين أوجبوا الإحداد على المتوفى عنها زوجها، وترك النقلة عن منزلها الذي كانت تسكنه يوم توفي عنها زوجها، فإنهم اعتلوا بظاهر
التنزيل، وقالوا: أمر الله المتوفى عنها أن تربص بنفسها أربعة أشهر وعشرا، فلم يأمرها بالتربص بشيء مسمى في التنزيل بعينه، بل عم بذلك معاني التربص. قالوا: فالواجب عليها أن تربص بنفسها عن كل شيء، إلا ما أطلقته لها حجة يجب التسليم لها. قالوا: فالتربص عن الطيب والزينة والنقلة، مما هو داخل في عموم الآية، كما التربص عن الأزواج داخل فيها. قالوا: وقد صح عن رسول الله صلي الله عليه وسلم الخبر بالذي قلنا في الزينة والطيب، أما في النقلة فإن: -
٥٠٩٠- أبا كريب حدثنا قال، حدثنا يونس بن محمد، عن فليح بن سليمان، عن سعد بن إسحاق بن كعب بن عجرة، عن عمته، عن الفريعة ابنة مالك، أخت أبي سعيد الخدري، قالت: قتل زوجي وأنا في دار، فاستأذنت رسول الله صلي الله عليه وسلم في النقلة، فأذن لي. ثم ناداني بعد أن توليت، فرجعت إليه، فقال: يا فريعة، حتى يبلغ الكتاب أجله. (١)
* * *
(١) الحديث ٥٠٩٠- يونس بن محمد بن مسلم، الحافظ البغدادي المؤدب: ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
فليح -بالتصغير- بن سليمان بن أبي المغيرة المدني: ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. تكلم فيه ابن معين وغيره. والراجح توثيقه. وقال الحاكم: "اتفاق الشيخين عليه يقوي أمره". و"فليح" لقب غلب عليه، واسمه"عبد الملك".
سعد بن إسحاق بن كعب بن عجرة: ثقة لا يختلف فيه، كما قال ابن عبد البر. وهو تابعي روى عن أنس بن مالك.
وتكلم فيه ابن حزم في المحلى بما لا يضره، زعم أنه"غير مشهور الحال"، ومرة أنه"مضطرب في اسمه، غير مشهور الحال"، ومرة أنه"غير مشهور العدالة"! انظر المحلى ٣: ٢٧٣، و ٤: ١٣٨، و ١٠: ٣٠٢.
وفي المطبوعة هنا"سعيد" بدل"سعد". وهو خطأ قديم، وقع في الموطأ، ص: ٥٩١. وليس اختلاف رواية، ولا خطأ من مالك. إنما هو من يحيى بن يحيى راوي الموطأ، ومن رواة آخرين تبعوه. قال ابن عبد البر في التقصي، رقم: ١٢٣ هكذا قال يحيى: سعيد بن إسحاق، وتابعه بعضهم. وأكثر الرواة يقولون فيه: سعد بن إسحاق. وهو الأشهر، وكذا قال شعبة وغيره".
وعلى الصواب"سعد"- رواه الشافعي في الرسالة والأم عن مالك. وكذلك رواه عنه سويد بن سعد، في روايته الموطأ. وكذلك رواه عنه محمد بن الحسن في الموطأ.
عمة سعد بن إسحاق: هي"زينب بنت كعب بن عجرة الأنصارية"، وهي تابعية ثقة. بل ذكرها بعضهم في الصحابة. انظر الإصابة ٨: ٩٧-٩٨، وابن سعد ٨: ٣٥٢.
ووقع هنا في المطبوعة"عن عمته الفريعة"، بحذف"عن" بعد كلمة"عمته". وهو خطأ ناسخ أو طابع. فإن زينب عمة سعد هي زوجة أبي سعيد الخدري، وأما الفريعة فإنها أخت أبي سعيد، كما في نص الحديث.
و"الفريعة بنت مالك بن سنان": صحابية قديمة معروفة، شهدت بيعة الرضوان. رضي الله عنها. وهذا الحديث هنا مختصر. وقد جاء بأسانيد صحاح، من رواية سعد بن إسحاق، عن عمته، عن الفريعة -مختصرا ومطولا. ويكفي أن نذكر مواضع روايته، فيما وصل إلينا:
فرواه مالك في الموطأ، مطولا، ص: ٥٩١، عن"سعد بن إسحاق". وذكر فيه خطأ باسم"سعيد"، كما بينا من قبل.
ورواه الشافعي في الرسالة: ١٢١٤ (بتحقيقنا)، وفي الأم ٥: ٢٠٨-٢٠٩، ومحمد بن الحسن في موطئه، ص: ٢٦٨، وسويد بن سعيد في موطئه، ص: ١٢٣-١٢٤ (مخطوط مصور) - كلهم عن مالك، عن سعد بن إسحاق.
ورواه الدارمي ٢: ١٦٨، وابن سعد ٨: ٢٦٨، وأبو داود: ٢٣٠٠، والترمذي ٢: ٢٢٤-٢٢٥، والبيهقي ٧: ٤٣٤، وابن حبان في صحيحه ٦: ٤٤٧-٤٤٨ (من مخطوطة الإحسان)، وابن حزم في المحلى ١٠: ٣٠١- كلهم من طريق مالك، به.
ورواه الطيالسي: ١٦٦٤، وعبد الرزاق في المصنف ٤: ٦٠-٦١ (مخطوط مصور)، وأحمد في المسند ٦: ٣٧٠، ٤٢٠-٤٢١ (حلبي)، وابن سعد ٨: ٢٦٧-٢٦٨، والترمذي ٢: ٢٢٥، والنسائي ٢: ١١٣، وابن ماجه: ٢٠٣١، وابن الجارود، ص: ٣٤٩-٣٥٠، وابن حبان ٦: ٤٤٩، والحاكم ٢: ٢٠٨، والبيهقي ٧: ٤٣٤-٤٣٥، بأسانيد كثيرة، مطولا ومختصرا، من طريق سعد بن إسحاق، عن عمته، عن الفريعة. وصححه الترمذي، ومحمد بن يحيى الذهلي، فيما حكاه عنه الحاكم، والذهبي. وذكره السيوطي ١: ٢٨٩-٢٩٠ نسبه إلى كثير ممن أشرنا إليهم.
قالوا: فبين رسول الله صلي الله عليه وسلم صحة ما قلنا في معنى تربص المتوفى عنها زوجها، [وبطل] ما خالفه. (١) قالوا: وأما ما روي عن ابن عباس: فإنه لا معنى له، بخروجه عن ظاهر التنزيل والثابت من الخبر عن الرسول صلي الله عليه وسلم.
قالوا: وأما الخبر الذي روي عن أسماء ابنة عميس، عن رسول الله صلي الله عليه وسلم من أمره إياها بالتسلب ثلاثا، ثم أن تصنع ما بدا لها - فإنه غير دال
(١) الزيادة بين القوسين لا بد منها لسياق الكلام. والمطبوعة والمخطوطة سواء في نصهما هنا.
على أن لا حداد على المرأة، (١) بل إنما دل على أمر النبي صلي الله عليه وسلم إياها بالتسلب ثلاثا، ثم العمل بما بدا لها من لبس ما شاءت من الثياب مما يجوز للمعتدة لبسه، مما لم يكن زينة ولا مطيبا، (٢) لأنه قد يكون من الثياب ما ليس بزينة ولا ثياب تسلب، وذلك كالذي أذن صلي الله عليه وسلم للمتوفى عنها أن تلبس من ثياب العصب وبرود اليمن، فإن ذلك لا من ثياب زينة ولا من ثياب تسلب. وكذلك كل ثوب لم يدخل عليه صبغ بعد نسجه مما يصبغه الناس لتزيينه، فإن لها لبسه، لأنها تلبسه غير متزينة الزينة التي يعرفها الناس.
* * *
قال أبو جعفر: فإن قال لنا قائل: وكيف قيل:"يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا"، ولم يقل: وعشرة؟ وإذ كان التنزيل كذلك: أفبالليالي تعتد المتوفى عنها العشر، أم بالأيام؟
قيل: بل تعتد بالأيام بلياليها.
فإن قال: فإذ كان ذلك كذلك، فكيف قيل:"وعشرا"؟ ولم يقل: وعشرة؟ والعشر بغير"الهاء" من عدد الليالي دون الأيام؟ فإن أجاز ذلك المعنى فيه ما قلت، (٣) فهل تجيز:"عندي عشر"، وأنت تريد عشرة من رجال ونساء؟
قلت: ذلك جائز في عدد الليالي والأيام، وغير جائز مثله في عدد بني آدم من الرجال النساء. وذلك أن العرب في الأيام والليالي خاصة، إذا أبهمت العدد، غلبت فيه الليالي، حتى إنهم فيما روي لنا عنهم ليقولون:"صمنا عشرا من شهر رمضان"، لتغليبهم الليالي على الأيام. وذلك أن العدد عندهم قد جرى في ذلك بالليالي دون الأيام. فإذا أظهروا مع العدد مفسره، (٤)
أسقطوا من عدد المؤنث"الهاء"،
(١) في المطبوعة: "أن لا إحداد"، وهما سواء. "حدت المرأة تحد حدا وحدادا" و"أحدت تحد إحدادا". لبست الحداد (بكسر الحاء)، وهو ثياب المأتم السود. "الحداد" اسم ومصدر.
(٢) في المطبوعة: "ولا تطيبا". والصواب ما أثبته من المخطوطة.
(٣) في المطبوعة: "فإن أجاز ذلك المغني"، والصواب ما أثبت من المخطوطة.
(٤) المفسر: هو المميز. والتفسير: التمييز، انظر ما سلف ٢: ٣٣٨ تعليق: ١ / م ٣: ٩٠ تعليق: ١
وأثبتوها في عدد المذكر، كما قال تعالى ذكره: (سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا) [سورة الحاقة: ٧]، فأسقط"الهاء" من"سبع" وأثبتها في"الثمانية".
وأما بنو آدم، فإن من شأن العرب إذا اجتمعت الرجال والنساء، ثم أبهمت عددها: أن تخرجه على عدد الذكران دون الإناث. وذلك أن الذكران من بني آدم موسوم واحدهم وجمعه بغير سمة إناثهم، وليس كذلك سائر الأشياء غيرهم. وذلك أن الذكور من غيرهم ربما وسم بسمة الأنثى، كما قيل للذكر والأنثى"شاة"، وقيل للذكور والإناث من البقر:"بقر"، وليس كذلك في بني آدم. (١)
* * *
فإن قال: فما معنى زيادة هذه العشرة الأيام على الأشهر؟
قيل: قد قيل في ذلك، فيما: -
٥٠٩١- حدثنا به ابن وكيع قال، حدثنا أبي قال، حدثنا أبو جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية في قوله:"والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا"، قال: قلت: لم صارت هذه العشر مع الأشهر الأربعة؟ قال: لأنه ينفخ فيه الروح في العشر.
٥٠٩٢- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني أبو عاصم، عن سعيد، عن قتادة قال: سألت سعيد بن المسيب: ما بال العشر؟ قال: فيه ينفخ الروح.
* * *
(١) انظر معاني القرآن للفراء ١: ١٥١-١٥٢، فهذا من كلامه بغير لفظه.

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾


قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بذلك: (١) فإذا بلغن الأجل الذي أبيح لهن فيه ما كان حظر عليهن في عددهن من وفاة أزواجهن- وذلك بعد انقضاء عدهن، ومضي الأشهر الأربعة والأيام العشرة="فلا جناح عليكم فيما فعلن في أنفسهن بالمعروف"، يقول: فلا حرج عليكم أيها الأولياء -أولياء المرأة- فيما فعل المتوفى عنهن حينئذ في أنفسهن، من تطيب وتزين ونقله من المسكن الذي كن يعتددن فيه، ونكاح من يجوز لهن نكاحه="بالمعروف"، يعني بذلك: على ما أذن الله لهن فيه وأباحه لهن. (٢).
* * *
وقد قيل: إنما عنى بذلك النكاح خاصة. وقيل إن معنى قوله:"بالمعروف" إنما هو النكاح الحلال.
* ذكر من قال ذلك:
٥٠٩٣- حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا مؤمل قال، حدثنا سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد:"فلا جناح عليكم فيما فعلن في أنفسهن بالمعروف"، قال: الحلال الطيب.
٥٠٩٤- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا حكام، عن عنبسة، عن محمد بن عبد الرحمن، عن القاسم بن أبي بزة، عن مجاهد:"فلا جناح عليكم فيما فعلن في أنفسهن بالمعروف"، قال: المعروف النكاح الحلال الطيب.
٥٠٩٥- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، قال ابن
(١) في المطبوعة والمخطوطة: "يعني تعالى ذكره بقوله"، والسياق يقتضي ما أثبت.
(٢) انظر ما سلف في تفسير"المعروف" ٥: ٧٦ والمراجع هناك في التعليق.
جريج، قال مجاهد: قوله:"فيما فعلن في أنفسهن بالمعروف"، قال: هو النكاح الحلال الطيب.
٥٠٩٦- حدثني موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط، عن السدي قال: هو النكاح.
٥٠٩٧- حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني الليث قال، حدثني عقيل، عن ابن شهاب:"فيما فعلن في أنفسهن بالمعروف"، قال: في نكاح من هويته، إذا كان معروفا. (١)
* * *

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾


قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بذلك:"والله بما تعملون"، أيها الأولياء، في أمر من أنتم وليه من نسائكم، من عضلهن وإنكاحهن ممن أردن نكاحه بالمعروف، ولغير ذلك من أموركم وأمورهم، ="خبير"، يعني ذو خبرة وعلم، لا يخفى عليه منه شيء. (٢)
* * *
(١) في المطبوعة"هويته" بالجمع والنون، وأثبت ما في المخطوطة.
(٢) انظر ما سلف في معنى"خيبر" في فهارس اللغة، ومباحث العربية. * * *
وقد انتهى هنا التقسيم القديم للنسخة التي نقلت عنها مخطوطتنا، وفيها ما نصه:
"وصلى الله على محمد النبي وعلى آله وسلم كثيرا
على الأصل بلغت القراءة والسماع من أوله بقراءة محمد بن أحمد بن عيسى السعدي، لأخيه علي وأحمد بن عمر الجهاري (؟ ؟) ونصر بن الحسين الطبري، على القاضي أبي الحسن الخصيبي، عن أبي محمد الفرغاني، عن أبي جعفر الطبري، وقابل به بكتاب القاضي الخصيبي، فصحت، وذلك في شعبان سنة ثمان وأربعمائة".

تفسير القرآن العظيم — ابن كثير

عن الكتاب
هذا أمر من الله(١) للنساء اللاتي يُتَوفّى عنهن أزواجهن : أن يعتددن أربعة أشهر وعشر ليال(٢) وهذا الحكم يشمل الزوجات المدخول بهن وغير المدخول بهن بالإجماع، ومستنده في غير
المدخول بها عُمُوم الآية الكريمة، وهذا الحديث الذي رواه الإمام أحمد وأهل السنن وصححه الترمذي : أن ابن مسعود سُئِل عن رجل تزوّج امرأة فمات ولم يدخل بها، ولم يفرض لها ؟ فترددوا إليه مرارًا(٣) في ذلك فقال : أقول فيها برأيي، فإن يكن صوابًا فمن الله، وإن يكُن خطأ فمني ومن الشيطان، والله ورسوله بريئان منه :[ أرى ](٤) لها الصداق كاملا. وفي لفظ : لها صداق مثلها، لا وكس، ولا شَطَط، وعليها العدّة، ولها الميراث. فقام معقل بن سنان(٥) الأشجعي فقال : سمعت رسول الله ﷺ قَضى به في بَرْوَع بنت واشق. ففرح عبد الله بذلك فرحًا شديدًا. وفي رواية : فقام رجال من أشجع، فقالوا : نشهد أن رسول الله ﷺ قضى به في بَرْوَع بنت وَاشِق(٦).
ولا يخرج من ذلك إلا المتوفى عنها زوجها، وهي حامل، فإن عدّتها بوضع الحمل، ولو لم تمكث بعده سوى لحظة ؛ لعموم قوله :﴿وَأُولاتُ الأحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤]. وكان ابن عباس يرى : أن عليها أن تتربص بأبعد الأجلين من الوضع، أو أربعة أشهر وعشر، للجمع بين الآيتين، وهذا مأخذ جيد ومسلك قوي، لولا ما ثبتت به السنة في حديث سبيعة الأسلمية، المخرج في الصحيحين من غير وجه : أنه توفي عنها زوجها سعد بن خولة، وهي حامل، فلم تنشب أن وضعت حملها بعد وفاته، وفي رواية : فوضعت حملها بعده بليال، فلما تَعَلَّتْ من نفاسها تجملت للخُطَّاب، فدخل عليها أبو السنابل بن بَعْكَك، فقال لها : ما لي أراك مُتَجَمِّلة ؟ لعلك ترجين النكاح. والله ما أنت بناكح حتى يمر عليك أربعة أشهر وعَشْر. قالت سبيعة : فلما قال لي ذلك جمعت عليَّ ثيابي حين أمسيت، فأتيت رسول الله ﷺ، فسألته عن ذلك، فأفتاني بأني قد حلَلَتُ حين وضعتُ، وأمرني بالتزويج إن بدا لي(٧).
قال أبو عمر بن عبد البر : وقد روي أن ابن عباس رجع إلى حديث سُبَيعة، يعني لما احتج عليه به. قال : ويصحح ذلك عنه : أن أصحابه أفتوا بحديث سبيعة، كما هو(٨) قول أهل العلم قاطبة.
وكذلك يستثنى من ذلك الزوجة إذا كانت أمة، فإن عدتها على النصف من عدة الحرة، شهران وخمس ليال، على قول الجمهور ؛ لأنها لما كانت على النصف من الحرة في الحَدّ، فكذلك(٩) فلتكن على النصف منها في العدة. ومن العلماء - كمحمد بن سيرين وبعض الظاهرية - من يسوي بين الزوجات الحرائر والإماء في هذا المقام ؛ لعموم الآية، ولأن العدة من باب الأمور الجبلية(١٠) التي تستوي فيها الخليقة. وقد ذكر سعيدُ بن المسيب، وأبو العالية وغيرهما : أن الحكمة في جعل عدة الوفاة أربعة أشهر وعشرًا ؛ لاحتمال اشتمال الرحم على حمل، فإذا انتظر به هذه المدة ظهر إن كان موجودًا، كما جاء في حديث ابن مسعود الذي في الصحيحين وغيرهما :" إن خلق أحدكم يُجمع في بطن أمه أربعين يومًا نطفة، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يبعث إليه الملك فينفخ فيه الروح " (١١). فهذه ثلاث أربعينات بأربعة أشهر، والاحتياط بعشر بعدها لما قد ينقص بعض الشهور، ثم لظهور الحركة بعد نفخ الروح فيه، والله أعلم.
قال سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة : سألت سعيد بن المسيب : ما بال العشرة ؟ قال : فيه ينفخ الروح. وقال الربيع بن أنس : قلت لأبي العالية : لِمَ صارت هذه العشر مع الأشهر الأربعة ؟ قال : لأنه ينفخ فيها الروح. رواهما ابن جرير. ومن هاهنا ذهب الإمام أحمد، في رواية عنه، إلى أن عدة أم الولد عدة الحرة هاهنا ؛ لأنها صارت فراشا كالحرائر، وللحديث الذي رواه الإمام أحمد، عن يزيد بن هارون، عن سعيد بن أبي عَرُوبَة، عن قتادة، عن رجاء بن حيوة، عن قبيصة بن ذؤيب، عن عمرو بن العاص أنه قال : لا تُلْبِسوا علينا سنة نبينا، عدة أم الولد إذا توفي عنها سيدها أربعة أشهر وعشر(١٢) ورواه أبو داود، عن قتيبة، عن غُنْدَر - وعن ابن المثنى، عن عبد الأعلى. وابن ماجة، عن علي بن محمد، عن وَكِيع - ثلاثتهم عن سعيد بن أبي عَرُوبة، عن مَطَر الوراق، عن رجاء بن حيوة، عن قبيصة، عن عمرو بن العاص، فذكره(١٣).
وقد روي عن الإمام أحمد أنه أنكر هذا الحديث، وقيل : إن قبيصة لم يسمع عَمْرًا، وقد ذهب إلى القول بهذا الحديث طائفة من السلف، منهم : سعيد بن المسيب، ومجاهد، وسعيد بن جبير، والحسن، وابن سيرين، وأبو عياض(١٤)، والزهري، وعمر بن عبد العزيز. وبه كان يأمر يزيد بن عبد الملك بن مروان، وهو أمير المؤمنين. وبه يقول الأوزاعي، وإسحاق بن رَاهْوَيه، وأحمد بن حنبل، في رواية عنه. وقال طاوس وقتادة : عدة أم الولد إذا توفي عنها سيدها نصفُ عدة الحرة : شهران وخمس ليال. وقال أبو حنيفة وأصحابه، والثوري، والحسن بن صالح بن حَيّ : تعتد بثلاث حيض. وهو قول علي، وابن مسعود، وعطاء، وإبراهيم النخَعي. وقال مالك، والشافعي، وأحمد في المشهور عنه : عدتها حيضة. وبه يقول ابن عمر، والشعبي، ومكحول، والليث، وأبو عبيد، وأبو ثَور، والجمهور.
قال الليث : ولو مات وهي حائض أجزأتها. وقال مالك : فلو كانت ممن لا تحيض فثلاثة أشهر. وقال الشافعي والجمهور : شهر، وثلاثة أحب إلي. والله أعلم.
وقوله :﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ يستفاد من هذا وجوب الإحداد على المتوفى عنها زوجها مدة عدتها، لما ثبت في الصحيحين، من غير وجه، عن أم حبيبة وزينب بنت جحش أمي المؤمنين، أن رسول الله ﷺ قال :" لا يحل لامرأة تؤمن
بالله واليوم الآخر أن تُحد على ميت فوق ثلاث، إلا على زوج أربعة أشهر وعشرًا " (١٥). وفي الصحيحين أيضا، عن أم سلمة : أن امرأة قالت : يا رسول الله، إن ابنتي تُوفي عنها زوجها، وقد اشتكت عينُها، أفنكْحُلُها ؟ فقال :" لا ". كل ذلك يقول :" لا " مرتين أو ثلاثًا. ثم قال :" إنما هي أربعة أشهر وعشر(١٦) وقد كانت إحداكن في الجاهلية تمكث سنة ". قالت زينب بنت أم سلمة : كانت المرأة إذا توفي عنها زوجها دخلت حفْشًا، ولبست شر ثيابها، ولم تمس طيبًا ولا شيئًا، حتى تمر بها سنة، ثم تخرج فتعطى بَعْرة فترمي بها، ثم تؤتى بدابة - حمار أو شاة أو طير - فَتَفْتَضَّ به فقلما تفتض بشيء إلا مات(١٧).
ومن هاهنا ذهب كثير من العلماء إلى أن هذه الآية ناسخة للآية التي بعدها، وهي قوله :﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لأزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾ [البقرة: ٢٤٠]، كما قاله ابن عباس وغيره، وفي هذا نظر كما سيأتي تقريره.
والغرض أن الإحداد هو عبارة عن ترك الزينة من الطيب، ولبس ما يدعوها إلى الأزواج من ثياب وحُلِيٍّ وغير ذلك وهو واجب في عدة الوفاة قولا واحدًا، ولا يجب في عدة الرجعية قولا واحدًا، وهل يجب في عدة البائن ؟ فيه قولان.
ويجب الإحداد على جميع الزوجات المتوفى عنهن أزواجهن، سواء في ذلك الصغيرة والآيسة(١٨) والحرة والأمة، والمسلمة والكافرة، لعموم الآية. وقال الثوري وأبو حنيفة وأصحابه : لا إحداد على الكافرة. وبه يقول أشهبُ، وابنُ نافع من أصحاب مالك. وحجة قائل هذه المقالة قولهُ صلى الله عليه وسلم(١٩) :" لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تُحِدّ على ميت فوق ثلاث، إلا على زوج أربعة أشهر وعشرًا " : قالوا : فجعله تعبدًا(٢٠). وألحق أبو حنيفة وأصحابه والثوري الصغيرة بها، لعدم التكليف. وألحق أبو حنيفة وأصحابه الأمة المسلمة لنقصها(٢١). ومحل تقرير ذلك كله في كتب الأحكام والفروع، والله الموفق للصواب.
وقوله :﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾ أي : انقضت عدتهن(٢٢). قاله الضحاك والربيع بن أنس، ﴿فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ قال الزهري : أي : على أوليائها ﴿فِيمَا فَعَلْنَ﴾ يعني : النساء اللاتي انقضت عدتهن. قال العوفي(٢٣) عن ابن عباس : إذا طلقت المرأة أو مات عنها زوجها، فإذا انقضت عدتها فلا جناح عليها أن تتزين وتتصنَّع وتتعرض للتزويج، فذلك المعروف. روي عن مقاتل بن حيان نحوه، وقال ابن جريج عن مجاهد :﴿فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ قال : هو النكاح الحلال الطيب. وروي عن الحسن، والزهري، والسدي نحو ذلك.
١ في جـ: "من الله تعالى"..
٢ في جـ: "ليالي"..
٣ في جـ، أ، و: "إليه شهرا"..
٤ زيادة من أ، و..
٥ في هـ، جـ، ط، أ: "معقل بن يسار" والمثبت هو الصواب..
٦ المسند (٤/٢٨٠) وسنن أبي داود برقم (٢٢١٤، ٢٢١٥) وسنن الترمذي برقم (١١٤٥) وسنن النسائي (٦/١٢١) وسنن ابن ماجة برقم (١٨٩١)..
٧ صحيح البخاري برقم (٥٣١٩) وصحيح مسلم برقم (١٤٨٤)..
٨ في جـ: "وهو"..
٩ في جـ: "وكذلك"..
١٠ في أ: "الجلية"..
١١ صحيح البخاري برقم (٣٢٠٨) وصحيح مسلم برقم (٢٦٤٣)..
١٢ المسند (٤/٢٠٣)..
١٣ سنن أبي داود برقم (٢٣٠٨) وسنن ابن ماجة برقم (٢٠٨٣)..
١٤ في جـ: "وأبو عاص"..
١٥ صحيح البخاري برقم (٥٣٣٧) وصحيح مسلم برقم (١٤٨٦) من حديث زينب بنت جحش رضي الله عنها، وصحيح البخاري برقم (٥٣٣٤) وصحيح مسلم برقم (١٤٨٦) من حديث أم حبيبة رضي الله عنها..
١٦ في جـ: "وعشرا"..
١٧ صحيح البخاري برقم (٥٣٣٦) وصحيح مسلم برقم (١٤٨٨)..
١٨ في جـ: "الصغير والكبير"..
١٩ في جـ: "عليه السلام"..
٢٠ في جـ: "مقيدا"..
٢١ في جـ: "لبعضها"..
٢٢ في جـ، أ، و: "عدتها"..
٢٣ في جـ: "قال الوالبي"..
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٢٣٤)﴾
هَذَا أَمْرٌ مِنَ اللَّهِ (١) لِلنِّسَاءِ اللَّاتِي يُتَوّفى عَنْهُنَّ أَزْوَاجُهُنَّ: أَنْ يَعْتَدِدْنَ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرَ لَيَالٍ (٢) وَهَذَا الْحُكْمُ يَشْمَلُ الزَّوْجَاتِ الْمَدْخُولَ بِهِنَّ وَغَيْرَ الْمَدْخُولِ بِهِنَّ بالإجماع، ومستنده في غير
(١) في جـ: "من الله تعالى".
(٢) في جـ: "ليالي".
الْمَدْخُولِ بِهَا عُمُوم الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ، وَهَذَا الْحَدِيثُ الَّذِي رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَأَهْلُ السُّنَنِ وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ: أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ سُئِل عَنْ رَجُلٍ تَزَوَّجَ امْرَأَةً فَمَاتَ وَلَمْ يَدْخُلْ بِهَا، وَلَمْ يَفْرِضْ لَهَا؟ فَتَرَدَّدُوا إِلَيْهِ مِرَارًا (١) فِي ذَلِكَ فَقَالَ: أَقُولُ فِيهَا بِرَأْيِي، فَإِنْ يَكُنْ صَوَابًا فَمِنَ اللَّهِ، وَإِنْ يكُن خَطَأً فَمِنِّي وَمِنَ الشَّيْطَانِ، وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ بَرِيئَانِ مِنْهُ: [أَرَى] (٢) لَهَا الصَّدَاقَ كَامِلًا. وَفِي لَفْظٍ: لَهَا صَدَاقُ مِثْلِهَا، لَا وَكْسَ، وَلَا شَطَط، وَعَلَيْهَا الْعِدَّةُ، وَلَهَا الْمِيرَاثُ. فَقَامَ مَعْقِلُ بْنُ سِنَانٍ (٣) الْأَشْجَعِيُّ فَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم قَضى بِهِ فِي بَرْوَع بِنْتِ وَاشِقٍ. فَفَرِحَ عَبْدُ اللَّهِ بِذَلِكَ فَرَحًا شَدِيدًا. وَفِي رِوَايَةٍ: فَقَامَ رِجَالٌ مِنْ أَشْجَعَ، فَقَالُوا: نَشْهَدُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَضَى بِهِ فِي بَرْوَع بِنْتِ وَاشِق (٤).
وَلَا يَخْرُجُ مِنْ ذَلِكَ إِلَّا الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا، وَهِيَ حَامِلٌ، فَإِنَّ عِدَّتَهَا بِوَضْعِ الْحَمْلِ، وَلَوْ لَمْ تَمْكُثْ بَعْدَهُ سِوَى لَحْظَةٍ؛ لِعُمُومِ قَوْلِهِ: ﴿وَأُولاتُ الأحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطَّلَاقِ: ٤]. وَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَرَى: أَنْ عَلَيْهَا أَنْ تَتَرَبَّصَ بِأَبْعَدِ الْأَجَلَيْنِ مِنَ الْوَضْعِ، أَوْ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ وَعَشْرٍ، لِلْجَمْعِ بَيْنَ الْآيَتَيْنِ، وَهَذَا مَأْخَذٌ جَيِّدٌ وَمَسْلَكٌ قَوِيٌّ، لَوْلَا مَا ثَبَتَتْ بِهِ السُّنَّةُ فِي حَدِيثِ سُبَيْعَةَ الْأَسْلَمِيَّةِ، الْمُخَرَّجِ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ: أَنَّهُ تُوُفِّيَ عَنْهَا زَوْجُهَا سَعْدُ بْنُ خَوْلَةَ، وَهِيَ حَامِلٌ، فَلَمْ تَنْشَبْ أَنْ وَضَعَتْ حَمْلَهَا بَعْدَ وَفَاتِهِ، وَفِي رِوَايَةٍ: فَوَضَعَتْ حَمْلَهَا بَعْدَهُ بِلَيَالٍ، فَلَمَّا تَعَلَّتْ مِنْ نِفَاسِهَا تَجَمَّلَتْ للخُطَّاب، فَدَخَلَ عَلَيْهَا أَبُو السَّنَابِلِ بْنُ بَعْكَك، فَقَالَ لَهَا: مَا لِي أَرَاكِ مُتَجَمِّلة؟ لَعَلَّكِ تَرْجِينَ النِّكَاحَ. وَاللَّهِ مَا أَنْتِ بناكح حتى يمر عَلَيْكِ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وعَشْر. قَالَتْ سُبَيْعَةُ: فَلَمَّا قَالَ لِي ذَلِكَ جَمَعْتُ عليَّ ثِيَابِي حِينَ أَمْسَيْتُ، فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَسَأَلْتُهُ عَنْ ذَلِكَ، فَأَفْتَانِي بِأَنِّي قَدْ حلَلَتُ حِينَ وضعتُ، وَأَمَرَنِي بِالتَّزْوِيجِ إِنْ بَدَا لِي (٥).
قَالَ أَبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ رَجَعَ إِلَى حَدِيثِ سُبَيعة، يَعْنِي لَمَّا احْتُجَّ عَلَيْهِ بِهِ. قَالَ: وَيُصَحِّحُ ذَلِكَ عَنْهُ: أَنَّ أَصْحَابَهُ أَفْتَوْا بِحَدِيثِ سُبَيْعَةَ، كَمَا هُوَ (٦) قَوْلُ أَهْلِ الْعِلْمِ قَاطِبَةً.
وَكَذَلِكَ يُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ الزَّوْجَةُ إِذَا كَانَتْ أَمَةً، فَإِنَّ عِدَّتَهَا عَلَى النِّصْفِ مِنْ عِدَّةِ الْحُرَّةِ، شَهْرَانِ وَخَمْسُ لَيَالٍ، عَلَى قَوْلِ الْجُمْهُورِ؛ لِأَنَّهَا لَمَّا كَانَتْ عَلَى النِّصْفِ مِنَ الْحُرَّةِ فِي الحَدّ، فَكَذَلِكَ (٧) فَلْتَكُنْ عَلَى النِّصْفِ مِنْهَا فِي الْعِدَّةِ. وَمِنَ الْعُلَمَاءِ -كَمُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ وَبَعْضِ الظَّاهِرِيَّةِ -مَنْ يُسَوِّي بَيْنَ الزَّوْجَاتِ الْحَرَائِرِ وَالْإِمَاءِ فِي هَذَا الْمَقَامِ؛ لِعُمُومِ الْآيَةِ، وَلِأَنَّ الْعِدَّةَ مِنْ بَابِ الْأُمُورِ الْجِبَلِّيَّةِ (٨) الَّتِي تَسْتَوِي فِيهَا الْخَلِيقَةُ. وَقَدْ ذَكَرَ سعيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ، وَأَبُو الْعَالِيَةِ وَغَيْرُهُمَا: أَنَّ الْحِكْمَةَ فِي جَعْلِ عِدَّةِ الْوَفَاةِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا؛ لِاحْتِمَالِ اشْتِمَالِ الرَّحِمِ عَلَى حَمْلٍ، فَإِذَا انْتَظَرَ بِهِ هَذِهِ الْمُدَّةَ ظَهَرَ إِنْ كَانَ مَوْجُودًا، كَمَا جَاءَ فِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ الَّذِي فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا: "إِنَّ خَلْقَ أَحَدِكُمْ يُجمع فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا نُطْفَةً، ثُمَّ يَكُونُ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يُبْعَثُ إِلَيْهِ الملك
(١) في جـ، أ، و: "إليه شهرا".
(٢) زيادة من أ، و.
(٣) في هـ، جـ، ط، أ: "معقل بن يسار" والمثبت هو الصواب.
(٤) المسند (٤/٢٨٠) وسنن أبي داود برقم (٢٢١٤، ٢٢١٥) وسنن الترمذي برقم (١١٤٥) وسنن النسائي (٦/١٢١) وسنن ابن ماجة برقم (١٨٩١).
(٥) صحيح البخاري برقم (٥٣١٩) وصحيح مسلم برقم (١٤٨٤).
(٦) في جـ: "وهو".
(٧) في جـ: "وكذلك".
(٨) في أ: "الجلية".
فَيَنْفُخُ فِيهِ الرُّوحَ" (١). فَهَذِهِ ثَلَاثُ أَرْبَعِينَاتٍ بِأَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ، وَالِاحْتِيَاطُ بِعَشْرٍ بَعْدَهَا لِمَا قَدْ يَنْقُصُ بَعْضُ الشُّهُورِ، ثُمَّ لِظُهُورِ الْحَرَكَةِ بَعْدَ نَفْخِ الرَّوْحِ فِيهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَالَ سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ: سَأَلْتُ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ: مَا بَالِ الْعَشْرَةِ؟ قَالَ: فِيهِ يُنْفُخُ الرُّوحُ. وَقَالَ الرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ: قُلْتُ لِأَبِي الْعَالِيَةِ: لِمَ صَارَتْ هَذِهِ الْعَشْرُ مَعَ الْأَشْهُرِ الْأَرْبَعَةِ؟ قَالَ: لِأَنَّهُ يُنْفُخُ فِيهَا الرُّوحُ. رَوَاهُمَا ابْنُ جَرِيرٍ. وَمِنْ هَاهُنَا ذَهَبَ الْإِمَامُ أَحْمَدَ، فِي رِوَايَةٍ عَنْهُ، إِلَى أَنَّ عِدَّةَ أُمِّ الْوَلَدِ عِدَّةُ الْحُرَّةِ هَاهُنَا؛ لِأَنَّهَا صَارَتْ فِرَاشًا كَالْحَرَائِرِ، وَلِلْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ هَارُونَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَة، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ رَجَاءِ بْنِ حَيْوَةَ، عَنْ قَبِيصَةَ بْنِ ذُؤَيْبٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَنَّهُ قَالَ: لَا تُلْبِسوا عَلَيْنَا سُنَّةَ نَبِيِّنَا، عِدَّةُ أُمِّ الْوَلَدِ إِذَا تُوُفِّيَ عَنْهَا سَيِّدُهَا أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشْرٌ (٢) وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، عَنْ قُتَيْبَةَ، عَنْ غُنْدَر -وَعَنِ ابْنِ الْمُثَنَّى، عَنْ عَبْدِ الْأَعْلَى. وَابْنِ مَاجَهْ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ وَكِيع -ثَلَاثَتُهُمْ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبة، عَنْ مَطَر الْوَرَّاقِ، عَنْ رَجَاءِ بْنِ حَيْوَةَ، عَنْ قَبِيصَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، فَذَكَرَهُ (٣).
وَقَدْ رُوِيَ عَنِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ أَنَّهُ أَنْكَرَ هَذَا الْحَدِيثَ، وَقِيلَ: إِنَّ قَبِيصَةَ لَمْ يَسْمَعْ عَمْرًا، وَقَدْ ذَهَبَ إِلَى الْقَوْلِ بِهَذَا الْحَدِيثِ طَائِفَةٌ مِنَ السَّلَفِ، مِنْهُمْ: سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ، وَمُجَاهِدٌ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَالْحَسَنُ، وَابْنُ سِيرِينَ، وَأَبُو عِيَاضٍ (٤)، وَالزُّهْرِيُّ، وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ. وَبِهِ كَانَ يَأْمُرُ يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ، وَهُوَ أَمِيرُ المؤمنين. وبه يقول الأوزاعي، وإسحاق بن رَاهْوَيه، وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، فِي رِوَايَةٍ عَنْهُ. وَقَالَ طَاوُسٌ وَقَتَادَةُ: عِدَّةُ أُمِّ الْوَلَدِ إِذَا تُوُفِّيَ عَنْهَا سَيِّدُهَا نصفُ عُدَّةِ الْحُرَّةِ: شَهْرَانِ وَخَمْسُ لَيَالٍ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ، وَالثَّوْرِيُّ، وَالْحَسَنُ بْنُ صَالِحِ بْنِ حَيّ: تَعْتَدُّ بِثَلَاثِ حِيَضٍ. وَهُوَ قَوْلُ عَلِيٍّ، وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَعَطَاءٍ، وَإِبْرَاهِيمَ النخَعي. وَقَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ فِي الْمَشْهُورِ عَنْهُ: عِدَّتُهَا حَيْضَةٌ. وَبِهِ يَقُولُ ابْنُ عُمَرَ، وَالشَّعْبِيُّ، وَمَكْحُولٌ، وَاللَّيْثُ، وَأَبُو عُبَيْدٍ، وَأَبُو ثَور، وَالْجُمْهُورُ.
قَالَ اللَّيْثُ: وَلَوْ مَاتَ وَهِيَ حَائِضٌ أَجْزَأَتْهَا. وَقَالَ مَالِكٌ: فَلَوْ كَانَتْ مِمَّنْ لَا تَحِيضُ فَثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَالْجُمْهُورُ: شَهْرٌ، وَثَلَاثَةٌ أَحَبُّ إِلَيَّ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَوْلُهُ: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ يُسْتَفَادُ مِنْ هَذَا وُجُوبُ الْإِحْدَادِ عَلَى الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا مُدَّةَ عِدَّتِهَا، لِمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ، مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ، عَنْ أُمِّ حَبِيبَةَ وَزَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ أُمَّيِ الْمُؤْمِنِينَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم قال: "لا يحل لامرأة تؤمن
(١) صحيح البخاري برقم (٣٢٠٨) وصحيح مسلم برقم (٢٦٤٣).
(٢) المسند (٤/٢٠٣).
(٣) سنن أبي داود برقم (٢٣٠٨) وسنن ابن ماجة برقم (٢٠٨٣).
(٤) في جـ: "وأبو عاص".

تيسير الكريم الرحمن — السعدي

عن الكتاب
﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾
أي : إذا توفي الزوج، مكثت زوجته، متربصة أربعة أشهر وعشرة أيام وجوبا، والحكمة في ذلك، ليتبين الحمل في مدة الأربعة، ويتحرك في ابتدائه في الشهر الخامس، وهذا العام مخصوص بالحوامل، فإن عدتهن بوضع الحمل، وكذلك الأمة، عدتها على النصف من عدة الحرة، شهران وخمسة أيام.
وقوله :﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾ أي : انقضت عدتهن ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ﴾ أي : من مراجعتها للزينة والطيب، ﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾ أي : على وجه غير محرم ولا مكروه.
وفي هذا وجوب الإحداد مدة العدة، على المتوفى عنها زوجها، دون غيرها من المطلقات والمفارقات، وهو مجمع عليه بين العلماء.
﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ أي : عالم بأعمالكم، ظاهرها وباطنها، جليلها وخفيها، فمجازيكم عليها.
وفي خطابه للأولياء بقوله :﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ﴾ دليل على أن الولي ينظر على المرأة، ويمنعها مما لا يجوز فعله ويجبرها على ما يجب، وأنه مخاطب بذلك، واجب عليه.
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
{٢٣٤} ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾.
أي: إذا توفي الزوج، مكثت زوجته، متربصة أربعة أشهر وعشرة أيام وجوبا، والحكمة في ذلك، ليتبين الحمل في مدة الأربعة، ويتحرك في ابتدائه في الشهر الخامس، وهذا العام مخصوص بالحوامل، فإن عدتهن بوضع الحمل، وكذلك الأمة، عدتها على النصف من عدة الحرة، شهران وخمسة أيام.
وقوله: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾ أي: انقضت عدتهن ﴿فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ﴾ أي: من مراجعتها للزينة والطيب، ﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾ أي: على وجه غير محرم ولا مكروه.
وفي هذا وجوب الإحداد مدة العدة، على المتوفى عنها زوجها، دون غيرها من المطلقات والمفارقات، وهو مجمع عليه بين العلماء.
﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ أي: عالم بأعمالكم، ظاهرها وباطنها، جليلها وخفيها، فمجازيكم عليها.
وفي خطابه للأولياء بقوله: ﴿فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ﴾ -[١٠٥]- دليل على أن الولي ينظر على المرأة، ويمنعها مما لا يجوز فعله ويجبرها على ما يجب، وأنه مخاطب بذلك، واجب عليه.
جميع كتب التفسير لهذه الآية (١٣١ كتابًا)
جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري تفسير القرآن العظيم — ابن كثير تفسير القرآن العظيم — ابن كثير تيسير الكريم الرحمن — السعدي أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — الشنقيطي - أضواء البيان تيسير العلي القدير لاختصار تفسير ابن كثير — محمد نسيب الرفاعي أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير — أبو بكر الجزائري التفسير الميسر — مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور — حكمت بشير ياسين المختصر في تفسير القرآن الكريم — مركز تفسير للدراسات القرآنية تفسير مقاتل بن سليمان — مقاتل بن سليمان تفسير الإمام مالك — مالك بن أنس معاني القرآن — الفراء معاني القرآن للفراء — الفراء مجاز القرآن — أبو عبيدة معمر بن المثنى تفسير القرآن — الصنعاني معاني القرآن — الأخفش غريب القرآن — ابن قتيبة الدِّينَوري تفسير التستري — سهل التستري تفسير النسائي — النسائي معاني القرآن وإعرابه للزجاج — الزجاج تفسير ابن أبي حاتم — ابن أبي حاتم الرازي تأويلات أهل السنة — أبو منصور المَاتُرِيدي أحكام القرآن — الجصاص بحر العلوم — أبو الليث السمرقندي التقييد الكبير للبسيلي — البسيلي تفسير القرآن العزيز — ابن أبي زَمَنِين الكشف والبيان عن تفسير القرآن — الثعلبي الهداية الى بلوغ النهاية — مكي بن أبي طالب النكت والعيون — الماوردي النكت والعيون — الماوردي آراء ابن حزم الظاهري في التفسير — ابن حزم جهود ابن عبد البر في التفسير — ابن عبد البر تفسير القشيري — القشيري لطائف الإشارات — القشيري التفسير البسيط — الواحدي الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — الواحدي تفسير السمعاني — أبو المظفر السمعاني تفسير الراغب الأصفهاني — الراغب الأصفهاني أحكام القرآن — إلكيا الهراسي معالم التنزيل — البغوي معالم التنزيل — البغوي الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — الزمخشري المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز — ابن عطية أحكام القرآن — ابن العربي أحكام القرآن — ابن الفرس تذكرة الاريب في تفسير الغريب — ابن الجوزي زاد المسير في علم التفسير — ابن الجوزي مفاتيح الغيب — فخر الدين الرازي تفسير العز بن عبد السلام — عز الدين بن عبد السلام جهود القرافي في التفسير — القرافي أنوار التنزيل وأسرار التأويل — البيضاوي مدارك التنزيل وحقائق التأويل — أبو البركات النسفي التسهيل لعلوم التنزيل — ابن جُزَيِّ لباب التأويل في معاني التنزيل — الخازن البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي النهر الماد من البحر المحيط — أبو حيان الأندلسي الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحداد اليمني كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحداد اليمني تفسير ابن عرفة — ابن عرفة تفسير ابن عرفة — ابن عرفة التبيان في تفسير غريب القرآن — ابن الهائم تنوير المقباس من تفسير ابن عباس — الفيروزآبادي غرائب القرآن ورغائب الفرقان — نظام الدين القمي النيسابوري تفسير الجلالين — المَحَلِّي الجواهر الحسان في تفسير القرآن — الثعالبي نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — برهان الدين البقاعي جامع البيان في تفسير القرآن — الإيجي محيي الدين الدر المنثور في التأويل بالمأثور — السُّيوطي الدر المنثور في التأويل بالمأثور — السُّيوطي الصراط المستقيم في تبيان القرآن الكريم — الكَازَرُوني فتح الرحمن بكشف ما يلتبس في القرآن — زكريا الأنصاري فتح الرحمن في تفسير القرآن — مجير الدين العُلَيْمي السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير — الشربيني إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم — أبو السعود روح البيان — إسماعيل حقي التفسير المظهري — المظهري البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — ابن عجيبة البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — ابن عجيبة التفسير المظهري — محمد ثناء الله المظهري حاشية الصاوي على تفسير الجلالين — الصاوي فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني فتح البيان في مقاصد القرآن — صديق حسن خان محاسن التأويل — جمال الدين القاسمي روح المعاني — الألوسي تفسير المنار — محمد رشيد رضا تفسير المنار — رشيد رضا تفسير المراغي — أحمد بن مصطفى المراغي تفسير المراغي — المراغي المصحف المفسّر — فريد وجدي التفسير القرآني للقرآن — عبد الكريم يونس الخطيب أضواء البيان — محمد الأمين الشنقيطي تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد — ابن عاشور زهرة التفاسير — محمد أبو زهرة زهرة التفاسير — أبو زهرة بيان المعاني — ملا حويش أوضح التفاسير — محمد عبد اللطيف الخطيب إعراب القرآن وبيانه — محيي الدين الدرويش التفسير الحديث — محمد عزة دروزة التفسير الحديث — دروزة تيسير التفسير — إبراهيم القطان تيسير التفسير — إبراهيم القطان صفوة البيان لمعاني القرآن — حسنين مخلوف الموسوعة القرآنية — إبراهيم الإبياري التيسير في أحاديث التفسير — المكي الناصري تفسير الشعراوي — الشعراوي تفسير الشعراوي — الشعراوي تفسير القرآن الكريم — ابن عثيمين تفسير القرآن الكريم — عبد الله محمود شحاتة التفسير الوسيط — محمد سيد طنطاوي التفسير المنير — وهبة الزحيلي التفسير الوسيط — وهبة الزحيلي حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن — محمد الأمين الهرري فتح الرحمن في تفسير القرآن — تعيلب التفسير الشامل — أمير عبد العزيز الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور — بشير ياسين التفسير الميسر — التفسير الميسر المنتخب في تفسير القرآن الكريم — المنتخب أيسر التفاسير — أسعد حومد التفسير الميسر — مجموعة من المؤلفين التفسير الواضح — محمد محمود حجازي المختصر في تفسير القرآن الكريم — مجموعة من المؤلفين المنتخب في تفسير القرآن الكريم — مجموعة من المؤلفين تفسير سفيان الثوري — عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي تفسير غريب القرآن - الكواري — كَامِلَة بنت محمد الكَوارِي صفوة التفاسير — محمد علي الصابوني كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحدادي اليمني مختصر تفسير ابن كثير — محمد علي الصابوني معاني الكلمات من كتاب السراج في بيان غريب القرآن — محمد الخضيري

غريب الكلمات ومعانيها

معاني الكلمات الغريبة في الآية

التبيان في تفسير غريب القرآن
فَإِذا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ
انقضت عدّتهن. والأجل: غاية الوقت في الموت وغيره .

إعراب الآية ٢٣٤ من سورة البقرة

من كتاب: إعراب القرآن

التاء. لا تُضَارَّ والِدَةٌ بِوَلَدِها في موضع جزم بالنهي وفتحت الراء لالتقاء الساكنين ويجوز كسرها وهي قراءة، وقرأ أبو عمرو لا تُضَارَّ «١» جعله خبرا بمعنى النهي وهذا مجاز والأول حقيقة. وروى أبان «٢» عن عاصم لا تضارر والدة وهذه لغة أهل الحجاز. قال أحمد بن يحيى: يجوز أن يكون تقدير «لا تضارّ والدة» لا تضارر ثم أدغم. قال أبو جعفر: لا تضارّ والدة اسم ما لم يسمّ فاعله إذا كان التقدير لا تضارر وإن كان التقدير لا تضارر كانت رفعا بفعله. وَلا مَوْلُودٌ عطف عليها بالواو ولا توكيد. وَعَلَى الْوارِثِ مِثْلُ ذلِكَ رفع بالابتداء أو الصفة. وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلادَكُمْ التقدير في العربية وإن أردتم أن تسترضعوا أجنبية لأولادكم وحذفت اللام لأنه يتعدّى إلى مفعولين أحدهما بحرف وأنشد سيبويه: [البسيط] ٥١-
أمرتك الخير فافعل ما أمرت بهفقد تركتك ذا مال وذا نشب «٣»

[سورة البقرة (٢) : آية ٢٣٤]

وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً فَإِذا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٢٣٤)
وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً يقال أين خبر «الذين» ففيه أقوال قال الأخفش سعيد: التقدير: والذين يتوفّون منكم ويذرون أزواجا يتربّصن بأنفسهنّ بعدهم أو بعد موتهم، ثم حذف هذا كما يحذف شيء كثير، وقال الكسائي: في التقدير يتربّص أزواجهم كما قال جلّ وعزّ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِداً ضِراراً وَكُفْراً... لا تَقُمْ فِيهِ أَبَداً [التوبة: ١٠٧، ١٠٨] أي لا تقم في مسجدهم وقال الفراء «٤» : إذا ذكرت أسماء ثم ذكرت أسماء مضافة إليها فيها معنى الخبر وكان الاعتماد في الخبر على الثاني أخبر عن الثاني وترك الأول. قال أبو إسحاق: هذا خطأ لا يجوز أن يبتدأ باسم ولا يحدّث عنه.
قال أبو جعفر: ومن أحسن ما قيل فيها قول أبي العباس محمد بن يزيد قال: التقدير:
(١) انظر تيسير الداني ٦٩.
(٢) أبان بن تغلب الربعي الكوفي النحوي، قرأ على عاصم (ت ١٤١ هـ)، ترجمته في (مشاهير علماء الأمصار لابن حبان ١٦٤، وغاية النهاية لابن الجزري ١/ ٤).
(٣) الشاهد لعمرو بن معدي كرب في ديوانه ص ٦٣، وخزانة الأدب ٩/ ١٢٤، والدرر ٥/ ١٨٦، وشرح شواهد المغني ص ٧٢٧، والكتاب ١/ ٧٢، ومغني اللبيب ص ٣١٥، ولخفاف بن ندبة في ديوانه ص ١٢٦، وللعباس بن مرداس في ديوانه ص ١٣١، ولأعشى طرود في المؤتلف والمختلف ص ١٧، وهو لأحد الأربعة السابقين أو لزرعة بن خفاف في خزانة الأدب ١/ ٣٣٩، ولخفاف بن ندبة أو للعباس بن مرداس في شرح أبيات سيبويه ١/ ٢٥٠، وبلا نسبة في الأشباه والنظائر ٤/ ١٦، وشرح شذور الذهب ٤٧٧، وشرح المفصّل ٨/ ٥٠ وكتاب اللامات ص ١٣٩، والمحتسب ١/ ٥١، والمقتضب ٢/ ٣٦.
(٤) انظر معاني الفراء ١/ ١٥٠.
الإعراب الكامل من جميع الكتب مع تحليل الكلمات ←

آيات مشابهة للآية ٢٣٤ من سورة البقرة

مواضع أخرى في القرآن تشبه ألفاظ هذه الآية

جميع المتشابهات لهذه الآية ←

الموضوعات القرآنية للآية ٢٣٤ من سورة البقرة

٦ موضوعات تتناولها هذه الآية

أقوال المفسرين في الآية — التفسير بالمأثور

٣٧ قولًا من موسوعة التفسير بالمأثور

تفسير

٢٢ قولًا
١
عن إسماعيل السُّدِّيّ -من طريق أسباط- قال: هو النكاح١٢
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٤‏/‏٢٦٠. وعلَّقه ابن أبي حاتم ٢‏/‏٤٣٨ (عَقِب ٢٣٢٢).
تعليقات المحققين
  1. ٢علَّق ابنُ عطية (١/٥٧٩) على هذا القول الذي قال به مجاهد، والسدي، وابن شهاب، فقال: «ووجوه المنكر في هذا كثيرة».
٢
قال مقاتل بن سليمان: ﴿فِيما فَعَلْنَ فِي أنْفُسِهِنَّ بِالمَعْرُوفِ﴾، يعني: لا حرج على المرأة إذا انقَضَتْ عِدَّتُها أن تَتَشَوَّف، وتَتَزَيَّن، وتَلْتَمِس الأزواجَ١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ١‏/‏١٩٩.
٣
عن قتادة بن دِعامة -من طريق يزيد بن زريع- قوله: ﴿خبير﴾ بخلقه١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ٢‏/‏٤٣٨ (٢٣٢٣).
٤
قال مقاتل بن سليمان: ﴿واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ مِن أمر العدَّة١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ١‏/‏٩٩.
٥
عن أبي العالية -من طريق الربيع بن أنس- قال: ضُمَّتْ هذه الأيام العشرُ إلى الأربعة أشهر؛ لأنّ العَشْر فيه ينفخ الرُّوح١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٤‏/‏٢٥٨، وابن أبي حاتم ٢‏/‏٤٣٧، والبيهقي في الأسماء والصفات (٨٢٤). وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد، وابن المنذر.
٦
عن سعيد بن جبير، نحو ذلك١
التخريج
  1. ١علَّقه ابن أبي حاتم ٢‏/‏٤٣٧ (عَقِب ٢٣١٨).
٧
عن قتادة، قال: سألتُ سعيدَ بنَ المسيب: ما بالُ العَشْر؟ قال: فيه يُنفَخُ الرُّوح١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٤‏/‏٢٥٨. وعلَّقه ابن أبي حاتم ٢‏/‏٤٣٧ (عَقِب ٢٣١٨).
٨
عن الأوزاعيِّ، قال: سمعتُ ربيعة [الرأي]، ويحيى بن سعيد، يقولان في قوله: ﴿يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا﴾: عشر ليال لقول الله: ﴿وعشرا﴾. وما قال الله: فعشرة كاملة، فهي عشر ليالٍ بأيامِهِنَّ١٢
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ٢/ ٤٣٧ (٢٣١٧).
تعليقات المحققين
  1. ٢ذكَر ابن عطية (١/ ٥٧٩) أن جمهور أهل العلم قالوا بدخول اليوم العاشر في العِدَّة لأن الأيام مع الليالي، وذكر أنّه حُكي عن منذر بن سعيد، والأوزاعي: أنّ اليوم العاشر ليس من العدة، بل انقضت بتمام عشر ليال. وحكى عن المهدويِّ أنّه نقل قولًا بأنّ المعنى: وعشر مدد، كل مُدَّة من يوم وليلة. وبيَّن أنّه رُوي عن ابن عباس أنه قرأ: (أرْبَعَةَ أشْهُرٍ وعَشْرَ لَيالٍ).
٩
عن الضَّحّاك بن مُزاحِم -من طريق جُوَيْبِر- في قوله: ﴿فإذا بلغن أجلهن﴾، يقول: إذا انقَضَتْ عِدَّتُها١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ٢‏/‏٤٣٧.
١٠
قال الربيع بن أنس -من طريق أبي جعفر-: إذا انقَضَتِ العِدَّةُ١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ٢‏/‏٤٣٧ (عَقِب ٢٣١٩).
١١
قال مقاتل بن سليمان: ﴿فَإذا بَلَغْنَ أجَلَهُنَّ﴾، يعني: إذا مضى الأجلُ مِمّا ذُكِر في هذه الآية١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ١‏/‏١٩٩.
١٢
عن مقاتل بن حَيّان -من طريق بُكَيْر بن معروف- أنّه قال: إذا مضت أربعةُ أشهر وعشرٌ١
التخريج
  1. ١علَّقه ابن أبي حاتم ٢‏/‏٤٣٧ (عقب ٢٣١٩).
١٣
عن عبد الله بن عباس -من طريق عليِّ بن أبي طلحة- في قوله: ﴿فإذا بلغن أجلهن فلا جناح عليكم﴾، يقول: إذا طُلِّقَت المرأةُ، أو مات عنها، فإذا انقضت عِدَّتُها؛ فلا جُناح عليها أن تَتَزَيَّن، وتَتَصَنَّع، وتَتَعَرَّض للتزويج، فذلك المعروف١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ٢‏/‏٤٣٧ (٢٣٢١). وعزاه السيوطي إلى ابن المنذر.
١٤
عن مجاهد بن جبر -من طريق ابن جُرَيْج- ﴿فيما فعلن في أنفسهن بالمعروف﴾، قال: هو النكاحُ الحلالُ الطيِّبُ١
التخريج
  1. ١أخرجه سفيان الثوري في تفسيره ص٦٨، وعبد الرزاق ١‏/‏٩٧، وابن جرير ٤‏/‏٢٥٩، وابن أبي حاتم ٢‏/‏٤٣٨ (٢٣٢٢)، وأخرجه ابن جرير من طريق القاسم ابن أبي بزة وابن أبي نجيح. وذكره يحيى بن سلام -كما في تفسير ابن أبي زمنين ١‏/‏٢٣٧-.
١٥
عن الحسن البصري، نحو ذلك١
التخريج
  1. ١علَّقه ابن أبي حاتم ٢‏/‏٤٣٨ (عَقِب ٢٣٢٢).
١٦
عن محمد ابن شهاب الزُّهْرِيِّ -من طريق عقيل- ﴿فيما فعلن في أنفسهن بالمعروف﴾، قال: في نكاح مَن هوِيَتْهُ، إذا كان معروفًا١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٤‏/‏٢٦٠. وعلَّقه ابن أبي حاتم ٢‏/‏٤٣٨ (عَقِب ٢٣٢٢).
١٧
عن عبد الله بن عباس -من طريق علي بن أبي طلحة- في قوله: ﴿والذين يتوفون﴾ الآية، قال: كان الرجلُ إذا مات وترك امرأتَه اعتدَّت سنةً في بيته، يُنفَق عليها مِن ماله، ثم أنزل الله: ﴿والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا﴾. فهذه عِدَّةُ المُتَوَفّى عنها، إلا أن تكون حامِلًا، فعِدَّتُها أن تضع ما في بطنها. وقال في ميراثها: ﴿ولهن الربع مما تركتم﴾ [النساء:١٢]، فبيَّنَ ميراثَ المرأة، وتَرَكَ الوصيةَ والنفقةَ١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٢‏/‏٢٤٨، ٤٠١، وابن أبي حاتم ٢‏/‏٤٣٦ (٢٣١٥)، ٢‏/‏٤٥٢ (٢٣٩١). والنحاس في ناسخه ص٢٤٠، والبيهقي في سننه ٧‏/‏٤٢٧. وعزاه السيوطي إلى ابن المنذر.
١٨
عن عبد الله بن عباس -من طريق ابن جُرَيْج، عن عطاء-: أنّه كَرِه للمُتَوَفّى عنها زوجُها الطِّيبَ والزينةَ. وقال: إنّما قال الله: ﴿والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا﴾. ولم يقل: في بيوتكم؛ تعتدُّ حيث شاءتْ١٢
التخريج
  1. ١أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (١٢٠٥١، ١٢١١١، ١٢١١٣)، وابن جرير ٤‏/‏٢٥٤، وابن أبي حاتم ٢‏/‏٤٣٦، والحاكم ٢‏/‏٢٨١. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد، وابن المنذر.
تعليقات المحققين
  1. ٢وجَّه ابنُ جرير (٤/٢٥٤-٢٥٥ بتصرف) هذا القولَ الذي قال به ابنُ عباس من طريق عطاء، والحسن، ذاكرًا مستندهما من العموم والسنة، فقال: «واعتلَّ قائلو هذه المقالةِ بأنّ الله -تعالى ذِكْرُه- إنّما أمر المُتَوَفّى عنها بالتَّرَبُّص عن النكاح، وجعلوا حكمَ الآية على الخصوص. وبما حدَّثني به محمد بن إبراهيم السلمي... عن أسماء بنت عميس، قالت: لَمّا أُصِيب جعفرٌ قال لي رسول الله ﷺ: «تسلبي ثلاثًا، ثم اصنعي ما شئتِ». قالوا: فقد بَيَّن هذا الخبرُ عن النبي ﷺ أن لا إحداد على المُتَوَفّى عنها زوجُها. وأنّ القول في تأويل قوله: ﴿يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا﴾ إنّما هو يَتَرَبَّصْنَ بأنفسهنَّ عن الأزواج دون غيره». وانتَقَدَهُ (٤/٢٥٥-٢٥٦) مستندًا لمخالفته القرآنَ والسنةَ بما ملخصُه الآتي: ١- مخالفته لظاهر التنزيل؛ حيث إنّ الله أمر المُتَوَفّى عنها زوجُها بالتربص بنفسها أربعة أشهر وعشرًا، فعمَّ ذلك جميعَ معاني التربص؛ فيجبُ عليها التربصُ بنفسها عن كُلِّ شيء إلا ما أطلقته حُجَّةٌ يجب لها التسليم. ٢- مخالفته لما ثبت عن النبي ﷺ؛ إذ التربُّصُ عن الزينة والطيب ثابتٌ، وكذلك النُّقْلَة، فبان بذلك عمومُ معنى التربص للمرأة، وبُطولُ مَن خَصَّص أمورًا دون أخرى. وأمّا الخبرُ المرويُّ عن أسماء فقد وجَّهه ابنُ جرير (٤/٢٥٧) بقوله: «وأمّا الخبر الذي رُوي عن أسماء ابنة عميس [سيأتي ذكره في الآثار المتعلقة بأحكام الآية] فإنه غير دالٍّ على أن لا إحداد على المرأة، بل إنّما دلَّ على أمر النبي ﷺ إياها بالتَّسَلُّب ثلاثًا، ثُمَّ العمل بما بدا لها من لبس ما شاءت من الثياب مما يجوز للمعتدة لبسه مما لم يكن زينة ولا تطيبًا؛ لأنه قد يكون من الثياب ما ليس بزينة ولا ثياب تسلب، وذلك كالذي أذن ﷺ للمتوفى عنها أن تلبس من ثياب العصب، وبرود اليمن، فإنّ ذلك لا من ثياب زينة ولا من ثياب تسلب، وكذلك كل ثوب لم يدخل عليه صِبْغ بعد نسجه مما يصبغه الناس لتزيينه، فإنّ لها لبسه؛ لأنها تلبسه غير متزينة الزينة التي يعرفها الناس». وانتَقَد ابنُ عطية (٢/٥٧٨) أيضًا هذا القول، فقال بعد ذكره: «وهذا ضعيف». ولم يذكر مستندًا.
١٩
عن الحسن البصري -من طريق يونس-: أنّه كان يُرَخِّص في التَّزَيُّن والتصَنُّع، ولا يرى الإحداد شيئًا١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٤‏/‏٢٤٤.
٢٠
عن محمد ابن شهاب الزُّهْرِيِّ -من طريق عقيل- في قول الله: ﴿والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا﴾، قال: جعل اللهُ هذه العِدَّةَ للمُتَوَّفى عنها زوجُها، فإن كانت حاملًا فيحِلُّها مِن عِدَّتها أن تضع حملها، وإن اسْتَأْخَر فوق الأربعة الأشهر والعشرة، فما استأخر لا يحلها إلا أن تضع حملَها١٢
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٤‏/‏٢٤٩.
تعليقات المحققين
  1. ٢رَجَّح ابنُ جرير (٤/٢٤٩-٢٥٠ بتصرف) مستندًا إلى السنة هذا القولَ الذي قال به ابنُ عباس من طريق علي، وابن شهاب، فقال: «وإنّما قلنا: عنى بالتربص ما وصفنا لتظاهر الأخبار عن رسول الله ﷺ بما حدثنا به أبو كريب... عن أُمِّ سلمة: أنّ امرأة تُوُفِّي عنها زوجُها، واشتكت عينُها، فأتَتْ النبيَّ ﷺ تَسْتَفْتِيه في الكُحْل، فقال: «لقد كانت إحداكن تكون في الجاهلية في شَرِّ أحلاسِها، فتمكث في بيتها حولًا إذا توفي عنها زوجُها، فيمر عليها الكلبُ فترميه بالبَعْرَة، أفلا أربعة أشهر وعشرا؟!»». ووَجَّهه (٤/٢٥٥) ذاكرًا مستندَهم مِن العموم بقوله: «وأمّا الذين أوجبوا الإحداد على المتوفى عنها زوجها، وتركَ النُّقْلَة عن منزلها الذي كانت تسكنه يوم تُوُفِّي عنها زوجُها؛ فإنّهم اعْتَلُّوا بظاهر التنزيل، وقالوا: أمر الله المُتَوَفّى عنها أن تَرَبَّص بنفسها أربعةَ أشهر وعشرًا، فلم يأمرها بالتَّرَبُّصِ بشيء مُسَمًّى في التنزيل بعينه، بل عَمَّ بذلك معانيَ التَّرَبُّصِ. قالوا: فالواجب عليها أن تَرَبَّص بنفسها عن كل شيء، إلا ما أطلقته لها حُجَّةٌ يجب التسليم لها». وذكر من الآثار ما يدل على دخول التَّزَيُّنِ والتَّطَيُّبِ والنُّقْلَةِ في هذا العموم.
٢١
قال مقاتل بن سليمان: ﴿والَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ ويَذَرُونَ أزْواجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ وعَشْرًا﴾ من يوم يموت زوجُها١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ١‏/‏١٩٩.
٢٢
عن مقاتل بن حَيّان -من طريق بُكَيْر بن معروف- ﴿والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا﴾، قال: مِن يوم يموت الزوج، إن كان غائبًا أو شاهِدًا١٢
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ٢‏/‏٤٣٧ (٢٣١٦).
تعليقات المحققين
  1. ٢ذَكَر ابنُ عطية (١/٥٧٧-٥٧٨) أن هذه الآية هي في عِدَّة المتوفى عنها زوجها، وظاهرها العموم ومعناها الخصوص في الحرائر غير الحوامل، وأنها لم تعن لما يشذ من مرتابة ونحوها. ثم ذكر أنّ المهدويَّ حكى عن بعض العلماء أنّ الآية تناولت الحوامل، ثم نسخ ذلك بقوله: ﴿وأولات الأحمال﴾ [الطلاق:٤].

آثار متعلقة بالآية

٥ أقوال
١
عن الفُرَيْعةِ بنت مالك بن سنان -وهي أخت أبي سعيد الخدري-: أنّها جاءت إلى رسول الله ﷺ تسألُه أن ترجع إلى أهلها في بني خُدْرة، وأنّ زوجها خرج في طلب أعْبُدٍ لها أبَقُوا، حتى إذا كانوا بطرف القَدُوم لَحِقَهم فقَتَلُوه، قالت: فسألتُ رسول الله ﷺ أن أرجع إلى أهلي، فإنّ زوجي لم يَتْرُكْني في منزل يَمْلِكُه، ولا نفقة. فقال رسول الله ﷺ: «نعم». فانصرفتُ، حتى إذا كنتُ في الحجرة أو في المسجد، فدعاني أو أمَرَ بي، فدُعِيتُ، فقال: «كيف قلتِ؟». قالت: فرددتُ عليه القصةَ التي ذكرتُ له من شأن زوجي. فقال: «امكْثُي في بيتِك حتى يبلغ الكتابُ أجلَه». قالت: فاعتددتُ فيه أربعة أشهر وعشرًا. قالت: فلمّا كان عثمانُ بن عفان أرْسَلَ إلَيَّ، فسألني عن ذلك، فأخبرتُه، فاتَّبعه وقضى به١
التخريج
  1. ١أخرجه أبو داود ٣‏/‏٦٠٨ (٢٣٠٠)، والترمذي ٣‏/‏٦٢-٦٣ (١٢٤٣)، وابن حِبّان ١٠‏/‏١٢٨ (٤٢٩٢)، والحاكم ٢‏/‏٢٢٦ (٢٨٣٣). قال الترمذي: «هذا حديث حسن صحيح». وقال الحاكم: «هذا حديث صحيح الإسناد من الوجهين جميعًا، ولم يخرجاه». وقال ابن حزم في المحلى ١٠‏/‏١٠٨: «حديث فريعة فيه زينب بنت كعب بن عجرة، وهي مجهولة لا تُعْرَف». وقال ابن عبد البر في الاستذكار ٦‏/‏٢١٤: «وحديث سعد بن إسحاق هذا مشهور، مشهور عند الفقهاء بالحجاز والعراق، معمولٌ به عندهم، تلقوه بالقبول، وأفتوا به». وقال ابن القيم في الزاد ٥‏/‏٦٠٤: «حديث صحيح مشهور في الحجاز والعراق». وقال ابن عبد الهادي في المحرر ص٣٨٦: «وكذلك صحّحه الذهلي والحاكم وابن القطان وغيرهم، وتكلم فيه ابن حزم بلا حجة». وقال الألباني في الإرواء ٧‏/‏٢٠٦ (٢١٣١): «ضعيف».
٢
عن حميد بن نافع، عن زينب بنت أبي سلمة، أنّها أخبرته هذه الأحاديث الثلاثة، قالت زينب: دخلتُ على أُمِّ حبيبةَ زوجِ النبي ﷺ حين تُوُفِّي أبوها أبو سفيان ابن حرب، فدعتْ بطيب فيه صُفْرة؛ خَلُوقٍ أو غيره، فادَّهنت منه جارية، ثم مسَّت به بعارِضَيْها، ثُمَّ قالت: واللهِ، ما لي بالطِّيب مِن حاجة، غير أنِّي سمعتُ رسول الله ﷺ يقول على المنبر: «لا يحِلُّ لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تُحِدَّ على ميِّتٍ فوقَ ثلاث ليال، إلا على زوجٍ أربعة أشهر وعشرًا». وقالت زينبُ: دخلتُ على زينبَ بنت جحش حين تُوُفِّي أخوها عبد الله، فدعت بطيب، فمسحت منه، ثُمَّ قالت: واللهِ، ما لي بالطِّيب مِن حاجة، غير أنِّي سمعتُ رسول الله ﷺ يقول على المنبر: «لا يَحِلُّ لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تُحِدَّ على ميِّتٍ فوقَ ثلاث ليال، إلا على زوجٍ أربعة أشهر وعشرًا». وقالت زينبُ: سمعتُ أُمِّي أُمَّ سلمة تقول: جاءتْ امرأةٌ إلى رسول الله ﷺ، فقالت: يا رسول الله، إنّ ابنتي تُوُفِّي عنها زوجُها، وقد اشتكَتْ عينُها، أفنَكْحُلُها؟ فقال رسول الله ﷺ: «لا». مرتين أو ثلاثًا، كل ذلك يقول: «لا». ثم قال: «إنّما هي أربعةُ أشهر وعشرٌ، وقد كانت إحداكُنَّ في الجاهلية تَرْمِي بالبَعْرَةِ عند رَأْسِ الحَوْلِ». قال حميد: فقلتُ لزينب: وما ترمي بالبَعْرَة عند رأس الحول؟ فقالت زينب: كانت المرأة إذا تُوُفِّي عنها زوجُها دخلت حِفْشًا١، ولبست شرَّ ثيابها، ولم تَمَسَّ طِيبًا ولا شيئًا، حتى تَمُرَّ بها سنةٌ، ثم تُؤْتى بدابَّةٍ؛ حمارٍ أو شاةٍ أو طائرٍ، فتَفْتَضُّ٢ به، فقلَّما تَفْتَضُّ بشيءٍ إلا مات، ثُمَّ تخرج، فتُعْطى بَعْرَةً، فترمي بها، ثم تُراجِعُ بعد ذلك ما شاءت مِن طيبٍ أو غيرِه٣
التخريج
  1. ١الحِفْش: هو البيت الصغير الذَّليل القَريب السَّمْك. النهاية (حفش).
  2. ٢يقال: افتضَّت المرأة: إذا كَسَرَت عِدَّتها بمسِّ الطيب أو بغيره، وكانت من عادتهم أن تدلك جسمها بدابّة أو طير ليكون ذلك خروجًا من العدّة، أو تمسح قُبُلَها بطائر وتنبذه، فلا يكاد يعيش. النهاية (فضض).
  3. ٣أخرجه البخاري ٧‏/‏٥٩-٦٠ (٥٣٣٤، ٥٣٣٥، ٥٣٣٦، ٥٣٣٧)، ومسلم ٢‏/‏١١٢٣-١١٢٤ (١٤٨٦، ١٤٨٧، ١٤٨٨، ١٤٨٩).
٣
عن صفية بنت أبي عبيد، عن عائشة وحفصة أُمَّي المؤمنين رضي الله عنهما، أنّ رسول الله ﷺ قال: «لا يَحِلُّ لامرأةٍ تؤمن بالله واليوم الآخر أن تُحِدَّ على مَيِّتٍ فوق ثلاث، إلا على زوجٍ أربعة أشهر وعشرًا»١
التخريج
  1. ١أخرجه مسلم ٢‏/‏١١٢٦-١١٢٧ (١٤٩٠).
٤
عن أُمِّ عَطِيَّة، قالت: قال النبي ﷺ: «لا يَحِلُّ لامرأةٍ تؤمن بالله واليوم الآخر أن تُحِدَّ فوق ثلاث، إلا على زوج أربعة أشهر وعشرًا، فإنها لا تَكْتَحِلُ، ولا تَلْبَسُ ثوبًا مصبوغًا إلا ثوبَ عَصْب١، ولا تَمَسُّ طيبًا إلا إذا طَهُرَتْ؛ نُبْذةً مِن قُسْطٍ٢ أو أظْفار٣»٤
التخريج
  1. ١العصب: ضَرْبٌ من برود اليمن سُمِّي عَصْبًا؛ لأَن غزلهُ يُعْصَبُ أي: يُدْرَجُ ثم يُصْبَغُ ثم يُحاكُ. اللسان (عصب).
  2. ٢القُسْط: ضرب من الطيب. وقيل: هو العود، وهو نوعان: هندي وعربي. والقُسْط أيضًا: عقّار معروف طيب الريح، تتبخّر به النُّفساء والأطفال. النهاية، واللسان (قسط).
  3. ٣الأظفار: شيء من العِطْر كأنه ظفر مُقْتَلَفٌ من أصله، لا واحد له. القاموس (ظفر).
  4. ٤أخرجه البخاري ١‏/‏٦٩ (٣١٣)، ٧‏/‏٦٠ (٥٣٤١، ٥٣٤٢).
٥
عن عمرو بن سليم، عن عروة بن الزبير، أنّه سأله: هل اعْتَدَّ نساءُ رسول الله بعد وفاته؟ فقال: نعم، اعْتَدَدْنَ أربعة أشهر وعشرًا. فقلت: يا أبا عبد الله، ولِمَ يَعْتَدِدْنَ وهُنَّ لا يحللن لأحدٍ من العالمين، وإنّما تكون العِدَّةُ للاستبراء؟ فغضِب عروةُ، وقال: لعلَّك ذهبتَ إلى قوله: ﴿يا نساء النبي لستن كأحد من النساء﴾ [الأحزاب:٣٢]؟ أمّا العِدَّةُ فإنّما عَمِلْن بالكتاب١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن سعد في الطبقات ١٠‏/‏٢١٠.

آثار متعلقة بأحكام الآية

٨ أقوال
١
عن أسماء ابنة عُمَيْس، قالتْ: لَمّا أصيب جعفرُ قال لي رسول الله صلي الله عليه وسلم: «تَسَلَّبي ثلاثًا، ثم اصنعي ما شئتِ»١٢
التخريج
  1. ١أخرجه أحمد ٤٥‏/‏٤٥٩ (٢٧٤٦٨)، وابن حبان ٧‏/‏٤١٨ (٣١٤٨)، وابن جرير ٤‏/‏٢٥٤-٢٥٥. وقد أعلُّوا متنَه وإسنادَه؛ فأما المتنُ فقد قال الإمام أحمد كما في مسائل الكوسج ٢‏/‏٥٥٢: «هذا الشاذُّ من الحديث الذي لا يؤخذ به، قد روي عن النبي ﷺ من كذا وجهًا خلافُ هذا الشاذ. وقال إسحاق بن راهويه: ما أحسن ما قال». وقال ابن أبي حاتم في العلل ١‏/‏٤٣٨: «قال أبي: فسّروه على معنيين: أحدهما: أنّ الحديث ليس هو عن أسماء، وغلط محمد بن طلحة، وإنما كانت امرأة سواها. وقال آخرون: هذا قبل أن ينزل العِدَد. قال أبي: أشبه عندي -والله أعلم- أنّ هذه كانت امرأة سوى أسماء، وكانت من جعفر بسبيل قرابة، ولم تكن امرأته؛ لأنّ النبي ﷺ قال: «لا تُحِدُّ امرأةٌ على أحدٍ فوق ثلاث إلا على زوج». وأما الإسناد فقد قال الدار قطنيُّ في العلل ١٥‏/‏٣٠٣ (٤٠٥٠):»المرسل أصح«. وقال ابن حجر في الفتح ٩‏/‏٤٨٧:»حديث قوي الإسناد«. وقال الألباني في الصحيحة ٧‏/‏٦٨٤ (٣٢٢٦):»وهذا إسناد صحيح، رجاله ثقات رجال الشيخين"".
تعليقات المحققين
  1. ٢تقدم تعليق ابن جرير على الحديث في تفسير أول الآية.
٢
عن أُمِّ سلمة زوج النبي ﷺ، عن النبي ﷺ، قال: «المُتَوَفّى عنها زوجُها لا تلْبِسُ المُعَصْفَرَ من الثياب، ولا المُمَشَّقة١، ولا الحَلْيَ٢، ولا تَخْتَضِبُ، ولا تكتحل»٣
التخريج
  1. ١المُمشَّقَة: هي المصبوغة بالمَشْق، وهو المَغْرَة، وهي صبغ أحمر. النهاية (مشق).
  2. ٢الحلي: اسم لكل ما يتزين به من مصاغ الذهب والفضة. النهاية (حلا).
  3. ٣أخرجه أحمد ٤٤‏/‏٢٠٥ (٢٦٥٨١)، وأبو داود ٣‏/‏٦١٢ (٢٣٠٤)، والنسائي ٦‏/‏٢٠٣ (٣٥٣٥)، وابن حبان ١٠‏/‏١٤٤ (٤٣٠٦). قال البيهقي في السنن الصغرى ٦‏/‏٤٧٤: «ورواه معمر عن بديل، فوقفه على أم سلمة». وقال ابن حزم في المحلى ١٠‏/‏٦٥: «ولا يصح؛ لأنّ إبراهيم بن طهمان ضعيف». وقال ابن المُلَقِّن في البدر المنير ٨‏/‏٢٣٧: «حديث حسن». وقال في تحفة المحتاج ٢‏/‏٤١٧ (١٥٠٤): «رواه أبو داود، والنسائي، بإسناد حسن، وأخطأ ابن حزم حيث قال: لا يصِحُّ لأجل إبراهيم بن طهمان. وقال: إنّه ضعيف. وإبراهيم هذا احتج به الشيخان، وزكّاه المُزَكُّون، ولا عبرة بانفراد ابن عمار الموصلي بتضعيفه». وقال ابن حجر في التلخيص الحبير ٣‏/‏٢٣٨: «والمرفوع رواية إبراهيم بن طهمان عن بديل، وإبراهيم ثقة من رجال الصحيحين، فلا يلتفت إلى تضعيف أبي محمد ابن حزم له». وقال الصنعانيُّ في سبل السلام ٢‏/‏٢٩٢: «قال الحافظ ابن كثير: إسناده جيد، لكن رواه البيهقي موقوفًا». وقال الألباني في الإرواء ٧‏/‏٢٠٥: «إسناد صحيح، على شرط مسلم». وفي صحيح أبي داود ٧‏/‏٧٢ (١٩٩٥): «إسناده صحيح».
٣
عن أُمِّ سلمة، قالت: دخل عَلَيَّ رسولُ الله ﷺ حين تُوُفِّي أبو سلمة، وقد جعَلْتُ على عيني صَبِرًا١، قال: «ما هذا، يا أُمُّ سلمة؟». قلت: إنّما هو صَبِرٌ، يا رسول الله، ليس فيه طيب. قال: «إنه يَشُبُّ٢ الوجهَ؛ فلا تجعليه إلا بالليل. ولا تمتشطي بالطِّيب، ولا بالحنّاء؛ فإنّه خِضابٌ». قلتُ: بأيِّ شيء أمتشطُ، يا رسول الله؟ قال: «بالسِّدْرِ، تُغَلِّفين به رأسَك»٣
التخريج
  1. ١الصَبِر: عُصارة شجرٍ مُرّ، يتداوى بها. النهاية (صبر).
  2. ٢أي: يلوِّنه ويحسِّنه، وشبَّ الخمار والشعر، أي: لونَها وزادا في حسنها، وأظهر جمالها. النهاية (شبب).
  3. ٣أخرجه أبو داود ٣‏/‏٦١٢-٦١٣ (٢٣٠٥)، والنسائي ٦‏/‏٢٠٤ (٣٥٣٧). قال ابن حزم في المحلى ١٠‏/‏٦٦: «أم حكيم مجهولة، وأمها أشد إيغالًا في الجهالة». وقال ابن الملقن في البدر ٨‏/‏٢٤١: «وأعلَّه المنذريُّ بجهالة أم حكيم، فقال: أمها مجهولة. وقال عبد الحق: ليس لهذا الحديث إسناد يعرف؛ لأنه عن أم حكيم، عن أمها، عن مولاة لها، عن أم سلمة». وقال ابن حجر في بلوغ المرام ٢‏/‏١٠٨ (١١٠٧): «إسناده حسن». وقال الألباني في ضعيف أبي داود ٢‏/‏٢٥٤-٢٥٥ (٣٩٥): «إسناده ضعيف، مسلسل بالمجهولين».
٤
عن عمر بن الخطاب -من طريق سعيد بن المسيِّب-: أنّه كان يَرُدُّ المُتَوَفّى عنهُنَّ أزواجُهُنَّ مِن البَيْداء، يَمْنَعُهُن مِن الحجِّ١
التخريج
  1. ١أخرجه مالك ٢‏/‏٥٩٢، وعبد الرزاق في مصنفه (١٢٠٧٢).
٥
عن عائشة -من طريق عروة-: أنّها كانت تفتي الـمُتَوَفّى عنها زوجُها أن تُحِدَّ على زوجها حتى تنقضي عِدَّتُها، ولا تلبس ثوبًا مصبوغًا ولا مُعَصْفرًا، ولا تكتحل بالإثْمِد، ولا بكُحْلٍ فيه طيب؛ وإن وجعت عينُها، ولكن تكتحل بالصَّبِر وما بدا لها من الأكحال سوى الإثمد، مما ليس فيه طيب، ولا تلبس حليًّا، وتلبس البياض، ولا تلبس السواد١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٤‏/‏٢٥٢.
٦
عن ابن عمر -من طريق نافع- أنّه قال: لا تبيتُ الـمُتَوَفّى عنها زوجُها ولا المبتوتةُ إلا في بيتها١
التخريج
  1. ١أخرجه مالك ٢‏/‏٥٩٢، وعبد الرزاق في مصنفه (١٢١١٥).
٧
عن ابن عمر -من طريق نافع- في المُتَوَفّى عنها زوجُها: لا تكْتَحِل، ولا تَطَيَّب، ولا تبيت عن بيتها، ولا تلبس ثوبًا مصبوغًا، إلا ثوب عَصْبٍ تَجَلْبَبُ به١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٤‏/‏٢٥٣.
٨
عن القاسم بن محمد -من طريق يحيى بن سعيد-: أنّ يزيد بن عبد الملك فرَّق بين رجالٍ ونسائهم، وكُنَّ أمهاتٍ لأولاد رجالٍ هلكوا، فتزوجوهُنَّ بعد حيضةٍ أو حيضتين، ففرَّق بينهم حتى يَعْتَدِدْن أربعة أشهر وعشرًا. قال القاسم بن محمد: سبحان الله! يقول الله في كتابه: ﴿والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا﴾؛ ما هُنَّ لهم بأزواج١
التخريج
  1. ١أخرجه مالك ٢‏/‏٥٩٢-٥٩٣. كما أخرج ابن أبي شيبة في مصنفه (ت: محمد عوامة) ١٠‏/‏٩٩ (١٩٠٨٩) نحوه، وفيه: أن الذي فرَّق بين رجال ونسائهم عبد الملك بن مروان، ولفظ القاسم: أتُراهن من الأزواج؟. وقد أورد السيوطي ٣‏/‏٢٠-٢١ آثارًا أخرى في عِدَّة الأَمَةِ المُتَوَفّى زوجُها.

النسخ في الآية

قولانِ
١
عن عبد الله بن مسعود -من طريق مالك بن عمرو- أنّه قال: نُسِخ من هذه الآية الحاملُ المُتَوَفّى عنها زوجُها، فقال في سورة النساء القُصْرى: ﴿وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن﴾ [الطلاق:٤]١
التخريج
  1. ١أخرجه يحيى بن سلام -كما في تفسير ابن أبي زمنين ١‏/‏٢٣٦-. وسيأتي الحديث مُفَصَّلًا عن ذلك عند آية سورة الطلاق.
٢
عن مجاهد بن جبر -من طريق شِبْل عن ابن أبي نجيح- ﴿والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا﴾، قال: كانت هذه العِدَّةُ، تعتدُّ عند أهل زوجها، واجبًا ذلك عليها، فأنزل الله: ﴿والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا وصية لأزواجهم متاعا إلى الحول غير إخراج فإن خرجن فلا جناح عليكم فيما فعلن في أنفسهن من معروف والله عزيز حكيم﴾ [البقرة: ٢٤٠]. قال: فجعل الله لها تمام السنة سبعة أشهر وعشرين ليلة وصِيَّةً؛ إن شاءت سكنت في وصِيَّتِها، وإن شاءت خرجت، وهو قول الله: ﴿غير إخراج فإن خرجن فلا جناح عليكم﴾. فالعِدَّةُ كما هي واجبةٌ عليها. زعم ذلك عن مجاهد، وقال عطاء: قال ابن عباس: نَسَخَتْ هذه الآيةُ عِدَّتَها في أهله، فتعتَدُّ حيث شاءت، وهو قول الله: ﴿غير إخراج﴾، قال عطاء: إن شاءتْ اعتدَّتْ عند أهله وسكنت في وصيتها، وإن شاءت خرجت؛ لقول الله: ﴿فإن خرجن فلا جناح عليكم فيما فعلن في أنفسهن﴾. قال عطاء: ثُمَّ جاء الميراث، فنَسَخَ السُّكْنى، فتعتدُّ حيث شاءت، ولا سُكْنى لها١
التخريج
  1. ١أخرجه البخاري (٤٥٣١)، وأبو داود (٢٣٠١)، والنسائي (٣٥٣١)، وفي الكبرى (٥٧٢٥)، وابن جرير ٤/ ٤٠٥ - ٤٠٦، وابن أبي حاتم ٢/ ٤٥٢، والحاكم ٢/ ٢٨٠ - ٢٨١، والبيهقي ٧/ ٤٣٥ من طريق ابن أبي نجيح. وعزاه السيوطي إلى الفريابي، وعبد بن حميد. وكذلك سيأتي الحديث مفصلًا عن نسخ هذه الآية لقوله تعالى: ﴿والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا وصية لأزواجهم متاعا إلى الحول غير إخراج فإن خرجن فلا جناح عليكم فيما فعلن في أنفسهن من معروف والله عزيز حكيم﴾ [البقرة: ٢٤٠] عند تفسير الأخيرة.
التفسير بالمأثور لسورة البقرة كاملة ←

وقفات تدبرية في الآية ٢٣٤ من سورة البقرة

١٣ وقفةً في هذه الآية

  • مجالس في تدبر القرآن تدبر آية 234 سورة البقرة

    — خالد السبت

  • آية (٢٣٤) : (وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ) * أضاف ربنا تعالى (الأجل) إلى النساء المعتدّات فقال (أَجَلَهُنَّ) ولم يقل إذا بلغن الأجل إيحاء إلى أن مشقة هذا الأجل واقعة على المعتدّات فهن الصابرات والمتعبدات بترك الزينة والتزام بيت الزوجية وفي هذا مشقة ولذلك أضاف الأجل إليهن لإزالة ما عسى أن يكون قد بقي في نفوس الناس من استفظاع تسرّع النساء إلى التزوج بعد عدّة الوفاة خاصةً أهل الزوج المتوفى فنفى الله تعالى هذا الحرج. * الفعل يتوفون من الأفعال التي التزمت العرب فيها البناء للمجهول فنقول تُوفيّ فلان ولا نقول توفّى فلان. وقد حدث ذات يوم أن علياً رضي الله عنه كان يشيع جنازة فقال له قائل: من المتوفّي؟ بلفظ اسم الفاعل سائلاً عن الميت فأجاب عليٌّ بقوله (الله) ولم يجبه لينبهه على خطئه. * ما الفرق بين ختام الآيتين (٢٣٤) و (٢٤٠) مع أنهما تتحدثان عن المتوفى عنها زوجها؟ السياق مختلف في الآية الأولى الوصية للمرأة المتوفى عنها زوجها هذه عدتها أربعة أشهر وعشرة أيام، والآية الثانية الوصية لأهل المتوفى بأن لا تجبر المرأة على الخروج من مسكنها قسراً وإنما تخرج بنفسها (لا تخرجوهن) ولها أن تبقى إلى الحول. المسألة في الآية الأولى متعلقة بالمرأة والثانية متعلقة بمن يُخرج المرأة. فلما كان الحكم متعلقاً بالمرأة بحمل المرأة واستبراء الرحم يحتاج إلى خبرة فقال خبير والآية الثانية عزيز حكيم كأنه تهديد لمن يخرج المرأة ينتقم ممن خالف الوصية كلمة (وصية) في الآية مفعول مطلق بمعنى يوصي وصية. ربنا عزيز ينتقم بمن خالف هذا الأمر.وفي ذلك حكمة وليس فقط عزيز وإنما حكيم فيها حكمة وفيها حكم إياكم أن تحكموها لأنه الله هو حكيم. حكيم تشمل الحُكم والحِكمة وهي بمثابة ردع وتحذير لمن يحاول أن يُخرج المرأة إذا كنت تحكم هذه المرأة فالله عزيز حكيم. الآية الثانية تهديد لمن يخرج المرأة أما ما يتعلق. *ما الفرق بين قوله تعالى في سورة البقرة (فيما فعلن في أنفسهن بالمعروف) و (من معروف)؟ المعرفة في اللغة هي ما دلّ على شيء معين والنكرة ما دلّ على شيء غير معيّن. وفي الآية الأولى المعروف يقصد به الزواج بالذات لأن الآية بعدها (وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُم بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاء ..) أما الآية الثانية (وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً وَصِيَّةً لِّأَزْوَاجِهِم مَّتَاعاً إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِيَ أَنفُسِهِنَّ مِن مَّعْرُوفٍ وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٤٠)) فهي عامة ويقصد بـ (مَّعْرُوفٍ) هنا كل ما يُباح لها. ولمّا جاء بالزواج جاء بالباء وهي الدالّة على المصاحبة والإلصاق وهذا هو مفهوم الزواج بمعناه المصاحبة والإلصاق. * دلالة تقديم العمل على الخبرة الإلهية في ختام الآية (وَاللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ) : هنالك قاعدة استنبطت مما ورد في القرآن الكريم: إذا كان السياق في عمل الإنسان قدم عمله (وَاللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ) ولو كان السياق في غير العمل أو كان في الأمور القلبية أو كان الكلام على الله سبحانه وتعالى قدّم صفة الخبرة (خبير بما تعملون). مثل الآية ٢٣٤ (.. فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ) هذا عمل فقدّم العمل، وكذلك (إِن تُبْدُواْ الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاء فَهُوَ خَيْرٌ لُّكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنكُم مِّن سَيِّئَاتِكُمْ وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٢٧١)) هذا عمل، أما (وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ (٨٨) النمل) هذا ليس عمل الإنسان فقدّم الخبرة.

    — مختصر لمسات بيانية

  • *(وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ (234) البقرة) ما دلالة إضافة الأجل إلى النساء؟ انظر أخي المؤمن كيف أضاف ربنا تعالى (الأجل) إلى النساء المعتدّات فقال (فإذا بلغن أجلهن) ولم يقل إذا بلغن الأجل إيحاء إلى أن مشقة هذا الأجل واقعة على المعتدّات فهن الصابرات والمتعبدات بترك الزينة والتزام بيت الزوجية وفي هذا مشقة ولذلك أضاف الأجل إليهن لإزالة ما عسى أن يكون قج بقي في نفوس الناس من استفظاع تسرّع النساء إلى التزوج بعد عدّة الوفاة لأن أهل الزوج المتوفى قد يتحرجون من ذاك فنفى الله تعالى هذا الحرج. (وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ (234) البقرة) إن الفعل يتوفون من الأفعال التي التزمت العرب فيها البناء للمجهول فنقول تُوفيّ فلان ولا نقول توفّى فلان. وقد حدث ذات يوم أن علياً رضي الله عنه كان يشيع جنازة فقال له قائل: من المتوفّي؟ بلفظ اسم الفاعل سائلاً عن المتوفى فأجاب عليٌّ بقوله (الله) ولم يجبه كما يقصد بأنه مات فلان لينبهه على خطئه.

    — برنامج ورتل القران ترتيلا

  • *افتتحت الآيتان (234)و(240) فى سورة البقرة بنفس العبارة (وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا ) فما الفرق بين ختام الآيتين مع أنهما تتحدثان عن المتوفى عنها زوجها؟ منطوق الآيتين يوضح: الآية الأولى التي أشار إليها (وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (234) يعني خبير بما شرع ويعلم وجه الحكمة في اختيار التوقيت، يتبين الحمل بعد أربعة أشهر كما في الحديث " يجمع أحدكم في بطن أمه أربعين يوماً ثم يكون علقة مثل ذلك ثم يكون مضغة مثل ذلك ثم يرسل إليه ملك فينفخ فيه الروح" ربنا يعلم سبب اختيار التوقيت لماذا اختار الخبير هذا التوقيت؟ أربعة أشهر وعشراً، هذا يحتاج إلى خبرة ومعرفة حتى يعطي الحكم لماذا أربعة أشهر وعشراً؟ هذا خبرة. ثم تترك المرأة هكذا أو تخرج من بيتها؟ هذا يحتاج إلى خبرة في المجتمع يعني هل يصح للمرأة أن تبقى هكذا؟ عند ذلك إذا أرادت أن تخرج بعد ذلك فلا بأس لأن بقاءها قد يكون فيه فتنة أو فيه أمر نفسي أو فيه شيء. الآية الثانية (وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِّأَزْوَاجِهِم مَّتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِيَ أَنفُسِهِنَّ مِن مَّعْرُوفٍ وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (240) ربنا وصّى الأزواج أنهم لا يخرجوهن من بيوتهم، وصية لمن يتولى الأمر لأن الأزواج ماتوا، تبقى في البيت المرأة وقد يقولون لها أُخرجي من البيت، زوجك خرج فينبغي أن تخرجي فالقرآن يقول لا إياكم أن لا تراعوا الوصية، هن يخرجن من أنفسهن لكن أنتم لا تُخرجوهن. أهل المتوفى يمكن أنهم يريدون أن ينتفعوا من البيت. في الآية الأولى الوصية للمرأة تتربص بنفسها أربعة أشهر وعشرة أيام، هذه عدة المتوفى عنها زوجها والآية الثانية الوصية لأهل المتوفى بأن لا تُخرج المرأة من مسكنها وإنما تخرج بنفسها (لا تخرجوهن) أي لا تجبر على الخروج ولا تُخرج من البيت قسراً ولها أن تبقى إلى الحول. كلمة (وصية) في الآية مفعول مطلق بمعنى يوصي وصية. ربنا عزيز ينتقم بمن خالف هذا الأمر. المسألة في الآية الأولى متعلقة بالمرأة والثانية متعلقة بمن يُخرج المرأة. فلما كان الحكم متعلقاً بالمرأة يحتاج إلى خبرة قال خبير والآية الثانية عزيز حكيم كأنه تهديد لمن يخرج المرأة ينتقم ممن خالف الوصية وفي ذلك حكمة وليس فقط عزيز وإنما حكيم فيها حكمة وفيها حكم إياكم أن تحكموها لأنه الله هو حكيم. حكيم تشمل الحُكم والحِكمة وهي بمثابة ردع وتحذير لمن يحاول أن يُخرج المرأة إذا كنت تحكم هذه المرأة فالله عزيز حكيم. وإن تشابهت الآيتين فإن السياق مختلف، الآية الثانية تهديد لمن يخرج المرأة أما ما يتعلق بحمل المرأة واستبراء الرحم يحتاج إلى خبرة.

    — فاضل السامرائي

  • *ما الفرق بين قوله تعالى في سورة البقرة (فيما فعلن في أنفسهن بالمعروف) و (من معروف)؟ أولاً يجب أن نلاحظ دلالة التعريف والتنكير فالمعرفة في اللغة هي ما دلّ على شيء معين والنكرة ما دلّ على شيء غير معيّن. وفي الآية الأولى (وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ {234}) المعروف يقصد به الزواج بالذات لأن الآية بعدها (وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُم بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاء أَوْ أَكْنَنتُمْ فِي أَنفُسِكُمْ عَلِمَ اللّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَـكِن لاَّ تُوَاعِدُوهُنَّ سِرّاً إِلاَّ أَن تَقُولُواْ قَوْلاً مَّعْرُوفاً وَلاَ تَعْزِمُواْ عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّىَ يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ {235}). أما الآية الثانية (وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً وَصِيَّةً لِّأَزْوَاجِهِم مَّتَاعاً إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِيَ أَنفُسِهِنَّ مِن مَّعْرُوفٍ وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ {240}) فهي عامة ويقصد بـ (معروف) هنا كل ما يُباح لها. ولمّا جاء بالزواج جاء بالباء وهي الدالّة على المصاحبة والإلصاق وهذا هو مفهوم الزواج بمعناه المصاحبة والإلصاق.

    — فاضل السامرائي

  • آيتان تقول هذا (وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ ﴿234﴾ البقرة) معرّف بالمعروف على وصية الأرامل إذا انتهت الأربعة أشهر وعشرة أيام وراء هذه لا بأس تستطيع أن تفعل ما تريد بنفسها من أن تتزين للخُطّاب تنظف نفسها، على شرط أن يكون هذا بالمعروف المتفق عليه لا أن تخرج سافرة أو تظهر شعرها فقط بما هو جائزٌ في مجتمع الإسلام لا يسبب عاراً ولا يسبب عيباً هذا بالمعروف. نفس هؤلاء الأرامل طبعاً هذا الحكم واجب كل امرأة يموت زوجها عليها أن تتربص أربعة أشهر وعشرة أيام كعدة لا تتزوج لا تخرج من البيت إلا لحاجة ولكن طبعاً كما شرحنا هذا في برنامج خير الكلام على خلاف ما في العالم العربي إذ يعتبرون الأرملة كأنها معتقلة لا تخرج من الغرفة لا ترى شمساً ولا تلفزيوناً ولا مرآة هذا كله كلام فارغ ما تخرج من البيت. إذاً بالمعروف هذا فيما يتعلق بالأرملة التي مات زوجها وباقي في هذه العدة أربعة أشهر وعشرة أيام (فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ) هذه الأرملة وهذا فرض واجب من السُنّة أن تبقى في بيت الرجل سنة ويجب أيضاً سُنّة أن يكون الرجل أو أهل الرجل أو هو أوصى أن تنفقوا عليها تعطوها تكرمونها سنة كاملة إلى أن تخرج من البيت. لكن في الآية الأخرى قال فإن (وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴿240﴾ البقرة) في الآية الأولى (فَإِذَا بَلَغْنَ) وفي الثانية (إِنْ خَرَجْنَ) (فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ) نفس السياق في الأولى (فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ) وفي الثانية (فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ) هي نفس الحكم ونفس الأرملة ونفس الموضوع ونفس السورة الآية الأولى 234 والثانية 240 فرق بست آيات لماذا هناك (بِالْمَعْرُوفِ) وهنا (مِنْ مَعْرُوفٍ)؟ يعني ما في شيء عبث أو شيء غير مقصود هذا كلام رب العالمين. الألف واللام هناك سورة هذا خاص بالأرملة بالعدة الواجبة عليها فرضاً وهي أربعة أشهر وعشرة أيام تبقى في البيت لا تخرج نهائياً إلا بحاجة ولا تتزين الخ إلى أن تنتهي العدة (فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ) لما تخلص تتطهر تتحسن تتمكثي حتى تتزوج. هنا ليس عدة هنا إبقاء وإكرام إذا رجل قال يا جماعة أنا سأموت زوجتي خلوها عندكم في البيت لا تخرجوها من البيت وأنا أوصي لها بمبلغ مائة ألف درهم تبقى سنة كاملة عندكم فالله قال (فَإِنْ خَرَجْنَ) ما قال فإذا (فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ) الفرق واضح هناك البقاء واجب وانتهاء العدة بالمائة مائة سيحصل بعد أربعة أشهر وعشرة أيام بالمائة مائة، في هذه الأربعة شهور هي بالضبط مقيمة على حدود قوية ومتفق عليها، كل تصرفات المرأة في العدة هذه كلها متفق عليها هذه (فإذا) وحينئذٍ المعروف المعروف لكل الناس كل الناس تعرف ما هي واجبات المرأة الأرملة بالمعروف الذي تعرفونه أنتم هذه الألف واللام .هناك لا انتهت العدة وستبقى في البيت لأن الزوج وصى أن تبقى في بيت تخرج أو لا تخرج هي حرة، تتزين أو لا تتزين هي حرة، يعني قضية كلها اختيارية وقضية عائلية تبقى أو لا تبقى، تعطوها أو لا تعطوها ليست قضية كبيرة. فحينئذٍ الفرق بين (فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ) الذي هو متفق عليه وهو ضروري وأكيد وسيحصل بالدقيقة والساعة واليوم تنتهي اليوم الأخير اليوم العاشر من الشهر الخامس فهذا بالمعروف قضية متفق عليها الألف واللام هذا ذهني نعرف هذا جميعاً بدليل الآن ما في تقريباً واحد بالمليون يتركون الأرملة في بيت المرحوم زوجها على مدى سنة لا يوجد ولأنه ليس أكيداً ولا واجباً بل من باب الإيصاء بإكرامها قد يكون هذه الأرملة ما عندها أحد أو أولادها صغار يريدهم أن يعيشون مع أهله يعني أنتم أهل الزوج عطوفون على أولاد المرحوم يعني قضية نوع من أنواع الندب رب العالمين سبحانه وتعالى يهيب بنا أن نكرم الأرملة وأولاد المرحوم في بيته، يبقى في بيته يتعلم على الأهل يتعلم على عشيرته على قومه فهي اختيارية كونها اختيارية حتى عمل معروف ما الذي تفعله المرأة بنفسها؟ لا نعرف بالضبط؟ فإذا أحبت أن تخرج فهو من معروف لا تخرج من معروف تتزين من معروف لا تتزين من معروف يمكن تزعل مرات الخ يعني كل تصرفاتها غير منضبطة وغير معروفة سلفاً وغير متفق عليها وإنما تخضع للإرادة والظروف الطارئة فهي من معروف (مِنْ مَعْرُوفٍ) ليست أكيدة ولا منضبطة ولا محددة وكلكم تعلمون بأن الأحكام تناط بما ينضبط لا بما لا ينضبط. فتحركات الأرملة أربعة أشهر منضبطة هذا (بِالْمَعْرُوفِ) أما تحركاتها بعد الأربعة أشهر لمدة سنة ليست منضبطة هي حرة تروح وتأتي هذا (مِنْ مَعْرُوفٍ) فهذه الألف واللام تعطيك أن هذه الأحكام التي على المرأة المعتدة من وفاة أحكام شرعية واجبة عليها أن تنضبط بها هي تعرف هذا وأولاده يعرفون وأهل الزوج يعرفون لكن هناك لا قضية عامة ضيافة فقال (مِنْ مَعْرُوفٍ) ما فيه شيء محدد.

    — أحمد الكبيسي

  • *ختمت الآية (وَ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ) فما دلالة تقديم العمل على الخبرة الإلهية؟ هنالك قاعدة استنبطت مما ورد في القرآن الكريم: إذا كان السياق في عمل الإنسان قدم عمله (والله بما تعملون خبير) لو كان السياق في غير العمل أو كان في الأمور القلبية أو كان الكلام على الله سبحانه وتعالى قدّم صفة الله خبير (خبير بما تعملون). مثال: (إِن تُبْدُواْ الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاء فَهُوَ خَيْرٌ لُّكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنكُم مِّن سَيِّئَاتِكُمْ وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (271) البقرة) هذا عمل، لما ذكر عمل الإنسان قدّم عمله (بما تعملون خبير)، (وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الَّذِينَ أَنفَقُوا مِن بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (10) الحديد) هذا عمل، قتال وإنفاق ختمها (والله بما تعملون خبير) لما ذكر عمل الإنسان قدّم عمله. (وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (234) البقرة) هذا عمل فقدّم (والله بما تعملون خبير). (زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَن لَّن يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (7) فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنزَلْنَا وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (8) التغابن) هذا عمل أيضاً. (وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ (88) النمل) هذا ليس عمل الإنسان فقدّم الخبرة على العمل وقال خبير بما تفعلون. أو لما يكون الأمر قلبياً غير ظاهر (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (18) الحشر) فهذا على العموم أنه إذا كان الأمر في عمل الإنسان قدم العمل وإذا كان في غير عمل الإنسان أو في الأمور القلبية أو عن الكلام عن الله سبحانه وتعالى يقدم خبير. العرب كان تعي هذه المعاني والقواعد من حيث البلاغة، البليغ هو الذي يراعي، هذه أمور بلاغية فوق قصد الإفهام يتفنن في صوغ العبارة ومراعاة البلاغة. على سبيل المثال عندما تضيف إلى ياء المتكلم (هذا كتابي، أستاذي، قلمي) بدون نون، بالنسبة للفعل تقول أعطاني، أضاف نون الوقاية، عموم الكلمات نأتي بنون الوقاية مع الفعل مثل ضربني وظلمني أما مع الاسم فلا تأتي هذه قاعدة وعموم الناس يتكلمون بها دون أن يفطنوا إلى أن هذا إسم وهذا فعل، الناس يقولونها وهي قواعد أخذوها على السليقة. الناس يتفاوتون في البلاغة العرب كلهم كانوا يتكلمون كلاماً فصيحاً من حيث صحة الكلام ولذلك يؤخذ من كلام المجانين عندهم لأن المجانين يتكلمون بلغة قومهم ويستشهدون بأشعار المجانين لأن كلامهم يجري على نسق اللغة أما البلاغة فمتفاوتة ويقول : أنا أفصح من نطق بالضاد. صحة الكلام كل واحد يتكلم على لغة قومه أما من ناحية البلاغة فهناك تفاوت. الله تعالى تحداهم في البلاغة وفي طريقة النظم والتعبير وتحداهم بأن يأتوا بسورة والسورة تشمل قصار السور مثل العصر والكوثر سورة، الإخلاص سورة قبل التشريع وهناك إعجاز كثير في القرآن في الإخبار عن المغيبات والمستقبل وعندما تحداهم الله تعالى تحداهم بسورة ليس فيها تشريع وليس فيها إخبار عن الغائب أو عن الماضي. هذا في العلم والبصر وليس في العِلم والخبرة والعمل فقط وهذا خط عام في القرآن.

    — فاضل السامرائي

  • ( في أنفسهن بالمعروف ) ، ( في أنفسهن من معروف ) : الحديث في الآية الأولى عن المرأة التي توفي عنها زوجها ، الباء في الآية للإلصاق ، وأقرب معروف للمرأة هو الزواج ( من) في الآية الثانية للتبعيض ، و( معروف ) في الآية نكرة عامة لأي معروف ، الآية الأولى ناسخة للثانية .

    — صالح التركي / من لطائف القرآن

  • لماذا قال الله سبحانه : { وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً وَصِيَّةً لِّأَزْوَاجِهِم مَّتَاعاً إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ } [ البقرة : 240 ] . وقال : { وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ } [ البقرة : 233 ] . فاستعمل الحول , ولم يستعمل العام أو السنة , كما قال الله سبحانه : { وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ } [ لقمان : 14 ] . الجواب : أما السنة والعام والحجة فقد ذكرناها في كتابنا ( من أسرار البيان القرآني – باب المفردات ) . وأما استعمال الحول ههنا , فله مناسبته , ذلك أن معني ( الحول ) السنة " اعتبارا بانقلابها , ودوران الشمس في مطالعها ومغاربها " . ومن معاني ( الحول ) في اللغة التحول والتغير , يقال : ( حال ) أي " تحول من موضع إلي موضع , وحال فلان عن العهد ؛ أي : زال " . ومن معاني ( الحول ) الحجز والمنع , يقال : " حال الشئ بين الشيئين يحول حولا وتحويلا ؛ أي : حجز " . قال تعالي : { وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ } [ هود : 43 ] . وقال : { وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ } [ الأنفال : 24 ] . ولم يستعمل القرآن ( الحول ) إلا في حالتي الوفاة أو الطلاق , وكلاهما تحول وحاجز . قال تعالي : { وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ ....} [ البقرة : 240 ] . وقال : { وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ } [ البقرة : 233 ] . فقد ذكر بعضهم أن هذه الآية خاصة بالمطلقات , يدل علي ذلك أمران : الأمر الأول : أن الآية ذكرت عقيب آيات الطلاق , فكانت من تتمتها . والأمر الآخر : أن إيجاب الرزق والكسوة فيما بعد للمرضعات يقتضي التخصيص ؛ إذ لو كانت الزوجة باقية لوجب علي الزوج ذلك بسبب الزوجية , لا الإرضاع . والوفاة تحول وتغير , والوفاة حاجز بين الزوجين , فناسب استعمال الحول , والطلاق تحول وتغير وهو حاجز بين الزوجين , فناسب استعمال الحول أيضا . وذلك من لطيف التناسب ودقته . (أسئلة بيانية في القرآن الكريم الجزء الثاني ص : 21)

    — فاضل السامرائي

  • قوله تعالى: (فَلَا جُنَاحَ عَليْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أنْفُسِهِنَّ بِالمَعْرُوفِ. .) . قال في هذه الآية " بالمعروف " وقال في الآية الأخرى " من معروفٍ " لأن التقدير في هذه: فيما فعلن في أنفسهن بأمر الله المعروف من الشرع. وفي تلك: فيما فعلن فى أنفسهن من فعلٍ من أفعالهنَّ معروف جوازه شرعاً.

    — كتاب فتح الرحمن بكشف ما يلتبس في القرآن

  • برنامج التفسير الفقهي سورة البقرة آية 234

    — سعد الشثري

  • التفسير الفقهي سورة البقرة آية 234

    — سعد الشثري

ووقفة واحدة أخرى لهذه الآية في الوقفات التدبرية.

الناسخ والمنسوخ في الآية ٢٣٤ من سورة البقرة

من كتاب: الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه

﴿ وَٱلَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِيۤ أَنْفُسِهِنَّ بِٱلْمَعْرُوفِ وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ﴾

قوله تعالى: ﴿والذينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُم ويَذَرُونَ أَزوَاجاً يَتَرَبَّصْنَ بأنفسهن أربعة أَشْهُرٍ وعَشْراً﴾.
أكثرُ العلماء على أن الآيةَ ناسخةٌ للآية التي بعدها، وهي قوله:﴿والذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ ويَذَرُونَ أزواجاً وصيَّةً لأَِزْوَاجِهِم مَتَاعاً إِلَى الحَوْلِ غير إخراج﴾ [البقرة: ٢٤٠].
فَأَوجَبَت هذه الآيةُ للمتوفى عنها زوجُها أن يُنْفِقَ عليها سنةً من مال المتوفى، وتسكنَ سنةً ما لم تخرج وتتزوج.
ثم نُسِخَت النفقة بآيةِ المواريث في النساء، وبقوله - عليه السلام -:"لاَ وَصِيَّةَ لِوارث" ونُسِخَ الحولُ بأربعةِ أشهرٍ وعشراً.
وذكر ابنُ حبيب أن الحرَّةَ (كانت) إذا توفِّيَ عنها زوجُها خُيِّرت إن شاءت أن تقيمَ في بيتِ زوجها وينفق عليها من ماله سنة فإن أَبَت إلا الخروج لم يكن لها شيءٌ (من) ماله فَنُسِخَ ذلك بالمواريث في النساء.
وهذا مما تَقَدَّم الناسخُ فيه على المنسوخ في رُتبةِ التَّأليف للقرآن، وحق الناسخ في النّظر أن يأتيَ بعد المنسوخ: لأَن الناسخَ ثانٍ أبداً، والمنسوخ متقدم أبداً.
وإنما استُغْرِبَ هذا؛ (لأنه) في سورةٍ واحدةٍ، ولو كان في سورتين لم يُنْكَر أن يكونَ الناسخُ في الترتيبِ قبلَ المنسوخ، فهو كثيرٌ من سورتين، لأن السورةَ لم تُؤَلَّف في التَّقديم والتأخير على النزول، أَلا ترى أنّ كثيرا من المكِّيِّ بعد المدني، والمكيُّ نزل أولاً.
وإنّما (حُكِمَ في) هذا بأن الأَوَّلَ نسخ الثاني دونَ أن ينسخَ الثاني الأول على رتبة الناسخ والمنسوخ بالإِجماع (على أَنَّ) المتوفى عنها زوجها ليس عليها أن تعتدَّ سنةً، وأَنَّ عِدَّتَها أربعةُ أَشهرٍ وعشراً، ولحديث النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا قال: "إنَّما هيَ أربعةُ أشهرٍ وعشرٌ، وقد كانت إحداكن في الجاهلية ترمي بالبَعَرَة عند رأس الحول". فبيَّن أن الحولَ أمرٌ كانفي الجاهليَّة وأن العِدَّةَ في الإِسلام أربعةُ أشهرٍ وعشر، والنبي - عليه السلام -. يبيّن القرآن فقد بيَّنه، فَعُلِمَ أن الأولَ ناسخٌ للثاني وعُلِمَ أن الأُولى في التلاوة نزلت بعد الثانية ناسخةً لها.
وقد قيل: إنَّ هذا ليس بنسخ؛ وإنما هو نقصانٌ من الحول لم ينسخ الحولُ كُلُّه إنما نقص منه.
ويلزم قائلَ هذا أن يكونَ قولُه تعالى: ﴿وإن يكُن مِنكُم مائةٌ صابرة يغلبوا مائتين﴾ ليس بناسخٍ لما قبلَه إنما هو نقصانٌ مما قبلَه.
وكونُه منسوخاً أَبينُ في المعنى وعليه أَكثرُ العلماء؛ لأنه إزالةُ حكم ووضع حُكْمٍ آخرَ مَوْضِعَه مُنْفَصلٍ منه. وقد قال ابنُ مسعود: إنَّ قولَه:﴿يَتَرَبَّصْنَ بأَنفُسِهِنَّ أَربعةَ أَشهرٍ وعشراً﴾ نُسِخَ منها الحواملُ بقولِه:﴿وَأُولاتُ الأَحْمالِ أَجَلُهُنَّ أن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤] والذي عليه أهلُ النَّظر أنه تخصيص وبيانٌ بأَنَّ آيةَ البقرةِ في غيرِ الحواملِ والمعنى: ويذرون أزواجا غير حوامل يتربصْنَ بعدهم أربعة أشهرٍ وعشراً.

فتاوى متعلقة بالآية ٢٣٤ من سورة البقرة

فتوى واحدة تتعلق بهذه الآية

ترجمات معاني الآية ٢٣٤ من سورة البقرة

ترجمة معاني الآية إلى ٦٠ لغةً

(234) And those who are taken in death among you and leave wives behind - they, [the wives, shall] wait four months and ten [days]. And when they have fulfilled their term, then there is no blame upon you for what they do with themselves in an acceptable manner.[92] And Allāh is [fully] Aware of what you do.
[92]- They may remarry if they wish.
— الترجمة الإنجليزية - صحيح انترناشونال