تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد — ابن عاشور

عن الكتاب
انتقال إلى بيان عدة الوفاة بعد الكلام عن عدة طلاق وما اتصل بذلك من أحكام الإرضاع عقب الطلاق، تقصيا لما به إصلاح أحوال العائلات، فهو عطف قصة على قصة.
ويتوفون مبني للمجهول، وهو من الأفعال التي التزمت العرب فيها البناء للمجهول مثل عني واضطر، وذلك في كل فعل قد عرف فاعله ما هو، أو لم يعرفوا له فاعلاً معيناً. وهو من توفاه الله أو توفاه الموت فاستعمال التوفي منه مجاز، تنزيلاً لعمر الحي منزلة حق للموت، أو لخالق الموت، فقالوا : توفى فلان كما يقال : توفى الحق ونظيره قبض فلان، وقبض الحق فصار المراد من توفى : مات، كما صار المراد من قبض وشاع هذا المجاز حتى صار حقيقة عرفية وجاء الإسلام فقال الله تعالى :﴿الله يتقى الأنفس﴾ [الزمر: ٤٢] وقال :﴿حتى يتوفاهن الموت﴾ [النساء: ١٥] وقال :﴿قل يتوفاكم ملك الموت﴾ [السجدة: ١١] فظهر الفاعل المجهول عندهم في مقام التعليم أو الموعظة، وأبقي استعمال الفعل مبنياً للمجهول فيما عدا ذلك إيجازاً وتبعاً للاستعمال.
وقوله :﴿يتربصن بأنفسهن﴾ خبر ( الذين ) وقد حصل الربط بين المبتدأ والخبر بضمير ﴿يتربصن﴾، العائد إلى الأزواج، الذي هو مفعول الفعل المعطوف على الصلة، فهن أزواج المتوفين ؛ لأن الضمير قائم مقام الظاهر، وهذا الظاهر قائم مقام المضاف إلى ضمير المبتدأ، بناء على مذهب الأخفش والكسائي من الاكتفاء في الربط بعود الضمير على اسم مضاف إلى مثل العائد، وخالف الجمهور في ذلك، كما في « التسهيل » و« شرحه »، ولذلك قدروا هنا :( ويذرون أزواجاً يتربصن ) بعدهم كما قالوا :« السَّمْن مَنَوَانِ بِدِرْهَم » أي منه، وقيل : التقدير : وأزواج الذين يتوفون منكم إلخ يتربصن، بناء على أنه حذف لمضاف، وبذلك قدر في « الكشاف » داعي إليه كما قال التفتازاني، وقيل التقدير : ومما يتلى عليكم حكم الذين يتوفون منكم، ونقل ذلك عن سيبويه، فيكون ﴿يتربصن﴾ : استئنافاً، وكلها تقديرات لا فائدة فيها بعد استقامة المعنى.
وقوله :﴿يتربصن بأنفسهن﴾ تقدم بيانه عند قوله تعالى :﴿والمطلقات يتربصن بأنفسهن﴾ [البقرة: ٢٢٨].
وتأنيث اسم العدد في قوله :﴿وعشراً﴾ لمراعاة الليالي، والمراد : الليالي بأيامها ؛ إذ لا تكون ليلة بلا يوم ولا يوم بلا ليلة، والعرب تعتبر الليالي في التاريخ والتأجيل، يقولون : كتب لسبع خلون في شهر كذا، وربما اعتبروا الأيام كما قال تعالى :﴿فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم﴾ [البقرة: ١٩٦] وقال :﴿أياماً معدودات﴾ [البقرة: ١٨٤] لأن عمل الصيام إنما يظهر في اليوم لا في الليلة.
قال في « الكشاف » : والعرب تجري أحكام التأنيث والتذكير في أسماء الأيام إذا لم تجر على لفظ مذكور، بالوجهين قال تعالى :﴿يتخافتون بينهم إن لبثتم إلا عشراً نحن أعلم بما يقولون إذ يقول أمثلهم طريقة إن لبثتم إلا يوماً﴾ [ طه : ١٠٣ ١٠٤ ] فأراد بالعشر : الأيام ومع ذلك جردها من علامة تذكير العدد، لأن اليوم يعتبر مع ليلته.
وقد جعل الله عدة الوفاة منوطة بالأمد الذي يتحرك في مثله الجنين تحركاً بيناً، محافظة على أنساب الأموات ؛ فإنه جعل عدة الطلاق ما يدل على براءة الرحم دلالة ظنية وهو الأقراء على ما تقدم ؛ لأن المطلق يعلم حال مطلقته من طهر وعدمه، ومن قربانه إياها قبل الطلاق وعدمه، وكذلك العلوق لا يخفى فلو أنها ادعت عليه نسباً وهو يوقن بانتفائه، كان له في اللعان مندوحة، أما الميت فلا يدافع عن نفسه، فجعلت عدته أمداً مقطوعاً بانتفاء الحمل في مثله وهو الأربعة الأشهر والعشرة، فإن الحمل يكون نطفة أربعين يوماً، ثم علقة أربعين يوماً، ثم مضغة أربعين يوماً، ثم ينفخ فيه الروح، فما بين استقرار النطفة في الرحم إلى نفخ الروح في الجنين أربعة أشهر، وإذ قد كان الجنين عقب نفخ الروح فيه يقوى تدريجاً، جعلت العشر الليالي الزائدة على الأربعة الأشهر، لتحقق تحرك الجنين تحركاً بيناً، فإذا مضت هذه المدة حصل اليقين بانتفاء الحمل ؛ إذ لو كان ثمة حمل لتحرك لا محالة، وهو يتحرك لأربعة أشهر، وزيدت عليها العشر احتياطاً لاختلاف حركات الأجنة قوة وضعفاً، باختلاف قوى الأمزجة.
وعموم ﴿الذين﴾ في صلته وما يتعلق بها من الأزواج، يقتضي عموم هذا الحكم في المتوفى عنهن، سواء كن حرائر أم أماء، وسواء كن حوامل أم غير حوامل، وسواء كن مدخولاً بهن أم غير مدخول بهن، فأما الإماء فقال جمهور العلماء : إن عدتهن على نصف عدة الحرائر قياساً على تنصيف الحد، والطلاق، وعلى تنصيف عدة الطلاق، ولم يقل بمساواتهن للحرائر، في عدة الوفاة إلاّ الأصم، وفي رواية عن ابن سيرين إلاّ أمهات الأولاد فقالت طائفة : عدتهن مثل الحرائر، وهو قول سعيد والزهري والحسن والأوزاعي وإسحاق وروي عن عمرو بن العاص، وقالت طوائف غير ذلك. وإن إجماع فقهاء الأسلام على تنصيف عدة الوفاة في الأمة المتوفى زوجها لمن معضلات المسائل الفقهية، فبنا أن ننظر إلى حكمة مشروعية عدة الوفاة، وإلى حكمة مشروعية التنصيف لذي الرق، فيما نصف له فيه حكم شرعي، فنرى بمسلك السبر والتقسيم أن عدة الوفاة إما أن تكون لحكمة تحقق النسب أو عدمه، وإما أن تكون لقصد الإحداد على الزوج، لما نسخ الإسلام ما كان عليه أهل الجاهلية من الإحداد حولاً كاملاً، أبقى لهن ثلث الحول، كما أبقى للميت حق الوصية بثلث ماله، وليس لها حكمة غير هذين ؛ إذ ليس فيها ما في عدة الطلاق من حكمة انتظار ندامة المطلق، وليس هذا الوجه الثاني بصالح للتعليل، لأنه لا يظن بالشريعة أن تقرر أوهام أهل الجاهلية، فتبقي منه تراثاً سيئاً، ولأنه قد عهد من تصرف الإسلام إبطال تهويل أمر الموت والجزع له، الذي كان عند الجاهلية عرف ذلك في غير ما موضع من تصرفات الشريعة، ولأن الفقهاء اتفقوا على أن عدة الحامل من الوفاة وضع حملها، فلو كانت عدة غير الحامل لقصد استبقاء الحزن لاستوتا في العدة، فتعين أن حكمة عدة الوفاة هي تحقق الحمل أو عدمه، فلننقل النظر إلى الأمة نجد فيها وصفين : الإنسانية والرق، فإذا سلكنا إليهما طريق تخريج المناط، وجدنا الوصف المناسب لتعليل الاعتداد الذي حكمته تحقق النسب هو وصف الإنسانية ؛ إذ الحمل لا يختلف حاله باختلاف أصناف النساء وأحوالهن الاصطلاحية أما الرق فليس وصفاً صالحاً للتأثير في هذا الحكم، وإنما نصفت للعبد أحكام ترجع إلى المناسب التحسيني : كتنصيف الحد لضعف مروءته، ولتفشي السرقة في العبيد، فطرد حكم التنصيف لهم في غيره.
وتنصيف عدة الأمة في الطلاق الواردُ في الحديث، لعلة الرغبة في مراجعة أمثالها، فإذا جاء راغب فيها بعد قرأين تزوجت، ويطرد باب التنصيف أيضاً. فالوجه أن تكون عدة الوفاة للأمة كمثل الحرة، وليس في تنصيفها أثر، ومستند الإجماع قياس مع وجود الفارق.
وأما الحوامل فالخلاف فيهن قوي ؛ فذهب الجمهور إلى أن عدتهن من الوفاة وضع حملهن، وهو قول مالك، عمر وابنه وأبي سلمة بن عبد الرحمن وأبي هريرة، وهو قول عمر :« لو وضعت حملها وزوجها على سريره لم يدفن لحلت للأزواج » وحجتهم حديث سبيعة الأسلمية زوج سعد بن خولة، توفي عنها بمكة عام حجة الوداع(١) وهي حامل فوضعت حملها بعد نصف شهر كما في « الموطأ »، أو بعد أربعين ليلة، فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ فقال لها : " قد حللت فانكحي إن بدا لك " واحتجوا أيضاً بقوله تعالى في آية سورة [الطلاق: ٤] ﴿وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن﴾ وعموم ( أولات الأحمال )، مع تأخر نزول تلك السورة عن سورة البقرة يقضي بالمصير إلى اعتبار تخصيص عموم ما في سورة البقرة، وإلى هذا أشار قول ابن مسعود من شاء باهلتُه، لنزلت سورة النساء القصرى يعني سورة ﴿يا أيها النبي إذا طلقتم﴾ [الطلاق: ١] بعد الطولى » أي السورة الطولى أي البقرة وليس المراد سورة النساء الطولى. وعندي أن الحجة للجمهور، ترجع إلى ما قدمناه من أن حكمة عدة الوفاة هي تيقن حفظ النسب، فلما كان وضع الحمل أدل شيء على براءة الرحم كان مغنياً عن غيره، وكان ابن مسعود يقول :« أتجعلون عليها التغليظ ولا تجعلون عليها الرخصة » يريد أنها لو طال أمد حملها لما حلت.
وعن علي وابن مسعود أن عدة الحامل في الوفاة أقصى الأجلين، واختاره سحنون من المالكية فقال بعض المفسرين : إن في هذا القول جمعاً بين مقتضى الآيتين، وقال بعضهم : في هذا القول احتياط، وهذه العبارة أحسن ؛ إذ ليس في الأخذ بأقصى الأجلين جمع بين الآيتين بالمعنى الأصولي ؛ لأنّ الجمع بين المتعارضين معناه أن يعمل بكلّ منهما : في حالة أو زمن أو أفراد، غير ما أعمل فيه بالآخر، بحيث يتحقق في صورة الجمع عمل بمقتضى المتعارضين معاً، ولذلك يسمون الجمع بإعمال النصين، والمقصود من الاعتداد تحديد أمد التربص والانتظار، فإذا نحن أخذنا بأقصى الأجلين، أبطلنا مقتضى إحدى الآيتين لا محالة ؛ لأننا نلزم المتوفى عنها بتجاوز ما حددته لها إحدى الآيتين، ولا نجد حالة نحقق فيها مقتضاهما، كما هو بين، فأحسن العبارتين أن نعبر بالاحتياط وهو أن الآيتين تعارضتا بعموم وخصوص وجهي، فعمدنا إلى صورة التعارض وأعملنا فيها مرة مقتضى هذه الآية، ومرة مقتضى الأخرى، ترجيحاً لأحد المقتضَيين في كل موضع بمرجح الاحتياط فهو ترجيح لا جمع لكن حديث سبيعة في الصحيح أبطل هذا المسلك للترجيح كما أن ابتداء سورة [الطلاق: ٤] بقوله تعالى :﴿وإذا طلقتم النساء﴾ ينادي على تخصيص عموم قوله :﴿وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن﴾ [الطلاق: ٤] هنالك بالحوامل المطلقات، وقد قيل : إن ابن عباس رجع إلى قول الجمهور وهو ظاهر حديث « الموطأ » في اختلافه وأبي سلمة في ذلك، وإرسالهما من سأل أم سلمة رضي الله عنها، فأخبرتهما بحديث سبيعة.
فإن قلت : كيف لا تلتفت الشريعة على هذا إلى ما في طباع النساء من الحزن على وفاة أزواجهن ؟ وكيف لا تبقى بعد نسخ حزن الحول الكامل مدة ما يظهر فيها حال المرأة ؟ وكيف تحل الحامل للأزواج لو وضعت حملها وزوجها لما يوضع عن سريره كما وقع في قول عمر ؟ قلت : كان أهل الجاهلية يجعلون إحداد الحول فرضاً على كل متوفى عنها، والأزواج في هذا الحزن متفاوتات، وكذلك هن متفاوتات في المقدرة على البقاء في الانتظار لقلة ذات اليد في غالب النساء، فكن يصبرن على انتظار الحول راضيات أو كارهات، فلما أبطل الشرع ذلك فيما أبطل من أوهام الجاهلية، لم يكترث بأن يشرع للنساء حكماً في هذا الشأن، ووكله إلى ما يحدث في نفوسهن وجِدَتهن، كما يوكل جميع الجبليات والطبيعيات إلى الوجدان ؛ فإنه لم يعين للناس مقدار الأكلات والأسفار والحديث ونحو هذا، وإنما اهتم بالمقصد الشرعي وهو حفظ الأنساب، فإذا قضى حقه فقد بقي للنساء أن يفعلن في أنفسهن ما يشأن من المعروف، كما قال :﴿فلا جناح عليكم فيما فعلن﴾ فإذا شاءت المرأة بعد انقضاء العدة أن تحبس نفسها فلتفعل.
أما الأزواج غير المدخول بهن فعليهن عدة الوفاة دون عدة الطلاق لعموم هذه الآية، ولأن لهن الميراث، فالعصمة تقررت بوجه معتبر، حتى كانت سبب إرث، وعدم الدخول بالزوجة لا ينفي احتمال أن يكون الزوج
١ - وهو الذي روي في شأ، ه عن الزهري في الصحيح أن رسول الله ﷺ قال: << اللهم أمض لأصحابي هجرتهم ولا تردهم على أعقابهم لكن البائس سعد بن خولة>> قال الزهري: يرثي له رسول الله أن مات بمكة..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى